+

طريق المجوس

The Road of the Magis

 

فكرة مسرحية

 

 

 

     هذه فكرة مسرحية لاهوتية فلسفية.. تجمعت نقاطها أولاً في كلمة دُعيِت لها بعنوان هل هناك سلام بدون المسيح؟ ويعود ذلك لنوفمبر 2003، حين كنت أقضي فترة قصيرة في القاهرة.. حضّرت الكلمة في سيارة الخادم الذي أقلّني لكنيسة في أطراف الجيزة يفوت ذاكرتي تعيينها للأسف..

 

 

في فارس

 

     المجوس في المشهد الأول في مدينة من مدن فارس..

     أتصوّرهم خمسة.. واحد منهم أوفر غيرة في لزوم القانون ويقدِّس شريعة مادي وفارس.. الآخر أكثر انفتاحاً وشغفاً بفلسفة اليونان أداءهم التقليديين.. الثالث مهتم أكثر بالطب.. الرابع مرح.. الخامس عمليّ ونشط وقويّ البنية.. عند كتابة المسرحية يتم توزيع الكلام بحسب أنماط الشخصيات..

   المجوس في الافتتاح يفحصون حال الأرض.. لا سلام.. فارس سبقت كثير من الأمم الكُبرى في اعتماد على فكرة القانون فوق الجميع.. وتكرر ظهر ذلك في الكتاب المقدس عدة مرات في عبارة "شريعة مادي وفارس التي لا تُنسَخ".. من ذلك: "وَأَمْضِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ لاَ تَتَغَيَّرَ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ" (دا6: 8).. "اعلم ايها الملك ان شريعة مادي وفارس هي أن كل نهي أو أمر يضعه الملك لا يتغيّر" (دا6: 15).. " لأَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي تُكْتَبُ بِاسْمِ الْمَلِكِ وَتُخْتَمُ بِخَاتِمِهِ لاَ تُرَدُّ " (إس8: 8)..

   حتى الملك لا يستطيع تغيير القانون، حتى7 لو كان هو من أصدره.. هذه الفكرة النابغة كانت تقدماً مذهلاً على المستوى البشريّ بلا جدال في البحث عن السلام القائم على العدل.. أن يلتزم الملك بالقانون حتى لو أصدره هو فلا يحق له مخالفته.. ولكن... هل يكفي ذلك؟ هل يردع الملوك المحتكين في صياغة القوانين الظالمة التي لا يتضررون منها؟ هل يضمن للملوك الحمقى ألا يصدروا قوانين مؤذية عليهم وعلى غيرهم مثل داريوس وأحشويروش؟ إذ لم يستطع داريوس أن ينقذ دانيال من المؤامرة، ولم يعرف أحشويروش كيف ينقذ اليهود لولا ذكاء مردخاي الذي حارب كتابة الملك بكتابة ثانية للملك تُمَكِّن ضحايا الكتابة الأولى من الدفاع عن أنفسهم مسبقاً بموجب الكتابة الثانية، لأنهم لا يستطيعون نسخ الكتابة الأولى.. والنتيجة مجزرة جماعية (إس8: 11؛ إس9)!

هكذا كان المجوس يتناقشون ويتذاكرون داريوس وأحشويروش..

   لا يمكن أن يكون القانون هو ضامن السلام للبشر، لاسيما وقد بلغ أرقى أشكاله حسب خبرة البشر وظروفهم وقتها..

   يفكر المجوس أن النص لا يمكن مهما بلغ إتقانه أن يحكم الإنسان أفضل حكم.. والإنسان مهما بلغت أمانته لا يمكنه أيضاً بسبب إحاطته بصنوف الضعف البشريّ.. والحاجة إلى ملك من غير طبع البشر.. له عقل البشر ولكن له كفاءة تفوق البشر ونزاهة لا تشوبها شوائب البشرية..

   ولكن حتى هذا وحده لا يكفي.. لأن للإنسان مشكلة دائمة من نحو ضميره والسماء.. السلام، ولو تحقق من الخارج، فإن داخل الإنسان معمل للقلق ولا مكان فيه للسلام.. وطالما بقيت الدواخل قلقة فالخارج لن يصير آمناً.. ويحيل اضراب الواحد مخاوف وفقدان ثقة على الآخر.ز وتعود البشرية في دائرة جديدة للحروب والمخاوف لو لم تستقر نفسية الإنسان من داخله.. نحتاج لذلك إلى شفيع كاهن، وليس مجرد ملك حكيم تفوق قدراته قدرات البشر.. نحتاج لملك يملك على ضمير الإنسان مثلما يملك على علاقته بغيره..

   والطبيعة هي الأخرى تسبب القلق للإنسان.. الحاجة إلى ملك على الطبيعة مثلما هو على ضمير الإنسان.. ملك يمنح السلام للطبيعة أيضاً حتى يطمئن الإنسان..

   وبعد كل ذلك.. ولو تحقق كل ذلك.. فماذا عن الماضي؟ لو تحقق السلام الآن فكيف ينسى الواحد ثأره من غيره؟ وحتى لو مضى الجيل بأسره، فالضغائن تُوَرَّث؟ والمرارة تنتقل من الآباء للأبناء.. بل السماء نفسها تخاصم الإنسان، فمن يزيل مرارتها نحو الإنسان من كل ماسبق؟ لكي يحل السلام لا تقل الحاجة عمن يحمل مرارة الإنسان الكائنة فعلاً.. ومرارة السماء من نحوه.. ملك يزيل طبع الشر من الإنسان ويحمله بعيداً.. ولكن الشر لن يقبل هذا.. الشر بطبيعته عدوانيّ ويسعى لتدمير القابع في حاله، فما بالنا بمن يحاول تدميره هو؟ لذلك سيصب الشر جام المرارة على من يحاول غزالة المرارة.. الملك المنشود ينبغي أن يقدر على تحمل المر.. وأن يحمله.. يحمل ويتحمّل ويلقي بعيداً..

 

يلتقط خيط المر واحد منهم فيقول: الملك نفسه يجب أن يكون أشبه ما يكون بطيب المرّ الذي به مرارة وشفاء معاً.. وبه رائحة جميلة تزيل كل أثر للعفونة.. فلو تشبّهت عفونة الأخلاق، التي تنفث أكثر الصراعات، لو تشبهت بشئ ماديّ لكان عفونة الروائح، فإذاً نحتاج لملك يحمل طيب المرّ على كل وجه..

   يُلَخِّص أكثرهم ضبطاً: لو توفرت في ملك واحد كل هذه الصفات لضمنّا السلام المنشود، يقول واحد.. فيرد عليه الآخر: لا يكفي.. فدائماً ما يحتاج الضمان لدوام.. المتغير غير مضمون.. فيؤَمِّن ثالث: الملك العاقل لو فقد عقله لما اطمئن الناس لأي عاقل.. والطيب لو فقد لطفه لما مثلت الطيبة أماناً ولما بعثت في النفوس اطمئناناً.. التغير دائماً يبث القلق.. وكل الناس متغيرون حتى الملوك منهم.. فيؤمن رابع: الحاجة لملك له هذه الطباع ولا يتغير.. يكون كالذهب..

   ذهب ولبان ومر..

   يتفقون تلقاءً فيجمعون هذه الثلاثة الذهب واللبان والمر، ويضعونها أمام السماء ويصلون..

   أين نجد السلام؟ يصلي المجوس بحرارة وصدق للسماء.. وفيما هم يصلون يولَد النجم.. نجم قريب واضح يتقدم نحو المغرب في حركة هادئة ثابتة غير متعجلة.. وبإلهام روحيّ يستريحون له ويخرجون على إثره مع الهدايا والأتباع متوقعين أن يقودهم للملك المنشود.. ملك السلام!

 

 

في بابل

 

   في طريقهم غرباً يمرون ببابل.. حيث ميراث الحرب والقوة.. هنالك يبدئون في مطارحة فكرة الاحتياج للقوة من أجل السلام.. فلسفة الحرب من أجل السلام معروفة، ولم يزل البشر يشعلون الحرب طمعاً في السلام! ولكن في مناقشتهم للفكرة يجدون أن الملك المطلوب ينبغي أن يحارب روح الحرب.. ويقتل مصدر القتل.. ذاك الذي كان قتالاً للناس منذ البدء.. لان الحرب كما عهدوها وذاكروا بعضهم في فحصها تدعو للحرب والانتصار يدعو المنتصر للزهو والمهزوم للنقمة.. 

   وفي الليل يعود النجم للتقدم جنوباً فيطمئنون أنهم لم يخطئوا في تفكيرهم وفحصهم.. السلام ليس ههنا.. الملك المطلوب لن يُولَد هنا..

 

 

 

في دمشق

 

   في دمشق حيث تشيع الثقافة الهيلينية، ولايزال النجم يسير بهم، يجدون حكماء متأثرون بالثقافة اليونانية.. يستمعون لفلسفة أفلاطون.. الإله المنعزل عن المادة حتى أنه لم يخلقها.. لو صح ذلك لما عاد هناك أمل للسلام.. فلو كانت المادة تفيض بالسلام على نفسها فما بالها لم تنجح عبر كل هذا التاريخ؟

   ثم كيف يقبلون فكر الإله المنعزل في سلام مع نفسه تاركاً حل الخليقة؟

   ثم أن هذا الفكر نفسه ينقلب على نفسه.. فحينما يطلب أفلاطون تنزي الإله، فإنه يعفيه من خلقه للمادة حتى لا يصوره متنازلاً يخلق مادة حقيرة.. وحينما لا يخلق الإله المادة فإن المادة تكون شريكة للإله في عدم الخلق، وهذا يساوي العالي بالداني والطاهر مع النجس.. وهذا نفسه ضد نفسه.. فلو كانت المادة مساوية للإله في الأزلية، فما بالها تحتقر نفسها؟ وما بال أفلاطون يحتقرها؟

   لا.. السلام ليس في تنزيه الإله، بل في تدخله.. فإما أن هذا الفكر صحيح رغم إشكالياته، ويفقد البشر أملهم في السلام.. أو أن هذا الفكر ينقصه شئ ما، ويبقى السلام مأمولاً..

   وفي الليل يعود النجم للتقدم شمالاً فيطمئنون أنهم لم يخطئوا في تفكيرهم وفحصهم.. السلام ليس ههنا.. الملك المطلوب لن يُولَد هنا..

 

 

في قريات أربع

 

   يدخل المجوس لليهودية ويستقرون قليلاً في قرية متواضعة اسمها قريات أربع.. وهناك تلوح أمامهم بواعث الكآبة والتعصب والوجوه التي يبدو عليها الشغف بالحفظ والغضب من الأسئلة والمراجعة.. ويشدهم ثقة الناموسيين فيما يكررون ويعيدون ويزيدون.. فيشغفون بهذه الظاهرة الجديدة من الفكر البشريّ، ويودون ان يعطوها فرصة للفحص..

   ومع بعض المناقشة يراجعون أنفسهم.. هذا الناموس، وإن صبغ التعصب وجوه أتباعه وحُفَّاظه، فإن به خيراً كثيراً.. كل وصاياه تقود لفكرة خطيرة.. هذه هي الطهارة، ولكن من يبلغها.. هذا هو الحق، ولكن من يحققه؟

   في جلستهم عصراً يقول واحد: بكل حق ينبغي الإقرار أن تجميع وصايا هذا الناموس مذهل.. إنه يشير دائما للحق.. فيكمل ثانٍ: ولكن.. ولكن.. أتعرف ماذا؟ إنه كاللافتة.. ناقص.. يشر للطريق ولكن الطريق صعب.. يفيد بالاتجاه ولكنه لا ينقل المسافر.. يعلق ثالث: وبه شئ ما عجيب.. كأن واضعه يصوغ رموزاً تعني شيئاً.. لا.. لا يبدو عليها العبث.. ويعلق رابع: وهناك ملاحظة لم أجد لها مثيلاً من قبل.. هذه السلسلة من الأنبياء المتعاقبين.. لم يشر واحد منهم إلى نبي تالٍ من بعده.. كلهم يشيرون لشخص واحد كأنها نقاط على دائرة، كل واحد منهم يشير للمركز.. ولا كأنهم أتوا في حقبات زمنية متتابعة يبشر الواحد منهم زميله الآتي من بعده.. يتكلم الخامس فيقول: وهناك أعجب العجائب.. إن كلهم انبياء خاضعون لهذا الناموس، وكان حقيق بهم أن يكرمونه دونما إلحاق أي نقص به.. ولكنهم يتكلمون بوضوح أن الناموس لا يكفي.. وان العهد الذي هم انبياء له عهد قديم.. ألم تسمعوا ما قيل عن انتظار عهد جديد.. عهد خليفة جديدة وقلوب لحمية.. أليس هذا ما كنا نتداذكر به يا رفاق؟ أظننا اقتربنا.. يعود الأول فيقول: ولكننا رأينا ان كل هذا الكلام ناقص.. فيؤكد السادس بحماس: وهذا ماننتظر إكماله.. الناقص يكتمل ولكن الخاطئ لا رجاء ولا نفع في استكماله.. لعل الملك المنشود يكمله..

   وفي الليل ينطلق النجم بهم شمالاً بميل يسير للغرب..

 

 

قرب بيت لحم

 

   عند عبورهم على مشارف بيت لحم، ينظر واحد لصاحبه ويقول: لا يمكن أن يقف النجم هنا.. هذه قرية حقيرة.. فيجيبه مغمغاً: من يدري؟ ولكن النجم يتجاوزها قليلاً، فيقول الأول لصاحبه: ألم أقل لك؟ على أن النجم يختفي سريعاً، فيتوقفون..

   في النهار يتشاورون: نظن الآن أننا وصلنا لنهاية رحلتنا.. الملك المطلوب هنا.. لنذهب للملك لنسأله.. يقيناً هو يعلم، أو على الأقل يملك أن يسأل الكتبة الذين يعلمون.. فلنذهب للمدينة الكبرى هنا.. أورشليم..

   وعلى باب أورشليم يعلمون أن اسم الباب هو باب الحملان، وأن المدينة نفسها اسمها مدينة السلام، ويسألهم واحد من تطلبون: فيقولون له ملك السلام!

 

على أبواب أورشليم وبهذه الكلمة تحلّ نهاية المسرحية

 

 

والآن كانت هذه هي الفكرة...

 

   ...كتبتها سريعاً في حدود المتوفر من الوقت والطاقة.. وهذه لا أطلب أن يتبرع واحد بكتابة نص لها.. لأنها تحوي فكراً وقصداً لا أستأمن غيري عليه.. عذراً يا رفاق، ولكنها غيرة المفكر على لباب فكره.. ولكن وإن لم أُدرِك كتابة النص الكامل بعد، فإن ما لا يُدرَك كله لا يُترَك بالضرورة كله، ويسرني تيسير تقديم الفكرة لمن يتابع معي، واعداً ألا أترك النص حين أتمكن من التفرغ لكتابته..