+

عبارات قصيرة عن الثالوث القدوس

 

 

     تجمع هذه الورقة باقة من العبارات القصيرة والفقرات المُحكَمَة التي تلخص العقيدة المسيحية في الثالوث القدوس.. تم تجميعها من المقالات الموجودة في هذا المجلد لإتمام الغرض الدراسي للقارئ المتابع ولتقديم جوهر الأفكار في قراءة واحدة للقارئ العابر.. ولعل وضع الأفكار الرئيسة ملخصة في عبارات دقيقة مجتمعةً معاً فى صفحة واحدة هو طريقة نافعة لتركيز الأفكار ودعم الحفظ القائم على الفهم، وبنعمة الرب الإله لا تعود هذه الصفحة فارغة بل تنجح فيما أُعِدَّت لأجله..

     وقد صيغت هذه العبارات كمزيج متجانس لاهوتياً وروحياً وتأملياً معا، ورُتِّبَت بتسلسل مترابط عضويا وموضوعياً، ينقل السطر لما بعده ويُكمِل ما قبله..

     وفي الفقرات أيضاً مُقاربات متصاعدة في العمق،  غير مسبوقة، نحو استطلاع معنى الثالوث باستبيان صورته المنطبعة في خليقته على كل المستويات..

     وعودة لعنوان الورقة قبل ختام تقديمها بتعليق لازم: فالعنوان يقول "عبارات قصيرة" ولَم يقُل "وجيزة"أو "مُختَصَرَة"، إذ مهما كان طولها أطنبت أم أوجزت فهي لن تنجز وستبقى "قصيرة" وقاصرة أمام المعنى الفائق الذي تحاول عرضه..

 

+

+++

+++++

++

+

 

     التثليث والتوحيد هو قدس أقداس العقيدة المسيحية

     لأنه وحى الرب الإله لنا عن طبيعته ذاتها..

 

+++

 

     الثالوث ليس مشكلة تحتاج لحل،

     بل هو الحل ذاته لكل المشاكل..

 

+++

 

     يعملنا الوحى المقدس ثلاث صفات رئيسة عن الثالوث:

     وحدانية الرب الإله،

     وتثليث أقانيمه،

     وتساويهم!!!

 

+++

 

     الأقانيم متميزة و ليست منفصلة..

     مشكلة ومغالظة الذين يرفضون الإيمان بالثالوث

     أنهم يخلطون بين التميز و الانفصال

    

+++

 

     إلهنا واحد وحيد   One and Only God

     واحد (من الوَحْدَة الطبيعيّة) لأن الابن هو كلمة الآب الذاتيّ والروح القدس هو روحه الأزليّ، في حتميّة وَحدَة طبيعيّة؛

     ووحيد (من الفرادة) أي ليس معه شبيه في لاهوته في كيان آخر منفصل عنه.

 

+++

 

     الإله الواحد الوحيد باصطلاح الفلاسفة "واجب الوجود"، أي أن وجوده    

     أصيل وليس ممنوح له من غيره، وبالتعبير البسيط كائن في أصله (الآب)

     ناطق بكلمته (الابن) حى بروحه (الروح القدس)

     ألم يخلق الإنسان على صورته ومثاله؟

 

+++

 

     مشكة و مغالطة الذين يسألون:

     أليس 1 + 1 + 1 = 3؟

     أنهم يطبقون عملية حسابية لا تعبر عن طبيعة العلاقة بين الأقانيم

     إنهم كمن يقيس طولا وعرضا وارتفاعا فيجمعهم ليحسب الحجم!!!

     وفي استخدامهم لعملية "الجمع" يشون بظنهم الخاطئ عن إنفصال الآب عن كلمته وروحه..

     أما لو أحسنوا فهم العلاقة بين الأقانيم لفهموا أن الواحد لا يُجمع على كلمته وروحه..

 

+++

 

     ليس فقط أن الثالوت الإلهي والوحدانية الإلهية فى المفهوم المسيحى لا يتناقضان

     بل أن كلاهما يحتم الآخر:

     فالتوحيد الحق يحتم التثليث فى الأقانيم

     لأن الرب الإله الواحد كائن بأصل وجوده حى بروحه عاقل بكلمته وحكمته،

     فلا يمكن منطقياً أن يكون خلاف ذلك..

 

 

+++

 

     وبالمقابل فإن الثالوث (بالمفهوم المسيحيّ) يحتم التوحيد..      

     فالكلمة والروح لا معنى لهما بدون وجودهما الواحد غير القابل للانفصال مع أصلهما،

      (والآب يعني الأصل لغة!)

     فهل يمكن أن نتخيل عقلا بلا وجود ؟؟؟ أو روحا بلا وجود؟؟؟

     فيكونان غير موجودين و لا معنى لهما!!!

     أو نتخيل وجوداً للإله بلا نطق أو حياة؟؟؟

     فيكون جماداً - حاشا؟؟؟

 

+++

 

     ليس فى الثالوث القدوس عظيم وأعظم وأكثر عظمة

     إن كان هناك من هو أعظم من عقله لكان سفيه العقل

     له عظمة لا يستحقها ولا يحسن العمل بها

     أو كان أعظم من روحه لكان مريضا خاملا لا تخرج عظمته عن حدود ذاته

     قاصرةً عن إعلانها لغيره، حاشا لله أن يكون كذلك..

     بل إن كلمته و روحه لهما كل قدرته و قداسته اللامحدودة،

     و ظاهرة أعمال حكمته بقوة روحه فى كل الخليقة..

 

+++

 

     كلمة آب تعنى حرفيا الأصل،

     فهو يلد الابن و يبثق الروح القدس..

     من الخطأ أن نقول أن الروح القدس مولود أو أن الابن منبثق

     الخلط بين الميلاد و الانبثاق يعنى أن أقنومى الابن و الروح القدس اقنوم واحد،

     و هذا ينكر حقيقة تثليث الأقانيم..

 

     و من الخطأ أن نقول أن الروح القدس منبثق من الآب و الابن،

     لأن هذا أيضا يعنى أن الابن صار آباً و أصلاً للروح القدس،

     و يصبح فى الثالوث الواحد آبان أو أصلان و هذا ينكر مرة أخرى حقيقة التثليث!

 

     إنما نقول كما يعلمنا الكتاب المقدس:

     الابن مولود من الآب،

     و الروح القدس منبثق من الآب،

     و الروح القدس هو روح الآب و الابن معا،

     و الثلاثة معا هم واحد...

 

+++

 

     الآب ليس هو الابن ولا الروح القدس،

     و الابن ليس هو الآب و لا الروح القدس،

     والروح القدس ليس هو الآب ولا الابن،

     و إنما الثلاثة معا إله واحد...

  

     من الخطأ أيضا أن نقول أن الآب هو الابن،

     أو أن الثلاثة الاقانيم هم أقنوم واحد،

     أو مجرد ثلاثة أسماء للإله الواحد،

     لأن هذا ينكر حقيقة تثليث أقانيم الإله،

     لو كان الأمر هكذا - حاشا - ما كان هناك ثالوث ولا لزوم لكل ما أعلنه الكتاب،

     ولفَقَدَ الإنسان كل المعاني المشروحة في الكتاب المقدس بإعلان وحي،

     ومشروحة في هذا المقال بهذا الشرح المتواضع..

     الصحيح أن نقول كما يعلمنا الكتاب المقدس أنّ الآب و الابن و الروح القدس إله واحد

 

     و هذه العبارة الدقيقة التى علمها لنا المسيح بنفسه، عندما قال:  "أنا و الآب واحد"،

     تشمل بالضرورة لمن يمعن فيها النظر الحقائق الإيمانية الثلاثة:

     وحدانية ذات الرب الإله،

     و مساواة الأقانيم ووحدة طبعهم،

     و التمييز بين الاقانيم في الرب الإله الواحد..

 

+++

 

     كيف يكون الآب و الابن واحدا لا أثنين؟

     يُحسِن الأسقف ساويرس أسقف الأشمونين الشرح فى المئة العاشرة فيقول:

     الأب و الابن البشريين ذاتان منفصلان لأن لهما روحين مستقلين

     أما الآب السماوى و ابنه الوحيد هما إله واحد لأن لهما روح واحد،

     هو الروح القدس الذى هو روح الآب و الابن

     (وهذا يقوله الكتاب المقدس صراحة وليس افتراضاً من شارح)،

 

     وأضيف:

     ومثلما ان الثالوث له ورح واحد هو الروح القدس،

     فأيضاً الثالوث جميعاً له حكمة واحدة هي الابن ذاته،

     و أصل واحد متحدان به اتحاد اللزوم الدائم هو الآب ذاته..

 

+++

 

     ليس صحيحاً أن الثالوث هو فكرة أُعلِنَت في العهد الجديد غير معروفة في العهد القديم..

     إذ من غير المنطقيّ أن يُقال "ابن" و"روح قدس" كماهيّات مُعرَّفة بغير تقديم وسابق علم..

     وواضح أن السامعين للرب وللرسل من بعده ليس فقط كانوا يفهمون الكلمات،

     بل كانوا يبادرون باستخدامها!

     ولقد استفهموا مرة عمّن "الآب"، ولكن ليس لجهلهم بالكلمة،

     ولا لعدم معرفتهم بكم مرة وُصِف الرب الإله بالآب في أسفار العهد القديم،

     لقد استفسروا إن كان الرب يقصد بالآب (أي أبيه) الرب الإله الأزليّ،

     استنكاراً نابعاً من عدم إيمانهم بالرب أو ليصطادوه بكلمة..

 

     كما أن النبوّات والشروح سبقت وملأت العهد القديم..

 

     وأما ما جدّ في العهد الجديد وضوح الإعلان من حيثيّات متنوّعة:

    من حيث حلول الروح في الإنسان، فصار الكلام فعل والسمع رؤية والخيال حسّ حاصل،

    من حيث تكريس الشرح حين صار رأس الإيمان هو المعموديّة باسم الىب والابن والروح القدس..

    ومن حيث تركيز الفهم إذ صارت طبيعة اللاهوت الثالوثيّة موضع انتباه وشرح..

 

+++

 

     ولكن لماذا كانت كل تلك الإعلانات أصلاً عن الثالوث؟

     بما استدعته من لشروح واستفهامات وجدل وكل ذلك القلق بين مؤمن ورافض؟

     أما كان يكفي القول بإله واحد دون تفصيل؟

     غير صحيح ولا يكفي إلا ما أعلنه الوحي الذي فيه كل الكفاية ودونه لا كفاية..

     ولو اختفت إعلانات الوحي عن طبيعة الرب الإله:

     كآب له ابن واحد معه وروح قدس واحد معهما في وحدانيّة تساوي،

     لو اختفت تلك الإعلانات ما وجد الإنسان نصيراً من الوحي يدعم له الحقائق الرئيسة الثمينة التالية..

     لو اختفى الإعلان عن الثالوث لاختفت معه كل الفقرات الآتية بإذن ربنا:

 

+++

 

مُقاربة الثالوث من حيث صورته التي تميزه عن بقية الكائنات الظاهرة

 

     مخلوقات الكون تصنف لثلاثة من حيث صفاتها الكيانية:

     جمادات يجمعها في مجموعة واحدة دون بقيّة الكائنات صفة الوجود فقط

     وكائنات حية غير عاقلة (تتميّز بالحياة فوق الوجود)

     وكائنات حية عاقلة هى البشر..

     فأيهم خلق على صورة خالقه؟؟؟

 

     والآن فإن من يفهم المكتوب ويحفظ المُسلَّم من المسيح عبر الرسل،

     الآن كل إنسان مؤمن فاهم يعي كيف أنه على مستواه الفرديّ كإنسان واحد يجمع صورة خالقه،

     ويعلم عن طبيعة الرب الإله الفائقة الإدراك شيئاً:

     يعلم كيف أنه هو الآب الواحد مع ابنه وروحه القدوس..

 

+++

 

مُقاربة الثالوث على مستوى روحيّ أعمق من الصفات المميزة عن بقية الكائنات

بجمع هذين الشاهدين: الـله محبة * الإنسان مخلوق على صورة الـلـه!

  

     والآن الدخول للأعمق..

     وأشمل وأعلى من المستوى الفرديّ في الصفات الكيانيّة، المستوى الكنسيّ، بالصفات الروحيّة السامية..

     لنقارب المعنى بمقابلة طبيعة الرب الإله الخالق بطبيعة الإنسان،

     ومعنا حقيقتان كتابيّتان:

     ما هي طبيعة الرب الإله؟ أليس الـله محبة؟؟؟

     وما هي طبيعة الإنسان؟ ألم يُخلَق على صورة خالقه ومثاله؟؟؟

     فمِمَّن أخذ الإنسان طبيعة المحبة الساكنة فى قلبه؟؟؟

     أليس من خالقه؟؟؟

     فإن كان فى الإنسان أنواع محبة متميزة،

     هي حصراً في تصنيف عام: المحبة الأبوية، والمحبة البنوية، والمحبة الاخويّة، والمحبة الزيجيّة،

     أليس من اللازم أن تكون هذه الأنواع من المحبة،

     على صورة المحبة الموجودة فى طبيعة الرب الإله الذي منه الكل،

     والذي على صورته تلك خلق الإنسان؟ بلى تكون..

 

     ألا يُستنتَج بحقّ أن فى الذات الإلهية محبة أبوية و محبة بنوية معا؟؟؟

     فيستلزم هذا أن يكون فى الإله الواحد (الأزليّ الذي منه الكلّ)  أقنومى الآب والابن!

 

     ومحبة أخويّة أيضاً..

     تظهر في تساوي الأقانيم!!

 

     ومحبة زيجيّة.. تظهر في محبة الابن الازليّ للكنيسة عروسه قبل كل الدهور،

     وسبق معرفته وسبق تعيينه لها قبل ان يخلقها!!!

    

 

     إن لم يكن الأصل للمحبة البنوية، وغيرها، متوفِّراً فى الرب الإله،

     تلك المحبة التى يتمتع الإنسان بصورتها فى قلبه،

     لكانت محبة الإنسان أشمل و أكمل من محبة الله حاشا!

 

+++

 

مُقارَبَة الثالوث من حيث صورته على المستوى الكنسيّ الجامع

 

     ثم الدخول للأشمل والأعلى والأعمق والأعمق:

     الرب له ذراعان يتصل بهما بخليقته هما كلمته وروحه، وعلى صورته الكيانية كاملةً خلق الإنسان:
    ليكون كل فرد في الجنس البشريّ له نفس ذراعي الاتصال فيتصل بخالقه يكلمه ويكون في معيّته الروحيّة..

     ونفس الاتصال يكون بين الإنسان والإنسان الآخر، ليكون اتصال الإنسان هنياً وشعوريّاً على بُعدَين متعامدين:
    أفقيّاً مع اخوته البشر؛ ورأسيّاً مع الآب خالقه، فتكون عشرته مع الآب عبر اتصاله مع كلمته وروحه؛
    مثلما هي عشرته مع بقية البشر بنفس أقانيم الاتصال والتواصل!!

     وللنفاذ في طبيعة هذا الاتصال والتقدم من وصفه إسميّاً إلى التعرف على طبيعته:
    فسيظهر أن خامة الرابطة بين البشر ذهنيّاً وروحيّاً جميعاً هي في اصلها "محبة" على انواع المحبة الطيبة المعروفة..

     بكل أنواعها السالفة التبيان التي تنشأ وتترابَط عليها الأسرة نواة المجتمع، ويترابَط عليها المجتمع بالتالي..

     وهذا ينقل تبيان الناظر لصورة الثالوث إلى المستوى الكنسيّ العام:

     ..فتصير دوائر الخليقة إنسان فرد على صورة خالقه يتصل به وببقية إخوته في الجس البشريّ،
    ليكتمل ارتباط كنيسة البشرية كلها في صورة إنسان واحد جامع من أعضاء متحدة كل منها يشبهه على مستوى النموذج الفرديّ

     ولم يبعد هذا التوصيف المنطقيّ الفلسفيّ الدقيق عن المكتوب:
    إذ يلتقي منطقه بكل توافق مع قول الرسول بولس عن الكنيسة جسد المسيح الواحد المكون من المؤمنين أعضائه أفراداُ!!!

     الجميع واحداً رغم تعددهم.. برابط المحبة التي هي أسمى صور خالقهم فيهم!

     مصداقاً لهذه المُقارَبَة قولُ الرب: "ليكون الجميع واحداً فينا"..

 

     ليس فقط، إذاً، كل إنسان بمفرده صورة للثالوث من حيث تميزه عن بقيّة الكائنات،

     بل مجموع الكنيسة بحسب كمال صورتها المبتغاة لدى عريسها هي صورة للثالوث في اجتماعها،

     وإلى وحدانيّتها في الثالوث هي مُكمَّلَة بحسب وعد الرب وقصده!!!

 

+++

 

الثالوث والتجسّد - مُقاربة الثالوث من حيث علاقته بتجسّد الابن الوحيد

 

     والآن الدخول لأقصى العمق المُتاح للإنسان:

     النظر للثالوث من نافذة التجسد!

     لنُقارِب:

     قد يقتنى الإنسان جمادا يفتخر به،

     أو يأنس بحيوان أليف يسليه،

     و لكن هذا لا يشبع قلبه و لا يغنيه عن إنسان حى عاقل يشبع حاجاته الإنسانية يحبه،

     و يشاركه مشاعره و أفكاره معا لأنه إنسان مثله:

     حيّ بمشاعر المحبة التى تتلاقى مع مشاعره و عاقل مفكر يشاركه أفكاره..

     فإن كان هذا هو حال الإنسان مع الإنسان الذي هو صورة الرب الإله،

     فماذا عن الرب الإله الذي هو أصل الصورة؟؟؟؟

     هل يكون غير قادر على إشباع حاجات الإنسان؟؟؟

     فيكون الإنسان أقدر من الله على إشباع حاجات الإنسان؟؟؟

     هل تكون النسخة من الصورة أكفأ من الأصل؟

     حاشا!!!

 

     و لكن… كم من ابناء خذلوا آباءهم وأمهاتهم وتخلوا عنهم و كسروا قلوبهم،

     وكم من أباء وأمهات أهملوا أولادهم و لم يشبعوا إحتياجهم للأبوة الحقيقية،

     و كم من اخوة قتلوا إخوتهم و أصدقاء خربوا أصدقاءهم،

     و كم من أزواج و زوجات أهملوا أو حتى خانوا شركاء حيواتهم،

     فأين يجد الإنسان الأب و الابن و الأخ و الصديق و شريك الحياة الذى يضمن محبتهم؟

     و يحصل عليها غير مشروطة؟؟

     ولا محدودة؟؟؟

     هنا نفهم معنى آخر لسر تجسد الابن:

     إنه طريقة الثالوث القدوس ليكون هو ذاته المشبع لقلب الإنسان بكل انواع المحبة التى يحتاج إليها..

 

 

     ..حتى حين يشبع الإنسان الواحد ويمتلئ كيانه من الـله رأساً بأصل المحبة التي هو مخلوق ومُعَدّ للامتلاء أصلاً منها

   وإذ تعود مجاري المحبة في مجراها الرأسيّ (من التله للبشر) تفيض "أفقيّاً" من الإنسان فيمن حوله لتملأ أفق الكنيسة

    فيتم قول الرب المكتوب في الإنجيل:
    "من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حيّ قال هذا عن الروح القدس الذي كان مزمعاً أن بحلّ على المؤمنين"

     إذاً: التجسد أعاد إصلاح الروابط رأسيّاً فأفقيّاً إذ نقل أصل نعمة الثالوث لنا:

     بالتجسد صار ابن الله ابنا للإنسان،

     و أخاً لنا فى اللحم و الدم،

     و بالفداء صار عريسا للكنيسة،

     و صرنا من ثم مؤهلين لحلول الروح القدس ليكون شريكا لنافى حياتنا ومعلماً و قائداً،

     و بالإيمان بفداء الابن و الحصول على الخلقة الجديدة من الروح القدس و الإنقياد له عدنا ابناءً للآب،

     و هكذا صار الثالوث لنا مشبعا لكل أنواع المحبة التى نحتاج إليها..

     فالآن في المسيح:

     من لا يجد كفايته في البشريّة (صورة الرب الإله في مجموعها وصورتها الكنسيّة الجامعة)

     يجده في الأصل الذي هو الرب الإله نفسه..

     وإن كان قد سقط وخاب من الاتحاد معه قديماً،

     فبتجسّد الابن عاد إلى الاتصال بالثالوث بأخوّة الابن والتبنِّي من أبيه والامتلاء من روحهما القدوس..

     وبعودة الاتصال بصلاح الآب عاد الإنسان صالحاً ليكون عاكساً لصورة ابن الآب في الخليقة،
    وعضواً صالحاً للترابط بانواع المحبة كلٍّ في موضعه، مع بقية الأعضاء

 

+++

 

مُلاحظة مدهشة من المنطق الرياضيّ

 

     (هذه الحقيقة الغائبة عن الأنظار يمكن التحقّق منها لذوي الدُربة في المنطق الرياضيّ..

     تفصيل شرح هذه الملاحظة المدهشة غير المسبوقة له مقال مطوَّل،

      لا أُثقِل به على هذا الملف لحفظ نكهة عباراته المختصرة)

 

     إن كل الأعداد لا يمكن تركيبها أو تصوّرها نظريّاً من مجرد معرفة العدد "واحد" بمفرده..

     يلزم توفر "الاثنين" كوحدة واحدة، مع "الواحد"..

     كيف هذا؟ عن تكوين الأعداد يكون بجمع الواحد، وتكرار الجمع هو عمليّة "ضرب"،

     تشمل فوق مفهوم "الواحد" مفهوم "التكرار"،

     فيلزم ابتداءً توفر مفهوم التكرار مع مفهوم "الواحد" لتكوين الأعداد،

     والتكرار في أبسط صوره بلغة الأعداد هو "الاثنين"..

     وأما إن بقي "الواحد" منفرداً فمهما ضُرب في نفسه تكون عملية الضرب شكليّة،

     إذ هي فاقدة لأساسها الذي هو "التكرار"، ولهذا لا ينتج منه إلا نفسه..

 

     إذاً:

     الواحد المنفرد عقيم،

     ولكن "الواحد" مع "الاثنين"، (وليس الواحد مع واحدين منفصلين) يقوم بتكوين كل الأعداد،

     في حين أن "الاثنين" ذاتيهما هما من "الواحد"!

     ولا أعجب!!!

 

     (تنبيه:

     لم أقُل في هذه الفقرة إن فهم الحقيقة الرياضيّة المشروحة تالياً يقود لمعرفة الحقيقة الإيمانيّة،

     ولم أقُل إن هذا يثبتها – حاشا..

     + ولكن العكس هو الصحيح:

     الحقيقة الإيمانيّة بمعرفة الثالوث تُلفِت النظر إلى هذه الملاحظة الدقيقة الغائبة عن أذهان الجميع..

     ++ فوق أن هذه الحقيقة الرياضيّة تفنِّد الاحتجاج المتكرِّر، الذي طالما دفع به أعداء الإيمان بالثالوث،

     بأن عدد "واحد" هو أصل كل شئ بمفرده)

 

+++

 

بنوّة المسيح وبنوّتنا بين المُماثَلَة والفرق

 

     والآن: ما الفرق بين المسيح وبقية المؤمنين إخوته في بنوّتهم للآب؟
     من المحفوظ أن يُقال إن المسيح هو الابن بالطبيعة والباقون بالتبنّي، وهذا صحيح،
     ولكن السؤال يتعدَّى حدود هذه الإجابة ويشمل تحرِّي الفارق في الطبيعة وفي الكرامة بعد صيرورة التبنّي؟
     هل صار أبناء التبنّي على نفس مستوى طبيعة الابن الوحيد لاسيمافي علاقته بالآب بعد نوالهم التبنّي؟
     هذه القضيّة الدقيقة هي ما يفترق الفُرقاء فيها على خطئين:
     فريق يلجأ لإثبات الفارق بين العاطي والنائل للعطيّة بالتقليل من العطيّة ذاتها،
     قلقاً من مظنّة مساواة البشر بالمسيح ومن ثمَّ التشكيك في لاهوته من باب خلفيّ
     وفريق يصرّ على إثبات غنى العطيّة كما هي ويستنتج من غناها استنتاجات خاطئة لأنه لم ينظر لغيرها
     والصحيح:
     أن الثالوث أعطى مختاريه ليس من جيبه بل من طبيعته،
     الآب فدانا بابنه الوحيد، والابن غذّانا بجسده ودمه، والآب والابن أهديانا روحهما القدوس،
     وفي النهاية فمن يغلب سيجلس مع الابن في عرشه كما غلب هو وجلس مع الآب في عرشه فهو عرش واحد للجميع..
     فالفارق بين المختارين وبين الابن ليس في "طبيعة ما نالوه منه"
     لأنهم لم ينالوا من شئ خارج عنه بل نالوا من ذات صفاته وروحه القدوس!!!
     ولكن يبقى فوارق ثلاثة ضامنة لسد منافذ القلق من سوء الفهم:
     فالابن الوحيد لا يحتاج من يضمن له بنوّته لانها بحسب الطبيعة الإلهية، ونحن نحتاج لضمانه لكي ننال عطيّة التبنّي
     فهو الضامن لنوالنا عطاياه وثباتها فينا، ونحن مضمون لنا ولسنا ضامنين له ولا لأنفسنا
     والابن هو الملء ونحن جميعاً من ملئه أخذنا
     وأبسط وأخطر شئ في الفارق أنه هو المانح ونحن الآخذين، ولا يكن مساواة الآخذ مع المُعطي له، مهما أخذ منه
     فإن من ينتبه لهذا ينجو من أي مدعاة للقلق من سوء الفهم ولا تبقى حاجة لإنكار عطيّةالرب لمختاريه والتحايل عليها
     وخذوا المعنى من مثل بسيط:
     إنسان غنيّ نزل من قصره ليفتقد مسكيناً وعاش معه حتى لا يخاف المسكين منه او يخجل،
     وبعد أن اكتسب ثقته أخذه معه لقصره وأعطاه كرامةالمعيشة معه وارتداء ملابسه والإنفاق من ثروته،
     فهل لذلك صار مساوياً له؟
     كلّا بل يقي المدين مديناً لدائنه حتى وإن سدّد الدين فكم بالاكثر حين لا تكون له طاقة على سداد فلساً واحداً؟
     هكذا مختارو الثالوث معه لا هم مساوون له ولا هم آخذين من عطيّة غريبة عن طبيعته،
     بل محسوبون أبناءً مع الابن الوحيد ممتلئين بذات روحه وفي موض البنوّة لذات أبيه مع استحالة مساواتهم له

 

+++

 

صفات كيانيّة أم اقانيم أم شروح متكاملة؟!

 

     وفقرة فنيّة عن توصيف شخوص الثالوث!!
     هل نسميِّ الواحد منهم شخصاً؟ أم اقنوماً؟ أم صفة كيانيّة؟
     وهل العراك الدائر له وجاهة على هذه التوصيفات الشارحة؟
     باختصار كلمةأقنوم السريانيّة تُعني في تقديري "كُنْه" وجذرها هو "ق ن" ومنها فعل "كن" العربيّ،
     وكلمة "هيبوستاسيس" اليونانية تُعني الحال العميق الثابت للشئ
     فاللفظان يمثلان ترجمة موفَّقَة جداً الواحد للآخر
     وكتابياً قيل عن الابن إنه رسم "أقنوم"الآب" (المُترجَمَة رسم جوهره)في مُفتَتَح رسالة العبرانيّين
     وسبق الرب نفسه وقال إنه له حياة في "ذاته" كما أن الآب له حياة في "ذاته"أيضاً
     وبمثل المعنى قال عن الروح القدس إنه مُعزٍّ "آخر"، وظهر بكل الصفات الفاعلة فعل الشخص حقيقةً لا مجازاً،
     فكلمة "أقنوم" كلمة صحيحة جداً كتابيّاً
     ولكن لا يفوت هذا السؤال:
     إن كان "أقنوم" معناه "كُـنـْـه" أو "حال ثابت" في عمق الكائن، فإن كل كائن يكون أقنوماً من حيث أن له "كيان" أو كـُنـْـه
     وهكذا يجوز تسمية حتى الحيوانات والجمادات أقانيم
     فكيف جاز أن يُفيد الأقنوم معنى "شخص" على سبيل التماهي؟
     والإجابة أن افتراض حصر "أقنوم" على معنى "شخص" هو تزوّد على سبيل الاجتزاء ولا يُلزِم الشارح ولا يُفسِد الشرح
     وإنما يفيد الـ"أقنوم" معنى الـ"شخص" حين يكون أقنوماً لكائن له وَعْي وإرادة، وليس لمجرد شئ معنويّ أو جماد
     فحينئذٍ يسوغ أن يفيد الأقنوم معنى الشخص، إذ هو جوهر كيانه
     فالأقنوم هنا يمكن أن يُفيد معنى الـ"شخص" بلا إشكال، إذ هو كُنه الشخص والحال الثابت في طبعه
     والكتاب المقدس اعتمد هذا التماهي بين كلمة شخص وكلمة أقنوم:
     فمثلاً بينما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيّين إن الابن هو رسم جوهر (أيقونة أقنوم) الـله (الآب)
     فالرسول بولس يقول إنه صورة (أيقونة) الـله (الآب)
     فإذا يُستفاد أن "أقنوم الآب" هو "الآب"،
     فلا يخالف الكتاب المقدس إذاً منطق اللغة البسيط الذي ماهَى بين التعبيرين بحسبما ابتدأ الشرح في هذه الفقرة
     وأما دليل إفادة كلمة "الـله" في هذين الشاهدين للآب تحديداً، فهي أن المسيح يظهر باعتباره "ابن الـله"
     وأما ما قد تـُوحِي به الكلمة من انفصال بين الأقانيم، إذ تُعني الأقانيم شخوصاً، فلقد سبق الرد عليه،ويجدر إعادة تلخيصه:
     فحين يكون الـ"شخص" بكامله هو كلمة أو روح أو أصل الكيان الأعمّ
     !!!فهو شخص (أو أقنوم - لايغيّر تعدد كلمات الا ينفصل عن عموم الكيان ولا يقوم الكيان إلا به

     والآن لمن وَعَى منطق تنوع التسميات،بالمنطق وبالشواهد الكتابيّة، لمعنى كلمتَي "شخص" و"اقنوم":
     فإن كلمة "صفة كيانيّة" تلقى ترحابه بفهم تجوز لتسمية الأقانيم الثلاثة
     وتلك لها بدورها شواهد كتابيّة تسندها، يغفل عنها للأسف من يستعملونها قبل أن يغفل خصومها!!
     ألا يصف الرسول بولس الابن بأنه قوة الآب وحكمة الآب؟ اليست القوة والحكمة صفات؟
     ألا يصفه الإنجيليّ بأنه اللوجوس؟
     كلا التوصيفين إذاً صحيح وينظر للمعنى على وجه منه،
     وإن كان ثمَّة خطأ فهو في جنوح الشرح عن المكتوب، أو عن منطق الاستدلال الصحيح؛
     وإن كان ثمَّة صراع، فهو من حيث محبة الفُرقاء بالانفراد بمنبر الحديث والانتصار كل واحد لما تعلّمه كنه وحده الصحيح،
     بغير منطق وبغير مرجعيّة كتابيّة تحكم الجميع..
     وما كان للاختلاف أن ينشأ إلا لكون الفُرقاء لم يتمثّلوا باللوجوس ولم يمتلئوا بالروح،
     وإلا لكانوا قد نظروا بروح لطيف لاختلاف الشروح من جوانب متكاملة،
     وحكّموا المنطق السليم القائم على الكلمة المكتوبة،
     وقتها كانوا قد اقتنوا الفهم الكامل وقدموا الصورة الصحيحة للثالوث "لغةً" و"روحاً"

 

+++

 

     وبالإجماع من كل المداخل، فإن الإنسان الثالوثيّ الكيان، في فرده ومجموع جنسه، كياناً وذهناً وروحاً،

     لا يملؤه ولا يُشبعه إلا مَعيّة الإله الثالوثيّ الأقانيم!

 

+

+++

+++++

++

+

   P. Eng. Basil Lamie,
   VA, 2003 !

 

 




Site Gate   Main Table of Contents   Theology   Answering   Biblical Tours   Exegetical Technicalities   Sign Guest Book