مأساة الدير المحرق

استبيان خطوط رفيعة من مذكرة في ذمّة التاريخ الحديث

 

 

عَرَضَت لي هذه الهديّة من كتبة خال قديس بعد تمام تحميل ملف الخرافة التي أسميها "رئيسة الخرافات"

فأضفتُ بعض المُلاحظات الدقيقة عليها مع صورة ضوئية شاملة لها في عُجالة بقدر سماح الوقت والجهد (في ساعة واحدة كانت مًتاحة)

 

 

 

هذه صور ضوئية لكامل مُذكِّرة تعود لسنة 1947

ويمكن تحميلها من هذا الرابط في ملف مضغوط

 

عنوانها: "مأساة الدير المحرق"

وموضوعها: عَرْضُ مظلمة مجموعة من "رهبانه" طالبت بإصلاح الدير

 

ما مدى مصداقيّتها؟

ربما جنحَ الكاتب للمبالغة في تصوير قسوة رئيس الدير، أو في حسن الظن بقصد "الرهبان" المُطالبين بالإصلاح، وقد يأخذ بالشكل فيُطري بالزيادة على حال الرهبنة في الكنيسة الغربيّة..

هذا كله مُحتَمَل باعتبار قصده وفي حدود رؤية زمنه، ولكن رؤوس الأحداث لا يمكن التلاعب بها، فهو يعرض لمناصب كبرى بقدر البابا ومدير المديريّة والحكمدار، ما لا يسوغ معه تصوّر نشر مذَكِّرة بشأنهم دون أصل أو بنسبة أدوار غير صحيحة لهم؛ فوق أن عمل نشر مُذكِّرة بطباعة الرونيو في وقت فقر وارتفاع في أثمان الورق وفي عمل مضاد للرؤساء ذوي الولاية على الأرصدة، هكذا عمل لا يصدر من مجرد موتور أو مُلفِّق، لاسيما ونتيجتها المرجوة لا ينتفع بها ماديّاً أحد..

 

إذاً يُؤخَذ الخط العام للأحداث الواردة فيها باطمئنان تاريخيّ، ويُرجَى منها صورة معقولة لواقع حال ذلك الزمان..

 

ومن ثَمَّ فتحويل عين النظر التأريخيّ الفاحصة تُلاحظ الخطوط الآتية:

 

·         اختفاء أيّة إشارة لقيمة الدير من حيث استضافته للعائلة المقدسة! وكانت الإشارة هي الأوجب لدى من يطلب إبراز دواعي نعيه لما آل إليه حال الدير..

ليس غياب ذِكر الخرافة إلا إشارة صامتة عن خجل المُصلحين منها، ما لم يكن صلاحهم يتضمّن أصلاً طلب إزالتها من الذِكْر..

 

·        مواجهة مطالب الإصلاح بدأت سنة 1936!! وفي وقت متزامن، في بكور القرن العشرين بحسب كتاب القمص دانيال المحرقي: "اضواء على دير السيدة العذراء المحرق"، صـ12، وفي كتاب: "الدير المحرق تاريخه ومشتملاته"، صـ109-110، حدث أن أحد رؤساء الأديرة طلب توسيع المذبح فرفض البعض وطاوعه راهب أمسك بالفأس، ولكن ماذا؟ شُلَّت يده".. يقولونها كحقيقة وليس فيلم، والمفيد هنا أن الحدث متوافق زمنيّاً مع طلب الإصلاح، ويترك المشهد الباحث متساءلاً إن كان الرئيس إصلاحيّاً ولم يقدر، أمْ  كان يمالئ الإصلاحيّين ويلجا لإيقاف العمل باتفاق هزليّ مع "الراهب" الذي "شُـلَّـت يده وعادت سليمة" بعد انتهاء المحاولة..

 

·        الإصلاح المُضطهَد طالبَ، بين ما طالبَ، بترقية نوع المقبولين للرهبنة في الدير علمياً وروحيّاً، فماذا يفيد ذلك غير رداءة حال الأكثرين منهم!!! وهو حديث مُخجِل وإن كان يلزم إخجال من يستحقون.. فالمُلاحَظ أن موضع افتخار الدير المحرق طوال تاريخه هم من غير العنصر المعتاد من "رهبانه".. فإما أنهم مطرودون منه من أجل برّهم (أبونا بولس الدلجاوي - نبا أبرام)، أو بقوا فيه برجاء حتى لا يحلّ غضب الـله على المجمع (كما ألحّ أبونا بولس الدلجاوي على تلميذه أبونا ميخائيل البحيري للبقاء)، أو أبونا تاوفيلس، وهو وافد للدير من دير آخر كما أن خدمته كانت بعيداً عن الدير سواء في القُدس ثم في دير انبا مقار في أبوتيج.. أما من هم من خارج دائرة افتخار الدير فمنهم ".... العبيط" وهو لقب أحد الحالات كان في دير آخر وكان يحكي كيف كان "يسرح في قطة وهو طفل"، وطُلب منه مغادرة الدير لعدم صلاحيته فبكى وتوسل فتُرِك لفترة مزيدة سبَّب فيها ما سبَّب من إتلاف ماديّ وأدبيّ حتى هرب حين كُشِف أمر مخزٍ متعلِّق به من خارج الدير الذي كان فيه، ووجد طريقه للدير المحرق بعمل وساطة من كاهن هو حمو لأخيه الذي فكّ خطبته دون سبب لكي يخطب ويتزوج ابنة الكاهن (معلومات شهودها أحياء ولن يجسر واحد على طلب دليلها أصلاً)، ولا عجب فأحد وكلاء الدير متوسط التعليم وكان "بلطجيّاً" من مدينة (.....) ومشهور باستعمال الأسلحة النارية، فإن كان ذاك أحد وكلاء الدير فلماذا لا يكون غلمانه أولئك؟ وقبله كان المدعو "برسوم" صاحب الفضيحة الشهيرة سنة 2001 التي أفسحت الفرصة لأعداء الرب للكذب والافتراء على الدير نفسه، والتي استدعت من رئيس الدير تلفيق خطاب "لسكرتير البابا" يدّعي سبق شلح "الراهب" بتاريخ سابق، ومعروف أن استبعاد "الرهبان" شان داخليّ لا يتطلّب إرسال خطاب لسكرتارية البابا، وتم التصريح أيضاً في تصريحات متضاربة أنه تم إبعاد "الراهب" المذكور لدير آخر (أي ليس مشلوحاً!)، ومن عيّنات المقيمين في الدير "أبيل"، يسمي نفسه هكذا ويكفي لقاء واحد لمعرفة الحالة النفس-ذهنية التي استوجبت تقدير من طالبوا بالإصلاح واستدعت الأسى على عدم نجام عملهم.. هكذا عيّنات هي من تستميت في الدفاع عن الخرافة الملتصقة بالدير، وهذا يلقي الضوء على سبب ارتباط مطالبة الإصلاحيّين المذكورين في المُذكِّرة بتنقية المقبولين في الدير مع مطالبتهم بالإصلاح العلميّ الذي يتكلم بصمت عن رفضهم للخرافة المذكورة..

 

 

·        وفي الصفحة الأخيرة من المُذكِّرة: لماذا عمل الإصلاح يقلّل الموارد؟ تقول المذكرة: "توهم رئيس الدير ان فيها (في المطالبات الإصلاحيّة) القضاء على تلك الموارد".. كيف يقضي الإصلاح (بناء مكتبة وتحسين اختيار المُرشَّحين لـ"الرهبنة") على الإيرادات؟ الإصلاح قد يحرم الرؤساء من التصرف في الموارد، ولكنه لا يقلِّلها هي ذاتها، والمذكرة تتحدث عن "القضاء على الإيرادات".. فإذا افترضنا دقّة الكاتب، وهو واضح البلاغة ومراعاة الكلمات، فتكون المُلاحَظَة أن الإصلاح المنشود لا يقلل موارد الأرض ولا وابور الطحين، ولا بستان الفواكه، فماذا يبقى إلا "المولد" و"إكراميّات" قبول غير المؤهلين؟؟؟ والآن: فلماذا يُخشَى أن يُقلِّل إصلاح علميّ من موارد "المولد"؟ الإجابة مرتبطة بمقاومة الخرافة.. هذه النقطة رهن دقة استخدام الكاتب للكلمات، وأما إن كان ليس دقيقاً بقدر دقة كلماته ذاتها، وبقصد فحسب أن الإصلاح سيحرم الانتفاع الشخصيّ للرئيس، ولم يقصد الكاتب أكثر من ذلك، فإن الحال الواقع يقصد ويشهد!

 

·         المذكرة والمطران الجليل أنبا ميخائيل هذا ملف يدخل للتاريخ الحديث في الكنيسة، ويكفي في عُجالة إثبات أن أنبا ميخائيل أشرف على الدير المحرق مرة سنة 1950 بتكليف من البابا يوساب الثاني، ومرة سنة 1960 بتكليف من البابا كيرلس السادس، وفي المرّة الثانية قام بتعمير الصحراء حول الدير وإنشاء الحقول الكبيرة المحيطة به تعويضاً عما تم تبديد إيراده قبل تأميمه، ولكي يكون إيراد الدير سهل الحساب وبعيداً عن صناديق النذور غير الممكن تمام الرقابة عليها ما يثير الإشكالات التي لا تنتهي.. ويرى المدقِّق في متابعة الخيوط الرفيعة في المذكرة أن طلب الإصلاح كان مرتبطاً بشخص وقيمة أنبا ميخائيل من عدة جهات:

 

+ فتاريخ تجدد المُطالبات الإصلاحيّة هو أغسطس 1946 تاريخ سيامة أبونام تياس المقاريّ مطراناً على أسيوط في نموذج جديد لتجديد وإصلاح حال الكنيسة وقتها برسامة نوابغ الشباب..

            + والعدو المفسد للعمل عدو مشترك، يتمثّل في حاشية البابا يوساب المعروف مقاومتها الشرسة لأنبا ميخائيل وانتصاره على فسادها في النهاية..

            + وكان الوسيط النزيه في نقل المطالب أولاً هو مطران أسيوط (انبا ميخائيل)..

            + والوسيط الذي واصل "الرهبان" المطالبون بالإصلاح اللجوء له هو عازر بك جبران المعروف أنه، كما عائلته حتى الآن، يدين بالولاء والتقدير لأنبا ميخائيل..

            + وتخلو المطالبات الإصلاحيّة من التمحّك بالخرافات وبما ينبو عن العقل السليم كحال رزانة وموثوقيّة أنبا ميخائيل المعروف..

وتقف المذكرة على باب الاتصال بحقيقة ما علمته من مذكرة أُخرى اطّلعت عليها وصارت مفقودة للأسف عن تكليف أنبا ميخائيل بالإشراف على الدير المحرق سنة 1950 لفض النزاع، وعاودت التأكّد من حقيقة إشرافه في هذه الفترة منه شخصيّاً؛ ثم ما رواه لي شخصيّاً أيضاً بمعاودته الإشراف مرة أُخرى سنة 1960 حيث أصلح الاراضي البور ("المُحرَّقَة") حول مبنى الدير المحرق، وهي الحقول الباقية للآن تحيط بالدير؛ والوارد في المُذكِّرة النادرة محل العرض هنا يتّصل بقوة واتفاق مع هذه المعلومات الخطيرة ويؤصِّل لها، فبحسب المذكرة تداخَل مطران أسيوط بين مدير المديريّة والبابا في مشكلة سنة 1946 بتاريخ يناير-فبراير 1947، وهذا يتصل بوضوح بتوليه الأمر سنة 1950 لحسمه.. وأيضاً فإن مغالطة البعض بأن الأراضي التي حول الدير هي ملكيّة قديمة له تجد إشارة تضحدها في المذكرة، فالأراضي المذكورة (3000 فدان) تدخل بداهةً ضمن الأوقاف القبطيّة التي تم تأميمها سنة 1952، أن موقعها بعيد عن الأرض (البور وقتها) المحيطة بمبنى الدير المنعزل، وإنما هي واقعة بين أراضي البلاد المجاورة بدليل ذِكر أنها تُروَى مع أراضي الأهالي! وعلى كل حال فليس موضوع الورقة سرد الأفضال التاريخيّة لأنبا ميخائيل على الدير المحرق والتي لا تزال تلقى التقدير عن أهل الحفظ والوفاء، وإن ندروا..

 

وبعدُ، فليس في كل ذلك دليل قاطع على شئ خارج معركة على الإصلاح واتهامات بسوء توظيف الإيرادات مع اتهام ضمنيّ بالانتفاع غير الأمين بها، ولذلك لم أُضَمِّنها في صفحات البحث القاطعة الدلالة، ولكن ما لم يُذكَر صراحةً يمكن استسماعه من بين السطور لمن لهم تمييز وحس تاريخيّ !

 

 

Site Gate    Myths’ Boss     Myths’ Mother Page    Criticism     Table of Contents     Sign Guest Book