+

الأسفار "الكنسيّة"

المُسمَّاة "القانونيّة الثانية"

على موازين الوحي، والقانونيّة، والشهادات الكنسيّة

 

 

 

 

أسفار كتبها حكماء ومؤرخون يهود، اعتُبِرَت قانونيّة أولاً في مجامع الأسقف أغسطين اللاتينيّة

غير المؤهَّلَة في بداية المائة الخامسة، ولم تعتمد رئاسة تلك المجامع في روما قراراتها حتى مجمع ترنت بعد نحو دستة من مئات السنين في ظروف ولأسباب مغايرة، وقُبِلَت قرارات ذلك المجمع في الكنائس الشرقيّة تحت ضغظ احتياجات سياسيّة، ويلزم العودة لاعتبار النافع منها بدرجة "نافع للقراءة" لا أكثر..

 

 

 

Available at: ‘Coptic Youth 4 Holy book’ Site

Draft English Version at ‘Coptic Youth 4 Holy Book’ site

WinWord files of both English and Arabic Versions Available at  MediaFire

Introductory Post  on Face Book

Humorous Touch on Face Book

 

 

//العمل لا يزال تجميع خام للأفكار –

التكرار الظاهر للفقرات[i] تحت المُراجَعَة للتلخيص-

ولكنّه على أتَمّ درجات التوثيق//

 

 

فهرس الفصول:

تمهيد وإقرار

تقديم

الأسفار "الثانية" بين الوحي.. والقانون

الأسفار "الثانية" على ميزان الشهادات

التقدير النهائيّ للأسفار "القانونيّة الثانية"

مُلحَق: جدول تفصيليّ بالمواقف الرسميّة للكنائس تجاه قانونيّة "الأسفار الثانية"

 

 

 

تمهيد وإقرار

 

   العمل كلّه لايزال مسودَّة تحت المراجعة المطبعيّة واللغويّة!

 

 

   كلّما عبر القارئ مزيداً من فقرات هذه الوثيقة، سوف يستمِّر تكشّف الحقائق حتى ينغلق كل مفرّ من تصديق الحقيقة الرئيسة! نعم، ما يسمى "الأسفار القانونيّة الثانية" ليست قانونيّة أصلاً.. بعضها جيّد ونافع للقراءة والدراسة الروحيّة أيضاً، وبعضها يحمل تقاليد حقيقيّة وقيّمة.. ولكن النفع شئ، والقانون شئ آخر!

 

   أعلم كم وكيف سأغضب كثيرين من الغيورين على المحفوظ: صحيحه على خطئِه، وأصيله مع دخيـلِه.. صحيح الغيرة جميلة ومقدَّسة وجيّدة وكريمة، ولكن حقّ قانون الكتاب المقدس المشهود له من الربّ أجود وأكرم وأصلح، وإن كنت بعدُ أرضي الناس فلم أكن عبداً للمسيح..

 

   ثم قد يتصوّر القارئ ذي الاطّلاع أن الموضوع ضاق عن الجديد، ويكفي للواحد أن يعيّن موقفه منه، بغير حاجة لتكرار أدلتّه إذ لموقف الرافضين لقانونيّة تلك الأسفار أدلة متكررة هي هي، ولموقف المُدافعين عن قانونيّتها أدلّتهم التي هي هي أيضاً، ولا جديد..

   ولكن يعرف من يتابعني أنني لا أكرِّر المعروف، فأستهلك وقتي ووقت قارئ إنتاجي المتواضع سُدىً.. وإنما أعد القارئ بجديد: جديد في المُعطيات وجديد في الاستدلال والخطوط الموضوعة تحت شهادات بعينها لم تأخذ حقّها من الوزن والتقدير..

 

     لقد كَـتبتُ المسودة الأوليّ باللغة الإنـجليزيّـة في 2008، وترجمتها للعربيّة على مرتين (2009 و2013) ورُكنَـت المسودة بلغتيها على رفّ التشطيب في انتظار فسحة من الوقت والصحّة، ولكن مع كثير من الطلبات والإلحاح، دعمتها ببعض التجهيز العاجل..

   وإذ أرى المسودة الآن بالجودة الكافية، أقدم إذاً العمل في صورته الأوليّة، على ما هو عليه من قصور، تلبيةً لطلب الكثيرين، وتعجّلاً لتقديم شئ لمجد كتاب الـله المقدس!

 

 

 

تقديم

 

   + قبل أن تسأل إن كانت الأسفار القانونية الثانية قانونية فعلاً افهم أولاً لماذا كانت "الأسفار القانونية الأولى" قانونية أصلاً..

   ++ ثم قبل أن تصرِف جهدك على توثيق صحة المعطيات في كل دليل، فتيقَّن من سلامة منطقه من حيث المبدأ، فكثير من "الأدلّة" قد تدلّ على عكس ما يريد المُستَدِلّ بها..

   +++ وأضفتُ: هذه القضيّة تأخذ شحناً عصبيّاً للدفاع دون لزوم، وكلّ الأمر أن هناك من بالغوا في تقنين بعض تلك الكتب ولهذا أمثلة، مثلاً هناك من يبالِغ فيرفع "التقليد" لمستوى سلطة الكتاب المقدس، بينما هو نفسه يقرّ بسلطة الكتاب على التقليد عندما يقول إن التقليد المخالِف للكتاب المقدس لا يكون تقليداً صحيحاً، وقضيّة "قانونيّة" تلك الأسفار أو بعضها مماثِل: مُجَرَّد مبالغة في الاعتبار بطريقة الغيرة العمياء واتّباع تلقين دخيل.. ويلزم تناول القضيّة دون قلق! لا أقصدك أنت بالقلق، فأنت شاب واعد ذكيّ وغيور غيرة الروح والذهن أيضاً، ولكن الذي كلَّفَك بالبحث لجأ إليك مغموراً بالقلق، وإلا ما كان طلب منك ما طلب، ولا يخفى ذلك على ذكائك، وهذا هو الجوّ الذي ستقدِّم فيه بحثك إن فعلتَ، فيلزم أن تنتبه وتنبّه سامعيك أنهم ضحايا سيور القلق التي يخنقون بها أنفسهم، والتي ما أسهل أن يحلُّوها عن أنفسهم متى انتبهوا لوهميّة أسبابه..

   ++++ ولا تحتاج، لمعرفتك بشخصي الضعيف، أن أفيدك بأنني إذا كتبتُ ما تَطلُـب، فلن يكون تكراراً لأدلَّة فريق جملةً، وتفنيداً لأدلّة الآخر جملةً.. فالحاصل أن الفُرقاء قد يأتي الواحد بدليل به خير ونفع يدافع به عن قضيّة غير صحيحة، فيحشره دون منطق، وهذا جدير بعدم الرزل ولكن  بإعادة تسكينه وتوظيفه صحيحاً، وفي المقابِل، وهو الأشهر: أن يدافع واحد عن قضيّة صحيحة فيختطف ويحشد لها كل ما تمكَّن من "أدلّة" فتكون أدلّة ساقطة ومُسقِطَة لقضيّة ناجحة، أو حتَّى يحدث أن يأتي واحد بدليل صحيح لإثبات نتيجة صحيحة ولكن يفوته ثراء ما بالدليل فيقدّمه كالتاجر الذي لديه "حُسْن بضاعة بغير حُسْن سوق".. هذا كلّه يربك أذهان الناس ويجعلها محبوسة في اختيار فريق من اثنين، وتكرار أدلّته التي لا تحسم القضيّة بسبب ما بها مما سبق تعداده من إشكال.. على أنني ربما إذا كتبتُ شيئاً في الموضوع، فقد لا يتّسع لي ضيق الوقت والجهد لمتابعة كل الأدلّة في الناحيتين لضبطها، واكتفي بإثبات ذلك كعنوان لمبدأ ينبغي الانتباه له.. نعم أظنَّك لا تحتاج أنت للتنبيه على هذا النوع من الخطأ في البحث، ولا تحتاج أن أطمئنك على أنني لن أخالفه أنا نفسي فأزيدك من الارتباك ربكة، ولكن إذا كنتَ لا تحتاج أن تنتبه لنفسك ولا لي، فيلزمك أن تنبّه إلى هذه الإشكاليّة إذا أخذت عن عملي المتواضع استشهاداً في عملك، لأن أول ما سيواجهك به أي مُعتَرِض هو قولبة ما تستشهد به وحسبانه على فريق ما ومن ثضمَّ كبّ الردود المحفوظة على القالب المظنون..

   +++++ وأخيراً ختمتُ: لا "تُقَولِب" الرأي وتحشره في خانة طائفيّة متى اقتنعت به، فالنتيجة التي سيصل إليها أي طالب يسعى للخلوص إلى حُكم أو تقدير متقن في قضيّة، هكذا نتيجة لن تجد مكانها في قالب مُسبَق التجهيز بين الطوائف المعاصِرَة، ولو وُجِد في تقديري لأقررت لمن يملكه به واختصرت طريق البحث..

   ++++++ ثم لن أصرفك فارغاً بنقاط مبدئيّة خالية من "المفيد" J:

   فأفيدك بكل وضوح أنني أسكن بكل هدوء وثقة في رأي ليس جديداً، إلا أنَ أبناءه انقلبوا عليه دون تَعَـقُّل، حتى ظهر ضدّهم من يدعوهم إليه، وهو إرثهم أصلاً، وهم كانوا حقيقين بأن يحفظوه ويقدموه لمن يشطّ عنه، ثم لمزيد الأسف فإن من يدعوهم إلى رأي آبائهم يتبنّاه بغير شكله البسيط الجميل الأصليّ الذي كان لهم نقيّاً دون تشويه فانقلبوا عليه!

   وتلك مفارقة قصّة "الأسفار الثانية"!

   نعم لستُ مع تسمية "القانونيّة الثانية قانونيّة ولا ثانية"..

 

   هذا كان أول ما طرحته تلقاءً واسترسالاً على صديق مجتهد وشغوف باللغة اليونانية القديمة والبحث في نقد المخطوطات الكتابية والآبائية، عندما سألني أن أكتب بحثاً يُجيبُ به طلب فلان النشط السكندريّ في إلقاء المُحاضرات "الدفاعيّة" عن كل المعتقدات الرسميّة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية..

   ثم قلت له إن المادة المتوفرة عندي (الموجودة في مقال "الكتاب المقدس بين الوحي والقانونية Scripture between Inspiration and Canonicity") لا تمثّل أكثر من رأس فصل بالنسبة لما يفي بطلبه، ويَـلزَمه أن ينتظر لكتابة الكلّ إن أراد شيئاً وافياً..

 

   وذهبَ، وذهبَ الموضوع..

   ومع ذلك اعتبرتُها دعوة لكتابة هذا المقال الوافي لنقد التعليم "المِتْلَصَّم" المُعتاد في كنيستنا عن الأسفار القانونية الثانية..

 

   وكان في الجُمَل العاجلة القصيرة التي بادرته بها خارطة بحث فوقيّة سيجد القارئ تحقيقها في الفهرس..

 

   وتوالت الطلبات دون ترتيب لكتاب كهذا.. ووصلت لمستويات رفيعة[ii].. ولم يزل التقدير والحثّ على المواصلة تأتيني من كل من اطَّلَع على مسودة العمل أو أجرى نقاشاً شفويّاً مع شخصي المتواضع، ما أراح شعوري بالوعي والغيرة على الكتاب المقدس في زمننا المُرّ، ولم يتركني حتى كتبتُ خطتّه العامة وحشوت بعض عناوينه التي تحمل أبرز أفكاره، ثم عُدْت و"ركَـنْـتُه" أيضاً..

   وبقي مركوناً حتى بدأت العمل في مجموعة "المازورا الإلهيّة" التي واليتُ فيها، بصبر طولاً وعرضاً وعمقاً، تحليل كل مواضع مَظَنـَّة الخطأ في النصّ العبريّ المازوريّ، وفي صدَد ذلك العمل المُضني وجدتُ أن مكان هذا المقال محجوز له ومتِّسع في ركن كبير من ساحة المجموعة، لأنه يسدّ ثغرة كبيرة يتهجَّم من خلالها على قانون الكتاب المقدس من يسيرون خلف العناوين الدعائيّة..

 

   نعم.. بنعمة الرب سيجد القارئ الجادّ هنا ما يثبت بما لا يدع مجالاً للقلق أن النصّ العبريّ الأصليّ هو قانون كامل متكامل بلا أسفار ناقصة..

 

 

 

الأسفار "الثانية" بين الوحي.. والقانون!

 

ليس كل الوحي قانوناً! والأسفار "القانونيّة الثانية ليست "قانونيّة" وبالتالي ليست "ثانية" في اعتبار القانون!

الأسفار محل النظر في قانونيّتها هنا سيُشار إليها باسمها الاصطلاحيّ الأشهر: "القانونيّة الثانبة"، تسهيلاً للمتابعة، أو "الأسفار الثانية"، ودائماً سيظهر الاسم بين علامَتَـيْ تنصيص، لإبداء التحفّظ دائماً أن كاتب هذا لم يصطلح مع الذين اصطلحوا على اعتبارها قانونيّة وثانية..

 

 

 

دائرة الوحي المُتَّسِعة...

دائرة القانون المحدوة.

أسئلة مُقلِقَة!

خطآن حول موضع الاتّزان:

 

 

كل القانون وحي، ولكن ليس كل الوحي قانوناً

 

 

   دائرة الوحي المُتَّسِعة...

 

   كلمة" وحي" بمعنى الاتّصال الروحيّ الفائق الإدراك للروح القدس بإنسان لإيصال رسالة إلهيّة، تعود أول ما بدأت إلى اتّصال الرب بآدم في جنة عدن!!! أمر الوحي سابق على الكتاب المقدس بكل وضوح إذاً، فالـله روح، ومع ذلك كان يكلّم آدم وكان آدم يجيبه!!! فإن كان الوحي هو رسالة إلهيّة روحيّة إلى إنسان فماذا يكون تواصل الرب الإله قبل التجسّد مع آدم إلا وحياً؟ هذا هو الوحي في مبدئه بكل بساطة وثبات!!!

ولغويّاً وَرَدَ معنى هذا الاتّصال العجيب في الكتاب المقدس بمفردات دقيقة تفيد به في الأصول العبريّة واليونانيّة:

·         נאם (من جَذر نمَّ)، إفصاح، خطاب (عد23: 3، 23: 4، ومثلهما في نفس الموضع)

·         חזון (خَزون): خزين، "شيلة"، خبيئة، رؤيا في السريرة (إش1: 1)..

·         משּׂא (خَزُون): ثقيل، حمولة، عبء، دَيْن، مسّ (إش18: 1، 19: 1؛ مل1: 1)..

·         Θεόπνευστος (ثيوبنفستوس): نَفَس الإله (2تي3: 16)..

·         Χρηματισμός (خريماستزموس): إكراميّة، إنعام (رو11: 4)..

·           Φέρω(فيرو): حَمَل أحضَر ساقَ (2بط1: 21)..

 

   وباستقراء بسيط لهذه المُفردات التي تشير لعموم معنى واحد، يتَجمَّع الوصف الآتي:

الوحي والرؤيا المكتوبة والنبوّة في الكتاب هي اتّصال لوعي الإنسان بحديث الربّ، غير الظاهر ماديّاً، يأتي للإنسان بفعل الرب دون فضل فيه له، ويتثقَّل به، أي ليس هو خاطر هيّن لا يُشعَر به، وهذه الحمولة الإلهيّة تكون بداهةً لتسليمها للمعنيّين..

   (وأُعفِي القارئ وأُعفِي نفسي قبله، من جحيم تصنيف اليهود للنبوّات والوحي ودرجاتهم)

 

   تحدث كل هذه الظاهرة الروحيّة، على دوائر متنوّعة:

   (اجتهدتُ في تجميع ما استحضرته الذاكرة من شواهد لهذه الحالات، وأظنّ بها الكفاية للغرض)

    + قد يأتي الوحي لنبيّ ويتضمَّن الوحي أمر الإبلاغ والكرازة به (إش6: 9)،

   + أو يُوحَى به مع أمر كتمان مضمونه والإخطار فقط بتسلّم أو رؤيته (رؤ10: 4)،

   + وربَّما وحي لا يُنتَبه له! وتكون حكمته تبرير الرب حين كشف أنه تكلَّم ولم يُسمَع (أي33: 14)

   + و وحي يُبَلَّغ شفاهاً ولا يُكتَب لسبب حاضر يمنع (2تس2: 5-6)،

   + أو وحي يراه الرائي ويعجز عن وصفه ويُبلِغ فقط بحال العجز (2كو2: 4)،

   + ولا يمنع بداهةً أن يأتي وحي لا يعرف به أي واحد لأنه يكون حمولة رسولها هو طرف استلامها الأخير.. هذا يحدث لكثير من الأبرار، يتّصلون بالرب، ويُعلَن لهم إعلانات عن المُستَقبَل، تخصّهم أو تخصّ من يسألونهم، وقد يخبرون بها أو لا يخبرون..

   + وحتّى في تفسير الكتاب المقدس أو تعليم الناس ووعظهم، فهناك من لهم موهبة التفسير وهناك من يتكلّمون بسلطان فائق، أولئك لا يفسِّرون بمجرَّد علم عامّ وذكاء طبيعيّ، أو هم يؤثرون في السامع بقوة شخصيّة طبيعيّة، ولكن تكون لهم موهبة خاصّة! ويتوفَّر تعبير بسيط لا يعترض عليه أحد يقول للمتكلِّم: "ليتكلَّم الروح القدس على فمك"

   نعم الوحي له دائرة متّسعة جداً وكثير من رجال الرب القديسين يتقلون وحياً!

 

   مع الحالتين الأخيرتين (الوحي للأبرار، والوحي في التفسير) يدخل القلق لدى كثيرين، غيرةً على تمييز الوحي الذي هو في الكتاب المقدس، وإباءً أن يتساوى وحي الكتاب المقدس مع أي "وحي" لبشر، غير الأنبياء الكتابيّين وكُتَّاب الوحي القانونيّ..

   ولحلّ هذه "المشكلة"، التي هي بلا إشكال لمن ينظر لها بشمول، فإن بعضهم اقترح التمييز بين الوحي في الكتاب المقدس فيسميه وحياً، والوحي لدى البشر فيسميه إلهاماً..

   حيلة لفظيّة لا أكثر، لا تأخذ رصيداً من منطق اللغة أو المعنى..

   ولكن هناك فرق واضح.. هذا وحي في الكتاب المقدس وذاك رؤيا شخصيّة؟ فكيف يكون التعبير عن هذا الفرق؟

   ببساطة الفرق في كلمتنا الكُبرى الثانية: القانون!

   هناك وحي بقانون، ووحي خارج القانون..

 

   ولمن تقلقهم غيرتهم على مقادس الرب والكنيسة، ولهم حقّ من حيث المبدأ، ويرون في التمييز بين وحي قانونيّ وآخر غير قانونيّ إقلالاً من قيمة الوحي، فليلتفت أولئك إلى أن القانون ليس أمراً هيّناً حتى لا يرقى لجدارة التمييز بين وحي ووحي، بل القانون الصحيح سمة خطيرة لا تقلّ عن خطورة الوحي ذاته بل تزيد..

   القانون معناه اعتماد الرب وعمل الكنيسة عبر عصور طويلة، ومصداقيّة شاملة لدى كل المؤمنين لكل ما هو في القانون.. القانون لا يمنع كرم الرب وعمله حينما يشاء أن يكلِّم أي من عبيده المؤمنين، ولكنّه يضمن للمؤمنين صحّة الوحي بداخله، وخارجه يخصّ تقدير الواحد الذي يكون مسئولاً عن نفسه أمام نفسه من يتبع ومن يصدِّق..

 

   وهناك أمثلة كثيرة من الكتاب المقدس تثبت هذا المعنى، أن عموميّة الوحي فوق خصوصيّة القانون:

 

   & ليتذكَّر القَلِقُ مثلاً قول الإنجيليّ يوحنا:

   "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ

يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ" (يو21: 25)..

   وسؤال:

   ما الفرق بين شئ صنعه يسوع وكتبه يوحنا، وبين شئ آخر لم يكتبه؟ كلاهما

بنفس القيمة من نفس الرب، ولا مانع، بل بكل التوقّع، فإن كثير من هذه الأعمال التي لم

يذكرها يوحنا كرز بها بقيّة الرسل الذين لم يكتبوا شيئاً في القانون.. إذاً هناك ما لم يذكره

يوحنّا، وإن لم يكن قد ساقه الروح القدس لكتابته، فربما قد ساق غيره من الرسل للكرازة

به، ومع ذلك فهذا الوحي لم يُكتَب ولا يمكن، دون وحي خصوصيّ للواحد J، أن نعرفه

يقيناً..

 

 

   & وختامه الرسول يوحنا لرسالته الثانية:

   "إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَقٍ وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ

وَأَتَكَلَّمَ فَماً لِفَمٍ، لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُنَا كَامِلاً" (2يو1: 12)،

   ومثلها ختامه للرسالة الثالثة:

   "وَكَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَهُ، لَكِنَّنِي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِحِبْرٍ وَقَلَمٍ. وَلَكِنَّنِي أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ

عَنْ قَرِيبٍ فَنَتَكَلَّمَ فَماً لِفَمٍ" (3يو1: 12-13)..

   وسؤال هذه المرّة أظنّ القارئ يسبقني لتوقّعه:

   لقد ذهب يوحنّا ليتكلَّم كلاماً مُتَّصلاً برسالته التي هي من الوحي.. والمتكلِّم هو هو،

والموضوع هو هو والمُتَلقِّي هو هو، فلماذا يكون ما كتبه وحياً وما قاله دون كتابة ليس

وحياً؟

 

 

   الإجابة كل مرَّة هي ما سبق شرحه: المكتوب يمكن تقنينه لموثوقيّة تأصيله، وأما ما

قيل فلا يمكن تقنينه لان شهود كثيرون يدخلون في الرواية التي بطبيعة الأمور تتبخَّر مع

الزمن، وإن بقي شئ مكتوب متأخِّراً أو من مصدر غير معروف يشير لها فإن فقدان الضمان

يُفقِد النصّ قانونيّته، لانه يفقد ضمانه واعتماديّته التي هي سمات أصيلة في وظيفة

القانون، الذي كثُرَت الإشارات له، وحان وقت الانتقال لحديث مُفصَّل عنه:

 

 

   دائرة القانون المحدودة.

 

   محدوديّة القانون هي بحدود وظيفته..

   ووظيفته هي المرجعيّة الأكيدة عند الحيرة، القضاء الفاصل عند الاختلاف..

   وحتى كلمة قانون في أصلها اللغويّ (يونانيّة الأصل) معناها قصبة مستقيمة، أي لتحديد القياس، ولرسم الحدود.. فإن كان ما يُقاس به لا يُعرَف قياسه على وجه الدقة الكافية، فلا يصح قياس، لأنه إن فسد المقياس فبماذا يُقاس (مت5: 13)..

   والقانون المدنيّ والجنائيّ من حيث المبدأ لا يحتاج لتوافق الجميع على الاقتناع به، ولا حتى لاقتناعهم أصلاً،  لأنه يُطبَّق بالقوة الجبريّة للدولة التي تعتمده، وتكفيه سمتان هما "الوضوح"،  حتى لا يرتبك القضاة في تفسير قصده، وتتعطَّل المصالح، وإحكام حجمه على قدر الحاجة حتى تسهل دراسته، ولا يتوه المتقاضون فيه..

   ولكن القانون العَقَديّ الإيمانيّ يلزمه ثلاثة سمات تشمل ما سبق وتزيد، لتفعيل وظيفته بنجاح وتوافق:

·         تصديق المؤمن بمرجعيّته التامّة السلامة، وأنه لا يشهد لغير الحقّ،

·         توافق المؤمنين على هذا التصديق،

·         وتجميع ما يكفي لغرضه الذي هو الشهادة للحقّ كل الحق

   ^ الشرط الأول لنفع المؤمن الفرد،

   ^^ والشرط الثاني لتوافق الكنيسة على مضمون إيمانها،

   وهذا الشرط الثاني هو رابط العلاقة بين دائرة القانون ودائرة الوحي، و الخط الذي يرسم حدود تقاطعهما..

   ^^^ وشرط ثالث لازم عمليّاً حتى لا يزيد المكتوب فوق طاقة الدارس دون نفع مزيد(يو21: 25)!

 

   وشرح ذلك بديهيّ، وأسوقه بمثل:

   واحد رأى رؤية وتلقَّى توجيهاً من الرب أو معرفة ما، وصدَّق أنها رسالة الرب له، وكل ما ليس من الإيمان فهو خطيّة (رو14: 23)، وإذ هو مؤمن فقد سار بحسب ما رآه..

   لكن هل يملك أن يكرِز بمحتوى هذه الرؤية إن لم يأمره الرب صريحاً ليس أن يؤمن فقط، ولكن أن يدعو غيره للإيمان بها مثله؟

   والسؤال الأقرب للُبّ قضيّتنا: هل يلتزم المؤمنون بالإيمان بما رأي الواحد منهم لمُجرَّد أنه أعلن أنه رأي ما رأي؟

   ونتقدَّم في رسم المثل أكثر: فليكن أن البعض صدَّقوا  واتبعوه فيما رأي، وانتشرت القصّة، فما الذي يقتضيه تصديق الجميع إلا أن يبحثوا أسباب تصديق غيرهم، ويبحثوا مصداقيّة شخوصهم وظروفهم، ويلزمهم هذا قبل أن يستلموا ما سُمِع عنه من رؤية ليقيسوا بها حالهم ويحكموا بها على أنفسهم..

 

   هنا عمل القانون! قانون المكتوب من الوحي، ومن هنا كانت فلسفة سماته:

   أن يكون محلّ تصديق، وان يتفق الجميع على صدقه، وأن يكون في حدود كفايتهم واحتمالهم..

 

   وهذا تفسير وتمثيل العمليّة الدقيقة المتقنة في الوصول لقانون الكتاب المقدس الذي لم تكتمل قانونيّته بهيئته الحاليّة، فمع مقبوليّة الأناجيل والرسائل الكُبرى لتسلّمها على دائرة واسعة مشهورة من الهيئة الرسوليّة أو بعض رجالها رأساً، فوق قبول كل أسفار العهد القديم المُعتَمَد من الرب فوق حفظ اليهود له، مع ذلك التوافق البديهيّ للجزء الأعظم من الكتاب، فإن جُمَّاع القانون توقفت على رسالة ورسالتين لا تزيد الواحدة فيهم عن إصحاح واحد أو اثنين، ما زالت القوانين المُجَمَّعَة تكتمل وتتقارب من الصورة الأخيرة، ولم يكن قبول الصورة الأخيرة الحاليّة قبل أن اقتربت الكنائس من بعضها في التعامل، فكان تحقيق شرط القانون-- باطمئنان كل واحد إلى سلامة تقليد إخوته، واطمئنان الجميع إلى كفاءة آباء عموميّين على علم بحال كل تقليد وسلامة حفظ الكُتُب في كنائسها، ويُشار هنا إلى أن الوثيقة المكتوبة للقانون بهيئته الحاليّة تعود للبابا أثناسيوس الذي لم يخترع وإنما أقرّ واقعاً رسخ في ضمير مجامع الكنيسة، ولزم الإقرار لإنهاء حالة البحث والتناظر على رسائل صغيرة وإعلان ما قُبِل بفحص دقيق متأنّي عبر مئتي سنة وأكثر، ولاق استقرار الناس عليه..

   وهذا النهج المتأنِّي المدقِّق حتى إصحاح في رسالة لن يخسر متن الإيمان شيئاً بدونها،

 

   وبهذا يتمّ شرح وتبيان طبيعة القانون الإيمانيّ أنه بالضرورة مانع وليس بالضرورة جامعاً..

فلا يدخل القانون شئ ليس من الوحي، ولكن قد يكون هناك ما هو من الوحي ولكنّه لم يدخل القانون..

 

 

أسئلة مُقلِقَة!

 

·         لماذا يكون وحي ولا يرتب الرب ضمّه للقانون؟

   لمُعالَجَة هذه النقطة قُدِّمَ الشرط الثالث في قانون الوحي.. وها مزيد من التفسير لذلك:

   إن الوحي غنيّ، ولو صار كل الوحي قانوناً فإما أن يتحول الرب عن كرمه ويعزّ بكلمته عن قلبو الكثيرين، أو أن يتحمَّل القانون فوق طاقته ويصير الكتاب المقدس مكاتب يتوه الإنسان فيها.. الكتاب المقدس هو بمثابة مأدبة غنيّة بكل ما هو مطلوب ونافع للمحتفلين، واكثر من ذلك قد يصيبهم بُعسر هضم ولا يزيد نفعاً بالمقابِل..

   وبالعودة للمثل السابق وتوسيعه ليشمل إجابة السؤال، فيمكن استكماله هكذا: ماذا إذا كَـثُـرَ الأبرار مفتوحي الأعين، وكان كل الوحي قانوناً، فمن من المؤمنين يملك أن يجمع كل آثار علاقتهم بالرب واستعلانات روحه لهم؟ لو صار الكل قانوناً سيتحوّل حال الباحثين إلى موظفي "أرشيف" وتتحوَّل صورة الوحي الواجبة القداسة إلى هزل!

 

·         هل من أمثلة لكُتب لم تُدرَج في القانون ولكن هذا لا ينفي صحتها وأهليتها للقانون؟

   أُقرّ على نفسي أنني أقرأ سفر طوبيا وأرى في أصل قصته تمثيلاً فائقاً لقصّة الفداء، فالأب والابن كلاهما "طوبيا" (نفس جذر الاسم للأب والابن)، والابن سافر ليستردّ ديناً مُستَحَقَّاُ لأبيه، والابن اقتنى عروسه بدخوله تحت حكم الموت، وأخذها بقيامة، وبعد كم من الوقت؟ بعد ثلاثة أيام.. هذه قصّة لو وجدتها في كتاب قديم في يوزد بوك ستور، فسأتوقَّف عندها، واندهش من حديث الرب عن نفسه فيها.. ولكنِّي لا أجد أنه من القانون، ولا أقلق من مناقشة فقرة فيه هنا أو هناك تكون دخيلة وغير منضبطة..

   ومثل آخر أجده بقوّة في "رسالة برنابا".. هناك من لا يفهمون بعدُ وظيفة القانون، وتمييز أصل معناه عن الوحي، وطبيعة العلاقة البينيّة لكليهما في تحديد الكتاب المقدس، ولأنهم يجدون "رسالة ربانابا" غير قانونيّة، فإنهم ينفون نسبتها لبرنابا، ومنطقهم يسير هكذا: الرُسُل مُوحَى لهم، وما كتبوه يكون بالضرورة وحياً، والوحي بالضرورة قانون، فما لا يُوجَد في القانون لا يكون وحياً، وطالما ليس وحياً فلم يكتبه برنابا الرسول! هكذا يفكرون، ولكن يقطع سلسلة هذا التفكير الساذج أن الوحي ليس بالضرورة قانوناً.. والحقّ أن "رسالة برنابا" (وإن كان لا يُوجَد ما يثبت نسبتها لبرنابا)، ولكن أيّاً كان كاتبها فهي تسدِّد كل كلماتها بدقة مدهشة في الأهداف الإنجيليّة ولم تخطئ قط لمن يقرأها بدراسة وعمق..

 

·         هل يمكن إعادة إدخال ما لم يُدرَج في القانون إن اطمأنت الكنيسة لمصدره؟

   هذا ضد طبيعة القانون، إذ أن ما يلزم من توثيق قد فات زمانه، فلا يعود يصلح بضمان تامّ للتقنين.. فوق أنه لا حاجة له كقانون، لأن ما هو موجود في الكتاب يكفي لإتمام وظيفة الكتاب كشاهد مكتوب أمين ومضمون للرب..

 

·         ربما يخرج المتابِع بانطباع أن الكتاب المقدس ليس ضروريّاً طالما أمكن إيجاد الوحي خارجاً عنه؟

   من يفهم هذا لا يفهم معنى وقيمة القانون، ولم يسمع ما سيبدأ الفصل التالي به من قول الرب:

"لا يمكن أن يُنقَض المكتوب"..

   واختصاراً لمزيد من الشرح يمكن الإشارة برابط لهذا الكتيِّب اللطيف بقلمي المتواضع عن وظيفة

الكتاب المقدس كشاهد للرب: "الكتاب المقدس الشاهد المكتوب للرب، والمشهود له منه"

 

   وأما من يتخوَّف تخوّفك فهو واحد من فريقين يُخطئان على نقيضي المعنى المشروح بدقة

وعناية حتى الآن، فهو إما يقول ذلك ويستحسنه، أو يقول ليظهر تخوّفه لنتيجة ما تابعه ولم يسترِح

له.. وسيأتي حالاً تفصيل هذين الخطئين، تنزيهاً لشرحي المتواضع عنهما من ناحية، ولشرح مزيد من ارتباطهما بعمليّة دقّ فكرة قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية":

 

 

 

خطآن حول موضع الاتّزان:

 

   الخطئان اللذان تطرَّق الشرح إليهما، رغم تناقضهما معاً، يدقّان مزيداً من الأزاميل لحشر فكرة قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية".. وشرح هذه المُفارَقَة هو التالي:

   الناحيّة المعهودة من الرسميّين، والجمهور الذي يتلقّن من إنتاجهم دون غيره، هي قصرهم لمعنى الوحي على "الأسفر القانونيّة"، وآخر ما يفسحون فيه دائرة الوحي هو قبولهم لوجود وحي خارج القانون ولكنّهم يلعبون لعبة التسميات فيحرصون على تسميته "إلهاماً" أو أي كلمة أُخرى ولكن المهم لديهم ألا يكون الوحي خارج القانون اسمه وحْياً! فحتّى حين يقبلون المعنى الصحيح لا يستطيعون مواجهة تسميته بالاسم الصحيح، بل وحتى هذا التنازل لا يقدمونه إلا حين الاضطرار (حين يواجهون أسئلة متقنة الصياغة لا تسمح بالميوعة أو المراوغة)..

   واضح أن هذا الخطأ ينبع ويستقرّ على قاعدة الخلط بين الوحي والقانون لمن لا يدرك المغايرة بينهما، أو التشبّث باعتبارهما دائرة واحدة، لمن يدرك المغايرة ويرفضها..

   ويرتبط به خطأ آخر ساذج وشائع، هو وقَصْر القانون (في العهد الجديد) على الرُسل!

   ومع تعرّضهم للشرح (مثل الفقرات والأقسام السالفة مثلاً) فإن خبرتي المتواضعة تشهد فيهم اقتناعاً مشوباً بالقلق من الفاهمين، وقلقاً مخلوطاً بالعصبيّة والتهجّم من الأقل كفاءة!

   ونتائج هذا الفهم القاصر والمُخلِط هي في اصطدام متكرِّر، ممن وقعوا فيه، مع كلّ سؤال منطقيّ يطرحه شاهد كتابيّ عن حديث الرسل خارج الكتاب المقدس، وصدمات أكثر عنفاً عند تعرّضهم لحقيقة في أصالة أي سفر وتعيين كاتبه، وليس غريباً منهم، ومن القديم، أنهم يصرِّون على أن لوقا هو أحد السبعين رسولاً، وأن كاتب رسالة العبرانيّين هو بولس..

 

   والتخلّص من هذا الخطأ سيريح الذهن، ويزيد ثبات صحّة الكتاب المقدس، ويريح النفس أيضاً من القلق مع كل شاهد كتابيّ أو معرفة فنيّة بتاريخ الأسفار وأصالتها وكاتبيها، وفي مقابل كل ذلك النفع والانضباط فإنه لا يكلِّف شيئاً من قيمة المكتوب وحجيّته، وهو موضوع قلقهم.. فقط سيحتاج الواقعون في هذا الالتباس أن يقرّوا بأن شرحاً دخيلاً أوهمهم فترة طويلة، ولعل ذلك الاعتراف هو من يؤلم الذين لا يجدون جواباً على الشرح البسيط للمعنى ولكنهم يتجاهلونه وينصرفون لتكرار ما تلقّنوه.. وهذا لا علاج له بالشرح بكل أسف..

 

   على أن ذلك الخطأ عن تشبّه بطعام حامض مؤذي للأمعاء، فإن في مقابله يربض خطأ نقيض أشبَّهُه، على مسئوليّتي، بالسمّ المميت!

   لقد عرفت الكنيسة القبطيّة في ستينيّات المئة العشرين للميلاد عيّنات متناثرة من "المعلِّمين" لا يميِّزون معنى القانون وخطورته، وضبطه اللازم للتعليم عن الوحي في الكنيسة، فكانوا يساوون بين تعليم الآباء وبين الكتاب المقدس!!

   هكذا بغير قانون؟ نعم الوحي متَّسِع عن القانون.. ولكن خارج القانون لا يحقّ، من المبدأ وقبل أي تفصيل، لا يحقّ لمعلِّم في الكنيسة أن يبشِّر على المنابر بوحي عام يُوجَد حيث استحسن هو أن يجده، أو آمن به منفرداً، وإلا فلماذا هناك قانون للكتاب المقدس أصلاً؟

 

   هذا من حيث المبدأ، وأما في الموضوع، فإن تطبيقهم للمفهوم على "الآباء المُعتَبَرين" (بحسب اختيارهم) ينسب للوحي، حاشا له، أخطاء "الآباء" الذين لبعضهم يقيناً أخطاء في بعض تفاسيرهم الدفاعيّة..

   وزيادة أكثر يساوون وحي من يرون أنهم "مُوحَى لهم بوحي الكتاب المقدس، ولم لا وخطئهم في صُلبه هو أصلاً خطأ كسر الحدود، فلذا هم لم يرعوا حدوداً ولا ضبطاً فيما ينطلقون فيه بمشاعر هوجاء وأذهان عمياء!!!

   هذا خطأ لا يرعى من يقعوا فيه حدوداً، فهم (1) أولاً يخطئون في مبدأ تطبيق مفهوم اتساع الوحي، إذ يتجاهلون فيه أن الوحي خارج القانون هو قضيّة ضمير شخصيّ تخصّ من يراه وليس للتعليم في الكنيسة.. واحد يرى أن فلان قديساً ويتلقّى من السماء، من حيث المبدأ لا يمنع شئ، ولكن من حيث الواقع فلكل واحد رأيه ولا يمكن إلزام الكنيسة بفكرة كهذه.. ثم (2) يزيدون ويخطئون في تفصيل التطبيق الخاطئ بتعميمهم فكرتهم على "الآباء"، ثم يزيدون أكثر وأكثر (3) ويساوون "وحي" من اعتبروهم مُوحَى لهم بالوحي في الكتاب المقدس!!!

   لقد وصل حالهم أن بعضهم (مُسجَّل لديّ في صفحات على الشبكة) قال بغضب: "هو كل حاجة مكتوب مكتوب"، قالها بعد مناقشة حاصَرَتْ الشواهد الكتابيّة أفكاره الابتداعيّة المُميتة، ولم يلتفت أن كلمة "مكتوب" التي كنت أُكرِّرها مُستعارة من كلمة الربّ: "لا يمكن أن ينقَض المكتوب" وكلمته: "ومكتوب أيضاً" وكلمة الإنجيل: "كما هو مكتوب".. وشواهد أُخرى أخطر ومن مستويات أعلى من هذا الفريق تصدر مثل ذلك (سيكون لها وقت رصدها وردّها)..

 

   الموضوع الدقيق في الوحي والقانون يقع، بكل أسف كما يظهر، تحت تهديد خطأ من يغلق الحدود دون الفهم، وخطأ من يكسرها ويساوي الجميع، والأولون يعذرهم بعض العذر قلقهم من انجراف الناس للخطأ الآخر إذا تنازلوا عن انغلاقهم غير القانونيّ، والأخيرون بدورهم لهم عذر رد الفعل على شرح غير مُوفَّق، وكلها أعذار ظروف مخفِّفة وليست أعذار براءة.. وما كان داعٍ لأي خطأ مع توفّر نقطة الاتزان الصحيحة والتي لا تكلِّف أحداً شيئاً إلا التنازل عن عوار ذاته التي انتفخت بما ظنّه شرحاً جديراً بالاعتداد L

 

   هذان هما الخطئان، ولم أنْس الموضوع ولم ابتعد عنه (وما طال من استطراد هو مسئوليّة تصلّب تلك الأخطاء وليس مسئوليّة تفصيل الشرح).. فالخطئان يصبّان في مزيد من ترسيخ فكرة قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية" رغم تناقضهما، ويعملان كمن يضغط من ناحية ومن يقاومه فيضغط من ناحية أُخرى، فيتثبَّت المضغوط في موضعه أكثر وأكثر! وهذا شرح ذلك:

 

   خطأ الأولين يُماهي الوحي بالقانون، ويقدِّس أي شرح مُسلَّم من الأقدمين، دون فحص لدخيل، وطالما تسلَّم تلك الأسفار على أنها قانونيّة، فهو يُساويها بالكتاب المقدس (أو ما يسمونه "الأسفار القانونيّة الأولى" باعتبار أنهم يضمون الثانية تحت مظلّة اسم الكتاب المقدس بالسويّة)، بل أن بعضهم يفسِّر تسمية "القانونيّة الثانية بانها ثانية في تاريخ ضمّها للقانون وليس في منزلتها، وأما بعضهم الأكثر قلقاً فهم يرفضون تسميتها بالقانونيّة الثانية أصلاً..

 

   ومن طريق عكسيّ، يصل الأخيرين لنفس النقطة، فطالما صار الوحي على المشاع بحسب استحسانهم، فهم يقبلون الأسفار الثانية (مَـجَـتـش عليها)، خصوصاً أنها في السبعينيّة التي يقدسونها، ويرونها، أكثر من خصومهم الرسميّين، أصلاً فوق الأصل العبريّ..

 

 

 

الأسفار "الثانية" على ميزان الشهادات

شهادات على عدم "قانونيّة" هذه الأسفار، و"كنسيّة"بعضها:

 

ديداسكاليا (الدسقوليّة)، وأثناسيوس السكندريّ وكيرلس الأورشليميّ وروفينوس اللاتينيّ وجيروم شرحُه

إلى غريغوريوس الكبير أسقف روما، ليس بينهم بروتستانتيّ واحد!

لقد تباينت مواقفهم بين تجاهل "القانونيّة الثانية" أو رفضها كـ"أبوكريفا" او اعتبارها نافعة للقراءة والبناء الروحيّ ولكن اجمع كلّهم أنها ليست قانونيّة!!

بعد موقف الرب الكافي للحُكم على القانون، فإنّ ما زاد على ذلك في بقيّة الفصل فهو ليس للتأكيد ولا لمزيد التبيّن ولكن لتبرئة الكنيسة في مئات عمرها الأولى من تُهمة مخالفة قانون الرب في المكتوب!!!

 

 

 

 

فوق الجميع: شهادة الرب عن حفظ المكتوب.

شهادة منّه فيه: سِفْر من الأسفار القانونيّة الثانية يشهد بعدم قانونيّة نفسهJ

حَصْر بالقانون في المئة الثانية: شهادة الديداسكاليا (الدسقوليّة)!

مُحاضَرَة من أورشليم للموعوظين تنسِب تسليم القانون للرُسُل:  شهادة كيرلس الأورشليميّ!!

رسالة بقوّة مجمع مسكونيّ: شهادة حامي الإيمان البابا أثناسيوس الرسوليّ!!!

ورسالة مُواكِـبـَة: شهادة أثناسيوسيّة تالية:

وشهادة من "الغَرْب" حيث ظهرَ تقنين تلك الأسفار أولاً: شهادة روفينوس عن إجماع "الآباء":

ليسوا "9" بل "14" !! شهادة الاختلاف على الاتفاق على تعيين هذه الأسفارJ J

"الدفاع سيّد الأدلّة"! شهادة فشل الردود بل ارتدادها!

والبقيّة لا تأتِ: شهادات زادت عن الحاجة والطاقة!

 

 

   كل تلك الشهادات المُفهرَسَة ليس بينها بروتستانتيّ واحد.. وكلها شهادات نقيذة موضوعيّة نافذة لنقطة القصد مُباشرَةَ بلا تشعّب جدال.. إنّ أكبر أسباب تشعّب وتيه النقاش، لموضوع بسيط في أصله، على خطورته، هو تداخل الاحتجاج البروتستانتيّ ضد الأسفار "القانونيّة الثانية" بمخالفتها لمبادئ فهمهم للإيمان المسيحيّ، فيقود ذلك أولاً للنظر في محتويات تلك الكتب (بجيّدها وضعيفها) ثم الانتقال لمناقشة الاختلافات الإيمانيّة والتفسيريّة مع البروتستانت، فتتباعد وتتوه النقطة الرئيسة وهي قانونيّة الأسفار المعنيّة..

   وها هنا ستتقاطر الشهادات نقيّة صافية بغير هذا الشتات.. فالكل أرثوذكس وييبقهم الرب نفسه، والنظر مُثَبَّت لا يحيد عن قضية البحث: قانونيّة تلك الأسفار..

 

 

 

فوق الجميع:

شهادة الرب عن حفظ المكتوب.

·         ليس التطرّق للاستشهاد بالرسل بعد الرب لعدم كفاية شهادة الرب، ولكن لمزيد إثبات حكم الرب نفسه بالاستدلال عليه من موقف تلاميذه الأولين ورسله المعيّنين منه شخصيّاً في الجسد..

·         وأما ما يلى من شهادات قاطعة بحصر كتب القانون والاستبعاد الصريح للأسفار "الثانية" فهو من قبيل تحرِّي موقف الكنيسة وتبيان براءتها في مئات عمرها الأولى من مخالفة القانون الكتابيّ الذي أقرّه الرب،

·         ولعلّ الاستطراد في البحث يفيد في تهدئة ثورة احتجاجات الغيرة التي بغير معرفة، أو على الأقلّ يفيد في إخجال المُغالطات الرائجة لمن لا ينووه الهدوء في قرارتهم،

·         ولكنّ ما زاد عن شهادة الرب فليس على أي وجه لإثبات ما ثبت من الرب.

 

  

   حال الأسفار "الثانية" في زمن الرب

 

   عندما أتى الرب بالجسد كان قانون الكتاب المقدس "تاناخ" (كما هو لدينا بغير "القانونيّة الثانية") هو الثابت عند اليهود إلى الآن.. ينقسم إلى ثلاثة أقسام: "توراه" (التوراة- الأسفار الخمسة الأولى)، و"نبييم" (الأنبياء)، و"كتوبيم" (يقيّة الكتب التاريخيّة والشعريّة- وبها تقسيمات داخليّة بدورها)..

   لا يُعقَل قطّ افتراض أن هناك مجموعة رابعة من الكتب المُعتَمَدَة في القانون لم يرد ذكر قانونيّتها في أي مصدر يهوديّ..

   وهذه المجموعة من الأسفار "الثانية" كلها له نُسَخ يونانيّة ومُعتَبَرَة من مجموعة الترجمة السبعينيّة، وأحدها وُجَد له نسخة عبريّة، وآخر أُشير لوجود نسخة آراميّة ترجم منها جيروم إلى اللاتينيّة، فالخلاصة أن القاعدة العامة هي أنها أسفار بغير أصل عبريّ معروف في وقت الرب، ولا يُعقَل أن الرب سمعها مقروءة في مجمع..

   مقتضى الحال يُفيد أنه ليس فقط ليس هناك دليل على اعتراف الرب بقانونيّتها، بل مجرد السؤال لم يكن مطروحاً أصلاً..

   إذاً عناصر الموقف مع الرب هكذا:

·         الأسفار "الثانية" معروفة للمطّلعين على الكتابات اليونانيّة وللعارفين بأخبارها من التقاليد،

·         ولكن قانونيّتها لم تكن محل اعتبار ولم تكن مطروحة أصلاً،

·         وقابل الرب هذا الموقف بالصمت،

·         مع أنه لم يصمت تجاه الأسفار المُعتَبَرَة لدى اليهود قانونيّة، بل شهد لها أيّما شهادات، واستشهد بها أيضاً!

 

 

    الانتفاع بالصمت! The benefit of the silence!

  

    في مصلحة أي جانب يُفسَّر الصمت؟

-          الصمت قد يكون عن جهل بالحال، حاشا للرب،

-          وقد يكون عن تجاهل مقصود، فما هو القصد من تجاهل قضيّة خطيرة كهذه؟ ولو لم يعدَم المدافع عنها افتراض أي سبب يبرِّر التجاهل زمن الرب، فكيف بقي الرسل صامتون طول الوقت وفي كل مكان وقد كانت لهم فسحة غير قليلة خارج قوقعة التهديد اليهوديّ في ساحات العالم البعيدة؟

-          وقد يكون الصمت أخيراً لا جهلاً ولا تجاهلاً ولكنه صمت العدم.. ما لا وجود له لا كلام عليه وانتهى!

   وهذا هو السبب الوحيد المنطقيّ والإيمانيّ فوق ذلك..

   لقد صمت الرب على قانونيّة تلك الأسفار التي لم تكن قانونيّة في وقته لأنها ليست كذلك ولم يُرِد لها الرب أن تكون..

 

   إن غياب الدليل على ادِّعاء كبير يقوم بذاته كدليل على غياب القضيّة ذاتها، لان القضايا الكُبرى تترك شواهدَ سهلة التبيان على وجودها.. وقضيّة "قانونيّة مجموعة كبيرة من الأسفار" هي قضيّة كبرى بل رئيسة، بل رئيسة الرؤوس في الدائرة المجمعيّة اليهوديّة، ومتى غاب الدليل على وجودها كان ذلك دليلاً قويّاً على عدم وجودها أصلاً – نعم لم يكن اليهود وقت المسيح ينظرون لتلك الأسفار على أنها قانونيّة ولا حتى كانوا يختلفون على ذلك..

   وعلى هذا الحال وقف الرب يُعَلِّم في مجامعهم، ويستشهد بالمكتوب ويشهد له..

   لم يعتبر اليهود تلك الأسفار "قانونيّة"، وعزَّز الرب اعتبارهم بصمته عن مراجعتهم في هذا!

   والصمت يتكلم أقوى من الكلام متى يحلّ حين يكون الكلام متوقَّعاً.. ثُمَّ عندما يكون الصمت هو صمت الرب، يزيد الدليل فوق قوّته المنطقيّة خطورة إيمانيّة..

   لقد شهد الرب للمكتوب كما هو في صورة قانون اليهود، وكرّمه أيَّـما تكريم..
   وبالمقابِل صمت عن "قانونيّة" تلك الأسفار "القانونيّة الثانية"..

   ورُسُل الرب الذين تسلَّموا منه ما يشهد به المكتوب عنه، بقوا سنوات ليست بقليلة في أورشليم يتعبَّدون مع اليهود ولم يخرجوا بعد من شرنقة العهد القديم تماماً (أع 10)، فكان المكتوب في اعتبارهم بداهةً هو المكتوب بحسب قانون المجامع اليهوديّة.. ثم كرزوا سنوات ليست بقليلة خارج أورشليم، وزاد عليهم بولس ورفاقه، ولم يعلن أحدهم أن اليهود حذفوا من المكتوب ولا أن إخوته كانوا يراؤون اليهود بصمتهم..

 


   والآن، فلو كانت تلك الأسفار قانونيّة بالفعل، ومن "المكتوب"، فإن غياب الاعتراف بها تماماً هو "نقض" لهذا المُفتَرَض أنه من "المكتوب".. والربُّ يقول: "لا يمكن أن يُنقَض المكتوب" وليكن الـله صادقاً... هذا فوق أن قانونيّة تلك الكتب تدمغ الرسل بالتقصير والصمت عمَّا لا ينبغي الصمت عنه..

 

 

   هل من مَخْـرَج؟

 

   نظريّاً ليس من مَخرَج إلا الطعن في المعطيات الأولى، وادّعاء أن اليهود كانوا يقبلون تلك الكتب فعلاً في وقت الرب، وإنما طرأ فيما بعد بدعة حذفهم لقانونيّتها في مجمع "جامينا" (ليس هناك حَدَث آخر يُلائم افتراض تلك "البدعة").. ولكن هذا الاقتراض يلزم صاحبه أن يفيد بثلاثة أمور:

   & بأي مصدر من أخبار ذلك المجمع اليهوديّ تُثبـِت أو تشير إلى كون مجمع "جامينا" كان معنيّاً بمناقشة قانونيّة أي سِفْر بخلاف "نشيد الأناشيد" و"إستير"..

   إن الثابت عن هذا المجمع أنه كان يُثبِّت قانونيّة سفرين وليس يحذف قانونيّة غيرها، فالاحتجاج به يسير عكس طريقه..

   &&  وبتفسير أصلاً كيف أن كتباً يونانيّة في مُعظمها كانت مُعتَبَرَة قانونيّة في اليهوديّة عند يهود كانوا يجهلون حتى العبريّة؟

   من الهزل افتراض وجود كُتُبٍ قانونيّة مُعتَبرَة عند من لا يتكلّمون بلغة كتابتها ولا يملكون ترجمة لها أيضاً..

   &&& ولماذا لم تظهر تلك الأسفار في أي ترجوميم آراميّ؟ (باستثناء إستير التي ليس لها أصل عبريّ معروف)

   حتَّى اللغة العبريّة عندما ضاعت منهم اعتمدت المجامع "ترجوميم" بالآراميّة للأسفار العبريّة، وهذا لم يحدث نظير له يشمل الأسفار "القانونيّة الثانية"..

 

   إن الغياب التام المُطبِق لذِكر قانونيّة تلك الكتب، في بيئة أفرطت في كتابة الإشارات لقانونيّة الكتب المُعتَبَرَة قانونيّة لديها، وإن غربتها هكذا عن المجتمع اليهوديّ (بخلاف اليهود الهيلينيّين الذين عرفوها ولم يدّعوا مع ذلك قانونيّتها)، ثم إن عدم مُراجَعَة الرب ثم رسله لهذا "الغياب"، كل ذلك مُجتَمِـعاً يقوم كحائط السياج المتوسِّط فيستوقف تلك الأسفار عند أعتاب القانون بقدر ما توافقه وتتبرَّك به، ولكن لا يسمح لها بالدخول..

 

 

   هل استشهد الرب والرسل بها؟

 

   هذه أشهر الاحتجاجات المطروحة، ولكنه احتجاج خارج الموضوع، فموضوع الفصل هو عن شهادة الرب لقانونيّتها، وليس الاستشهاد بها، فالرب والرسل استشهدوا بأمثلة شعبيّة أيضاً، والاسفار القانونيّة المثتَّفَق عليها استشهدت بكتب غير قانونيّة مُتَّفَق على عدم قانونيّتها..

   إذاً هذا احتجاج "ظهورات" و"مساندة نقص"..

   + ولكن لارتباطه بموقف الرب أُوردتُ هذه الإشارة له هنا دون تفصيل، ويكفي للرد عليه سريعاً القول القاطع أن افتراض صحة دلالة الاستشهاد بتلك الأسفار على قانونيّتها هو افتراض بتناقض الرب مع نفسه، حاشا، مادامت النقاط المرصودة في هذا الفصل بلا تفنيد..

   ++ ورد آخر أبسط: غير صحيح أصلاً أن هناك تلك الاستشهادات J  التي لا تثبت القصد لو صح أنها كانت هكذا..

   +++ استدلال لو صحّ يتناقض مع عكسه الذي صحَّ كما ثبت، غير منطق لا يستقيم في صُلب الاستدلال إذ الاستشهاد بمصدر لا يفيد قانونيّته، وغير سذاجة مفرطة في افتراض "الاستشهاد" قبل كل شئ في أكثر الجُمَل، وكل ذلك وأكثر مُفًصَّل في موضعه المُفرَد)..

 

 

   لقد فعلتُ ما في وسعي لإبراز أي رد من جانب المٌدافعين عن قانونيّتها، حتى أبرزتُ خط كتابة حُجَجهم   (bold font) التي افترضتُ بعضها لهم أيضاً، وليس في وسعي ما هو أكثر لاستكمال موضوعيّة الفحص، فالرب قد شهد وأغلق الطريق، ويكفي عرض موقف الرب للقطع في القضيّة إيمانيّاً، وإعلان الحُكم فيها أنه الحقيقة ذاتها لا مجرد عنوانها، وما زاد على ذلك لا يفيد جديداً في لُبّ القضيّة..

   وإنما بقيّة البحث الطويل العريض التالي ليس لإثبات ما أثبته الرب، ولكن لتبرئة الكنيسة في مئات عمرها الأولى من تهمة تغييرها للقانون الكتابيّ وقبولها لما لم يقبله الرب، تلك التهمة الغبيّة التي ما يزال الكثيرون يجادلون فيها بكل سخافة الغيرة التي بلا معرفة..

 

 

شهادة منّه فيه:

سِفْر من الأسفار "القانونيّة الثانية" ينفي قانونيّة نفسه J

    "فإن كنتُ قد أحسنتُ التأليف وأصبتُ الغرض، فذلك ما كنتُ أتمنّى، وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير، فإنّي قد بذلتُ وسعي" (2مك15: 39)..

   لا يصحّ قط أن كاتباً يكتب وحياً ويقول إنّه ربما قد قصَّر في كتابة ما يُوحَى به إليه!
   إن الإشارات التي تشي بأن كُتَّاب هذه الأسفار كانوا يعلمون أنهم يضعون مؤلَّفات حكمة وعظة، بل وأنهم يعلمون أن هذا أمر معروف لدى قرَّائهم كثيرة، ولكن فيها ما يُغري البعض بالمماحكة التي تكون إجاباتها مطوّلة من المنطق اللغويّ، وتتوه القضيّة لدى ضِعاف الذهن مع الإطالة.. فلا يلزم تجميع كثير من هذه الإشارات، ويكفي هذا الشاهد القاطع..

   لا أعلم كيف يرد المدافعون عن "قانونيّة" و"وحي" هذه الأسفار، ولكن سأفترض أن هناك ردّاً لم يصل لعلمي قد طرأ في أذهان البعض الراغبين في الدفاع عن تلك المجموعة من الكتب (ولا يعجز البشر عن تأليف رد عن أي شئ من حيث المبدأ)..
   وهذا "الرد" أيّاً كان لن يخرج عن محاولة تفسير القول بان الكاتب يشير للدور البشريّ في الكتاب وليس في عمل الوحي فيه؛ أو الاستخفاف بشاهد "واحد" لا "يكفي" لنقض اعتبار كتب كثيرة وكبيرة؛ أو حتى بالتنازل عن سفر المكابيّين الثاني،..
   ولا أتصوَّر ردَّاً آخر يمكن تخيّله خارج هذا الأُطُر..

   وهكذا ردود تنقلب لمزيد من الإشكال على طالبي الدفاع..
   الرد على الرد الأول: الجملة القاطعة لا تفيد فقط بضعف العنصر البشريّ في الوحي، ولكنها تنفي ضمناً وجود هذا الوحي، لأن الوحي يستعمل أسلوب الكاتب ولكنه لا يتركه للوهن والتقصير فيما يكتب.. وإلا فجاز افتراض أن أي مكتوب من الكتب المقدسة بها وهن وضعف يُنسَب للكاتب، وتفقد بذلك مرجعيّتها الإلهيّة..

   الرد على الرد الثاني: وأما الاستخفاف المُتوقَّع من البعض (أتوقّعه بحكم سابق طرق التفسير اليائسة المعلومة، حتى للكتاب المقدس ذاته) أقول حتى الاستخفاف بكون شاهد الضدّ الداخليّ هو مجرد عبارة واحدة أتت في آخر كل الأسفار فهو استخفاف مردود لأنه استخفاف بما يعتبرونه نصّاً مقدساً الجملة الواحدة فيه بقيمة الوحي.. كما أن المعنى لا يُقاس بحجمه اللفظيّ بل بوزنه المنطقيّ، وهذا الشاهد الذي يختم كل "المجموعة" يختهما بشهادة ولا أقوى على أنها كتب حكمة طيبة من عمل بشر أتقياء لم يظنوا لأنفسهم وحياً ولا كانوا يخشون أن يظنّ الناس فيهم هكذا..
   الرد على الرد الثالث: وأخيراً فتفريق مجموعة الكتُب هذه، والحُكم على كل واحد فيها على حدة، وليس كمجموعة، ينقض مبدأ مرجعيّتها التي تقوم على اعتبار كنسيّ لها كمجموعة.. ويصير من ثَمَّ مبدأ رفض كل كتاب على حِدة جائزاً بذات منطق الرد المُفتَرَض..

   على أنه، أُكرِّر، ليس صحيحاً أن الإشكال الداخليّ هو مجرد جملة واحدة هي هذه، ولكنه طلب الاختصار بالمفيد.. وفي قول الكاتب إنه يعتذر عن أي تقصير بعمله كل ما في وسعه في قوله هذا الكفاية على طبيعة كتابه..

 

حصر بالقانون في المئة الثانية

شهادة الديداسكاليا (الدسقوليّة)!

 

   "بعد أن يصف نظام الاجتماع في الكنيسة يقول: "الأغنسطس حينذٍ يقف في الوسط في موضع عالٍ ويقرأ من كتب موسى ويشوع بن نون والقضاة والملوك وفضلات الملوك، وكتب العودة من السبي، وأيضاً من أيوب وسليمان، والستة عشر نبيّاً. ويقرأ فصلين من كل كتاب ويرتِّل أخيراً تسبحات داود. وليتبعه الشعب أيضضاً بالتفاسير. وبعد هذا فليقولوا أفعالنا وتقلبنا، ورسائل بولس شريكنا في العمل التي كتبها إلى الكنائس بمعونة الروح القدس. وبعد ذلك فليقرأ قسيس أو شماس الإنجيل الذي سلمناه إليكم أنا متى ويوحنا، وما أخذه مرقس ولوقا شركاء العمل مع بولس ووضعاه لكم."[iii]

 

   ليس هناك أي ذِكْر، ولا حتى ذكر محتمل ضمن أي مما هو مذكور، فـ "فضلات الملوك" هي الاسم المشهور لسفري أخبار الأيام"، وكتب العودة من السبي هي "سفرّي عزرا ونحميا" بداهةً.. وبقيّة الاسفار مباشرة الدلالة على الأسفار المعروفة في الكتاب المقدس..

   وهذه شهادة مُبكِّرَة جداً في تاريخ الكنيسة، وفي مجموعة قوانين من الأكثر اعتباراً لديها (الشماس حافظ داود، المرجع السابق، مقدمة الطبعة الأولى؛ وهذا من المشهور على كل حال)

   ومعروف ومُتَّفَق عليه بين العلماء أن كتاب ديداسكاليا (الدسقوليّة) يعود للمئة الثانية أو الثالثة بعد الميلاد (وإن كانت نسبته للرسل كنصّ هي نسبة أدبيّة، وقد تمت زخرفة الكتاب من حين لآخر  بِـلُغة قصصيّة إيهاميّة معتادة في ذلك الزمان-- لا أبرِّر ذلك ولكن أشرحه)..

   وأضيف من ملاحظاتي أدلّة موافقة لهذا التزمين:

   فواضح من إشارته لإنجيل يوحنّا المكتوب متأخِّراً عن حياة بقيّة الرسل، ولكن واضح بالمثل أنه مُبكِّر بمكان قبل اتفاق الكنائس على الرسائل الجامعة التي بقيت محل قبول مكانيّ فقط باعتبارها رسائل مكانيّة في الأساس ولم تكن واسعة الانتشار.. فوق أنه  ظاهر من الفحص الداخليّ للكتاب أن كل قوانينه رصينة وراقية، ويصحّ نسبتها للرسل أو الرسوليّين..

   وبمناسبة ذِكْر الرسوليّين، فالكتاب فعلاً منسوب في بعض المواضع لكليمنت أسقف روما وتلميذ بطرس الرسول (كليمنضس الرومانيّ أو إقليموس كما يُسمَّى تصحيفاً أحياناً)[iv]

 

   خلاصة منطق هذه الشهادة، أن كتاباً ثابت القِدَم، وثابت تمتّعه بالاعتبار في الكنيسة منذ القديم، لم ذكر الكتب القانونيّة حصراً، وقد خلت منها "الأسفار الثانية".. وهذا يدلّ قطعاً على أنه في الزمان الباكر حين كانت الكنيسة تعتدّ بالديداسكاليا، لم تكن تعتبر الأسفار الثانية قانونيّة رغم انتشارها وشهرتها في مجلَّد الكتب السبعينيّة..

 

   ولا يفوتني قبل ختام هذه الشهادة إبداء التقدير للكاهن العالم القمّص حافظ داود الذي باشر أعمالاً علميّة توثيقيّة جديرة بكل تقدير كما يظهر في مقدمة الطبعة الثانية من الترجمة..

 

 

مُحاضَرَة من أورشليم للموعوظين تَنْسِب تسليم القانون للرسل:

شهادة كيرِلُّس الأورشليميّ!!

 

·         المكان أورشليم..

·         الزمان: قبل انتصاف المئة الرابعة..

·         المُناسَبَة عظة للموعوظين قبل المعموديّة..

·         المحتوى: نسبة قانون الكتاب المقدس (بغير "القانونيّة الثانية") إلى الرُسُل..

·         المتكلِّم: الأسقف الشهير كبيرلس الأورشليميّ..  

 

   السؤال ليس إن كان محتوى المُحاضَرَة صحيح أم لا، ولكنّ السؤال هو: ماذا يُطلَب أكثر من ذلك لاستـبـيـان رأي الكنيسة الجامعة في وقته؟

 

   في سنة 350 ميلاديّة أو نحوها قدَّم كيرلس وهو أسقف لأورشليم هذا التعليم للموعوظين المتقدِّمين للمعموديّة:

   "من هذه اقرئوا الاثنين والعشرين كتاباً ... ادرسوا باجتهاد هذه فقط التي نقرأها علناً في الكنيسة. فإنّ أبعد حكمةً منك وأكثر تقوى كان الرسل وأساقفة الزمان القديم، رؤسائ الكنيسة الذين سلّمونا هذه الأسفار."[v]

 

   تعيين تاريخ مُحاضرات الموعوظين ممكن من مُلاحَظة إشارة كيرلس لنفسه بصفته أسقفاً، وتقدير أنه قدَّمها في بكور أسقفيّته لتعرّضه السريع في سنواته الأولى لاضطهاد الأريوسيّين ووشاياتهم، ونفيه، من ثَمَّ، غير مرَّة، وتاريخ سيامته أسقفاً كان 350 ميلاديّة.[vi]

 

   وبعد إشارته لرقم 22، الرقم اليهوديّ المشهور للأسفار بحسب قانونهم الذي يخلو من "الأسفار الثانية" فإنه يزيد ويعيِّن الأسفار حتى العهد الجديد:

   وهذا نصّ ترجمة إنجليزيّة مدرسيّة للفقرتين المعنيّتين من مُحاضرته الرابعة للموعوظين:

 

Of these read the two and twenty books, but have nothing to do with the apocryphal writings. Study earnestly these only which we read openly in the Church. Far wiser and more pious than thyself were the Apostles, and the bishops of old time, the presidents of the Church who handed down these books. Being therefore a child of the Church, trench  thou not upon its statutes. And of the Old Testament, as we have said, study the two and twenty books, which, if thou art desirous of learning, strive to remember by name, as I recite them. For of the Law the books of Moses are the first five, Genesis, Exodus, Leviticus, Numbers, Deuteronomy. And next, Joshua the son of Nave, and the book of Judges, including Ruth, counted as seventh. And of the other historical books, the first and second books of the Kings 8 are among the Hebrews one book; also the third and fourth 8b one book. And in like manner, the first and second of Chronicles are with them one book; and the first and second of Esdras are counted one. Esther is the twelfth book; and these are the Historical writings. But those which are written in verses are five, Job, and the book of Psalms, and Proverbs, and Ecclesiastes, and the Song of Songs, which is the seventeenth book. And after these come the five Prophetic books: of the Twelve Prophets one book, of Isaiah one, of Jeremiah one, including Baruch and Lamentations and the Epistle; then Ezekiel, and the Book of Daniel, the twenty-second of the Old Testament.

Then of the New Testament there are the four Gospels only, for the rest have false titles  and are mischievous. The Manichaeans also wrote a Gospel according to Thomas, which being tinctured with the fragrance of the evangelic title corrupts the souls of the simple sort. Receive also the Acts of the Twelve Apostles; and in addition to these the seven Catholic Epistles of James, Peter, John, and Jude; and as a seal upon them all, and the last work of the disciples, the fourteen Epistles of Paul. But let all the rest be put aside in a secondary rank. And whatever books are not read in Churches, these read not even by thyself, as thou hast heard me say. Thus much of these subjects.”[vii]

 

 

   * الشهادة تصدِّق على مبدأ قانون الـ 22 سِفراً المحفوظين في قانون اليهود!

   **وتُقَدَّم للموعوظين حيث لا ينبغي أن يكون من تلقين إلا للمبادئ الرئيسة النقيّة عالية التوثيق!!

   *** ويُقدِّمها لهم أسقف أورشليم نفسه!!!

   **** ويشير لكون القانون مأخوذ من الرسل ومحفوظ عبر الأساقفة التابعين (الرسوليّين فتلاميذهم)، مع ملاحظة أن تاريخ المُحاضَرة لا يبتعد بأكثر من مائتي سنة عن نهاية جيل الرسوليّين..

  

 

   إن هيكل هذه الشهادة يعلو من خطير لأخطر في قوّة دحض ادِّعاء قانونيّة "الأسفار الثانية":

^ ففي عصر كيرلّس الأورشليميّ السابق على أول مجمع ادخل قانونية تِلك،

^^ فإنّ باتريارك أورشليم

^^^ يقدِّم القانون الكتابيّ (السٌلطة التعليميّة الأعظم للإيمان)

^^^^ للموعوظين (الذين يتلقون ويتلقّنون المبادئ الرئيسة الأثبت بطبيعة الحال

^^^^^ ويقدمه منسوباً للرُسُل تعييناً لا في صياغة عارضة عموميّة،

^^^^^^ ويكون هذا في كلّه في محاضَرة لها من الشهرة الكنسيّة مع بقيّة المُحاضرات ما خلَّدها وأسهم في ترقيّة صاحبها لاعتراف كل الكنائس به..

^^^^^^^ وبعدُ، فليس هذا تفسيراً يحتمل رأياً شخصيّاً أو شهادة سماعيّة تحتمل سقوط مصداقيّتها في إحدى حلقات نقلها، ولكنّه تعليم رسميّ إن كان خطئاً يلزم ظهور ما سبقه زمنيّاً وعلاه مصداقيّة ويلزم معه تصوير منطقيّ لكيف تسلَّل هكذا خطأ!!!

 

   المنطق في الاستدلال هنا، بهذه الشهادة الخطيرة، ليس مُجرَّد تصديق القول، ولا اتّباع شخص، ولكن في الدلالة اللازمة بالضرورة من النصّ أن في ذلك الوقت الباكر في الكنيسة كان القانون مُستقِرّاً حتى أن أسقف وباتريارك أورشليم ذاتها يُقدِّم القانون الكتابيّ وهو أخطر سلطة مكتوبة في الكنيسة، ويقدمه للموعوظين في محاضرة كمدخل للإيمان المسيحيّ كله، ثم حين يؤصِّل مصداقيّة القانون كنسيّاً فإنه يرفعه بثقة إلى الرسل ويزيد فيعلن مروره على كل الأساقفة اللاحقين.. لا أعرف كم مرة ستجبرني هذه الشهادة على تكرار عناصرها للفت النظر إلى دلالاتها المنطقيّة:


   فإنْ كان من يصرّ على قانونيّة "الأسفار الثانية" يطعن في مصداقيّة هذه الشهادة، أو حتى في سيرة صاحبها، فليكن له هذا، لا مانع مبدئيّاً، إن وجدَ دليلاً، ولكن حتى إن وجد هذا الدليل الذي لم يُوجَد بعد، فليس له قطّ أن يدَّعي أن الكنيسة أجمعت منذ عصر الرسل دائماً على قانونيّة تلك "الأسفار الثانية"، بل عليه أن يقف هو في موقف صاحب الاكتشاف الجديد، ويقدِّم قانونيتها كاكتشاف من عنديّاته يقوم على ما يأتي به من أدلّة، ويكون أن كل من يتبعون هذا التقرير الجديد يُقِيمونه على أدلّة من أتى به (وهي أدلّة لا
يزالون يبحثون عنها)، أو حتى على تصديقهم الشخصيّ لصاحب الاكتشاف، ولا ينسون أولاً التنازل عن "أدلّة" العبارات الجوفاء التي تتكرَّر عن الإجماع والقِدَم وما إلى كل ذلك، فظاهر الآن أنها منقوضة بشهادة كيرلس الأورشليميّ.. ففي وقت ما، وفي موضع أخر موثوقيّة من شمال غرب أفريقيا، وفي وقت اكثر بكوراً، لم تكن "الأسفار الثانية" في القانون.. وعلى المُخالِف الإتيان بأدلة أوثق وأبكر من مجمع مكانيّ لاحق عليه ما عليه من مُلاحظات، ولا ينسى ما يلزم من أدلّة تشرح كيف تورَّط أسقف أورشليم المعتبر قديساً لدى الجميع في دسّ هذا القانون ونسبته للرسل..

 

   إن هذه الشهادة، مع ما سبقها من شهادة الديداسكاليا، مع ما سيلحقها من شهادات ولا أخطر، يجعل ادّعاء إجماع الكنائس دائماً على قانونيّة "الأسفار الثانية أسخف ادعاء في القصّة كلها..

 

 

رسالة بقوّة مجمع مسكونيّ:

شهادة حامي الإيمان البابا أثناسيوس الرسوليّ!

 

·         المُناسَبَة: خطاب فصحيّ للكنيسة الجامعة بحُكم التقليد النيقاويّ..

·         المتكلِّم: البابا أثناسيوس الرسوليّ..

·         اللغة: إعلانيّة قاطعة وليست بحثيّة متشكِّكة..

 

مرَّة ثانية ليس السؤال عن كان البابا أثناسيوس على حق في رفضه قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية" أم لا، ولكنّ السؤال هو: كيف يُظَنّ أن هكذا خطاب يعبِّر عن رأي شخصيّ للبابا أثناسيوس؟ ثم سؤال لاحق: من أين تتطرَّق مجرد فكرة اختراع مقولة أن البابا اثناسيوس أقرّ أنه إنما يقول رأياً شخصيّاً؟

 

 

   علامات التعجّب ستتكاثر في ختام السطور، وأما تلك التي تختم العنوان الكبير فليست للزينة، وإنما لإبداء العجب الحقيقيّ من غفلة وتغافل الكثيرين عن خطورة هذه الشهادة ودلالاتها كما سيظهر:

 

   وهذا هو المقطع الساطع القاطع في شهادته، من نص خطابه الفِصْحيّ لسنة 367.. فإن الكتاب المقدس، بِحَصْر أسفاره بغير "القانونية الثانية"، يقول:

   "هذه هي ينابيع الخلاص التي إذا عطش أحد يرتوي بالكلام الحي الذي تحويه.
***في هذه فقط*** أُعلِن تعليم التقوى. لا يزد أحد عليها ولا يحذف منها، لأنه عن هذه أبكم الرب الصدوقيين وقال تضلون إذ لا تعرفون الكتب، ووبخ اليهود بقوله فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة وهي التي تشهد لي"
(الترجمة لي عن
NPNF Ssries II, vol. 4, pp. 1313-1314)

 

   ليس منطقُ الاستشهاد بالبابا الرسوليّ هنا أنه معصوم!
   ولكن منطق الاستدلال هن هو أنه أنه ابن وممثِّل مدرسة الإسكندريّة التي هي أولى من غيرها بالتعصّب لكل الكتب الواردة في السبعينيّة، فلا يُعقَل رفضه لكتب قانونيّة في عُرف مدرسته!
   ثم، وهو الأخطر، أنه كان يتكلّم بمسئوليّة مسكونيّة بحكم وزنه وقيمته، ولا يُعقَل أنه في قضية كبرى كقضية الكتب المقدسة أنه يلغي كُتباً معروفة وتكون مقبولة ككتب مُوحَى بها لدى عموم الأساقفة، وهو له من الخصوم من له، ويمرّ الأمر بغير اندلاع خصومة كُبرى في زمن الخصومات!!
   وثالثاً، فقيمته الشخصيّة، علمّاً وتقوى، تهزأ بأي افتراض يفترض له أنه كان يقول رأياً شخصيّاً يُخالِف به رأي مسكونيّ أرثوذكسيّ، أو أنه كان يتكلَّم بجهلا بحقيقة كنسيّة كبرى، وليس اكبر من قانونيّة مجموعة كبيرة من الأسفار!!!

 

   وإذا كان مُجرَّد ذِكر اسم الشاهد، البابا أثناسيوس الرسوليّ، حَمَلَت كل هذه الدلالات الثقيلة الوزن، فإن إمعان النظر في متن ما أعلنه سيصبّ المزيد والمزيد حتى لا يبقى بعد مزيد للإثبات، ولا يدعو للمواصلة في البحث إلا نزعة شخصي الضعيف في استقصاء كل ما يمكنه..

   ويَجدُر،بدلاً من الاسترسال غيباً في دلالات هذه الرسالة الفصحيّة، إيراد ما جاء كاملاً في الترجمة الإنجليزية للفقرات 4-6، قبل متابعة إثبات الملاحظات الرئيسة:

 

There are, then, of the Old Testament, twenty-two books in number;

for, as I have heard, it is handed down that this is the number of the letters

among the Hebrews; their respective order and names being as follows.

The first is Genesis, then Exodus, next Leviticus, after that Numbers, and

then Deuteronomy. Following these there is Joshua, the son of Nun, then

Judges, then Ruth. And again, after these four books of Kings, the first and

second being reckoned as one book, and so likewise the third and fourth as

one book. And again, the first and second of the Chronicles are reckoned as

one book. Again Ezra, the first and second are similarly one book. After

these there is the book of Psalms, then the Proverbs, next Ecclesiastes, and

the Song of Songs. Job follows, then the Prophets, the twelve being

reckoned as one book. Then Isaiah, one book, then Jeremiah with Baruch,

Lamentations, and the epistle, one book (see remark by author following the citatipon); afterwards, Ezekiel and Daniel, each one book. Thus far constitutes the Old Testament.

Again it is not tedious to speak of the [books] of the New Testament.

These are, the four Gospels, according to Matthew, Mark, Luke, and

John. Afterwards, the Acts of the Apostles and Epistles (called Catholic),

seven, viz. of James, one; of Peter, two; of John, three; after these, one of

Jude. In addition, there are fourteen Epistles of Paul, written in this order.

The first, to the Romans; then two to the Corinthians; after these, to the

Galatians; next, to the Ephesians; then to the Philippians; then to the

Colossians; after these, two to the Thessalonians, and that to the

Hebrews; and again, two to Timothy; one to Titus; and lastly, that to

Philemon. And besides, the Revelation of John.

These are fountains of salvation, that they who thirst may be satisfied

with the living words they contain. In these alone is proclaimed the

doctrine of godliness. Let no man add to these, neither let him take ought

from these. For concerning these the Lord put to shame the Sadducees, and

said, ‘Ye do err, not knowing the Scriptures.’ And He reproved the Jews,

saying, ‘Search the Scriptures, for these are they that testify of Me.”[viii]

.

 

 

   أول كل شئ يلزم مُلاحظته، أن هذه رسالة فصحيّة، أي للمسكونة كلها، بحسب تكليف مجمع نيقية، ولما لم يقم عليها أي اعتراض، وكانت مقبولة من المسكونة إذاً، فهي بقوّة شهادة مجمع مسكونيّ!!! هذا كفيل أولاً بدحض شهادة أي مجمع إقليميّ متأخِّر..

 

   وتتكرَّر عبارة "الاثنين وعشرين كتاباً" كما سبق ظهورها في مُحاضَرَة كيرلس الأورشليميّ للموعوظين، فيظهر أن اعتماد قانون اليهود كان مبدأً معمولاً به في الكنيسة على أعلى مستوياتها التعليميّة، وأن بقية الكُتَب كان يختلط أمرها إن اختَلَط، على العوام، فيأتي المعلِّمون الرسميّون ويقرِّرون ويكرِّرون مبدأ القانون وتفاصيله..

 

   على أنه مع هذا الحَصْر الثبْتيّ المطابق، لا يمكن إغفال تضمين البابا أثناسيوس لسِفْر باروخ ورسالته في سفر إرميا.. منعاً للتكرار فستُضَمّ هذه الملاحظة مع مناقشة أدلة المدافعين عن قانونيّة "الأسفار الثانية، ولكن لزم التنويه لها حتى لا يُنسَب للبحث تغافل شئ في موضعه..

 

   ويُلاحَظ ثانياً أن لغة البابا أثناسيوس ليست لغة من يبتكر تفسيراً أو يُدلي برأي معارَض، بل هي لغة إعلان عمّا هو مستقرّ من القديم وإن داخَلَه بعض الخلط من غير العارفين، وهو يعلمهم بلزوم الانتباه للقانون.. هو لا يخترع ولا يكتشف ولكن يعلن، أو بالأحرى يكرِّر إعلاناً متّصلاً..

 

   ويوافق هذه الملاحظة ربط شهادة الرسالة الفصحيّة هذه بسابقتها من كتات ديداسكاليا (الدسقوليّة)، وبقانون كيرلّس الأورشليميّ، أو بالأحرى القانون الذي أعلنه كيرلس الأورشليميّ ونسبَه بثقة كتقليد للرسل والأساقفة التابعين لهم..

   هكذا يظهر تواصل الترابط في الإشارة لقانون واحد معروف من المائة الثانية/الثالثة إلى المائة الرابعة، ومن رئيس أساقفة أورشليم لرئيس أساقفة الإسكندريّة، وقبلهما شهادة قانون اليهود وموافقة العهد الجديد عليه، فمن مائة إلى مائة في العصر الباكر للكنيسة، والقانون واحد..

   ولو كان البابا أثناسيوس يقرِّر أمراً جديداً غير مسبوق فهذا يكون بمثابة افتراض أن الديداسكاليا كُتِبَت متأخِّرة عن هذه الرسالة الفصحيّة سنة 365 ميلاديّة، وهذا غير صحيح بلا جدال..

 

 

   ثم يُلاحظ في الفقرة الرابعة تسمية أثناسيوس للأسفار كتاباً كتاباً بحسب الترتيب العبري، وإشارته في ختامها إلى تمام قانون العهد القديم بقوله: "إلى هنا يتشكل العهد القديم"..

   وفي الفقرة الخامسة يقدم أول وثيقة لقانون العهد الجديد كما هو بين أيدينا الآن ومعنى هذا أنه كان يحسم خلافاً قائماً حول بعض الأسفار ولم يكن يتكلم كصاحب رأي شخصي مُقابِل "إجماع الهيئات الكنسية" كالادعاء المجانيّ الذي يُروَّج له كأنما من يقرأ لا يقرأ إلا ما يكتبه ذلك البعض، أو كأنه لا يفهم إن قرأ..

   ثم في الفقرة السادسة يختم على الجميع بالتحريم السابق إبراز ترجمته على رأس هذا الفصل..

 

   الاختلاف الوحيد الذي يتفرَّد به أثناسيوس فوق كيرلس الأورشليميّ هو في نقص ظهور سفر الرؤيا في قانون كيرلس الأورشليميّ، وإعلان البابا أثناسيوس اعتمادها في القانون، وقد كانت لا تزال محلّ فحص وتقصِّي للتثبّت منها بين الكنائس التي تقبلها والكنائس التي لم تصلها، وبين مُحاضَرَة كيرلس الأورشليميّ (350 ميلاديّة)، ورسالة البابا أثناسيوس الفِصحيّة (367 ميلاديّة) نحو عشرين سنة في وقت كان الجدل والبحث دائراً على أشدّه، وهكذا يليق بتحقيق القانون..

   والآن  إن كان الأساقفة ورؤساء الأساقفة الذين يدقِّقون في سفر الرؤيا هكذا تدقيقاً يتفقون على كل أسفار العهد القديم بغير زيادة "الأسفار الثانية" فأي مدخل للادعاء أنها كانت في القانون؟

 

 

   وآخر الكلّ، وبالنظر للمُستُقبَل بعد هذا الخطاب، فإنه قد خلا من أي مجمع مسكوني ينقض هذا التقرير، حتى كان مجمع ترنت (1545-1563 ميلاديّة) المُعتَبَر مسكونيّاً لدى "الكنيسة الكاثوليكيّة" فقط (باعتبارهم يحصرون في مُعتَقَدهم كل الكنيسة فيهم)..

   وحتى مجمع هيبو (393 ميلاديّة) بعد هذا الخطاب الفصحيّ بأقل من ثلاثين سنة، فقد كان أغسطين أسقف هيبو لا يعرف اللغة اليونانيّة، وكان منشغلاً في صراعات في جوانب كثيرة، ومجمعه في النهاية هو فهو مجمع إقليميّ، وطلب اعتراف بقراراته من روما ولم يفدنا التاريخ بورود هذا الاعتراف.. وفي المقابِل فإن تلك المجامع المكانيّة لم تكن ذات اعتبار في الجانب اليونانيّ من الكنيسة، ولم يظهر الاحتجاج بها لدينا إلا بعد دخول المصادر الكاثوليكيّة في زمن جهل للاستعانة بها في الرد على البروتستانت، وهذا قد صار حديثاً جداً..

 

   حجيّة هذه المجامع الغربيّة ستكون محل تفصيل بأقصى درجات التوثيق في موضعها في فصل قادم، وسيظهر في التحقيق مفاجآت، ولحينه يكون السؤال: ما قيمة هكذا مجامع متأخِّرة مقابِل رسالة فصحيّة مسكونيّة من البابا أثناسيوس، سبقها ما سبق من شهادات عبر التاريخ والكتاب المقدس كما سبقت المتابعة، وسيلحقها أيضاً شهادات مطابقة آتِ دورُها في العرض فوراً،،،

 

 

   وبعدُ، وقبل التقدّم للمزيد، فهذا خطاب فصحيّ مسكونيّ يلزم التوقّف قبل تجاوزه والتنبير على قطعيّة نصُّه بقناعة صاحبه بما يكتب وقيامه في موضع المعلِّم للجميع، والمقرِّر لإجماع الكنائس.. ولم يظهر بعده مجمع مسكونيّ بمعنى الكلمة قطّ يناقضه..

 

   فهل يبقى أي مجال لمراوغة من يدعون بأنه كان يقر بأنه يعبر عن رأي خاص؟ أو أن الهيئات الكنسيّة كان لها في وقته رأي آخر؟

 

 

   (ليس للمدافعين عن قانونيّة "الأسفار الثانية" حتى الآن إلا تضمين البابا أثناسيوس لسِفر باروخ ضمن نبوّة إرميا، وقد وعدتُ بمناقشة هذا في موضعه)

 

 

وفي مُفتـَتـَح رسالة تأمليّة تفسيريّة:

شهادة أثناسيوسيّة تالية:

 

   هذه الترجمة بتصرّف لمقطع من رسالة البابا أثناسيوس لمارسلينوس، والتي يتأمَّل فيها في سِفْر المزامير، وقبل أن يشرع في تأمّله، يبدأ بمقابَلَة المزامير ببقيّة أسفار العهد القديم، فكان للبحث فرصة لاستشفاف القانون عند البابا أثناسيوس إذ يُجمِله عَرَضاً:

   "أسفار موسى، يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك، الاخبار، عزرا، بناء الهيكل (نحميا)، الانبياء، كل سِفْر من هذه كحديقة تُنتشج نوعاً من الفاكهة؛ وبالمقبِل فالمزامير تنمو فيها، فوق فاكهتها المتفرِّدة، أنواع من فواكه الأُسفار الأُخرى!"[ix]

 

   صحيح لا يقدِّم العرضُ، الآتي عَرَضاً في الرسالة هنا، القانون تفصيليّاً، ولكن يمكن جمع كل الأسفار التي لم تُذكَر تحت عناوين مُجمَلَة:

   نحميا عادةً في العبريّة والسبعينيّة محسوب مع عزرا في كتاب واحد، والإشارة لبناء الهيكل إما تكون إفراداً له ككتاب، أو تفصيلاً لمحتويات كتاب عزرا باعتباره يتضمّن  نحميا معه.. وسِفْر راعوث مُلحَقَ بالقضاة حسب فهرس قانون اليهود كما هو  معروف، وأسفار سليمان يصحّ أن تكون مُجمَلَة مع "الأنبياء" في هكذا عرض سريع، باعتبار سليمان معدوداً نبيّاً عند الجميع، وأيوب يُجسَب بداهةً مع الأنبياء، وهو محسوب نبياً للأمم حتى عند اليهود في التلمود[x]، أو ربما حتى أُغفِل ذِكره إذ كان يمرّ به عَرَضاً ولا يُقصد به ثَبتاً..

   فقط الأسفار "القانونيّة الأولى" مُجمَلَة في عناوين العرض الأثناسيوسي في هذا الشاهد، ولا ذِكر لأي عنوان يمكن تحميل "الأسفار الثانية" عليه!

   قد يحتجّ البعض هكذا: "ولماذا لا تكون "بعض أو كلّ الأسفار الثانية" قد دخلت بالمثل تحت مظلّة هذه العناوين دون أن تُذكَر بأسمائها ككثير من الأسفار التي أُجمِلَت؟"!

   يُغلِق باب تسلّل حسبان "الأسفار الثانية" قانونيّة أن الرسالة الأثناسيوسيّة تُفَصِّل في هذه الفقرة الأسفارَ التاريخية، صموئيل والملوك والأخبار وعزرا وبناء الهيكل (نحميا)، ومع هذا التفصيل لا يأت ذكر أيِّ من المكابيّين، رغم الأهميّة التاريخيّة ربما الأخطر تاريخيّاً ووعظيّاً من الأسفار القانونيّة (نعم فقد يحدث في التاريخ ما يماثل تاريخ الكتب القانونيّة ويفوقه، ولكن ليس كل الوحي ولا كل عمل الرب يكون قانوناً كتابيّاً في الكنيسة، فلكل رتبة توصيفها وشروطها—وشرح ذلك وافٍ في الفصل الأول من هذه الورقة)..

 

   إذاً، فإنّ "الأسفار الثانية" لم تُذكَر بين القانون، حتى في شهادة عارضة، وحتى حين كان التفصيل يستدعي ذِكرها قبل غيرها..

 

 

   وجدير بالذِكر أن تاريخ الرسالة موافق لتاريخ الرسالة الفصحيّة، فيقوم مقام شهادة مستقلِّة على صحّة نسبة القانون (بغير "الأسفار الثانية") إلى البابا أثناسيوس.. فالرسالة الفصحيّة يؤرخها العلماء بـ367 ميلاديّة[xi]، وأما هذه الرسالة لمارسلينوس فيقدِّرونها بستينيّات المائة الرابعة، ومع أنّ التقدير يعرضونه كاحتمال غير دقيق[xii]، فأرى أن في توافقها مع قانون الرسالة الفصحيّة قرينة تُؤخَذ في الاعتبار..

 

   إذاً البابا أثناسيوس يحفظ القانون بغير زيادة "الأسفار الثانية" في الدائرة الكنسيّة المسكونيّة، وفي الرسائل التعليميّة التأمليّة الشخصيّة.. ولا يُلمِّح حتى في رسالة شخصيّة لقانون مٌخالِف أو رأي كنسيّ هو يخالفه..

 

 

وشهادة من "الغَرْب" حيث ظهرَ تقنين تلك الأسفار أولاً:

شهادة روفينوس عن إجماع "الآباء":

 

·         ناحية الشاهد: الجانب الغربيّ اللاتينيّ من الكنيسة الجامعة..

·         الزمان: المئة الرابعة..

·         الشاهد: عالم عارف باليونانيّة يكتب بها ويُترجِم للاتينيّة عنها، وهو ما يمتاز به عن الأسقف أغسطينوس أحد قادة المجامع القرطجانيّة التي أقحمت تقنين "الاسفار الثانية"..

 

   هذه الشهادة لا تحظى بالرواج في جدل "القانونيّة الثانية"، حتى يبدو أن كثيرين من المجادلين في الأمر لم يسمعوا بها، وهذا أمر مُستغرَب عندي، على أن الاستغراب يزيد إلى الأسف بالنظر لقيمتها الاستدلاليّة.. وسأشير في هذه "الترويسة" إلى كون روفينوس خصماً لدى أغسطينوس وأثير من ثَمَّ احتمال أن موقف مجامع أغسطيبنوس في شمال أفريقيا لم تخلُ من المُعانَدَة الشخصيّة على حساب الدراسة الجدير بها أمر خطير كتقنين أسفار الكتاب المقدس.. ويزيد من احتمال كون أغسطين هو الجانب المُعانِد هنا أن جيروم، الذي لم يكفّ اغسطين عن مناوشته في غير قضيّة يعلن بشكل واضح عدم قانونيّة تلك الأسفار [xiii].. وجيروم ليس صديقاً لروفينوس بل عدو لدود لم يكف عن القدح فيه بأصعب الأوصاف حتى بعد موته.. نعم هناك احتمال لاقتناص قضيّة قانونيّة الأسفار "الثانية" لتصفية حسابات وتسجيل نقاط في صراعات سخيفة لم يكن أغسطين، كما هو معروف، مؤهَّلاً تفسيريّاً لخوضها.. أطرح هذا كاحتمال لا يمكن تجاهله في ظروف ذلك الزمان ونبرة الجدال فيه، مُشيراً أن من سيرفضه باعتباره مستحيلاً سيتّخِذ موقفه من واقع رغبة محض في ذلك.. وعلى كل حال، فالشهادة في ذاتها قويّة بالنظر لطبيعة الشاهد وعلمه وتستكمل تصوير الكنيسة في جانبيها اليونانيّ واللاتينيّ بقانون كتابيّ واحد بحسب إقرار العلماء منها:

 

   عن الأسفار المقبولة عند اليهود يقول صريحاً أنها هي ذاتها حصر القانون في الكنيسة:
   "هذه هي الكُتُب التي ضمّنها الآباء في القانون، ومنها يستخرجون البراهين للإيمان"
[xiv]

   وأما عن "القانونيّة الثانية" (مع بعض الأسفار الحديثة) فيقول صريحاً أيضاً:
   "وقد رغب الآباء في قراءة كل هذه (القانونيّة الثانية) في الكنيسة، ولكن لا تُرقَّى لإثبات التعليم"
[xv]

 

   هذه شهادة من الناحية اللاتينيّة في المسكونة..

   معنا الآن شهادة من كيرلس الأورشليميّ، وأثناسيوس السكندريّ، وروفينوس الغربيّ:

   كيرلس سريانيّ المدرسة، وأثناسيوس سكندريّ المدرسة، وروفينوس لايتينيّ المدرسة..

 

  وبها تُحكَم جغرافيّاً وثقافيّاً ولغويّاً وعِرقيّاً دائرة مسكونيّة الشهادة للقانون دون إضافة "الأسفار الثانية"!!!

 

 

   لا أعرف رداً خصوصيّاً على هذه الشهادة التي لا يبدو أن كثيرين من الغيورين على تضمين "القانونيّة الثانية" في الكتاب المقدس قد سمعوا عنها أصلاً!

   وهذه هي الفقرات الأصليّة كاملة:

 

‘Of the Old Testament, therefore, first of all there have been handed down five books of Moses, Genesis, Exodus, Leviticus, Numbers, Deuteronomy; then Joshua the son of Nun; the book of Judges together with Ruth; then four books of Kings, which the Hebrews reckon two; the book of Omissions, which is entitled the book of Days [Chronicles], and two books of Ezra, which the Hebrews reckon one, and Esther; of the Prophets, Isaiah, Jeremiah, Ezekiel, and Daniel; moreover of the Twelve [minor] Prophets, one book; Job also and the Psalms of David, each one book. Solomon gave three books to the churches, Proverbs, Ecclesiastes, Songs. These comprise the books of the Old Testament. Of the New Testament there are four Gospels, Matthew, Mark, Luke, and John; the Acts of the Apostles, which was written by Luke; fourteen epistles of the apostle Paul, two of the apostle Peter, one of James, the brother of the Lord and an apostle, one of Jude, three of John, and the Revelation of John. These are the books which the fathers have enclosed within the canon; from these they would have us bring forth the proofs of our faith.’[xvi]

 

‘But it should also be known that there are other books which our fathers call not "canonical" but "ecclesiastical," that is, the Wisdom of Solomon, and another Wisdom of the son of Sirach, which the Latins called by the title Ecclesiasticus, designating not the author of the book but its character. To the same class belong the book of Tobit and the book of Judith, and the books of Maccabees. With the New Testament there is the little book which is called the Shepherd of Hermas, and that which is called The Two Ways(d) and the Judgment of Peter.(e) They were willing to have all these read in the churches but not brought forward for the confirmation of doctrine. The other writings they named "apocrypha," which they would not have read in the churches.’[xvii]

 

   في هذه الشهادة، مماثلاً للبابا أثناسيوس، يبدأ روفينوس بذِكر الكتب القانونيّة حَصراً حتى ينتهي لجمع ما يمثِّل تمام الكتاب المقدس بحاله الآن بغير "قانونيّة ثانية" دون زيادة..

   ثم ينتقل في الفقرة التالية ليسمّي كتابين فقط من هذه المجموعة ("طوبيا" و"يهوديت") ومعهما كتب "المكابيِّين" دون تحديد أي هذه الكتب الأربعة! (فـ"المكابيِّين" فيهم كتابان أكثر من الاثنين المعدودين بين "القانونيّة الثانية"، بحسب"الكاثوليك")..

   وفي عدم اكتراثه بحصرها دليلاً مضافاً لعدم اعتبارها من كتب الوحي، لاسيما بالمقابلة مع عنايته، في الفقرة السابقة، بتسمية كل الأسفار المُعتبرة قانونيّة في الكتاب المقدس..


   ثم، وهذا هو الأقوى قطعاً، يفيد بأن "الآباء" يسمونها "كنسيّة" وليس "قانونيّة"..

   ليس بعد هذا الوضوح وضوح..

   وتزيد قيمة هذه الشهادة أنها أتت من الناحية الغربيّة اللاتينيّة حيث عُقِد مجمع قرطاج الأغسطينيّ الذي يستندون عليه أول ما يستندون لقبول قانونية تلك الأسفار..

   ومزيد من قيمة الشهادة تأتي من النظر لكاتبها، فهو كاتب مطّلِع على الأدبيّات الكنسيّة اليونانيّة ووفير الترجمة عنها، فيجمع علماً مسكونيّاً على خلاف أعضاء مجمع كارثِج Carthage (قرطاج بحسب تصحيف الاسم في العربيّة)كما سيأتي ذكر الاستدلال بهم في حينه..

 

ليسوا ""9 بل 15" !!

شهادة الاختلاف على الاتفاق على تعيين هذه الأسفار!

 

   لذوي القلب الجامد:

 

   عدد الأسفار "القانونيّة الثانية" ليس سبعة مع تَتِمَّتين!

   ليسوا "7 + 2" بل "11 + 4" أو "10 + 4" (لمن يجمع عزرا الثالث والرابع في كتاب واحد)!!

   نعم هناك عزرا الثالث والرابع، ومكابيّين الثالث والرابع أيضاً..

   وهناك أيضاً صلاة منسَّى والمزمور 151، الذين يعرفهم القبطيّون جيداً ولكن أكثرهم لا يتوقَّف ليتساءل: (لماذا لا يظهرون في قائمة "القانونيّة الثانية"؟)!

   ويمكن اعتبار صلاة منسَّى كتاباً مستقلاً لا تتمّة لأرميا، فيتحول العدد إلى "12 + 3" أو "11 + 3"..

   أما لو تم تعديل القائمة المعروفة فعاد باروخ لاعتباره تَتِمَّة لأرميا، كما هو حاله في النُسخ السبعينيّة فعلاً، فيتغير شكل العدّ مرة جديدة، ولكن، وعلى كل حال، وأيّاً كانت اعتبارت العدّ، فإنّ:

   هناك 15 وحدة زيادة وليسوا 9 كحال القائمة "الكاثوليكيّة" لا "الأرثوذكسيّة" المُتداولَة!!!!!!

 

 

   فما هي أصلاً الأسفار القانونيّة الثانية حصراً مع هذه المفاجأة للبعض؟
   تنبيه:
   قبل استقصاء الإجابة يحتاج هنا القبطيّ تحديداً أن يجمع كل ما يملكه من ضمير ليقرّ على نفسه بحقيقة الغفلة التي هو فيها، ويوبِّخ نفسه توبيخ شاول الطرسوسيّ على حميّته التي وضعها في غير موضعها..

   بحسب النُسَخ المتداوَلَة في المكتبات القبطيّة فالأسفار القانونيّة الثانية هي حصراً: "طوبيا"، "يهوديت"، "تَتِمَّة إستير"، "الحكمة"، "يشوع ابن سيراخ"، "باروخ"، "تَتِمَّة دانيال"، "المكابيّين الأول"، "المكابيّين الثاني"..
   مجموع تسعة: سبعة أسفار كاملة مع زيادتين..

   هذه المجموعة ليست قبطيّة ولكنّها "كاثوليكيّة"!
   يرُدّ أكثر القبطيّين بتسرّع واستهزاء وثقة (القبطيّ قادر على جمع التسرّع والاستهزاء مع الثقة) أن هذه الأسفار هي موضع إجماع من الكنائس" التقليديّة فطبيعيّ أنها هي هي عند الجميع..
   ولكن ماذا عن "المزمور 151"؟
   وماذا عن "صلاة منسَّى"؟
   وهي زيادات تقرأها الكنيسة في صلوات أسبوع الباسخا حتى ليلة أبوكالبسيس، بالسويّة مع بقية الأسفار "القانونيّة الثانية"، التي تُقرأ أصلاً بالسويّة مع الأسفار المقدسة المُجمَع عليها؟؟؟!!!
   هنا يبدأ الارتباك لدى من يصمم على محفوظات بغير نظر، وعناوين بلا مضامين..

   لقد اختصصت القبطيّ بلزوم الاستعداد لفاصل مزعج من المعلومات، لأن بقيّة الكنائس التقليديّة ("الأرثوذكسيّة") تعلم القضيّة وتحتفظ بكتبها "القانونيّة الثانية كاملةً لا تستعيرها من "الكاثوليك" فلا يقلقون من هذه المفاجأة.. ولكن الانتقال لهذه الكنائس يحمل مزيداً من القلق للقبطيّ: فبينما يجد في كنيسته جزئين مزيدَيْن عما يقبله "الكاثوليك" فإنه على العكس سيجد مزيداً فوق ما لديه عند "الأرثوذكس" الشرقيين
EOC، سيجد:
   عزرا الأول (سابقاً على عزرا ونحميا)،
   ومكابيّين الثالث (مع اختلافات داخل الكنائس "الأرثوذكسيّة" حوله للحاق بعض التخريف به)
   ومكابيّين الرابع (موجود كأمر واقع، ولكن يميلون بأكثريّة كبيرة لرفضه لزيادة معيار التخريف به)
   وسِفًر للأناشيد
Odes، وصلاةُ منسَّى هي واحدة فيه فقط بين 14 نشيد!

   الآن يتجمع أربعة عشر سفراً وليس تسعة فقط! وبهم سفر يزيد فوق صلاة منسَّى حتى أربعة عشر نشيداً!

   ما بدأ في علم جمهور الكنيسة القبطيّة، بحسب التلقين، أنه (7 + 2)، انتهى إلى (14 + 14) J


   إن أصل مرجعيّة أسفار "القانونيّة الثانية" هي ورودها في الترجمة السبعينيّة (يقيناً فتجميع "السبعينيّة" تطوَّر مع الزمن، ولكنها أخذت شكلاً واحداً مُجمَّعاً قبل زمن المسيح)، فإن كانت هذه هي المرجعيّة التي بُنِي قبول "القانونيّة الثانية عليها، فلماذا لا يقبل من يقبلها الأربعة عشر سفراً جميعاً؟

      

   وهناك فوق كل هذا ومن طريق آخر سفر مُضاف على الكتاب المقدَّس بحسب اعتقاد الكنيسة الأثيوبيّة، أي سفر "أخنوخ"..
   والكنيسة الأثيوبيّة في تمام الشركة أكثر من أي كنيسة أُخرى مع كنيستنا، أقول أكثر حتى من الكنائس المتفقة مع كنيستنا "القبطيّة الأرثوذكسيّة" في المجمعيّة إذ لها امتياز المشاركة في انتخاب البابا القبطيّ..

   ويزيد من حجيّة إضافته ظاهريّاً أن لهذا السِفر استشهاد به في الرسائل الجامعة (يه1: 9)
   ولكنّ الرد يأتي حسناً من أنصار "القانونيّة الثانية" أن التشابه لا يدل على المرجعيّة، وليس كل ما يحتوى مادة قانونيّة ومُوحَى بها يكون في ماهيّته المُجمَلَة قانونيّاً ومُوحى به.. وهنا المُلاحَظَة التي لا تغيب عن بداهة النبيه أن الغيورين على تضمين "القانونيّة الثانية" في الكتاب المقدس يحسنون المنطق حين يكون ردهم على ما يخرج عن حدود ما يدافعون عنه، دون انتباه أن ذات منطقهم يحكم على بعض دفوعهم عن إضافة "القانونيّة الثانية" للكتاب المقدس، أي حين يحتجون ببعض العبارات المعدودة المتشابهة بين أسفار العهد الجديد و"القانونيّة الثانية"..

 

   ولكن أي قانونيّة هذه التي لا تحدِّد المُقنَّن؟ ولا تقطع برأي عند الاختلاف والخلاف؟ ولا تتفق كنيستان على نفس المجموعة؟ بل ولا حتى الكنيسة الواحدة تتفق مع نفسها؟ (باستثناء "الكاثوليك" الذين قطعوا من هذه الأسفار القانونيّة الثانية" ما قطعوا، بسُلْطة كنسيّة محض مهملين بقيتها بغير منطق)

 

 

الدفاع سيّد الأدلّة!

شهادة فشل الردود بل ارتدادها!

 

ما لم يُشَر لغير ذلك، فـ"الاستدلالات" و"الدفوع" الداعية لاعتبار "القانونيّة الثانية" مساوية للكتاب المقدس في القانونيّة والوحي مأخوذة من الكُتيِّب الأشهر "الأسفار القانونيّة الثانية" الذي كتبه د. مراد كامل وأستاذ يسى عبد المسيح بعنوان..

ترتيب متابعة الأدلّة ليس بترتيب ورودها في النبذة، ولكن بترتيب تاريخ الاعتماديّة عليها في مساندة دعوة  قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية".. والقصد أن أظهر عرضاً منطقيّاً متوالياً، وأقلِّل من تكرار الإشارات البينيّة في التعليقات..

يُعرَض نصّ "الرد" المدافع عن قانونية الأسفار المضافة بين علامتي تنصيص "..." وبالخط البارز، ويلحق به الرد عليه، مع ما يتّصِل من تعليقات!

 

 

 

 

   تقديم منطق الشهادة:

 

   الدفاع عن قانونيّة "القانونيّة الثانية" هو في ذاته من أقوى الأدلّة على عدمها!

 

   إنهم لا يواجهون كل ما ينتج عن ردودهم التي أعمتها الغيرة التي في غير موضعها، وإنما يلْقونها خليطاً بين العبارات الحماسيّة والقنابل التي لا يتأنّون في تحريّ فيمن ستنفجر..

   هكذا ردود تحمل في ذاتها شهادة على خطأ ما تشهد لأجله، لاسيما حين يكون أصحابها علماء لا تقليل من قيمة شخوصهم مثل د. مراد كامل، وأستاذ يسى عبد المسيح..

 

   إن قوة الشهادة العكسيّة المتوفِّرة من الدفاع عن قانونيّة "القانونيّة الثانية" جِدّ مثير للتعجّب، حتى استدعت تجميع أبرزها في فصل مُفرَد لوضعها أمام نظرة مجمِّعة كدليل ضدّ ما سيقت لتدلّ عليه!!!:

 

 

1)      تعيين الأسفار "بثقة"!

2)      السُلْطة  الكنسيّة

3)      سلطة علماء اليهود والسبعينيّة

4)      استشهاد العهد الجديد

5)      استشهاد الآباء

6)      كُتُب القوانين الكنسيّة

7)      قراءات الكنيسة القبطيّة منذ القديم

8)      ردود الفَخْر.. والحماسة J

9)      اختصار!!!

10)  باروخ النبيّ وأثناسيوس الرسوليّ

11)  المُجلَّدات القديمة للكتب المقدسة

12)  ترجمة جيروم للفولجاتا

13)  اعتراف مجمع نيقية بقانونيّة "يهوديت" (؟!)

14)  الوحي في الأسفار إن كان!  

 

 

 

1) تعيين الأسفار "بثقة"!

 

   (أُعطِـيَتُ هذه الفقرة "رقم 0" لأنها ليست دليلاً معدوداً في حد ذاتها،

   ولكنّها بداية سيلزم الرجوع إليها في كل دليل لتقييمه)

 

   تبدأ النبذة، وكل نبذة وكتيب بغير استثناء، بتعيين الكتب القانونيّة الثانية بثقة:

   "تمهيد: اطلق بعض المسيحيّين كلمة أبوكريفا على الكتب الآتي بيانها المحذوفة من الطبعات البروتستانتية للكتاب المقدس، وهي على الترتيب: طوبيا، يهوديت، تتمة أستير، الحكمة (حكمة سليمان)، حكمة يشوع ابن سيراخ، باروخ (باروك)، تتمة سفر دانيال، المكابيّين الأول والثاني ... الكتب التي نحن بصددها ليست كتباً مشكوكاً فيها بل هي كتب تعتبرها الكنيستنان الأرثوذكسية والكاثوليكيّة قانونيّة"

 

   والثقة من البداية في غير محلِّها.. فهذا القانون للأسفار "القانونيّة الثانية" ليس هو المعمول به في كنيستنا "القبطيّة الأرثوذكسيّة"، وإنما يزيد عليه ما يحسبه أصحاب ذلك القانون "أبوكريفا" يستوجب من يقبلها الحرمان! واما كنيستنا فتقبلها وتقرأها سواء بسواء مع بقية الأسفار "القانونيّة الأولى والثانية"، وتحتفي بأحدها أيّما احتفاء وهو المزمور 150، ومعه صلاة منسَّى..

   كما أن الكنيسة اليونانيّة ومن معها في شركتها من الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة يقبلون ما هو أكثر، وإن اختلفوا بينهم على واحد أو اثنين منها.. فلديهم على الأقلّ مكابيّين الثالث وعزرا الثالث وكتاب الأناشيد الذي يضمّ صلاة منسَّى كإصحاح واحد منّه..

   لقد سبق تفصيل هذه النقطة في الشواهد التي تفنِّد قانونيّة الأسفار "القانونيّة الثانية" في شهادة سابقة، ولكن تصدير الدفاع عنها بهذا الثَبْت استدعى إدراجه مرّة جديدة في شهادة جديدة تأتي من الدفاع هذه المرَّة جاهزاً..

 

   2) السُلْطة  الكنسيّة

 

   الرد المُطنطِن هو في تلك الفقرات التي تستند لبريق السلطة الكنسيّة والأسماء للبشر والكتب، التي لا يعرف العوام أحوالها، (ويبدو ولا حتى بعض "العلماء"(:


   2- 1)   "الكنيسة الكاثوليكيّة قرَّرَت قانونيّة هذه الكتب في مجمع ترنت عام 1546 م، كما قرَّره من قبل مجمع إيبون والقديس أغسطينوس، فقد أعلن هذا المجمع أن كل من لا يقبل الكتب المُشار إليها ولا يعترف بقانونيّتها- إذ كانت تُقرَأ في الكنيسة الكاثوليكيّة وموجودة في نسخ الفولجاتا – فليكن محروماً"..

 

   !!!هذا حُرْم على روفينوس الذي لم يعترف بـ"صفتها كأسفار في الكتاب المقدس".. لا مشكلة عند كثيرين إذ أن روفينوس لا يثير أعصاب غيرتهم..

   ولكنّه حُرم أيضاً للآباء الذين أشار إليهم روفينوس.. لا مشكلة لديهم أيضاً فروفينوس لم يعيّن أي آباء ويمكن تجاهلهم باطمئنان.. ومن يتجاهل روفينوس يتجاهل آباءه..

   ولكنّه حُرم أيضاً على أثناسيوس!!!

   هل توقَّف أحد عند نصّ الدليل الذي يسوقه، ثم توقَّف عند نهاية مقتضاه؟

 

   ثم لن أقول إن المجمعَيْن المذكوريْن أولهما "ترنت" خارج اعتراف الكنيسة القبطيّة مع كل الكنائس "الأرثوذكسيّة".. لا مشكلة فهم يقولون إن الاستشهاد بالمجمع لإثبات الإجماع على قبول الكتب وليس للإقرار بالمجمع نفسه،

  تُقبَل شهادة مجمع ترنمت من حيث المبدأ، ولكن بالفحص يُظهَر الآتي: المجمع انعقد طوال السنوات 1545-1563 ميلاديّة، وبين تاريخه ذاك وبين الرسالة الفصحيّة للبابا أثناسيوس، يسبقها شهادة كتاب الديداسكاليا، ويتبعها شهادة روفينوس التي لا تعتبر "الأسفار الثانية" قانونيّة، بينهما لا يظهر أي مجمع مسكونيّ يقرِّر قانونيّة تلك الأسفار! فهل يزال مجمع ترنت شاهداً معتبراً؟

   وإذا عُلِمَ أن المجمع انعقد أصلاً لمقاومة الحركة البروتستانتيّة، وكان الحال حال معارك، وفي الحرب يُباح الكثير، وكانت تلك الأسفار محل تساؤل ورفض من البروتستانت (رغم أنها لم تكن مُقرَّرَة مسكونيّاً كما سبق التنويه)،  فما المانع من النظر للموقف على أنه معاندة مع البروتستانت وليس دفاعاً عن قانونيّة ما لم يكن قانونيّاً من قبل أصلاً بأي حكم مسكونيّ؟

 

   والاستشهاد بمجمع ترِنت يستدعي التساؤل عن مدى موافقة صاحب الاستشهاد باختصار الكاثوليك لتلك المجموعة من الأسفار "القانونيّة الثانية"! فالذي يستشهد يوافق بحكم استشهاده "الكاثوليك" باعتبارهم شهوداً على مصداقية قانونية هذه الأسفار، فيكون أنه إما يفقد شاهداً في التدليل على الكتب التي لم يشهد "الكاثوليك" لها، أو أنه يشكِّك في تمام مصداقية شاهده..

 

   على أن مجمع "ترنت" كان يكرِّر قانون مجمع هيبو المذكور ثانياً في الفقرة، وإذا كان مجمع هيبو له حجيّة لدي المدافعين، فإن مجمع ترنت يكون بمنطقهم مجرد تكرار لحجة سابقة، فليست له حجيّة مضافة، والتقييم لمنطق المدافعين هنا يكون لمجمع "هيبو" (ما لم يعتبروا ترنت مجمعاً مسكونيّاً فوق الكلّ-- وهم لا يفعلون)، وها هو تقييم هيبو وأغسطين في هيبو:

 

   المجمع المذكور ثانياً "مجمع هيبو" لا يفيد الإجماع على الإطلاق، (تعدّون إلى كَم؟):

 

   @ فهو خالف القانون "الأرثوذكسيّ" اللاحق للكتاب المقدس ولم يقرّ كل أسفاره بعكس ما يظهر في اختطاف الاستشهاد به (القانون الأرثوذكسيّ به كتب مزيدة مثل صلاة منسى والمزمور 151 ومكابيين الثالث وعزرا الثالث..

   @@ هذا فوق مخالفته بل وتجاهله أو ربما جهله خطابَ فصحيّ سابق للبابا أثناسيوس (ولا داعي لتكرار ذِكْر الديداسكاليا وعظة كيرلس الأورشليميّ في وجود رسالة فصحيّة لها أعلى الاعتبار الكنسيّ في ذلك الزمان)..

   @@@ وقبل هذا، فهو مجمع محليّ أصلاً، وليس من ثَمَّ محلّ إجماع أو سلطة مسكونيّة من حيث المبدأ..

   @@@@ ومصداق ذلك أنه قد أرسل المجمع لروما في انتظار اعتمادها لقراره، ولا يفيد أي تاريخ معروف بوصول ذلك الاعتماد وقتها[xviii]..

   @@@@@ ونقطة اعتراف روما كثيرة التفاصيل المثيرة في البحث التاريخيّ، ولكنها عظيمة الدلالة، فلتطُل فقرتها برجاء عدم الضجَر من القارئ المُتابِع:

   هناك بعض الجدل حول صدور ثَبْت مماثل يشمل "الأسفار الثانية" من مجمع  في روما ذات نفسها أسبق بنحو عشر سنوات من مجمع "هيبو"، (مجمع روما 382 ميلاديّة) برئاسة بابا روما داماسوس الأول.. ولكن مجرد الافتراض عبثيّ:

   % فكيف لمجمع برئاسة أسقف روما المتسلِّط على كل غرب شمال أفريقيا يصدر تعييناً للقانون فيعود مجمع هيبو لإصداره من عنديّاته كأنه لم يقبل الاعتراف بسلطته؟

   %% ثم كيف يرفع مجمع هيبو طلب اعتماد "قانونه" من روما التي سبقت وأصدرت القانون بالفعل؟

   %%% أما الاعتماد القريب من مجمع هيبو الثابت بحقّ في التاريخ فقد تكرَّر في مجمعي كارثِج (قرطاج) سنتي 397، و417 (أو 418) ميلاديّة، والثلاثة المجامع، "هيبو" و"القرطاجين" هي مجامع متلاحقة لإثبات بعضها بعضاً وكلّها بوجود أغسطين وبروز دوره فيهما.. هل أكثر من ذلك تهريج قانونيّ؟ وهل ما اعتمدته روما صاحبة السلطان الفعليّ المعروف يعود أسقف تحت رئاستها بتكرار اعتماده مرتين؟ حتى لو كان في مجامِع تُعقَد لأسباب مختلفة؟ نعم، كان تقرير قانون الكتاب يُحشَر في غير موضعه مما يدلّ في ذاته على عدم الإجماع المزعوم:

   %%%% ففي مجمَع كارثِج (397) فقد أتى تكرار قانون الكتاب المقدس محشوراً في قضيّة أُخرى، وعلى كل حال، فلم لم يأتِ اعتماد بهذا المجمع من روما أيضاً! علماً بأن روما سبق لها المبادرة بالاعتراف بمجمع كارثِج الأول تحت رئاسة كبريانوس (251 ميلاديّة) في نفس السنة!!

   %%%%% وأمَا في مجمع كارثِج التالي (417 (أو 418) ميلاديّة) فقد تجاوز الأمر البحث عن اعتراف من رئاسة غرب شمال أفريقيا (أي روما) بالمجمع، لأن المجمع المَعنيّ شجَب أحقيّة بابا روما (أو أسقف روما-- ليس مجال حَسْم تسميته في ذلك الزمان هنا) في أن يحلّ أسقفاً موقوفاً في أفريقيا، وأوصى قانون 17 فيه بعدم قبول من تُعَـيِّـنُـه روما!!![xix]

   فلا يحتاج الأمر الآن لبحث يُعيّن موقف روما من المجمع!

   (وبعد بحث لاحق ثبت صحّة قرائتي المتواضعة لدلائل التاريخ: فليس هناك اعتراف، بل هناك شهادات رافضة لفحوى قرارات المجامع الكارثِجيّة تلك من أساقفة من شمال افريقيا وفوقهم إشارة رفيعة ولكنها قاطعة من البابا غريغوريوس الكبير [xx] ! فإذاً بقيت قرارات مجامع كارثِج  بشان الإضافة لقانون الكتاب المقدس نحو دستة من السنوات بغير اعتراف من رئاستها في روما بها، حتى ظهر مجمع ترنت)

 

   وبالمناسبة ولتأصيل الحال: فالصراع بين روما وكارثِج قديم، وسبق الصراع بين كبريانوس أسقف كارثِج وستيفان أسقف روما بعد مجمع كارثِج الثاني (255-256 ميلاديّة)..

   (كبريانوس أسقف مُعّلِم وغيور ولا إشكال مع سيرته الطيبة وتعليمه،، وإنما القصد هنا هو رصد وعَرض خلفيّة الحال للوقوف على مدى جدارة الاطمئنان لنقاء ومشروعيّة ما يصدر من هكذا مجامع لاحقاً)

   ولم يكن الصراع بين المدينتين أو بالأحرى إقليم شمال غرب أفريقيا والعاصمة الكبرى روما، صراعاً كنسيّاً فقط، وإنما كان امتداداً لصراع عسكريّ وسياسيّ مدمِّر لا يمكن إغفال اعتباره في تأجيج الحال والتريّث في افتراض الاستقامة، وابتلاع القانونيّة من كل ما يصدر من مواضع هكذا حالها..

   لقد سبق تهديد روما من كارثِج وإشعال ثلاثة حروب ضدها انتهت بتدميرها وإخضاعها في الحرب الثالثة (150 قبل الميلاد)، بعد أن بقي "كاتو" الكبير يختم كل خطبه بقوله:

"أعتقد يجب تحطيم قرطاج"

 Ceterum censeo Carthaginem esse delendam[xxi],

غير مكتفٍ بالانتصار الساحق..

   (كدعابة لطيفة أقول: ربما أخطا التاريخ في مُخالَفَة نصيحة "كاتو" الكبير لاحقاً بإعادة بناء المدينة التي خرج منها كثير من إشكال التعليم القيَميّ  والتفسيريّ حتى إدخال ما ليس في قانون الكتاب المقدس فيه)

 

  ولا يمكن لنابِه إغفال خلفيّة الصراع العرقيّ والتاريخيّ وانعكاسه على المجامع واستغلالها للصراع الكنسيّ لتصفية حسابات قديمة..

   فأي قانونيّة لأي قرار في كل هذا القلق، وأي صحّة للافتراضات الخياليّة التي تخالف الثابت من التاريخ الذي يثبت فيه فقط التشاحن وتنازع القانونيّة؟

   وعلى كل حال، فالتحقيق التاريخيّ المستقرّ يعتمِد "احتمالاً" أن يكون القانون المنسوب لمجمع روما هو قانون مجهول المصدر ومتأخِّر بمئتي سنة عن تاريخ مجمع روما المذكور : (F. F. Bruce, The Canon of Scripture, Intervarsity Press, p. 234)

(هذا الاحتمال أراه يقيناً، بقوة منطق الأدلّة المرصودة للتوّ)..

 

   فليس بعد ذلك هناك يُعِيـْن مجمع أغسطين قانونيّاً لا في شاهد قبله ولا في اعتماد بعده، ولا في ظروف محيطة به، وعليه (على مجمع هيبو) أن ينتظر أكثر من ألف سنة حتى ظهور البروتستانت وانعقاد مجمع ترنت لمقاومتهم وتبنّيه لقانونيّة الأسفار الثانية..

   @@@@@@ على أن أغسطين لم يصبر حتى الألف سنة J، كما أنّ نزاعاته لم تتوقَّف على الناحية اللاتينيّة مع روما، بل شملت مجافاته كلَّ الشرق اليونانيّ في العموم، وهي خصومات لا يمكن إهمالها عند تقييم حُجيّة مجامعه.. ومن ثمَّ فقد عقد أو شارك أو دعا لمجامع كارثِج اللاحقة التي سبقَ عرضها، وفي المجمع الثاني منها (كارثِج 417 أو 418 ميلاديّة) دخل في مساجلة مجمعيّة ضد أساقفة أورشليم، إذ كان مجمع دياسبوليس (ليديا أو اللدّ) سنة 415 ميلاديّة قد أبطل إدانة أغسطين لتعليم بيلاجيوسن، فردَّ أغسطين وتلاميذه بهذا المجمع (كارثِج 417 أو 418) في السنة التالية تقريباً..

   كان زمن صراع ومجامع صغيرة الشأن عديمة المسكونيّة غير مضمونة النقاء، وليس زمن مرجعيّة نقيّة لمجامع كُبرى كما يصوغها المدافعون بغيرة عما لا يستحقّ غيرتهم..

   @@@@@@@ ومفهوم أغسطين نفسه عن "الكنيسة الجامعة" ليس كما يٌختَطَف ويروَّج له أنه يقصد جميع الكنائس القانونيّة.. فمن يقرأ كتابه (On Christian Doctrines) يظهر له منه أنه يجاول ممارسة السلطة التعليميّة على الجانب اللاتينيّ من الكنيسة في غيبة من متابعة اليونانيّين والعارفين باليونانيّة! وفي الفصل الثاني في كتابه المذكور، الفقرة 12[xxii]، يتكلَّم عن قانون الكتاب المقدس، ويظهر فيه أنه يقصد بالكنائس الجامعة الكنائس القريبة منه الموافِقة على مصادره اللاتينيّة الفقيرة!!

   @@@@@@@@ ولم يكن من حضروا "هيبو" عُلماءً (اعترف كبيرهم أغسطين بعجزه عن فهم اللغة اليونانيّة رغم محاولته تعلّمها في صباه، وعزا ذلك للخطيّة الأصليّة!J![xxiii]

   هذه الملاحظة الطريفة تستدعي العودة من حيث بدأ رصد نقاط عدم أهليّة مجمع هيبو في تقنين أسفار الكتاب المقدس، وأُعني نقطة تجاهل رسالة البابا أثناسيوس الفصحيّة (أو الجهَل بها إنْ حَسُنَ الظنّ).. فلا عَجَب الآن، مع غياب المعرفة اليونانيّة، أن رسالة البابا أثناسيوس الفصحيّة لم يَرِد لها ذِكْر في كل مجمعهم..

   وقد يعترض واحد: ولكن ألا تُتَرجَم الرسائل الكبرى، ولا أكبر من رسالة فصحيّة مسكونيّة مُقرَّرَة بحكم المجمع المسكونيّ الأول، ألا تُتَرجَم للاتينيّة وتُقرَأ في الكنائس؟ والرد على هذا الطيب صاحب السؤال هو إعادة تذكيره بحال الصراع والنزعات العرقيّة والمدرسيّة.. ووضع كل واحد نفسه موضع المعلِّم الأعلى متى توفر له منصب أعلى..

   وعلى كل حال فغياب ذِكْر هذه الرسالة الفصحيّة، مع ما ورد في كتاب الديداسكاليا، يدلّ قطعاً على عدم كفاءة هذا المجمع L

   @@@@@@@@@ وأخيراً فالفولجاتا (القديمة) التي أقاموا حكمهم عليها لم تخلُ من أخطاء فادحة في الترجمة، ومن هذا استشهاد أغسطين نفسه بـ(1كو51: 51) في تفسيره لمزمور 65، وبنائه لتفسير عليه، واستدلاله على عقيدة به، بينما الشاهد مُتَرجَم بالعكس في الفولجاتا: "كلنا نقوم وليس كلنا نتغير" بدلاً من "ليس كلنا نرقد ولكن كلنا نتغيّر" بحسب الأصل!

(NPNF, series I, vol. viii, Psalm LXV, paragraph 4, p. 593)

   وقد تَرِد رسالة هنا أو هناك، لا يمنَع الأمرُ، من أحد أساقفة روما لأحد علمائها أو أساقفتها، بشان الفولجاتا، ولكن ليس هناك ما يقوم مقام قانون مجمع يقرِّر قانونيّة "الأسفار الثانية" ولا حتى رأي رسميّ بهذا..

 

 

   والشاهد من كل ذلك أن أصحاب أول مجمع يُقرّ قانوناً للكتاب المقدس يزيد عما سبق إقراره كان على يد غير مؤهلِّين إلا من امتلاكهم لأسماء ذاع صيتها لأسباب ثقافيّة وسياسيّة لا موضوعيّة.. والظروف التاريخيّة والموضوعيّة والقانونيّة جميعاُ ومُفرداً تجعل كل الاعتبارات المجمعيّة الموهومة فيها تهريجاً ابتلعته الكنيسة تحت ضغظ ظروف اضطهاد وصراع مذهبيّ ولا أملك مجاملة نتائجه المُرَّة كما يجامله من يفعلون..

 

   إذاً الدليل المجمعيّ الكبير الذي يبدأ المدافعون بتصديره دائماً، ظهر أنه لا هو من مجمع مسكونيّ، ولا حاز اعتراف الجميع به، ولا قادته مؤهلون أهليّة علميّة، ولا حكموا  بناء على تقليد رسوليّ (وإلا كانوا قد ذكروا) وإنما على نسخة مجمَّعة باللاتينية بها أخطاء..

 

   فكيف يقف هكذا مجمع مقابِل حجيّة سطر واحد في خطاب فصحيّ ميسكونيّ؟ أو حتَّى أمام أي شئ في شواهد قانون الكتاب المقدس الأصيلة؟

  

 

   و"على جنب" بالمناسبة، فالأسقف التائب، المكُرَّم لتوبته بحقّ، أغسطين، مع رفاقه وتلاميذه مجامعه، وبغير مساس بقصّة اهتدائه للإيمان الطيّبة، هو بمنتهى الوضوح، وبغير تضمين لتوبته المُكرَّمَة، وكل توبة مُكرَّمَة، هو في بقيّة أعماله وتعليمه مصيبة من مصائب تاريخ الكنيسة، سواء في شروحه أم في وعيه الروحيّ والأُسَرِيّ، ويكفيه تجاهله "وكسة" الزواج المُختَلَط مع غير المؤمنين، ولا يعلم من يُـلَـوِّحون باسمه، كأنما يهوون، على رؤوس غير الموافقين لقولهم، بمطرقةٍ لا تُقاوَم، أنه لم يكن معروفاً في كنيستنا القبطيّة قبل أول ترجمة عربيّة لكتابه في مطلع المائة العشرين، وقبل ذلك ليس بكثير كان يُشار لاسمه في الرد على البروتستانت نقلاً من كتب كاثوليكيّة[xxiv]..

   فلو حدث أن دارت مناقشة قانونيّة "الأسفار الثانية" قبل سن 1870 ميلاديّة وقيل للسامعين "القديس أغسطينوس يشهد" لارتجوا ارتعاداً من الاستشهاد بمن لا يعرفون.. وأما لو عرفوا حقّ المعرفة، لارتجوا غضباً..

   فليس هو بكل وضوح السلطة المقنعة التي يُلتَمَس لديها شرح الإيمان وقوانين الكنيسة، بَلَه أن يصدر عنه حُرم يطال ضمنيّاً البابا أثناسيوس!

 

   (وقبل أن أغادر هذه النقطة، سأعرض عرضاً يُريح ضمير الجميع لمن بقي في ضميره قلق من مُراجعة أهليّة مجامع كارثِج، سأتنازل عن كل شائبة تشوب المجامع ومن حضروها وترأَّسوا فيها، وسأفترض تمام الكفاءة والأهليّة والنقاء فيهم، فهل مع هذا الافتراض تقوم شهادتهم مقابِل شهادة البابا أثناسيوس والبطريرك كيرلس الأورشليميّ في الأسبقيّة العلميّة أو حتى الزمنيّة؟)

 

  
   2- 2) ويتبع هذه الفقرة فقرات مُماثلة، وإن كانت أقل هدوءً في نبرتها عن إقرار الكنيسة اليونانيّة:

   "والكنيسة اليونانيّة تعتبرها قانونيّة، إذ لما تباحث البروتستانت مع الكنيسة اليونانيّة بشأن هذه الأسفار، عقد البطريرك دوسيثاوس بطريرك أورشليم مجمعاً سنة 1682 وأصدر قراراً جاء في نصه: إننا نعد هذه الأسفار قانونيّة ونعتقد أنها من الكتاب المقدس لأننا تسلمناها من الكنيسة المقدسة منذ القديم"

   (تصحيح سريع: المجمع المذكور عُقِد سنة 1682 وليس 1672 كما هو مذكور في الأصل المنقول منه بدقة حرفيّة)

 

   مرّة ثانية، فالشاهد اليونانيّ يُلزِم من يستشهد به بأن يقبل مزيداً من الأسفار..شاهده الأول "الكاثوليك" يحذفون من أسفاره، وشاهد الثاني "اليونانيون" يضيفون عليها، ولا ينضبط معه شاهد حتى الآن..

   ولقد توقَّف الباتريارك "دوسيثيوس" عند "القديم، ولكنه لم يصل للأقدم، ويكفي لوصل القديم بالأقدم استدعاء شهادات البابا أثناسيوس وروفينوس، المُفصَّلة في الفصول السابقة..

   على أن هناك مُلاحَظَة في السياق التاريخيّ لازمة الاستدعاء والتفعيل: كان ذلك العصر هو عصر "اللتننة" في الكنيسة الشرقيّة، والتي طالما يقاوم آثارها الثيولوجيّون اليونانيّون المحدَثون.. و"اللتننة" بدأت في الكنيسة اليونانيّة كأمر اضطراريّ لالتماس رضا الغرب ومعونته لمواجهة الخطر التركيّ.. فكانت هناك تنازلات وتَـرْضِيات في صياغات القوانين والشروح لاسترضاء خاطر بابا روما!

   وحتى دون الحاجة لاعتبار القلق من إغضاب كنيسة روما وقتها، فإن التعصّب اليونانيّ ضد اليهود مشهوداً وأهم ميادينه هو في الاعتداد بالترجمة السبعينيّة التي انتهت إلى اعتبارها كمجموعة شاملة تضمّ كل الأسفار اليهوديّة المُترجَمَة لليونانيّة بعمل يهود الإسكندريّة..

   اعتبارات معروفة تُؤخَذ لتقدير قيمة "شهادة مجمع أورشليم" هذا، ولكن المؤكَّد بشهادات ثابتة أن القديم المُعتَبَر لدى المجمع والباتريارك دوسيثيوس كان هناك ما هو أقدم منه..

 

   كل ما سبق ملاحظات مبدئيّة، ولكن الدخول في تفصيل نصّ المُستَشهَد به يكشف إلام وصل حال الاضطهاد بالكنيسة الشرقيّة في العموم، وإلام قادت الغيرة بغير معرفة رجالها.. فبجانب المنطق المتشبث بكل ما هو حاضر، دون امتحان وفحص كوصيّة الرب، بجانب ذلك، فقد وصل التشبّث إلى إهانة طيب السيرة كيرلس الأورشليميّ، ومن باتريارك أورشليم! ولماذا؟ لأنه لم يقل بغير ما قالت به الدسقوليّة وقال به أثناسيوس وقال بهر وفينوس ولم يظهر في الإنجيل سواه L

يؤسفني الإشارة لذلك، ولكن هذا هو نصّ ما قاله المجمع:

 

“Following the rule of the Catholic Church we call Sacred Scripture all those which Cyril collected from the Synod of Laodicea, and enumerated, adding thereto those which he foolishly, and ignorantly, or rather maliciously called Apocrypha ; to wit, ' The Wisdom of Solomon,' 'Judith,' ' Tobit,' 'The History of the Dragon,' 'The History of Susanna,' 'The Maccabees,' and 'The Wisdom of Sirach.' For we judge these also to be with the other genuine Books of Divine Scripture genuine parts of Scripture. For ancient custom, or rather the Catholic Church, which hath delivered to us as genuine the Sacred Gospels and the Other Books of Scripture, hath undoubtedly delivered these also as parts of Scripture, and the denial of these is the rejection of those.  And if, perhaps, it seemeth that not always  have all been by all reckoned with the others,  yet nevertheless these also have been counted and reckoned with the rest of Scripture, as well by Synods, as by how many of the most ancient and eminent Theologians of the Catholic Church; all of which we also judge to be Canonical Books, and confess them to be Sacred Scripture.”[xxv]

 

   أولاً يظهر من شهادة المجمع أن كيرلس "الأورشليميّ" جمع من مجمع لاودكيا الكتب المعروفة بغير "الأسفار الثانية"..

   ثانياً يعلن المجمع أنه "يضيف على هذه الكتب الكتب الأخرى التي أضافها "كيرلس" بحماقة، أو جهل، أو بالأحرى بخبث" إلى الأبوكريفا، وهي حكمة سليمان، ويهوديت، وطوبيا، وتاريخ التنين، وتاريخ سوسنة، والمكابيين، وحكمة سيراخ"

   وثالثا يفيد بحجّته أنها العادة القديمة أو الكنيسة الجامعة بالأحرى هي من قدمت لنا هذه الكتب، بلا شك، كما قدَّمت الأناجيل وبقيّة الكتب المقدسة، فمن يرفض هذه فكمن يرفض تلك..

   وهنا تُستَعمَل عبارة "بلا شك" بلا رصيد.. أين عدم الشك مع كل ما سبق من براهين؟ هل الدسقوليّة لا تثير الشكّ؟ هل خطاب البابا أثناسيوس الفحصيّ لا يثير الشك؟ هل إقرار أحد كتبة المكابيّين بأنه يرجو أن يكون قد أحسن لا يثير حتى مجرد الشك؟

   اللغة واضحة التعصّب لما هو في الكنيسة ضدّ المنشقَّين عنها من البروتستانت (المجمع كان يناقش البروتستانت ويقاومهم أصلاً كسبب لانعقاده).. حسن أن يغير رجل الكنيسة على معتقد كنيسته، ولكن ألا يلزم لهذه الغيرة الحسنة معرفة؟ هل كل ما في الكنيسة هو كتب قانونيّة؟ هل نجعل السنكسار مثلاً مثل الكتاب المقدس لأنه في الكنيسة، فمن يرفض قانونيّة ووحي السنكسار كمن يرفض الأناجيل؟ هل "تاريخ التنين" كتاريخ متّى صاحب الإنجيل النبويّ أو مرقس صاحب إنجيل القوة أو لوقا الطبيب صاحب الإنجيل الشافي للنفوس المُتعَبَة، أو يوحنا السماويّ، الذين مدحهم في الإنجيل في جميع الكنائس؟ هل هذا المنطق مقبول من الذين يستشهدون بذلك المجمع المسكين الذي سب القديسين للدفاع عمّا وجده ولم يعرف تاريخه ونظر في دفاعه للخصم لا للحقّ؟

   ولا تنفد حجج المجمع، فهو يقرّ أمام احتجاجات البروتستانت ببعض "الآباء"، فيقول إنه رغم أنه ربما أنه ليس دائماً كان الكلّ يقبل تلك الأسفار مع الأخرى (يقصد القانونيّة بحقّ)، فإن هناك آخرون قبلوها ومجامع قبلتها!

   الباتريارك الأرثوذكسيّ الشرقيّ يقبل مجامع "هيبو" و"قرطاج" (وربما "ترنت"!! فهو لم يُحدِّد المجامع التي عناها)، ولا حاجة في المقابِل لتعداد عدد الثيولوجيّين القدامى والمعاصرين منهم الذين يرفضونها ويراجعون كل تعليمها..

   وملاحظة أخيرة قاسية ولكنّها قسوة مُستَحَقَّة إزاء ما قيل: طالما أن "كيرلس" حاشا لسيرته الطيبة، رفض قانونيّة تلك الأسفار "بحماقة أو بجهل أو بالأحرى بخبث" (أُكرِّر حاشا)، فلماذا لم يطبِّق المجمع نفس الوصف على الذين "ربما ليس في كل وقت قبلوها"؟ ومنهم أثناسيوس؟!!!؟؟!

   صحيح أن أثناسيوس أقرّ بأنها نافعة للقراءة، وأما كيرلس الأورشليميّ فقد نحّاها تاماً جانباً، ولكن هذا فرق في الدرجة، والحكم على ذاك يأتي بعض منه على هذا..

   وبعدُ، فقد كان هذا "دليل" جديد من أدلة المُستَدلِّـيـن على قانونيّة تلك الأسفار!

   كانت هذه أثقل فقرة على قلبي في كل الورقة، واستسمح من هذه اللغة الطوباويّين أصحاب الفضل على إيماننا، وبعض هذا الفضل بلا شك عندي هو حرصهم على نقاء قانون الكتاب المقدس..

 

   2- 3) ويعود الرد للخيال الشعوريّ القبطيّ في القول: "كما أن كنيسة أنطاكية تمسكت بوجهة نظر الكنيسة الأولى"

   والرد على هذا هو نفسه في الرد على الباتريارك دوسيثيوس في الفقرة السابقة..

   وأزيد التعليق تساؤلاً: هل "الكنيسة الأولى" المقصودة هي قبل البابا أثناسيوس أم بعده؟ إن قصدوا أنها قبله، لكان البابا أثناسيوس محسوباً لديهم مخالفاً للكنيسة الأولى، وإن تجاهلوا هذه النقطة في قصدهم واكتفوا بالتاريخ الحقيقيّ لإضافة تقنين تلك الأسفار، فهذه لا تكون الكنيسة الأولى..

 


   3) سلطة علماء اليهود والسبعينيّة


   هذا الرد يقوم على ادعاء لو صدق لكان دليلاً قويّاً، وقويّاً جداً، ولكنه كبقية "الأدلّة" لا يخلو من التطوَّع بالإشارة لحيث يظهر عدم صحّة مبناه ومعناه:

   "سادساً: وُجِدَت هذه الكتب في النسخة السبعينيّة التي تُرجمَت من العبرانيّة إلى اليونانيّة في عصر بطليموس الثاني بمدينة الإسكندريّة سنة 282 قبل الميلاد وترجمها إثنان وسبعون حبراً من أحبار اليهود، مما يدل على أنهم أنزلوا هذه الأسفار مع بقية الأسفار في منزلة واحدة... "

   غير صحيح أنها وُجِدَت في "الترجمة" السبعينيّة، فكيف تُوجَد في ترجمة إلى اليونانيّة، وبعضها مكتوب أصلاً باليونانيّة J، على الأقل سفر "حكمة سليمان" و"المكابيّين الثاني" وتتمةّ إستير" حسب حتى اعتراف الكنيسة "الكاثوليكيّة"! ولن أقيم هذا كدليل، وإنما هو فقط مداعبة لعدم انضباط حديث الدفاعيات هذه، فالقضيّة هي قانونيّة السفر وليس لغته..


   ولكن المؤكَّد أنه غير صحيح أن الترجمة السبعينيّة حوت كل الأسفار الأصلية حتى في مرة واحدة.. بل هي عمل تراكميّ عبر عشرات السنين، وقصّة "السبعينيّة" التي تختصر الترجمة إلى دفعة واحدة تمت في 72 يوماً على يد 72 شيخاً هي قصّة تستند لخطاب منسوب لأريستايس ومليئة بما هو غير معقول..

  (انظر بعض تخاريف ذلك الخطاب في مقال من مقالات مقدِّمة مجموعة "المازورا الإلهيّة" من عمل كاتب هذه الورقة، وهذا رابط للفهرس أيضاً على فيسبوك: https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10152463058249517)
   ومع الوضع في الاعتبار أن العمل الكبير "المجلَّد السبعينيّ" يجمع كثير من آثار اليهود الكبرى، وقد قام بحفظها، بعد رزل اليهود لها، من لا معرفة أصيلة لديهم بالثقافة اليهوديّ،حتى لو كانوا مسيحيّين أتقياء، فيصحّ جداً النظر لأي كتاب محسوب سبعينيّاً أنه مُضاف على الأسفار القانونيّة بغير دراية من القائم بعمل الإضافة، وهذا عينه ما ظهر في مقاومة الآباء وتنبيههم لعدم قانونيّة تلك الكتب التي تسرَّبت، لاسيما يظهر هذا في صريح فقرات رسالة البابا أثناسيوس الذي ينعي تسرّب تلك الكتاب من غير ذوي الدراية..

   على أن نبذة الدفاع تضيف في ذات الفقرة ما يُغني عن المزيد، إذ ينزل أصحابها، دون أن يدروا، عن درجة حجيّة المنطق التي تظهر في كلامهم:
   "ومن يطّلع على أقدم النسخ السبعينيّة ، وهي النسخ الثلاث الشهيرة التي خطت في القرن الرابع الميلادي يجد فهيا هذه الكتب"

   النسخ المذكورة عمل كنسيّ مسيحيّ، فوجود تلك الأسفار المضافة ليس دليلاً على اعتبار أحبار اليهود لها، هكذا بكل بساطة
J على أن بتلك النُسخ حذف لبعض الأسفار وإضافة لبعضها الآخر فهل يبقى المستدلّون بها قابلون لحكمها؟  لماذا يُوجَد المدافعون مقصِّرين عن قبول ما يُلزِمه به ذات منطقه؟ L ويمكن العودة للابتسام مع هذا التعليق: ماذا لو أُخِذ من ذات دليل المدافعين عن قانونيّة تلك الأسفار، وقيل: "وُجِدت أسفار مزيدة، ولتُـسَـمَّ القانونيّة الثالثة، في الترجمة السبعينيّة التي ترجمها أحبار اليهود ممّا يدل على أنهم انزلوها نفس منزلة القانونيّة الأولى والقانونيّة الثانية" J J

   ونختم ببعض الجِدّ: فهذه النسخ المُشار لها تعود "للقرن الرابع" حسب إقرار المدافع، أي تبعد حوالي سبعمائة سنة عن أصل الترجمة، وقد مرَّت بكل العصور التي بها صار هذا الأخذ والردّ بشان هذه الأسفار بين من يبتلعون أي شئ وبين من يؤصِّلون للقانون، وقد سبق عرض نصّ تعليم البابا أثناسيوس في رسالة فصحيّة، أي رسالة عيد القيامة للكنيسة المسكونيّة كلها، وشهادة كيرلس الأورشليميّ بطريرك أورشليم، أيضاً شهادة روفينوس عن إجماع الآباء في زمنه أي في نهاية المائة الرابعة وبداية الخامسة، وكلهم كان يقاوم اعتبار هذه الأسفار قانونيّة، أي ببساطة كان تصحيح الآباء للظنّ الخاطئ لدى عوامّ جيلهم قائم على معرفتهم (معرفة الآباء) بوجود تلك النُسَخ أو ما يسبقها حتى، فليس بالحجة جديد فوق شهادة الآباء.. على كل حال، فهذا الاحتجاج جدير بالإفراد لكونه قائم على المجلدات الكبرى للكتاب المقدس، وسأعامله بأفضل ما عامله من استخدموه، وأُفرِد له
فصلاً شاملاً..

 

 

   4) استشهاد العهد الجديد؟!

 

   يبدو هذه المرّة في العنوان أن الدفاع عن
"القانونيّة الثانية" وصل لدليله الأقوى، فاستشهاد أسفار العهد الجديد بسفر قديم يحمل اعترافاً بوحيه وقانونيّته معاً.. ولكن،،،

   المضمون سُرعان ما سيُـفَـرِّغ العنوان من قوة إيهامه!

 

   إن الاستشهاد بالمكتوب كمكتوب يلزم أن يكون إما تصريح بأنه "مكتوب" أو استشهاد بحجيّته الإلهيّة، وقبل كل شئ يلزم أن يكون النصّ مخصوصاً بمصدر الاستشهاد، وإلا يكون استشهاداً عموميّاً لا يمنك تعيين أي المصادر هي المقصودة، وحين يلزم التعيين فيجبّ الأشهر الأقل شهرة في القصد.. كلّه هذا بديهيّ..

   ويلزم الآن إيراد أمثلة للشهادات والاستشهادات التي يلزم اعتبارها استشهادات بمكتوب إلهيّ بحق، وشهادات لكونه كذلك، ولا يمكن المجادلة في مرجعيّة مصدرها كسلطة وحي إلهيّ:

   + الشهادة والاستشهاد بكتب موسى:

   "لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي" (يو5: 46)،

   ++ والاستشهاد بعموم الـ"تاناخ" (القانون اليهوديّ):

   "ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27)،

"وَقَالَ لَهُمْ: «هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ

مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ.  حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.

 وَقَالَ لَهُمْ: هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي" (لو24: 44-46)..

 

   ومثلها من الشواهد المعروفة التي تستشهد وتشهد ضمناً لما تستشهد به بوضوح..

   أمثال هذه تقوم كدليل مستقيم وشهادة واضحة على سلطة مصدر الاستشهاد، وهذا ما لا يُوجَد لـ"القانونية الثانية"..

 

   ولكن، خلاف ذلك، يحصل كثيراً ذِكر مصادر دون أن يًعني الاستشهاد قانونيّة (أي ضمان صحّة شاملة) بالضرورة: سفر ياشر مثلاً (يش10: 13؛ 2صم1: 18)، أو أخبار الأيام لملوك إسرائيل (21مل14: 19، 15: 31؛ 2أخ33: 18)، ومثله "أخبار الرائين" (2أخ33: 19)، أو حتى استشهاد بأمثلة شعبيّة (تي1: 12)..

 

   كما يحدث أيضاً نوع آخر من الاستشهاد يُظَنّ لدى من لا يمعنون النظر أنه يشير لمصدر ما يحتويه، ولكن يتضّح أن هناك تشابه لا استشهاد، وأن مرجعية الاستشهاد تعود لتقليد أعمّ من المصدر غير القانونيّ الذي سجَّل التقليد مكتوباً بحسب كفاءة وضمان من كتبه لا بقانونيّة تضمنه لمجموع الكنيسة.. مثال ذلك (لو3: 37) وتشابهه مع كتاب "اليوبيل"، و(عب1: 6) مع كتاب "حياة آدم وحواء"، و(يه1: 14 وبعض ما قبلها) مع "سِفْر أخنوخ"..

(انظر لتفصيل أمثلة على هذا النوع من الاستشهاد في:

https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10152437411954517

عن (لو3: 37)، ومثلها عن (عب1: 6) انظر دراسة ورأي دقيق البرهنة:

https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10152472882754517

 

   لذا يلزم لإتمام المراجعة النظر في الاستشهادات المظنونة، لاسيما وقد ظهر مستوى الأدلة التي تبدأ بعناوين تعد بقيمة وتفرّغها مضامينها حتى تقلبها لأدلّة عكسيّة..

 

   4- 1) صلاة منسى (2أخ33: 19).

   في ذات الفقرة الكتابيّة يظهر الحديث عن "أخبار ملوك إسرائيل" و"أخبار الرائين" ، فهل تدلّ الفقرة على قانونيّة كتابين لم يعد لهما وجود معروف؟

   مع ملاحظة ذات دلالة قويّة، وهي أن المرة الوحيدة التي يتمّ التصريح فيها باسم سفر من تلك الأسفار "القانونيّة الثانية" فإن نبذة الدفاع عن القانونيّة الثانية تتجاهلها، لأنه كما يظهر فإن "دفاعياتنا" تسير خلف القانون"الكاثوليكيّ" الذي لا يعترف بـ"صلاة منسَّى" ما يخالف واقع تراث كنيستنا!

 

   4- 2) عيد التجديد

   هذه المرّة، فالمدافعون في نبذتهم يقدمون صنعة "حرِّيفة" في صياغة الكلام.. ولكن المُعوَّل عليه هو المنطق لا الصياغة.. هكذا يقدمونها:

   "ذكر السيد المسيح عيد التجديد في (يو10: 22) وهذا العيد لم يُذكَر في الكتاب المقدس في الأسفار القانونيّة الأولى،  في حين انه ثابت من سفر المكابيين الأول (ص4: 59) أن يهوذا المكابي هو أول من رسم هذا العيد حين ظهر الهيكل من رجاسات الأمم وجدد مذبحه، وهذا يدل دلالة صريحة على ان اليهود تسلموا هذا الاحتفال بهذا العيد من هذا الكتاب"

 

   مداعبة سريعة في البداية: المسيح لم يذكر "عيد التجديد" ولكن ذكره الإنجيليّ يوحنا في معرض وصف خطاب المسيح، فقال: "وكان عيد التجديد في أورشليم، وكان شتاء وكان يسوع يتمشّى في الهيكل ..." J

   ثم أشير إلى حرفة الصياغة في "الدليل الصريح": لقد كان كاتب النصّ حريصاً ألا يتورَّط في الإفراط في أن يبني على ظهور "عيد التجديد" في شاهد من العهد الجديد ادعاءً باستشهاد الإنجيل بالأسفار "القانونيّة الثانية"، وتجنّب تحميل هذا الشاهد أكثر من مجرَّد استنتاج أن اليهود قد استلموا أحد احتفالاتهم الطقسيّة من محتويات السِفر، فيكون السفر مصدر تسليم لاحتفال طقسيّ، وهذا يقود مخيلة القارئ لفكرة القانون المُلزِم، ومن ثَمَّ يتناغم مع ادعاء قانونيّة السِفر دون تلقين صريح.. ولو زاد الكاتب في محاولة الاستنتاج والتحميل لكشف ثغرات الدليل.. إنها عمليّة تمرير بخفّة.. ولا أتكلّم هنا عن نيّة الكاتب التي أُحسِن الظنّ بها، ولكن الكلام هو عن وصف صياغة بارعة بصرف البحث عن مدى وعي الكتاب لحيلته..

 

   على كل حال، فالرد على ذلك بسيط جداً وبديهيّ..

   هناك عيد كبير، وهناك كتاب سجَّل هذا العيد، واليهود احتفلوا بالعيد ليس من مصدر الكتاب ولكن المصدر هو ممن أسسوا العيد وسجلوه في الكتاب معاً.. والمرجعيّة هنا هي ليهوذا المكابيّ نفسه قبل أن تكون لكتابه..

   على أنني رجل منطق، فأقول أن الكتاب يقف على نفس الموضع من جهة التأثير، فمن يرجع بالتقليد ليوسف المكابيّ يجد التقليد مُسجَّلاً في كتاب المكابيّين الثاني، وبذلك يمكن رؤية مماهاة للتقليد الحيّ مع كتاب المكابيّين في هذه النقطة.. صحيح ولكن هل مرجعيّة كتاب المكابيّين هنا هي مرجعيّة قانونيّة أم مرجعيّة تقليديّة؟ بكلمات أُخرى: لو قُبِل تسجيل كتاب ما لتقليد صحيح ومتّصل على أنه يقضي برفع الكتاب إلى درجة الكتب القانونيّة، فهل يقبل أصحاب هذه "الحجة" "سِفْر اخنوخ" بحجّة مماثلة لاستشهاد \رسالة يهوذا ببعضه؟

 

   وأما من يبالغون في النظر الخاطف لهذا التوافق بين إنجيل يوحنا والمكابيّين في أمر عيد التجديد، ويذهبون أبعد مما ذهب إليه كاتب الفقرة الدقيقة أعلاه، فيكون الشرح لهم هكذا:

   العيد كان واقع تاريخيّ، وظهور إشارة لمرّة من مرّات الاحتفال بالعيد ليس به قطّ أي استشهاد ولا حجيّة لأي مصدر تاريخيّ سبق وسجَّل قصّة إنشائه.. وهناك شهادات لمواقف كثيرة جداً في العهد الجديد لها أسس سابقة في التاريخ (مثلاً تلقيب قيصر بلقب أغسطس، وإصداره أمراً باكتتاب المسكونة (لو2: 1))، فهل يخطر في بال أي واحد تقنين كتب التاريخ الرومانيّ التي تؤرِّخ لأصل تسمية قيصر "اغسطس" أو بداية فكرة الاكتتاب المسكونيّ وضمّها للكتاب المقدس؟

 

   كان ما مرّ من استشهادات هو الأبرز بين النقاط ذات الوجاهة نوعاً ما، وظهر، على وجاهتها، عدم دلالتها على ما قُصِدَ بها الاستدلال عليه..

   على أن "استشهادات" كثيرة بغير وجاهة أصلاً، تُساق في حشد عظيم، ويلزم النظر في بعضها لإطلاع القارئ المُتابِع على ما يبرِّر صحة تقديري لها:

 

   4- 3) "من سفر المكابيّين الثاني 8: 5-6 بالإيمان قهروا ممالك صنعوا برّاً نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود. اطفأوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء (عب11: 33-34)"

   قبل الرد سأقوِّي السؤال، فالكاتب كان معه دليل قويّ شكلاً ولكنه أفسد شكله بتعجّله واختصاره في الاستشهاد!

   فبعض فقرات هذا المكتوب في رسالة العبرانيّين لم يرد له مثيل في سفر المكابيّين الثاني أصلاً (سدوا أفواه أسود – هذه تعود لدانيال بامتياز وحصريّا، بلا مثيل في سفر المكابيّين)، وبعضه الآخر يشير بالأولى للأحداث الأشهر في أسفار التوراة ويشوع والأسفار التاريخيّة ونبوة دانيال، فتكون الإشارة بالأولى لهذه المواضع الأقدم والأشهر والأعلى اعتباراً..

   لقد كان على صاحب الدعوة لرفع اعتبار الأسفار "القانونيّة الثانية" ألا يتكاسل في نقل الشاهد الذي يشير للاستشهاد من وفقط من سفر المكابيّين.. وها هو الشاهد المُطابـِق الذي قصر المدافع دونه فأقدّمه بكل طيب خاطر هديّةً لوافر جهده في متابعة قضيّته وإن خالفته فيها، لا سخرية هنا حاشا بل أتكلّم بالصدق، وهذه مجرَّد ابتسامة صادقة J، ولم لا وأنا أراجع عمل قام به غيورون وإن جانبوا ناحية الحقّ تحت وطأة الغيرة للموروث الذي وُضِع بغير ضبط مكان القانون:

   "وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ" (عب11: 35)..

   هذا الشاهد الرسوليّ يطابق (مكابيين الثاني 7: 1-20) بل ولا يطابق غيره.. درس عظيم وشاهد فائق القيمة، ولكن السؤال هو من جهة قانونيّة الكتاب لا قيمة محتواه التي أعلنت من البداية أن الموقف الصحيح هو وضعه مع إخوته من هذه المجموعة بعد المراجعة والتنقية موضع التعليم النافع..

   هذا الاستشهاد في رسالة العبرانيّين من سفر المكابيّين الثاني يندرج تحت نوع الاستشهاد بالمحتوى الصادق الموافق من الكتب التقليديّة وليس من أسفار قانون "المكتوب".. انظر أيضاً بحثاً آخر مُدقِّقاً هو "لتسجد له ملائكة الإله" عن شاهد آخر مماثل (عب1: 6)، وهذا رابط له:

https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10152472882754517

 

   لقد أوردت للآن الشواهد ذات الموافقة أولاً، وفحصت ما تدلّ عليه دون مبالغة، وحين

أمكنني تقوية الدليل الذي أفنّد المبالغة في الاستدلال به قمت بهذا بنفسي، ولكن بقية

 الشواهد غير جادّة بكل أسف، وسأورد بعضها حتى تغلبني اللامنطقيّة فأكفّ:

 

   4- 4) "من سفر يهوديت (8: 24-25) لا نجرب المسيح .... (1كو10: 9)"

   قبل فحص الموضع المُشار إليه،  فإن فشل "الدليل" ظاهر من معرفة أن المصدر الأعلى من الكل الذي يُحال إليه استشهاد الرسول في (1كو10: 9) هو (عد21: 5-6):

   "وَتَكَلمَ الشَّعْبُ عَلى اللهِ وَعَلى مُوسَى قَائِلِينَ: لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي

البَرِّيَّةِ! لأَنَّهُ لا خُبْزَ وَلا مَاءَ وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ. فَأَرْسَل الرَّبُّ عَلى الشَّعْبِ

الحَيَّاتِ المُحْرِقَةَ فَلدَغَتِ الشَّعْبَ فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيل" (عد21: 5-6)..

   ولكن المفاجأة التي تكشف مزيداً من فشل "الدليل" هو أن الموضع المُشار إليه في سفر

يهوديت لا يقدِّم موقفاً مستقلّاً حصل فيه هلاك بالحيّات للمتذمِّرين، فيجوز التمحّك في أن الاستشهاد

به مثلما هو بسفر العدد، بل أن سفر يهوديت يستشهد هو نفسه بما سبق وحصل في أيام الخروج:

   "... إبراهيم ... إسحق ... يعقوب ... موسى وجميع الذين رضي الـله عنهم ... فأما الذين لم

يقبلوا البلايا بخشية الرب، بل ابدو جزعهم وعاد تذمرهم على الرب، فاستأصلهم المتسأصل وهلكوا

بالحيّات" (يهوديت8: 22-25)!!!

   يهوديت تشتهد بالسفر القانونيّ، وبولس يستشهد به، وأنا أيضاً استشهد به، والقارئ لعلّه

اسيتشهد به، والمدافع عن "القانونيّة الثانية" يرى أن بولس استشهد بيهوديت، ولا مزيد من التعليق

لأن المتابَعَة قد طالت والرغبة في المداعبة قد قصرت..

 

 

   4- 5) "من سفر حكمة سليمان 2: 6: إن كان الموتى لا يقومون فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت (1كو 15: 32)"

   أما ما ورد في الحكمة فهو معنى قريب ولا شك، ومثله في الجامعة:

   "لَيْسَ لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُرِيَ نَفْسَهُ خَيْراً فِي تَعَبِهِ" (جا22: 24)..

   ولكن لا بهذا ولا بذاك كان الاستشهاد في رسالة بولس، بل إنما ورد هكذا في سفر

إشعياء بالنصّ:

   "لِنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ" (إش22: 13)..

 

  

   تعبت من إلزامي لنفسي بتسجيل هذه "التماحيك"، وإجهادي لبصري وأصابعي

المسكينة في إيضاح الواضح.. يكفي..

 

 

   ومع ذلك، فلن أكتفي، بل سأزيد بتقديم "استشهاد" لم يرد في الكتيّب القبطيّ، حتى

يظهر أن التشبث بأي قشّة هو شأن جميع من يدافعون عن قانونيّة "الأسفار الثانية":

   تتكرَّر في دفاعيّات "الكاثوليك" ملاحظة تبدو مدرسيّة المنطق، إذ يعتبرون أن قول الرب:

   "فَمَتَى نَظَرْتُمْ رِجْسَةَ الْخَرَابِ الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ" (مت24: 15)،

واصفاً دانيال بأنه نبيّ هو شهادة للسبعينيّة التي تعدّ سِفْر دانيال في مجموعة كُتُب

الأنبياء، بينما اليهود يضعون سفْر دانيال في مجموعة كتوبيم (الكتابات) وليس نبييم

(الأنبياء)، وينظرون لما اعتبروه شهادة للسبعينيّة من الرب أنها تمتد بالتالي إلى أسفارها

"القانونيّة الثانية"..

 

   كالعادة، سأقوِّي الحُجَّة  أيّاً كان اتجاهها، حتى يأخذ كل استدلال تمام حقّه، فأضيف

على هذه الحجة أن اليهود لبس فقط لا يضعون نبوّة دانيال في مجموعة نبييم، بل لا

يعتبرون دانيال نفسه نبيّاً![xxvi]

 

 

   ولكن كل ذلك لا يجعل تسمية الرب لدانيال "نبيّاً" خروجاً عن العُرف العبريّ وانتصاراً

للسبعينيّة.. إثبات ذلك يحتاج لحسم احتمالات كثيرة بعضها ضعيف جداً وبعضها حتى

منعدِم:

 

   & فأولاً: إن الاحتجاج بكون سِفْر دانيال ليس في مجموعة نبييم ما يستبعد من

التسمية بلقب "نبيّ" حسب قانون اليهود، هو احتجاج مخالف للثابت في التلمود:فأكثر

الأنبياء المعدودين أنبياءً حتى بالمُصطَلَح التلموديّ لدى اليهود هم مذكورين في كتوبيم

(مثل دانيال) وليس نبييم، وليس لهم أسفار منفردة أصلاً،

ومنهم: صموئيل وجاد وناثان وداود وسليمان وعِدُّو وميخا وعوبيدا، ويكفي ذلك لإثبات القصد

ويزيد حتى يكملوا 40 مقابل 15 فقط في نبييم و9 في التوراة..

55 نبي ونبيّة مجملاً في التلمود في نهاية تصنيفه[xxvii]:

15 فقط منهم في قسم نبييم (3 أسفار كبيرة + 12 أسفار صغيرة)

و31 في قسم كتوبيم! و9 في التوراة..

 

   والتلمود قد لا يَـعُدّ النبيّ في قائمة الأنبياء الاصطلاحية ومع ذلك يُقِرّ كُتَّابُه بأنه نبيّ! ومن ذلك أنبياء الأمم[xxviii]، وأبرزهم أيوب، وأيضاً بلعام ابن بعور صاحب أخطر النبوّات وأوضحها رؤيا رغم رداءة نهاية سيرته..

 

   إذاً حتى التلموديّون أنفسهم وبكل وضوح لا يُقيمون تقييمهم للنبوة على موضع

السِفر (ولا حتى على وجود سِفْر باسم النبيّ أصلاً) كما يقوم افتراض الحُجَّة محل النظر..

   وفوق ذلك المعدود عند اليهود من الأنبياء غير المُسجَّلين في نبييم، فقد دعا

الرب يوحنا المعمدان نبيّاً (لو7: 26-28)، وقالها عنه الناس أيضاً (مر11: 32)، دعوا الرب

نفسه نبيّاً (مت21: 11).. وكل ذلك لم يحتج للسبعينيّة ولا استشهد الناس بها، ولا خالف

مبدأ الاستعمال اليهود أنفسهم عوّاماً أم علماء، وقت الرب..

 

فالآن لا يبقَى للاحتجاج المذكور سند على وجود سِفْر دانيال خارج مجموعة نبييم، ولا

تقوم حجّتهم مبدئيّاً، إلا ما أضفته متطوِّعاً من استبعاد دانيال من قائمة "الأنبياء" بناءً على

أسباب أُخرى غير مبدأ هذه الحجة.. فالحُجّة الآن تقومك ليس على ما يحتجون به ولكن

على ما فاتهم من التلمود ولم يجز عندي إغفاله، إذ ليس لي غرض خلا الإثبات بالثابت،

وليس الاستغفال حاشا J..

   فالآن يلزم مواجهة عدم اعتبار اليهود لدانيال نبيّا، بينما يسميّه الرب هكذا:

 

   && ولكن بأي معنى لا يُسمَّى دانيال نبيّاً؟ بمعنى اصطلاحيّ مُعَقَّد حين دخلت كلمة

"نبيّ" مع غيرها في اعتبارات مباحثات ناموسيّة يـَعلَم قارئ العهد الجديد وصف الرسول

بولس لها، وباعتبارها الاصطلاحيّ ذاك دخلت كلمة "نبيّ" في غَمْر محيطات من الجدل

والحصر والتعيين من تلك المباحثات الناموسيّة الغبيّة (تي3: 9)..

   فهل المعنى الاصطلاحيّ (الفنيّ) كان معمولاً به على المستوى الشعبي؟ يقيناً لا، لأن

اليهود كانوا قد حصروا قائمة من الانبياء، ومع ذلك كان علماؤهم مع عوامِّهم يسمون بعض

المعاصرين أنبياء، أو على الأقل لا يظهر منهم اعتراض على هذه التسمية.. فالكلمة

استخداماً أوسع من مجال الاصطلاح الحصريّ..  

 

   &&& ثم أصلاً متى صار هذا الاصطلاح عن كلمة "نبيّ" جارياً؟ لا يمكن تعيين بدء اعتبار

هذا الاصطلاح، لأن التلمود كما هو معروف انتهى تجميعه وتحديده مئات السنين بعد زمن

وجود الرب بالجسد على الأرض، كما كان أوجه تصنيفه بعد هدم الهيكل أي بعد زمن الرب على الأرض لا قبله ولا أثنائه..

   وفي فقرة من بين فقرات التلمود يظهر أن النظر في الأنبياء وتقسيمهم ودرجاتهم وخط

سير النبوّة كلّه قائم على أزمة هدم الهيكل، وبالتالي ضياع مدرسة الانبياء ومرجعيّة

المجمع.. الفقرة المُشار إليها تنعي نهاية النبوّة وذهاب روحها إلى الحكماء بدل الأنبياء![xxix]

 

   فحتى ولا عدم اصطلاح التلمود على تسمية دانيال نبيّاً يدلّ أن الرب خالف عُرفاً يهوديّاً

وانتصر لصالح النسخة السبعينيّة في وقت كلامه، إلا لو افتُرِض بكل تعسف أن ما صنّفه

الرابيّون اليهود بعد هدم الهيكل وتحت ضغط آثاره المترتِّبة لم يضف شيئاً على اصطلاحاتهم

وعوائدهم قبله!

 

   &&&& وقبل كل ذلك هناك سؤال لا يمكن الاستنتاج إلا بحسمه: الإنجيل مكتوب

باليونانيّة، وهناك في العبريّة كلمات عديدة تعبر عن الوحي وعن النبوّة، فما هو أصل

الكلمة التي ظهرت في الإنجيل "بروفيتيس" باليونانيّة؟

 

   مع كل ذلك لا يبقى لإثبات أن الرب قصد اتّباع السبعينيّة إلا القطع في كل هذه

الاحتمالات معاً:

   1) أنَّ اصطلاح اليهود واستبعادهم لدانيال من التلقيب بكلمة "نبيّ" كان جارياً وقت

الرب، 2) وأنه كان ملزماً، 3) ثم أن مخالفة العوام الثابتة للاصطلاح كانت لا تمرّ في حكم

المجمع مرور العادات المقبولة، 4) وأن الرب عندما تكلَّم قال في الأصل العبريّ "نبيّ" ولم

يقل أية كلمة أُخرى ترجمها الإنجيليّ إلى الكلمة اليونانيّة "بروفيتيس"..

   وواضح استحالة إثبات كل ذلك، فبعضه مجرد احتمال، وبعضه تنقضه شواهد قاطعة كما

تبيّن، وقد سبق كل ذلك تفنيد استناد الاحتجاج على كَوْن سِفْر دانيال ليس في مجموعة

نبييم..

 

 

  

   5) استشهاد الآباء

 

   "إن آباء الجيل الثاني والثالث مثل إكليمنضس الإسكندري وأوريجانوس وديوناسيوس الإسكندري وكبريانوس، ثم آباء الجيل الرابع مثل باسيليوس وغريغوريوس النزينزي وذهبي الفم جميعهم استشهدوا في كتبهم التي ألفوها بآيات من الكتب القانونية الأولى والثانية سواء بسواء"

 

   على سيرة الآباء، لماذا يورد الآباء استشهادات فقط دون أن يحصروا القانون صريحاً، لاسيما وهي قضية مهمة وفي زمن كانت الكنيسة في حال عداوة مع اليهود وتمسك عليهم الأخطاء، وحذف هذا العدد من الأسفار، حسب افتراض التهمة، كان جديراً من الآباء المعتبرين بعدم إفلات ذكره..

   وعلى سيرة الاستشهاد، فلقد سبق مرور "منطق الاستشهاد" في فصل سابق، وظهر ما يرقى لتسميته بالمهزلة، فما هي الاستشهادات التي رأى المدافعون عن قانونيّة تلك الأسفار أنها تفيد قضيتهم؟ لم يوردوا شيئاً حتى نفحصه ولحين ما يوردون فليست هناك ثقة فيما يقدرون وينبون عليه العنوان الذي أتى بلا متن.. وعدم الثقة مبني على سابق الخبرة العمليّة القاطعة بحضور الغرض وغياب المنطق..

   بل ما المفاد أصلاً لدى أصحاب دعوى قانونيّة تلك الأسفار من مجرد استشهاد "الآباء ببعض نصوص هذه الأسفار؟ طالما أنها أسفار كنسيّة نافعة للتعليم وأكثرها حكمة وبعضها عبرة من قصص حقيقيّة؟ أقصى ما تفيد دلالة استشهاد "الآباء" بهذه الأسفار هو الرد على من يطعنون في قيمتها، وليس من يرفضون قانونيّتها.. فالقانون أشمل من كتب المنفعة التعليميّة، ولكنّه لا يحتكرها..

   وآباء الجيل الرابع هم تلاميذ البابا اثناسيوس الأوفياء، وتالون له في الزمن، فمن أولى بقبول شهادته إن اختلفوا؟ بفرض جدليّ لاختلاف لم يثبت، ومبني على استشهادات لم تُقدَّم لفحصها..

   وآباء الجيلين الثاني والثالث كانوا سابقين على تقرير القانون، وقد تلا عصرهم خطاب فصحيّ من البابا اثناسيوس يحكم في القضيّة..

   كما أن شهادة روفينوس عن "إجماع الآباء" تفيد بعكس ما يقفز إليه المدافعون، من حيث بنائهم نتيجتهم على استشهادات الآباء التي لم يوردوها..

 

   أبواب مغلقة بعضها يقود لنتائج عكسيّة عن انفتح، وبعضها عن انفتح للدفاع عن قانونية الأسفار المعنيّة، فإنه بالكاد ينفتح كاحتمال دون يقين، وتبقى بقيّة الأبواب اليقينيّة موصدة في وجه انتفاع أصحاب هذه الحجّة بها!

 

 

   6) كتب القوانين الكنسيّة

 

   "وردت هذه الكتب ضمن الكتب القانونيّة في قوانين الرسل، أثبتها الشيخ الصفيّ  بن العسال في كتابه مجموع القوانين (الباب الثاني("

 

   أما قوانين الرسل، ففيها مجموعات متباينة التواريخ، وقد سبق إيراد أهمها وأقدمها "الديداسكاليا" في الشهادة الثالثة، وهي مُغفَلَة التعيين الصريح هنا (!)، بالرغم مما لاشك فيه من أنها أقيم ما في مايسمَّى "قوانين الرسل"، وأقدم وأقيم من مجموعة "مجموع القوانين لصفيّ الدين ابن العسّال"..

 

   وعلى كل حال فلاستكمال العمل ألتفتُ لهذا "الشاهد" ولا أُهمله:

   لقد تَكرَّر منِّي، كلما لَزَم، الإشارة إلى عدم الاتفاق على مجموعة الأسفار "القانونيّة الثانية".. وكلّما زاد استدعاء شاهد أو الاستناد إلى مرجعيّة جديدة من المدافعين عن قانونية "الأسفار الثانية" كلما زاد وضوح هذه الإشكاليّة، التي يتجاهلونها حتى يبدو أنهم لا يدرون بها، لديهم..

   وهذا ما سيحدث الآن، فإن ابن العسّال يذكر مزيداً من الكتب فوق التسعة التي تتبنّاها كنيستنا للأسف مثل "الكاثوليك" رسميّاً، بينما تقبل ما هو أكثر فعليّاً، على أن المفاجأة أن ابن العسال سيضيف فوق الجميع، وما سيرد هكذا (...) بالخط البارز وتحته خطّ وبين قوسين هو من نصّ ابن العسّال[xxx]:

  

   (كتابان لعزرا)

التسمية ملتبسة ولا يمكن أن ابني عليها نتيجة بارتياح فالكتب التي تحمل اسم عزرا هي أربعة كتب في التفصيل، تعود للعدّ ككتابين بتجميع كل اثنين في كتاب واحد، أو تُحسَب ثلاثة برفض الرابع، أو اثنين بتجميع الأول والثاني في كتاب ورفض الرابع، أو اثنين برفض الاثنين الآخرين.. فالأمر هنا ملتبس، وليس طلب الأدلة وحشدها شهوة لدى شخصي المتواضع..  

   (حديث المكابيين ثلاثة كتب)

   هذا كتاب "مكابيّ" مزيد ولا أوضح.. فرغم أن النبذة المُدافعة عن قانونيّة تلك الأسفار تحرم مزيداً من الأسفار (فوق التسعة) من نصيبها في التحلِّي بلقب "قانونيّة ثانية" (أو "قانونيّة" فقط بحسب قول بعض الأكثر تطرّفاً)، رغم ذلك فإن شاهدها الذي تثبته هي يتهم قانونها بالنقص ويزيد على أسفارها "القانونية الثانية" أسفاراً، ومن الحق إيقاع حُرم المتمسكين بتلك النبذة على جُلّ من استشهدوا هم أنفسهم بهم..

   (حكمة باعوز)

    لا أعرف المقصود بهذا الكتاب، وليس من السهل افتراض انه اسم آخر لاحد كتب الحكمة المعروفة، فكلها مُفرَدَة الذِكْر بأسمائها المعروفة فعلاً..

 

   وفي قسم "كتب الأنبياء" يضيف بعد تمام العدد المذكور في رأس الفصل (16):

   (خارجاً عن ذلك حكمة يشوع ابن سيراخ لتعليم الأطفال)

   (خارجاً عن ذلك  ... أيضاً كتاب يوسف بن كربون وهو كتاب المكابيين)

   هذه إشارة لسفر المكابيّين الرابع، فهو يسميه المكابيّين وقد سبق وأورد فعلاً عدّ ثلاثة أسفار المكابيّين، فلا يبقى إلا رابعهم.. ودليل آخر أنه ينسبه لـ"يوسف ابن كربون، وكتاب المكابيين الرابع ينسبه يوسابيوس وآخرون إلى يوسيفوس فلافيوس السكندريّ [xxxi]..

   ولا يبقى إلا البحث عن سبب تسميته "يوسف ابن كربون" ومن هو شغوف بمعرفة السبب فليبحث بنفسه..

 

   والآن فبنفس منطق الاحتكام لشهادة الكتب الكنسيّة يمكن الاحتجاج على كُتَّاب النبذة ومروِّجيها ومطالبتهم بالإقرار بأربعة أسفار للـ"مكابيّين"، مع "حكمة باعور"؟!
   وعلى كل حال فلست متحمساً لـ"حكمة باعور" طالما لا أعرف ما هي ومن هو!!

  

 

7) قراءات الكنيسة القبطيّة "منذ القديم"


   "استخدمت الكنيسة القبطيّة منذ القديم بعض فصول من هذه الكتب ضمن قراءاتها الخاصة بالصوم الكبير وأسبوع الىلام، بالترتيب التالي: ..."

   وتستطرد الفقرة بحصر 17 فصلاً تُقرأ!

 

   ورغم التفصيل في الاستطراد، فإن صاحب الاستشهاد الذي لم يتكاسل في الرصد، يُغفِل قراءة، بل تلحين، المزمور 151 بلحنه العريق الشهير وطقسه الخصوصيّ أول ليلة سبت الفرح!

   لقد تجاهل هذا! ولا قيمة مضافة هنا للإشارة إلى إغفاله قراءة صلاة منسَّى في نبوّات نفس الليلة بعد إغفال ما هو أبرز جداً منها،،،

 

   بداية مبدئيّة غير موفَّقَة من "الدليل"، ورغم بدايتها التأكيديّة، بالقول إن الكنيسة القبطيّة تقرأ "منذ القديم"، فأي قديم؟ هل كانت هذه القراءات حاضرة وقت رسالة البابا أثناسيوس الفصحيّة، ومعتبرة من القانون، ومع ذلك كان يحضر هذه الصلوات، وهو رئيس الأساقفة والمحسوب معلم المسكونة، وينكر أن هذه الفصول من القانون؟

   ألا يعلم أولئك العلماء أن فصول القراءات الكنسيّة (كاتاميروس) عبرت بمحطّات للترتيب بعضها معروف في التاريخ وبعضها غير معروف، فن المؤسِف أنهم يُعَمِّون عن لزوم القيام بدراسة تُحدِّد

مدى قِدَم ما يستشهدون به، ويسوقون العبارة مطلقة هكذا؟ من يكلمون ومن يعلمون ومن يقبل منهم هذا الكلام؟

 

   وجيّد وكريم أن تطرَّقت المتابعة لقراءات الكنيسة، فلها كلمة لازمة:

 

   "استخدمت الكنيسة القبطيّة منذ القديم بعض فصول من هذه الكتب"، ولكن في الأقدم من هذا القديم أعلن رئيس أساقفتها البابا أثناسيوس أن هذه الكتب تُقْرَأ للنفع ولكن لا تُعَدّ قانونيّة.. إذاً فإن مجرد قراءتها في الكنيسة موافق لوضعها المنضبط ككتب نافعة للقراءة وليست من القانون، والكنيسة تقرأ من كتب مثل السنكسار وأيضاً عظات مكتوبة ومُضافَة لقراءات أسبوع الآلام، على أن اعتبار دخول "الأسفار الثانية" في القراءات باعتبارها "وحي قانونيّ"، وإسباغ ذلك عليها في الشكل الطقسيّ، وهو الحاصل فعلاً للأسف، فهو من أحوال المبالغة الدخيلة التي اتّبَعَت قوانين بغير حق قانونيّ، والتي قام ضدّها كل ما سبق من استشهادات خطيرة متوالية، وفي المُقابِل لم تُعِنْها إلى الآن كل "الأدلّة" المساندة، ولا زلتُ أتابعا، ويتابِع القارئ الدؤوب معي، تقييمها..

 

    وهل دخول تجاوز في الاعتبار لأسفارٍ ما، بتعدِّي على الأصل والقانون، إلى القراءات الكنسيّة هو شئ يدهش المدافعين؟ كم مرَّة غيَّر المجمع في العصر الحديث قراءات قديمة مثل فصول تلك الكتب وربما أقدم في الاستخدام الكنسيّ؟ غيّروا ذلك حين خالَفَت بعض القراءات تفاسيرهم المُحدَثَة، وحُجتهم الأولى هي مخالفتها للعقيدة!، وحجتهم الثانية هي سلطان الكنيسة في تغيير ما دخل في الطقس إن خالف الموافق!!

   وليس في الرد المتواضع من جانبي هنا ما يزيد عن ذات نفس عين هاتين الحُجَّتَين..

   فالأسفار ليست من قانون الكتاب، وإعلان البابا اثناسيوس كان يحدد وظيفتها بالقراءة للانتفاع، والكنيسة تملك الحقّ في تغيير وضعها الدخيل أو حتى الاكتفاء بالتعليم الصحيح مع ترك المُعتاد من القراءة..

   فهذه القراءات هي رغم كل شئ في وضعها الأصليّ الصحيح مع تجاوز الاعتبار في الشكل الطقسيّ، والحلّ بسيط: لتُقرَأ القراءات النافعة هذه على المنبر، وليَزد على ذلك تعليم الناس بتوصيفها الصحيح..

   ولا يبقى إشكال حقيقيّ، فالأجزاء الإشكاليّة على كل حال لا تظهر في جدول القراءات، وحتى لا يعرف الجمهور في الكنيسة القبطيّة أنها من "الأسفار الثانية" وأنها مُعتَرَف بها بهذه الحيثيّة في بقيّة الكنائس الأرثوذكسيّة،  كما سلف وتكرَّر التنويه..

 

   وهذه النقطة تتّصل بشاهد كان يمكن استخدامه في الدفاع عن "قانونيّة" تلك الأسفار: إنها موجودة في المجلدات الكبرى القديمة للأسفار المقدسة: "الفاتيكانيّة" و"السكندريّة" وغيرهما، والمثير لانتباهي أنني لم أجده ظاهراً فيما عَرَض لي من كتيّبات ومحاضرات الردود الرائجة،

مع وجاهته الشكليّة، وسأتطوّع بعرضه وتقدير حُجيّته في نهاية الفصل..

 

 

 

   8) ردود الفَخْر والحماسة J

 

   في هذا الفصل أجمع من الردود ما ظهر فيه أن "جلالة" الغيرة قد أخدت أصحابها بعيداً، ولما لا وهم مسوقون بغير حماية المعرفة وكبح الفهم، ليس بالضرورة لأن المعرفة والفهم ينقصانهم، ولكن لأن الغيرة "زادت عليهم" فخنقت ذَيَنَك..

   وعندما تكون القضيّة رئيسة، ويلزم من ثَمَّ أن تكون أدلّتها حاضرة وقويّة، ثم تظهر "الأدلّة" كتلك المجموعة في هذا الفصل، فإن هكذا "ردود" وكذاك "دفاع" يكونون في ذاتهم دليل ضدّ، وشهادة على بطلان القضيّة!

   بعد هذا الفصل لا أتوقّع مِن أذكى مَنّ يبقى على موقفه من تلك الأسفار إلا أن ينعي الردود الرائجة ويتبرّأ منها، ويحتجّ بأن فساد الدليل لا يعني بالضرورة بطلان القضيّة، ولا يدلّ على أكثر من عدم أهليّة المدافعين.. وحتى ولا بهذا يستقيم الموقف له.. فإن كانت القضية كبيرة، وكان المدافعون بحجم أستاذ جامعيّ متخصِّص، مع رجل عالم غيور على ما يدافع عنه، ثم تأتي الأدلّة هكذا وتبقى طويلاً تتكرَّر حتى تكاد لا تخلو مقدمة طبعة تلك الأسفار في كنيستنا إلا ومعها هذه المقدمة، بل حتى عندما قام بعضهم بطبع كتاب "" فقد حرصوا على إضافة تلك النبذة في آخره! إن كان ذلك كذلك، ثم يأتي التبرّؤ مما فيه، فأي جديد سيأتي به الذي بقي على قبوله لتلك الأسفار قبولاً قانونيّاً؟

   ومع ذلك، وفي انتظار ظهور ردود مفاجئة لم تظهر طوال ما طال من زمان سابق، وإلى أن يتبرّأ من يعتقدون في قانونية تلك الأسفار، فإن الردود القائمة تبقى حاملة لشهادة مزيدة على صحّة التوصيف الكنسيّ الأصيل بأن هذه الكتب كنسيّة وليست قانونيّة، وهذا بعض من بيان حيثيّات حسباننا لأدلة قانونية الأسفار المزيدة أدلّةً على العكس:

  

 

   8- 1) دائماً في المحاضرات أو في نبذات الدفاع عن قانونيّتها ووحيها، أو حتى في مقدِّمات طبعات "القانونية الثانية" في الكنيسة القبطيّة، تظهر هذه العبارة نقلاً عن كتيب "مراد كامل ويسّى عبد المسيح":

   "ثم أن من لم يذكر تلك الكتب من الآباء مع الكتب القانونيّة الأولى، لم يكن يُعبِّر إلا عن رأيه الخاصّ"..

 

   8- 2) ويضيفون:

   "وكان يعلن أن الهيئات الكنسيّة لا توافقه على رأيه"..


   ويظهر أن أصحاب هذه العبارة التي "عَلَت" منهم، أدركوا عدم ثباتها، فأضافوا تحوّطاً:

   8 - 3) "وعلى كل حال فإن الرأي الفرديّ لا يُعتَد به أمام إجماع عموم الكنائس"..

 

   عبارات ناريّة تلفح المسامع.. فيجدر إيراد أسئلة بسيطة تهدِّئ من ثائرة الجو الذي أشعلته حماسة هذه الردود ودفع هذه الدفوع:

   & لمّا هؤلاء الآباء يعلمون رأي الكنيسة، فلماذا خالفوه بآراء خاصّة؟

   & وهل موضوع قانون الكتاب المقدس يقبل من حيث المبدأ "الآراء الخاصّة" في عصرهم؟

   & هل يقبل أولئك المدافعون مِن البعض أن يكون لهم رأي خاص في قضايا ما (أكيد ستكون أهون من قضيّة الاختلاف في قانونيّة أسفار يعتبرونها من الكتاب المدقس) كما أقرّوا أن الآباء كان لهم؟  

   & أو حتى أن يكونوا تابعين لـ"الآباء ذوي الرأي الخاصّ" في هذه القضيّة، فيكونوا بالكاد تابعين فقط لِمَن للآباء المقبولين رغم أن لهم "رأياً خاصّاً" في قضيّة عامّة؟

   & وبالمرّة، هل يقبل الغيورون على قانونيّة "القانونيّة الثانية" حتى أنهم يخالفون أثناسيوس فيها، هل يقبلون أن يُخالفه غيرهم في أي أمر آخر وإن كان أهون كثيراً من الاختلاف على قانونيّة ووحي أسفار بحالها؟ أم يلهبون ظهور المخالِف بسياط الكلمات الكبيرة مثل الإيمان والآباء وغرور الهراطقة وكل ما إلى ذلك من حديث؟ هذه مُلاحَظة، قلتُ بالمرّة، لكشف أحد آفات التعليم المتمثّلة في "تفريق الأحكام" في قضايا متماثلة L

   & كما لو جاز الأخذ بمنطق صحة إجماع الكنيسة دون بعض الأفراد "ذوي الرأي الشخصيّ" (أثناسيوس مثلاً J)، لو جاز الأُخِذ بهذا المنطق فإنما يًؤخَذ به من غير أبناء الكنيسة القبطيّة التي حُرِم رئيس أساقفتها بإجماع الجميع وكانوا بالمئات في المجمع المسكونيّ الرابع، ولم يكن معه إلا واحد ثم اثنين لاحقاً (أنطاكية ثم أرمينيا لعدم دعوتها—بجانب الأساقفة الخاضعين لرئاسته ممن لم يغيّروا ولائهم)..

   & على أن إجماع الكنائس هو بدوره خيالاً من أصحاب الردّ، وإلا فهل أفهم أن أثناسيوس عندما أرسل رسالته الفصحيّة إلى جميع الكنائس كان يقول لهم: يا جميع الكنائس أنا أخالف إجماعكم؟ وعلى ماذا؟ على قانون الكتاب المقدس السلطة الأعلى والأثبت في تقرير الإيمان!

   & وأعود وأكرِّر وأسأل: هل قرأ "العلماء" شهادة روفينوس؟ لماذا لا تظهر لديهم قطّ رغم خطورة دلالاتها المشروحة سابقاً؟ هل اعتبروه "حيّة"، كما وصفه جيروم، تلدغ خيالهم المتصوّر وجود "الإجماع" طيلة الألفي سنة، فتحاشوه؟



   وبعد هذه الأسئلة اللطيفة، لا مانع من مقابَلَة تلك الادعاءات "العالية" المتغيّبة عن واقع شهادات التاريخ، بما هو ثابت، في جُمَل بلا مُجامَلَة:

   التعليق على المقطع الأول في الردّ: ذاك ادعاء غير صحيح.. تخيُّليّ رَغبَويّ مخالف للواقع، ولا أزيد في وصفه.. فأثناسيوس لم يُقرّ أن هذا هو رأيه الخاص، كما هو ظاهر من الكلام الذي يظهر منه بوضوح أنه يقرِّر للكنيسة قانون الكتاب المقدس، ويعلِّم أبناءها ما سُلِّم وفُحِص وأُقرَّت أصالته عبر الأجيال، وليس يعلن رأياً خاصّاً "على جنب"!

   والتعليق على المقطع الثاني: طبق أصل الرد على الرد الأول، مع مُلاحَظَة أن "جلالة" الغيرة بغير معرفة "عَلَت" فـ"عَلا" خيال وجرأة الرد معها، ووصل لتخيّل أن "أصحاب الرأي الفرديّ من الآباء" أقرّوا على أنفسهم أن الهيئات الكنسيّة تخالفهم!!
   والتعليق على المقطع الثالث والأخير: إن شهادة البابا أثناسيوس تحمل التصريح بأن هناك خلاف بين الكنائس، فلم يكن هناك ذلك الإجماع المظنون وقتها.. وذلك طبيعيّ في قضيّة التقنين، فالقانونيّة تحتاج للتثبّت من أصالة كل سِفر.. إن إجماع الكنائس خاضع لظروف التاريخ.. وفي مرحلة تاريخيّة وقت البابا أثناسيوس كان واضحاً أن "إجماع الكنائس" مخالف لحالها فيما بعد..

 

   ولا تتوقَّف الشهادة لوعي "الآباء" لعدم قانونيّة تلك الأسفار، وفي عصر مبكِّر نسبيّاً، واكتفائهم بتقييمها في مصاف كتب الوعظ والدراسة لا أكثر، لا تتوقَّف الشهادة لهذا الوعي النقيّ على رسالة البابا أثناسيوس الفصحيّة هذه، بل هناك شهادة من الجانب الغربيّ للكنيسة ظهرت في رسالة روفينوس التي عرضناها في فصل سابق..

   ولا أعرف رداً خصوصيّاً على هذه الشهادة التي لا يبدو أن كثيرين من "الغيورين" قد سمعوا عنها أصلاً.. على أنني إن تخيّلت رداً عليها فلن يخرج عن شتم روفينوس كما كان يفعل جيروم، ولكن هذا لا يرد على إعلان روفينوس أن "الآباء" يقولون وليس هو، وتكذيب هكذا إعلان يحتاج لتفسير لماذا لم يُمسِك معاصرو روفينوس عليه هذا الخطأ الجسيم الذي كان يكفيهم للقضاء عليه، وفيهم من كان يمقته (أُشيرَ سابقاً لجيروم مثلاً).. لا تفسير لهذا إلا أن كلام روفينوس كان صادقاً وليس به ما يسترعي الرفض الكنسيّ العام في زمنه، وان أدعياء قانونيّة تلك الاسفار لم يكونوا يملكون في وقتهم إدّعاء إجماع الكنيسة على صحة موقفهم..
   كما تتكرَّر هنا ملاحظة أن روفينوس، المُعتَبَر من "الآباء" بلا شك، لم يقل أن هذا هو "رأيه الخاصّ"، كما ترُوج تلك العبارة الرغبويّة المُدَّعاة، ليس فقط أنه لم يَقُل، بل قال أن الآباء قالوا بعدم قانونيّة تلك الأسفار..

 

   8-  4)  وردّ طريف لا يخلو مع طرافته من حماسة بل أن نبرة الحماسة فيه هي سر طرافته J:

   "ثم لا ينبغي أن ننسى أن أنبا أثناسيوس الرسولي بالرغم من أنه قد ذكر في خطابه الفصحي سنة 365 أن عدد الأسفار 22 سفراً كعدد الحروف الهجائية العبرية، فقد أوضح ان هذه اكلتب مفيدة لتعليم الموعوظين، وقد استشهد أيضاً في كتاباته بآيات منها"

   نعم لا ينبغي أن "ننسى ذلك"
J، هذه وصيّة طيبة عملنا بها JJ، ولكن الصورة التي تخطر في ذهن القارئ مع قراءة هذه الفقرة هي صورة من يضمِّن في أدلته لإثبات وصوله لنهاية الطريق أنه توقف عند منتصفه ولم يكمل J ثم يشدِّد في التوصية بعدم نسيان هذه الحقيقة.. نعم لم ننس أن البابا أثناسيوس قال هذا، ونسعد أن من يرفضون ذلك يتذكَّرونه ويذكرونه، ويشددون في التذكير به J

 

   8-  5) لا غرابة أن من تقدَّم بكل ما سبق، طبيعيّ ولا مفاجأة أن "يتّضح" له قبيل ختامه هذا:

   "يتضح مما تقدَّم بأنه لا صحة مطلقاً لما يطلقه البعض على هذه الكتب من كلمة أبوكريفا إلخ إلخ"

   مطلقاً!

 

   8-  6) مُعتَبَر!!

   ورغم كل شئ، يبقى من ينتبهون وسط كل هذه "الادلّة" فيسألون: أين المزمور 151؟ والاكثر يقظة للطقس القبطيّ يسألون مزيداً: وأين صلاة منسَّى؟

   قراتُ مرّة في إحدى المقدِّمات لطبعة للأيفار "القانونيّة الثانية" (والعهدة هذه المرَّة على الذاكرة) أنه فوق هذه الأسفار التي حذفها البروتستانت فهناك أيضاً المزمور 151 و"له اعتبار في الكنيسة"!!!

   ما معنى له اعتبار؟

   له اعتبار كسفر مقدس؟ فلماذا ليس في مجموعة الأسفار؟

   أم له اعتبار أدبيّ؟ فلماذا يُلحَق "بالقانونيّة الثانية" التي هي "وحي من الوحي"؟

 

 

   9) اختصار!!!

 

   لقد اختصروا الكتاب المقدس لأنه لن يجدي في ردهم على اليهود! هذا تفسير من تفاسيرهم لموقف "بعض رجال الكنيسة القدامى" من عدم الاعتراف بالأسفار المَزِيْـدة!

   كان هذا عرض متندِّر لما نصّه:

   "ويجب أن نذكر أن بعضاً من رجال الكنيسة تمسكوا بأسفار العهد القديم التي وُجِدَت في العبرانية وذلك لأنهم تأثروا بوضع يهود فلسطيين الذين كانت بين أيديهم النسخة خالية من باقي الأسفار، إذ وجدوا انه من غير المجدي الدحض مزاعم اليهود في المناقشات العقائدية معهم، فلذا لم يذكروها مع الكتب القانونيّة الأولى"

 
   "بعض رجال الكنيسة" أولئك، ومنهم أثناسيوس، كانوا يجادلون مبتدعين من الكنيسة لا من اليهود، فلماذا لم يذكروا قانونيّة تلك الأسفار في تلك المرحلة؟

   وبصرف النظر عن هذا الـ... ـمنطق، فهل من يثبت فهرس قانون الأسفار يكلِّم به المؤمنين؟ أم يجادل بالفهرس غير المؤمنين؟

   ثم أمر غريب! في جدالاتنا مع البروتستانت، فإن من يؤمنون بقانونية تلك الأسفار لا يقصِّرون عن تضمينها في القانون رغم أنه من غير المُجدي الاستشهاد بها معهم..
   وصحيح: لماذا لا يستنّ أصحاب هذا المنطق بـ"بعض رجال الكنيسة القدامى" ويقصرون القانون مثلهم على المُجدِي في المناقشة مع البروتستانت، وينتهي الدور؟ :)

   هل هذا دليل من يملك دليل؟ هل هذا تفسير من يملك تفسير؟

 

 

   10) باروخ النبيّ وأثناسيوس الرسوليّ:

 

   ورَد في قانون البابا أثناسيوس قوله:

   "أرميا مع باروخ، المراثي مع الرسالة، كتاب واحد" (الرسالة الفصحيّة للبابا أثناسيوس سنة 367)

 

   واضح بلا جدال أن البابا أثناسيوس عدَّ سِفْر باروخ بين الأسفار القانونيّة باعتباره، في حسبان البابا، جزءً من سِفْر إرميا..

 

   هذا الدفاع القويّ نوعاً عن قانونيّة "الأسفار الثانية" لم يرد في الكتيّب القبطيّ الذي تتبعته بغير نفاد صبر.. وإنما يرد في الدفاعيّات "الكاثوليكيّة"، وقد أشرت حين أتى دور شهادة الرسالة الفصحيّة للبابا أثناسيوس إليه ولم أهمله، ووعدتُ بإفراد فصل مفصًّل له في موضع الحُجَج المُدافعة عن قانونيّة تلك الأسفار.. وهاهنا موضع الوفاء بالوعد..

  
   الموقف ببساطة هو الآتي:

   & لو كان المنطق هو منطق التعصّب للأسماء، والتشبّث بصحّة ما يقوله أصحابها، فإن رفض قانونيّة "الأسفار الثانية" يكسب عدديّاً مكسباً ساحقاً:

   - لو كان ضدّ القانون "الكاثوليكيّ"، ومعه الموقف شبه الرسميّ للكنيسة القبطيّة:

   النتيجة: ستّة أسفار مقابل واحد،

   - ولو كان ضد القانون "الأرثوذكسيّ الشرقيّ EOC"):

   يرتفع الفوز إلى: عشرة أسفار مقابِل واحد..

 

   ويُحسَب فوق ذلك غرامة تناقض على المدافعين عن قانونيّة "الأسفار الثانية" بجميع قوانينهم، لسبق رزلهم لرأي البابا أثناسيوس حين خالفهم أو بالأحرى خالفوه هم في قانونيّة معظم "الأسفار الثانية"، ثم إيمائهم لموقفه عندما وافقهم على تَتِمَّة واحدة..

 

   & ولكن ليس هكذا يسير المنطق، وبالأولى جداً يُعرَف حقّ الإيمان والقانون الكتابيّ!

   وما كان لي ربحاً هنا فأحسبه خسارة لأعرف الحقّ وأعرِّفه بمنطق مستقيم:

   والمنطق المستقيم يسير هكذا:

   ^ المعطيات:

   1) البابا أثناسيوس يعرف المُسلَّم والمستقرّ من القانون، ويعرف، وهو الأهمّ، مبدأ قانونيّته وعلامَ استند.. وهو يصرِّح بهذا المبدأ قبل تسمية الأسفار واحداً واحداً حين يشير لرقم 22 سِفْـراً مثل تعداد اليهود-- ويُلاحَظ أنه كان يكرِّر ما قيل في مواضع أُخرى مستقلّة..

   2) ولكنّه لم يكن يُعَرف عنه معرفته باللغة العبريّة..

   3) وإنما كل إنتاجه التفسيريّ والوعظيّ كان من الترجمة السبعينيّة اليونانيّة..

   ^^^ التصوّر المنطقيّ الوحيد للموقف:

   أن البابا الأمين كان يعُدّ من الأسفار اليونانية أمامه ما له مقابِل في القانون اليهوديّ (الـ 22 سِفْراً)..

   ولذلك فحين يطبِّق المبدأ الكنسيّ (تعيين الأسفار بـ 22 بحسب القانون اليهوديّ) فإنه يحسب سفر أرميا سِفراً واحداً كاليهود.. ثم عندما ينظر لترجمة السفر يجد متضمَّناً فيها باروخ ورسالة أرميا مع النبوّة والمراثي، فيحسب أن الأصل هو هكذا أيضاً..

   هذا هو التصوّر الموافق لمقتضى الظاهر والحال جميعاً، والبديل له أن البابا أثناسيوس قد اطَّلع على الأصل العبريّ ووجد ان ليس به باروخ ولكنّه بقي متمسِّكاً به مخالفاً المبدأ الذي أعلنه في ذات الفقرة! وعلَّم الكنيسة به!! ويزداد عجب قبول هذا السيناريو أن البابا أثناسيوس يفعل ذلك ولا ينوّه للسبب كأنه ليس هناك تناقض صارخ..

 

   والآن إذا سرنا مع التفسير المنطقيّ، فيلزم بمقتضيات المنطق استنتاج أن البابا أثناسيوس كان يَعتَبِر أيضاً تتمّة إستير وتتمّة دانيال، والمزمور 151 من القانون، باعتبارها حاضرة لديه ضمن أسفار قانونيّة في الأصل العبريّ، وليس أمامه ما يفيده بأنها زيادات في النسخة السبعينيّة..

   وبالفعل من مصداق ذلك، أن البابا أثناسيوس قد ذكر المزمور  مع بقيّة المزامير على السواء، ولم يُشِر إلى كونه خارج القانون العبريّ، ولا حاول تفسير سبب قبوله له المخالِف لسابق إقاراره بالقانون العبريّ، ويظهر تماماً أن قضيّة التَتِمّات لم تكن ظاهرة أمامه[xxxii]..

جاء ذلك في رسالة ذكر فيها نفسها ذات القانون للعهد القديم بغير "أسفار ثانية"

ما يزيد التدليل على عدم حضور فكرة التَتِمّات في فكره[xxxiii]..

 

   وأما من يستكثر على البابا أثناسيوس عدم العلم بأمر كون "التَتِمّات" هذه زيادات في أسفارها، وليس لها مقابِل قانونيّ في الأصل العبريّ، فليقدِّم لدعم اعتراضه خطاباً أو محادثة يونانيّة اشتهترت في وقتها خرج فيها الجدال على قانونيّة "الأسفار الثانية" خارج حيّز تسمية أسماء الكتب الكاملة رفضاً أو قبولاً.. المتوفِّر الوحيد المعروف في ذلك هو كتاب الـ"هكسابلا" الذي تم حرم صاحبه (أوريجين) قبل أثناسيوس بنحو نصف مائة سنة، ولا يُشتَرَط أن البابا أثناسيوس قد توفَّر له الكتاب، أو أنه إن كان قد توفَّر قد قام بالعكوف على دراسته.. نعم يمكن أن تفوت البابا اثناسيوس بعض التفاصيل، وأما الذي لا يمكن فهو اختراعه قانون لأمر رئيس في الكنيسة من عنديّاته وحتى دون أن يجادله أحد في وقته بهذا الشأن، على كثرة حُسّاده داخل الكنيسة، والهراطقة خارجها المخاصمين له بالضرورة..

   كما على من يستكثر فلا يصدّق أن يغيب عن علم البابا أثناسيوس تَضَمُّن أربعة أسفار لا أكثر (المزامير وإستر وإرميا ودانيال) في السبعينيّة لزيادات  داخل السفر الواحد، على من يستكثر ذلك ولا يصدّقه أن يواجه المشكلة الأكبر فيقدِّم تفسيراً للتضارب في موقف البابا أثناسيوس، إذ أن أثناسيوس هو أبرز من أعلن رفض مبدأ الزيادة على القانون العبريّ لأسفار العهد القديم، بصريح النصّ كما غيره من الآباء المشهورين أيضاً، رفضاً ليس شخصيّاً بل تعبيراً عن مُعتَقَد كنسيّ راسخ بحسب ظاهر كلامهم، بل ومُسلَّم من الرسل بحسب شهادة بعضهم..

 

   وأما الموقف المنطقيّ البسيط الذي سَلَف شرحه فيمنع ظهور أي تضارب أصلاً، وأدلّة معطياته تملأ كتب المرحلة..

 

 

   11) وجود الأسفار في مجلدات الكتاب المقدس الرئيسة الكبرى

 

   هذا "الدليل" هو رأس المشكلة والذي منه جاز الخلط حتى على بعض الرئاسات الكنسيّة غير ذات الكفاءة في المائتين الرابعة والخامسة، حين اختلست المشكلة لأول مرّة صكّاً رسميّاً محليّاً.. وهو يمثل احتجاجاً وجيه الشكل بلا شكّ، وفي غياب أيّة معلومات مُحيطة فإن قوّة ترجيحها لاحتمال قانونيّة الأسفار "الثانية" تزيد.. ولكن تلك القوّة الشكليّة تتلاشى تقريباً مع المعرفة بتلك المعلومات:  

 

   & تقدير الدليل يُضعفه كل ما سبق من شهادات من حيث المبدأ، وفي موضوعه أبضاً اعتبارات تقلِّل من قوة حجيّته:

 

   && ليس في وجود بعض تلك الأسفار في في بعض المُجلَّدات القديمة الكُبرى جديداً أصلاً يزيد على المشكلة.. أصلاً واضح من شهادة الآباء المذكورين أن الأمر كان ملتبساً على كثيرين من الناس، وأن دخول تلك الأسفار كان موضوعاً لمقاومتهم..

 

   &&& يجدر إضافة حُكم من عاش ذلك الزمان وهو أدرى بظروفه وبحجّيّة وثائقه وتُستامَن شهادته، ومن ثَمَّ يُقيّم دلالة الحُجَّة أكثر من غيره، ومن أجدر وأفضل في ذلك من البابا أثناسيوس نفسه: فإن تلك النُسَخ الجامعة لم تمنعه، رغم توفرها في محضره بل واستعماله، بلا شك (بدليل مقاومته لقراءتها في بعض الكنائس، وبدليل قبوله للمزمور 151* ضمناً من كتاب المزامير بحسب الترجمة السبعينيّة)، لم تمنعه من شهادته بعدم قانونيّة تلك الأسفار، ولم يجد في نُسخ كهذه اعتباراً كافياً، بل كان أصلاً يقاوم افتراض قانونيّة كل ما بها من كُتُب وميّز فيها بين كتب كنسيّة تصلح للقراءة وكُتُب قانونيّة إلهيّة، وهو الأقدر بلا شك بوزن كل دليل في زمنه، وأمين بلا شك في إعلان ما أعلن..

(* عن اعتبار البابا أثناسيوس للمزمور 151 فقد سبق شرح ذلك في نقطة سابقة بعنوان "البابا اثناسيوس وباروخ")

 

   &&&& وهناك اختلاف لا يُستهان به بين الفاتيكانيّة والسكندريّة في الأسفار المُتَضَمَّنَة من "القانونيّة الثانية"، إذ تخلو الفاتيكانيّة من "كُتُب المكابيّين الأربعة"، وهذا يحتمل عدم اعتبار ناسخي تلك النُسَخ الثمينة ما يجمعونه أنه قانونيّ بالضرورة، إذ يثبتون بعض "القانونيّة الثانية" في نُسخَة، ولا يفعلون في نُسخة أُخرى! إن قوة هذا الاحتمال هي بذات قوة الاحتجاج المُضادّ بضرورة قانونيّة ما يُوجَد في هذه النُسَخ لمجرد وجوده فيها، وقيام الاحتجاجين معاً يُبطِل قوة الاستدلال بأحدهما أصلاً..

   (لا عِبرة للاحتجاج هنا بعدم جمع كل النُسَخ القديمة لكافة الأسفار المُتَفَق على قانونيّتها، لأن تلك النُسَخ تخلو من بعض الأسفار إما بسبب تلف أجزاء منها، أو بسبب سبقها على استقرار قانونيّة بعض الرسائل في العهد الجديد مثلاً، أو لكونها أصلاً منسوخة لتحمل فقط كتاباً واحداً أو مجموعة كتب متّصلة كجزء من مجموعة أجزاء بقصد تسهيل عمل التجليد، وليس بقصد تجميع كل القانون في صورة مُجلَّد Codex، أو حتى لأي سبب ثانويّ، وكلّ هذه أسباب معروفة مشروعة لعدم احتواء المُجلَّد الواحد على كل القانون،  ولكن إغفال أربعة كُتُب في مُجلَّد كبير مُتقَن غرضه التجميع يفيد بالضرورة أن ناسخ تلك النسخة لا يرى الكتب غير المُدرَجَة ذات اعتبار قانونيّ رئيس ولا حتى اعتبار "قانونيّة ثانية"!!!.. فإذاً وإذ وُجِدَت أسفار "قانونيّة ثانية" في مجلد، ولم تُوجد في آخر، فإن أقصى ما يُستدلّ به هنا هو عدم قيام الاختلاف كـ"دليل ضدّ" بالضرورة، ولكن يقيناً فإنه لا يُحسَب "دليل إثبات" قانونيّة الأسفار المعنيّة)

 

   &&&&& وتلك المُجلَّدات الكُبرى معاصِرة ولاحقة بقليل عن زمن البابا أثناسيوس، وقد قبل بعض تلك الأسفار بدرجة "نافعة للقراءة"، وهذه إجابة مُحتَمَلَة لضم النُسّاخ لتلك الكتب في مجلداتهم..

 

   &&&&&& ووسط كلّ ذلك هناك احتمال يغيب عن النظر لدى البعض، ولكنّه ممكن جداً: فنسْخ المجلدات لم يكن بالضرورة عمل المنابر الكنسيّة ولا مقصوراً على المجامع الكنسيّة، يل كان للشراء والاحتفاظ في بيوت الأغنياء والعلماء، والمكتبات أيضاً، بل كان المُجلَّد نفسه يقوم مقام رفّ الكتب الدينيّة في المكتبة، فيجمع كتباً في الدين كمثل المكتبات الحاليّة حين يجد الروّاد الكتاب المقدس مع كتب التفسير والتاريخ جنباً إلى جنب.. إذاً لم يكن بالضرورة أمر "القانونيّة" هو المعيار عند النُسّاخ ومُموِّلي النسخ ممن يلتبس أمر القانونيّة أصلاً عليهم فوق أنه لا يُعنيهم بالدرجة الأولى في عملهم..

   ثم من وجود شذرات من تلك الكتب في أيدي العوام كانت تتسرَّب لمنابر الكنيسة بسذاجة وبغيرة ليست حسب المعرفة، وإلا فعلام كانت مقاومة الآباء لاعتبار قانونيّتها أصلاً؟

 

   &&&&&&& ثم قبل كل ذلك: بالعودة للأصل تزيد احتمالات تضعيف الاستدلال بوجود كتب ما في مجلّد سبعينيّ على قانونيّتها! فالترجمة السبعينيّة أصلاً قامت من جانب ملك غير يهوديّ لجمع آثار اليهود الكُبرى، ولم يكن من غرضه يقيناً ترجمة كتب القانون الذي لم يكن يُعني له أي قانون، فيصحّ جداً من ثَمَّ وعلى مرّ الأجيال أن تُجمَع الكتب اليهوديّة المُتَرجَمَة لليونانيّة، ومعها بالمرّة ما كُتِب أصلاً باليونانيّة.. ولمن يتشكَّك في أصالة قصّة أمر الملك بتولمي بالقيام بترجمة الكتب اليهوديّة فهذا لا يغيِّر قوة الدليل، لأن شيوع تلك القصة عن السبعينيّة يُظهِر طبيعتها في عُرف أجيالها، فحتى لو لم تصحّ القصّة ولكنّها تثبت طبيعة نظرتهم لها، أنها ترجمة جامعة للآثار اليهوديّة المكتوبة بالعبريّة، وليس من وظيفتها تعيين القانون وحصره..

 

   &&&&&&&& ولا غرابة بعد كل ذلك مع كنيسة مسكونيّة كبيرة أن يكون حُكم الكنيسة قاطعاً في نقطة، ويكون اتجاه العوام يفرض نفسه على الإنتاج الفعليّ للكُتُب، وليس بعيداً عنّا بل في ذات موضوعنا أن الكتاب المقدس بغير الأسفار القانونيّة يُطبَع وتستعمله كنيستنا التي تعتمد رسميّاً قانونيّة الأسفار "الثانية"، لاعتبارات أمر واقع، الذي إذا فرض نفسه على جيل تزيد فيه المعرفة وتسهل الاتصالات وتسهل الطباعة، فكيف كان الحال في زمن أخذت تلك الكُتب بعض التقديس لدى قطاعات كبيرة ليس كلهم أثناسيوس ولا كيرلس الأورشليميّ ولا يعرفون المستقرّ بحقّ في الكنيسة..

   فليس عجيباً أن شهادات الآباء لم تغلب ميل الناس لتداول تلك الأسفار واعتبارها وطلب نسخها عن طريق الميل الأعمى لأي قديم مكتوب، وبعض هؤلاء الناس حتى لا يمنع أن يكونوا من الإكليروس غير ذي العلم الكافي..

   ولماذا الذهاب بعيداً؟ ففي ذات الموضوع فإن شهادات الآباء توفَّرَت بعدم قانونيّة تلك الأسفار، ومع ذلك فأحكام مجامع قرطاجنّة المُتكرِّرة الذكر هنا، والتي تتراوح بين نهاية المائة الرابعة ونهاية المائة الخامسة، ليس بعيداً عن زمن الآباء، حكمت بقانونيّة تلك الأسفار دون أن تذكر شيئاً عن الشهادات المضادة، فواضح أنها كانت في غيبة من معرفتها، نعم تسمع أن البعض يقولون ان الآباء يقولون ولكن لا يقفون على تحديد تلك الشهادات المذكورة فلا يأبهون بها ويأخذونها كشائعات ينحازون مقابِلها للكتب الرائجة في المخطوطات دون وقوف على مصادر علميّة مُحترَمَة، لاسيما وأن أبرز رجال تلك المجامع كان لا يعرف اليونانيّة!

   بل لماذا الذهاب حتى قرطاجنّة؟ أفليس غرض عمل هذا المقال نفسه هو العودة لتغليب شهادة الآباء المنطقيّة والمتفقة مع قانون الرب، ويعرض لمن لا يعرفون نصّ شهادة اثناسيوس وكيرلس الأورشليميّ، فوق من يعرفون أصلاً، ومع ذلك فهل يظهر أن عرض تلك الشهادات يُجدِي مع التمسّك الأعمى بموروث غير مفحوص؟ فما بالنا بعدم ضمان انتشار تلك المعرفة في زمن اتّساع الكنيسة وضعف آليّات النَسْخ والنشر والاتّصالات؟

 

   &&&&&&&&& من كل ناحية للنظر في قوة الدليل من واقع الظروف المحيطة به نجده بغير القوة الظاهرة بأخذه مقتطعاً من خلفيّته، وعلى كل حال، فمن يقبل شهادة المُجلَّد السكندريّ ضمناً فليقبل معه على الأقل مكابيّين الثالث والرابع وعزرا الثالث والرابع، وإن استبعده واكتفي بالمجلَّد الفاتيكانيّ فليقبل عزرا الثالث والرابع!

 

 

   12) ترجمة جيروم لتلك الأسفار في الفولجاتا

 

   - صحيح قام جيروم بترجمة الأسفار "القانونيّة الثانية" إلى اللاتينيّة سواء من أصول يونانيّة أو حتى آرامية لبعضها (يهوديت)..

   + ولكن صحيح أيضاً أنه كتب في مقدمات ترجماته أن تلك الأسفار "أبوكريفا" ليست من القانون، وإنما فقط هي نافعة للتعليم ولهذا تُقرأ! قال هذا كما هو ثابت أمامي في تقديمه لترجمته لـ
"حكمة سولومون" وشمل معه في بيانه "طوبيا" و"يهوديت"و"مكابيّين"
[xxxiv]

   ++ وأيضاً صحيح أنه يكرّر نفس التأكيد أن تلك الكتب ليست قانونيّة في تقديمه لـ"طوبيا" و"يهوديت"[xxxv].. وفي تقديم ترجمة سِفر "يهوديت" يقول: "أسباب تثبيت تلك النصوص (يشير لسِفر يهوديت وأمثاله أقل من الكفاية. فوق هذا فلأنه (سِفْر يهوديت) مكتوب بالكَلدية (يقصد الآراميّة) فهو مُعتَبَر من الأسفار التاريخيّة (واضح أن اعتباره تاريخيّ فقط غير قانونيّ)" [xxxvi]..

   +++  ثمَّ صحيح أيضاً أنه يبرِّر أسباب ترجمته لبعض تلك الكتب أنها بطلب الأصدقاء (ومن يعرف ظروف ذلك العصر يستطيع أن يرى في "الطلب" شبهة ضغوط أدبيّة وماديّة أيضاً، ولا يخلو كلام جيروم نفسه من تلميح لذلك، فهو قد نزل على "طلب" أو "أمر" من أرسل لهم الترجمة التي صرَّح أنه اضطر لترك عمل "عكف عليه باجتهاد" لكي ينجز لهم "أمرهم" [xxxvii] ..

   ++++ ولا تفوت ملاحظة كيفيّة قيامه بالترجمة: "أعطيتُ ليلة عمل واحدة، مُترجماً بحسب المعنى لا النصّ" .. في هذه الجملة القصيرة الكثيفة الدلالة بقدر قصرها ثلاث مُلاحظات: أولاً تعجّله في العمل، وثانياً عدم اكتراثه بدقة الترجمة، وثالثاً حرصه على التعبير عن ذلك كأنه يتبرّأ مما اضطُر له.. هل هكذا يُترجِم ما يراه قانونيّاً؟ وهل علمه، أيّاً كان، أقدس من ترجمة كتاب مقدس قانونيّ له نفس مرتبة الأناجيل؟ نعم قد يلومه بعض من يؤاخذونه على عدم إتقانه لعمل هو نفسه يقرّ بأنه نافع للقراءة وبناء المؤمنين، ولكن الأكيد أن من لم يعامل الترجمة باستحقاق كتاب نافع للقراءة لا يراه قانونيّاً..       

 

   واضح أن ضمّ "القانونيّة الثانية" للفولجاتا هو شاهد نفي ضدّ قانونيّتها وليس شاهد إثبات معها، وكان جديراً بإثباته أصلاً بين الشهادات القاضية باستبعاد "القانونيّة الثانية" من اعتبار القانون لولا التزامي بمراعاة الرد على كل اعتراض على أدلّة الإثبات التزاماَ مزيدا بنزعة أصيلة عندي فاستسهلتُ النزول درجة والاكتفاء بتفنيده كدليل ضد استبعاد "القانونيّة الثانية" من القانون (انظر "هامش xiii")..

 

   وفي ثنايا ذلك تعرِض إشارة غريبة لا أغفلها، فجيروم يضيف لأسباب قبوله لترجمة سِفْر يهوديت أنه من "المُعتَبَر" أن مجمع نيقية قد أدرجه في القانون.. هذه نقطة يغفل عنها كثيراً أنصار "القانونيّة الثانية" ولكنّي لا أُغفلها متى عَرَضَت أمامي، وسأناقشها كدليل منفرد كما هو جدير بشهادة خطيرة المحتوى كهذه:

 

 

   13) مجمع نيقية يُدرِج سِفر يهوديت في القانون (؟!)  

 

   سآخذ الإشارة بكل جدية لخطورة كلمة "مجمع نيقية"! كما أن الدقّة والأمانة ليس بشأنهما شئ مما أخذه على جيروم..

   عَرَ أمامي قول جيروم في مقدمته لترجمة سِفْر "يهوديت" أن أحد أسباب خضوعه لترجمته، رغم عدم قانونيّته، أنهم (؟) يعتبرون أن مجمع نيقية قنّنه! وهذه إشارة خطيرة بحسب الظاهر ومع ذلك فلم أجد الاستدلال بها في أي نص دفاعيّ قبطيّ عن "القانونيّة الثانية"، وبمداومة البحث وجدت حتى الكاثوليك لا يفرطون في استعماله (سيفهم الأريب لماذا مع قراءة الفصل)، ولكن أحدهم من غير البارزين رسميّاً لجيهم كتب ورقة يقول فيها إنه طالما قرَّر مجمع نيقية قانونيّة سفر "يهوديت" فلعلّه قرَّر قانونيّة بقيّة الأسفار "الثانية"..

  

 

   وهذا ما كتبه جيروم بالنصّ، وما بين الأقواس [] من تعليق المترجِم للإنجليزيّة أو منِّي بقصد الإيضاح:

   "بين اليهود فإن سِفْر "يهوديت" محسوب بين الأبوكريفا، وأسس تثبيت تلك [النصوص الأبوكريفيّة] التي حلَّت في موضع التنازع مُقدَّرة بأقلّ من الكافية. وفوق ذلك، وبما أنه مكتوب باللغة الكَلديّة (يُعنِي الآرامية القديمة)، فإنه مُعتبَر بين الأسفار التاريخيّة [يقصد القصص التاريخيّة العاديّة لدى اليهود لا الأسفار التاريخيّة القانونيّة فإنه سبق بالقول إن اليهود يعتبرونه أبوكريفا، وهو لم يخرج بعد من تقرير موقف اليهود]. ولكن  مجمع نيقية يُعتَبَر أنه حسب هذا السِفْر ["يهوديت"] بين تعداد الكتب المقدسة. لقد أذعنتُ لطلبكم (أو لعلّي يلزم أن أقول لأمركم!): ونحّيتُ عملي الآخر جانباً، الذي كنت مًقيَّداً بإحكام منه. لقد أعطيتُ ليلة عمل واحدة [لترجمة سفر "يهوديت"] مترجِماً بحسب المعنى لا اللفظ. وتجاهلتُ المُجلَّدات الأكثر خطئاً. وتمكّنت من إيجاد (مجلَّد) واحد فقط ذي تعبير مترابط بالكلمات الكَلديّة للتعبير عنه باللاتينيّة" [xxxviii]

 

   هناك ثماني إشارات في النصّ يُضعِف الواحد منها من دلالة الإشارة إلى مجمع نيقية على إثبات قانونيّة سِفر "يهوديت"، تلك الموضوع تحتها خطوط ومكتوبة بالخط الغليظ، وفوقها من خلفيّة ذلك الزمان إشارات أفعَل في إضعاف قوة الاستدلال، وفي مجموعها فإنها تفنّد تمام التنفيد أي استدلال بهذه الإشارة:

   فالفقرة تقول لنا صريحاً: إن جيروم لم يقل إن مجمع نيقية قنَّن ولكنه "مُعتَبَر" أنه قنَّن (فمن اعتبره كذلك؟)، والدلائل على قانونيّة السِفْر أقلّ من الكافية (بحسب تقدير جيروم لا تقدير اليهود)، والسِفر ليس له أصل عبريّ متوفِّر والنُسَخ الكَلديّة لا يبدو منها تقديره كسِفر مقدس حتى أن جيروم اجتهد حتى يجد مجلَّداً يخلو من الأخطاء التي داخَلت بقيّة المُجلَّدات، وجيروم نفسه لم يترجمه طواعيةً بل تحت ضغط "الأمر"، وفوق كل ذلك فهو حريص أن يذكر كل ذلك في التقديم كأنه ليتبرّأ أمام نفسه أو أمام الفاهمين من "تُهمة" القيام بالترجمة!

   ثم تقول الفقرة ضمناً:  إن جيروم لم يعتبر ما اعتبره من كانوا حوله بشان مجمع نيقية، وإلا فكيف له أن يعلن مخالفته لقانون مجمع نيقية بهكذا فجاجة لو كان يظن فعلاً أو يعلم أن الجميع يظنون بذلك!

   ومن خارج الفقرة: فإن أثناسيوس أكثر اعتباراً لمجمع نيقية من أيّاً من كان من اعتبروا المجمع قد قنَّن "يهوديت"، وسبق إيراد شهادة اثناسيوس الفصحيّة بشأن عدم قانونيّة تلك الأسفار.. كما لا يُعقَل أن بقيّة الآباء الذين أقرّوا بعدم قانونيّتها، وكانوا مُعاصرين لمجمع نيقية، إنهم خالفوا المجمع بهذا الوضوح وتجاهلوا تبرير ذلك وتجاهل كل من حولهم مراجعتهم!  وفوق الشهادة المعقولة من موقف الآباء الأقرب لنيقية، فإن كل مراجع مجمع نيقية تُفيد بعدم تعرّض المجمع أصلاً لقضيّة قانونيّة الأسفار، أي أسفار، وأقترح هنا لتوفير شرح طويل ومتبعة فتافيت وشوارد الاحتجاجات مراجعة هذه الصفحة لروجر بيرس، وقد تابع فيها بأناة ودقّة وتوثيق تفنيد كل تلك الاحتجاجات وأدلّتها [xxxix]..

   وحتى تمثُّل كيفيّة وقوع الخطأ متوفِّر: إن توفّر سيناريو مُستقِلّ مُحتَمَل لكيفيّة وقوع الخطأ (مثل تمثيل الجريمة في قانون الجنايات) يختم على أدلة إثبات وقوع الخطأ، ولا يبقى للدفاع عن احتمال الصحّة بدلاً من الخطأ إلا الافتراضات الخياليّة المُتَعسِّفة! ولقد توفَّر هذا السيناريو في حالة هذه الإشارة المخالِفة في مقدمة جيروم عن اعتبار مجمع نيقية قد قنَّن سِفر "يهوديت".. إن من اعتبروا ذلك، بخلاف ما ظهر من الآباء القريبين من المجمع وبخلاف تقدير جيروم نفسه، بعض المتأخِّرين بعقود عن زمن عقد المجمع، وواضح أن لهم غيرة بغير عالم، فغن عالمهم جيروم لم يكن مقتنعاً بذلك، وهذا النوع من الغيرة الشائعة، المعروف في كل زمان وليس غريباً حتى عن وقتنا هذا، هذا النوع يسهل عليه الخلط، ويميل لتصوير أي إشارة من الماضي إلى شئ متّصل بها يفيد ما يريح خيالاتهم.. ولذا كل المطلوب هو البحث عن أيّة إشارة أو استشهاد من سِفر "يهوديت" في أعمال المجمع او في وثيقة قريبة منّه، وهكذا استشهاد لا يفيد القانونيّة لأن السِفر اعتبره أثناسيوس من الأسفار النافعة للقراءة والبنيان.. وبالفعل تُوجَد هذه الإشارة في رسالة فصحيّة (سنة 332) كتبها البابا اثناسيوس (ومن غيره يكتب الرسائل الفصحيّة في ذلك الزمان بحكم مجمع نيقية) قريبة جداً من زمن المجمع وكُتِبَت وقت "المَحكَمَة" ما يفيد مزيداً من اتّصالها بالاضطهاد المترتِّب على الدفاع عن قانون إيمان نيقية [xl]..

 

   ولقد وجدتُ فقرات سابقة مكتوبة لديّ ناقشتُ فيها بعض أهم تلك المُلاحظات فأثبتها بالمرّة:

 

   + لم يقل جيروم إنَّ مجمع نيقية قرَّر قانونية سِفْر "يهوديت"، بل قال إنه مُعتَبَر أنه قررها! [xli] فمن إذاً هو من "يعتبر" المجمع قد اعتبر السِفر قانونيّاً؟ وهكذا بغير توثيق! هل هو جيروم نفسه؟ لو كان هو نفسه "يعتبِر" أن مجمع نيقية أقرّ قانونيّة سِفر "يهوديت" لكان الاعتبار إقراراً لديه فلا يصحّ أن يسبق "اعتباره" هو نفسه برفضه هو نفسه لقانونيّ’ السِفْر صريحاً ووصف أسبابها "بأقل من الكافية"! فمن الذي "يعتبِر" إقرار مجمع نيقية بقانونيّة "يهوديت"؟  ولو كان الاعتبار من جيروم لكان يشرح سبب "اعتباره" وهو ما لم يفعله!! وإنما هذا "الاعتبار" أتى في سياق حديثه عن "طلب" الأصدقاء لترجمة السِفْر [xlii].. فلا تفيد الإشارة لشئ موثَّق أو مُعتَرَف به من جيروم نفسيه، ولكن لاعتبار مظنون لدى "أصدقائه" الذين كانوا من النفوذ عليه حتى عطّلوه عن عمل ىخر كان يفرِّغ نفسه له ليُترجِم سِفراً سبق فأقرّ بعدم توفّر أسباباً كافية لاعتبار قانونيّته..

   ++ ثابت أن مجمع نيقية ولم يُقرِّر قانون الكتاب المقدس ولم يكن هذا من جدول أعماله ولا كانت القضيّة تقلق الكنيسة وقتها أصلاً لاستقرار معظم القانون.. ولكن كل الكتابات المعاصرة والتالية مباشرةً التي وصلت إلينا لم تسجل أي خبر عن إقرار مجمع نيقية لقانون الكتاب المقدس، وإنما فقط سجَّلت قوانينه وملابساته وقانون إيمانه لا أكثر.. وحتى بعض الكتب غير الصحيحة التي ظهرت بعد ذلك وزادت فوق قوانينه العشرين خلطاً من مجامع أُخرى أو خلافها، فإنها لم تذكر شيئاً عن بيان أو ثَبْت من المجمع بالكتب القانونيّة.. والكتاب الوحيد الذي يربط مجمع نيقية بالقانون هو كتاب متأخِّر في المئة التاسعة، بعنوان "المجامع القديمة"، ولا يأخذه أي عالم للتاريخ بجديّة وبحسب تقدير العُلَماء فهو من عمل أحد الغيورين بجهل الذي قام بضم كل أخبار المجامع المتوفرة لديه بصحيحها وخطئها وأضاف عليها من عنديّاته ما راق له [xliii]..

   وبكل بساطة المنطق فإن مصادر مكتوبة توفَّرَت في المئة التاسعة فالأرجح أن تبقى متوفَّرة لما بعد ذلك، وهو ما لم يحدث ..

   وحتَّى ذلك الكتاب المُشار إليه الذي ادَّعى إثبات مجمع نيقية للكتب القانونيّة فإنه لم يعطِ نصّاً بالقانون [xliv].. فلا يبقى شكّ مع هكذا تجميع وتأليف أن الكاتب أو مصادره كانوا يختصرون عناوين من أمنياتهم ليضيفوا على المتيقَّن من المجامع السالفة عن زمنه شكلاً يقع في مظنّة ذوي الغيرة الجاهلة كعادتهم حتى الآن..

   +++ خطاب أثناسيوس وتكراره لشهادته، ثم عظة كيرلس الأورشليميّ لا يجوز لهما مخالفة مجمع نيقية بهذا الوضوح دون على الأقل الدفاع الصريح عن موقفيهما تذلك الشأن.. وأكيدٌ أن أثناسيوس أدرى بمجمع نيقية واكثر اعتباراً له من أصحاب جيروم الذين "يعتبرون" ما يعتبرونه عن المجمع، وأدرى من جيروم نفسه..

   ++++ وبـ"التفنيد بافتراض العكس" تنتج مشكلة لمن يقبل هذه الإشارة كدليل على قانونيّة "يهوديت" حتى تجعله دليلاً عكسيّاً!  فإن كان ذلك كذلك فإن تقنين مجمع نيقية لم يشمل أسفار "طوبيا" و"الحكمة" و"المكابيّين" (الكتب التي ترجمها جيروم أيضاً ولم يفِد بأي مظنّة اعتبار من مجمع نيقية لها).. ولعلّ ذلك هو السبب الذي دفع أكثر علماء "الكاثوليك" للإحجام عن استعماله وإن كنتُ طالعتُ إشارات لهكذا "دليل" من بعض الهواة أو المتخصِّصين غير المُبرَزين..

 

   +++++ فعلامَ قام ذلك "الاعتبار"؟ إن معرفة ذلك تزيد إبطال الاحتجاج بطلاناً.. الأرجح جداً أن هذه الإشارة هي ظنّ شعبيّ ورد من خلط في الأخبار.. من أين يمكن أن يأتي هكذا خلط؟ فكرتُ أن هناك في الأدبيّات الموروثة من معركة نيقية العظيمة تكرَّر استشهاد ما من سِفر يهوديت، ورسخ في العُرف الشعبيّ لدى البعض أنه بمثابة اعتراف بقانونيّة السِفر في نيقية.. وذلك النوع من الخلط مألوف جداً حتى اليوم في أمور كثيرة ولا تزال الكنيسة تعاني من ضعف عقل الناس ما يستلزم الاجتهاد المزيد في إيضاح الواضح عندما تكون الأمور خطيرة.. القصد أنني بحثتُ في آثار مجمع نيقية عن نصّ يشير لـ"يهوديت"، لاسيما وأن بصيصاً يطوف بذاكرتي عن شئ  ما ارتبط بكتابات البابا أثناسيوس عنها.. بحثتُ ووجدتُ وما وجدته كان أفضل وأشهد مما طلبتُ:    

   ففي الخطاب الفصحيّ الرابع (سنة332) أي بعد مجمع نيقية بسبع سنوات، وبينما كان البابا اثناسيوس في بكور مواجهته للاضطهاد اللاحق لموقفه في ومن المجمع، ساق عدّة تشبيهات لإقامة الرب أبطالاً مُعدِّين من الخاضعين له للغلبة على المخالفين ذكر أولهم يهوديت [xlv] (وخلفيّة صراع نيقية ظاهرة في الكلمات على كونها ضمنيّة)..

   رسخ في أذهان الناس حديث البابا أثناسيوس عن يهوديت في خطاب قريب جداً من تاريخ مجمع نيقية واستشهد بها في حديثه ضد خصوم مجمع نيقية، فمن السهل أن يجوز الخلط على غير العارفين بالفرق بين "كتب كنسيّة" و"كتب قانونيّة"، والفرق بين "الاستشهاد" والتقتين، والفرق بين خطاب فصحيّ للبابا أثناسيوس وقرار مجمعيّ في نيقية، والفرق بين سماع خبر منقول والتحقّق منه، سهل على هؤلاء أن يكرّروا مقولة اعتماد مجمع نيقية لسِفر يهوديت.. ولكن جيروم المدقِّق قال إنه (السِفر) "مُعتّبَر" هكذا، ولم يقل أنه هكذا..

   ليس هناك تفسير آخر يتفق مع مُلابسات تلك الإشارة ودقّة تعبير جيروم عنها بأنه "اعتبار"، دون غيرها من بقيّة الأسفار، لدى الناس..

 

 

   14) الوحي في الأسفار إن كان: اعتقاد بعض من أقرّوا بعدم قانونيّة "الأسفار الثانية" بأن بها وحي على قدم المساواة مع الأسفار القانونيّة "الأولى"!

 

   عندما تظهر إشارة مُقلِقة لدى "الكاثوليك" بأن أحد سلطاتهم البابويّة الكُبرى يُفيد بعدم قانونيّة "الأسفار الثانية"، ويُعيِّن كتباً منهم بعينه (مكاببيّين الثاني) ويبرِّر الاستشهاد به لأنه من الكُتُب "النافعة للكنيسة" وإن كانت غير قانونيّة، ولا تُعطي هكذا شهادة فرصة للمراوغة في معناها، ثم لا يُعطي تاريخ الرجل فرصة للادِّعاء انه تراجع عن رأيه بعد تبوّئه منصب البابويّة، فإنهم ينزعون لجمع كل ما يمكنهم جمعه من شواهد لتأكيد أنه كان يُعامِل "الأسفار الثانية" على قدم المساواة مع الأولى ويرى فيها وحياً [xlvi]..

   @ أولاً هذا تحويل للقضيّة من فحص القانونيّة لفحص الوحي.. فلير الجميع أن في أي سِفْر وحياً، فليس هذا بفكرة مُفاجئة وقد بدأ البحث بالتمييز بين الوحي والقانون.. وطالما ثبتت عدم قانونيّة كتاب، فإن الشركة الكنسيّة لا تتوقَّف على موافقة المؤمنين على رأي من يرى الوحي.. أنا أرى الوحي في سِفر طوبيا مثلاً، ولكن لأنه غير قانونيّ فلا يسوغ أن أُلزِم أي واحد بهذا الرأي حتى أقبله معي في الكنيسة بسلام..

   @@ وثانياً وهي مفاجأة لم يلتفتوا لها: لو كان من يرى في أحد الأسفار وحياً يُقرّ بأنه ليس قانونيّاً، فإذاً كانت عدم قانونيّة السِفْر المعنيّ راسخة بمكان حتى أن من يرى فيه وحياً تجاسر على الإقرار بعدم قانونيّته J.. فكلُّ الجهد المبذول في إثبات قناعة البابا غريغوريوس الكبير يؤول كعادة أدلة الدفاع عن هذا الخطأ إلى دليل ضدّ..

   (هامش xx سبق فيه تناول هذه الشهادة في موضع موافق)

 

 

والبقيّة لا تأت:

شهادات زادت عن الحاجة والطاقة!

 

   أظهرت الشهادات السابقة إجماعاً (باستثناء مجامع كارثِج إيّاها)، على أن "القانونيّة الثانية" ليست قانونيّة.. وكان الاختلاف هو في نوع اعتبارها، الذي تراوح بين أن: كلها أبوكريفا (عند كيرسلس الأورشليميّ)، أو بعضها نافع للبنيان" (عند أثناسيوس وروفينوس)، أو حتى التماس ضمنيّ غير صريح أنها مساوية للوحي أو موحَى بها (عند غريغوريوس الكبير أسقف روما)، ولكن قال الجميع عندما مبادرين من أنفسهم في مناسبات كبرى، أو أيضاً عندما عَرَض لهم أحدُها، أنها ليست قانونيّة..

 

   ولقد توقَّفتُ مع روفينوس في عرض تفصيل شهادات الكنسيّين المُعتَبَرين مبتدئاً من الديداسكاليا (الدسقوليّة).. ولكنّي لم أجمع كل الشهادات المتوفِّرة بينهما، كما لم تتوقَّف الشهادات المتوفِّرة عند روفينوس..

   هناك قبل الدسقوليّة قوائم قوانين الكتاب المقدس المتعاقبة واشهرهم القانون الموراتوريّ، وهناك مع روفينوس جيروم الذي أحلتُه متطوّعاً كشاهد ضد باعتبار ترجمته لتلك الكتب لضمِّها للفولجاتا، وهناك تلاميذ البابا أثناسيوس لاسيما غريغوريوس النازيانزيّ، وهناك يوحنا الدمشقيّ، وغيرهم..  

 

   لم اُضمِّن تلك الشهادات جميعاً لأن القصد لم يكن مسحاً أرشيفيّاً أو أكاديميّاً لوجه البحث، وإنما كان يوجهني في طلب المادة مُراجعة الحجج المشهورة التي تحاول إثبات قانونيّة "القانونيّة الثانية"، وتلك الحُجَج تتوقَّف عند المئات الأولى والأسماء الكبيرة، وتحاور وتداور لتُمَرِّر "القانونيّة الثانية" إلى ساحة القانون، فاكتفيتُ بالكافي من الشهادات، مع بعض الزيادة حتى تُقطَع مظنّة انفراد البعض القليل بالرأي.. ولو عرضتُ كل ما عَرَضَ أمامي في البحث، بل كل ما أتوقّع وجوده في مواضع لم أذهب إليها، ما كفت طاقة ولا وقت..

 

   وليس من رد على كل تلك الشهادات، كسابقاتها المُثبتات هنا، إلا محاولة اصطياد افتراض أن قناعة بعض هؤلاء الآباء كانت أن الأسفار التي أقروا أنها ليست قانونيّة كان موحى بها ومساوية في الوحي للقانونيّة.. والأداة التي بقيت بعد كل شئ معهم، ويستعملونها بإفراط لإثبات أنها "من الوحي" في ضمير من صرَّح بعدم قانونيّتها، هي حفر الخطوط الثقيلة تحت التماثل بين استشهاد بعض هؤلاء الآباء بها وبين استشهادهم بالكتب القانونيّة.. فليكن أن التماثل تكافؤ وتطابق وتماهي أيضاً، وليكن هذا رأي الجميع وليس البعض فقط، بل ليكن هذا رأيي أنا نفسي انها من الوحي.. ولكن النقطة أن "القانونيّة الثانية" ليست قانونيّة، الكنيسة لم تعتبرها قانونيّة، بشهادة آباء مُعتَبَرين فيها، قد يخالفهم الواحد في تفسير أو شرح، ولكنّه لا يظن فيهم تزوير حقيقة اعتبار الكنيسة لقانونها، حاشا.. 

   وطالما خرجت "القانونيّة الثانية" من القانون فليًترَك تقدير الوحي فيها دون إقرار كنسيّ عام، وإلا فكيف ليست هي من "القانون"؟! وهذا ما بادرتُ بشرحه من البداية وحتى قبل أن اطّلع على حجج الإفلات هذه..

 

 

مُلْحَق

جدول للأسفار بحسب الاعتبار الرسميّ للكنائس

 

 

 

التقدير النهائيّ لقانونيّة "الأسفار الثانية"

مع حيثيّاته

 

 

شواهد "ضد"

شواهد "مع"

الحُكم

خط سير القصّة في خُلاصة

 

 

·         ظاهر بكل وضوح وعبر الأزمان المتعاقبة، أن هذه الأسفار لم تكن ظاهرة في قانون اليهود،

·         وهو القانون الذي وافقهم عليه الرب ولم يراجعهم فيه بل راجعهم عليه، وشهد له، وشهد لنفسه به.

·         وهو القانون الذي كان يتعبَّد الرسل أولاً في مجامعه، ولوقت ليس بقصير نسبيّاً، قبل انتشارهم للكرازة!

·          وشهادة بعض كُتَّاب هذه الأسفار نفسها أنهم ليسوا معصومين فيما كتبوا،

·         وما أُثبِتَ في أقدم الكُتُب التي جمعت قوانين الكنيسة من حَصْر لقانون أسفار العهد القديم كما هو في الكتاب المقدس المُتعارَف عليه بغير هذه الأسفار،

·         وفي شهادة البابا أثناسيوس في رسالة فصحيّة مسكونيّة بحسب تكليف مجمع نيقية لبابا الإسكندريّة، قدَّم ذات القانون، واما تلك الأسفار فقد أشار بنفعها للقراءة دون اعتبار قانونيّ،

·         وقبله بسنوات في شهادة كيرلس الأورشليميّ الذي نسب القانون للرسل وللأساقفة التابعين (الرسوليّين)،

·         وفي شهادة مطابِقة من روفينوس الكاتب الكنسيّ المعروف إذ شهد بإجماع "الآباء" على الكتب القانونيّة بغير هذه الأسفار، فجمع المدرسة اللاتينيّة، مع السكندريّة، ومثلهما الإنطاكيّة،

·         وشهادة عدم مصداقيّة نابعة من الاختلاف بين من يقبلون قانونيّة هذه الأسفار على حصرها، فيما هم يستشهدون على صحتها بإجماعهم معاً عليها،

 

 

-          بعد كل ذلك، وفي المُقابِل لم يُثبت أي استشهاد في أسفار العهد الجديد يعترف بقانونيّة تلك الكٌتُب، وقد ظهر بكل أناة في النظر بطلان الاحتجاج بالاستشهادات المُفتَرَضَة،

-          كما لم يقم مجمع مسكونيّ قط بعد كل هذا ينقض ما سبق من شهادات كُبرى لا تخفى بعدم اعتبار قانونيّة هذه الأسفار، وقبولها ككتب قراءة للوعظ والنفع الروحيّ،

-          وحتى المجامع التي أقرّت بها فهي إما مجمع لاتينيّ مكانيّ شابَهُ ما فُصِّلَ من العوار في أهليّته فيما قام بتقنينه،

-          أو مجمع "كاثوليكيّ" متأخِّر جداً وقام في ظروف نزاع عنيف لم تخلُ خلفيّته من المكائد، أو اعتبار شرقيّ متأخِّر في مجمع مكانيّ أيضاً وفي ظروف سياسيّة ضاغطة،

-          مع وجود كلمات غير موافقة للتاريخ الدقيق في اعتراف ذلك المجمع مثل: "منذ القديم"، أو "إن كان البعض قد رفضهم فالبعض قد قبلهم"،

-          وبمنطق غير مُحكَم، مثل: "الكنيسة التي سلّمتنا الأناجيل سلَّمتنا هذه أيضاً ومن رفض هذه فقد رفض تلك"،

-          مع ملاحظة أن الفقرة قد سبقت وأقرًّت أنه ليس كل من في الكنيسة قد سلّمونا تلك الأسفار،

-          غير ملاحظة بديهيّة هي أنه ليس كل ما تُسلّمه الكنيسة فإنها تسلِّمُه كقانون مُوحَى به!

-          وبعد كل ذك، فليس هناك اتّفاق على عدد الأسفار، وقبول البعض بافتراض "دليل" ما، ويكون "الدليل" ملزماً" بقبول البقيّة وهنا يظهر التناقض عند إقامة حُجَّة وعدم تطبيقها على الجميع..

 

 

 

   فبعد هذه الشهادات المتوالية المتوافقة البادئة منذ باكر زمن الكنيسة،

   مقابِل اعتراف متأخِّر من غير ذوي أهليّة، أو في ظروف تبعث على عدم الاطمئنان، أو بتشبّث مجافي للمنطق، كما سبق تفصيله بكل دقّة،

 

   فماذا يمكن القول بضمير مستريح إلا أن:

 

 

الأسفار التسعة المعهودة:

ليست قانونيّة ولكنَّها كنسيّة

 

الأربعة عشر سفراً:

ليس كُلُّها سليم المحتوى ولكنْ بعضها نافع للقراءة وصالح للتعليم

 

ومن حيث المبدأ عن جميع الأسفار الزائدة على القانون:

ليست هي قانونيّة ثانية، ولا قانونيّة أصلاً.. لأنها لم تحظ بالاتفاق طوال كل عصور تواجدها،

ولأنها، وهذا أمر ذو دلالة كُبرَى، لم تكن مقبولة كقانون عند اليهود الذين كتبوها هم أنفسهم..

وإنما بعضها فقط هو أسفار كنسيّة نافعة للتعليم وصالحة للقراءة..

هكذا تسمَّت ووُصِفَت في الكنيسة الأولى!

 

وبعضها لا يلزم الالتفات إليه، بعضها يلزم عدم الالتفات إليه،

وبعضها يحتاج لتنقيته من بعض ما فيه والانتفاع به بعد المُراجَعة..

وبعضها طيب ونافع من أوله لآخره ككتاب حكمة أو كتاب بطولة أو كتاب تاريخ، كل حسب نوعه، يحظى بكرامة القراءة والانتفاع، ولكنّه لم ولا ينبغي أن يحظى بكرامة القانون..

 

 

وأخيراً:

الجيد النافع من هذه الكتُب يُقرأ في "كاتاميروس" أسبوع الآلام حتى سبت الفرح، وهذا موضعها الصحيح ووظيفتها النافعة ولا اعتراض، بل كل الانتفاع بهذا..

 

 

ولمن يرى فيها وحياً:

ويبقى أن من يصرّ على أنها وحي، فله هذا قناعةً منه، يُلزِم بها نفسه، وأما أن يطلب التزام الجميع بقناعته معه، فهو كمن يرى رؤيا ويغضب إن لم يصدقه السامعون.. هو رأى، ورؤياه له أو عليه، ولكنّه لا يملك تقنينها على غيره ممن لا يملك التثبت من سلامة رؤياه.. وهنا معنى القانون..

 

 

يبقى السؤال المُقلِق لكثيرين:

فماذا  عمَّن عاشوا طويلاً مؤمنين بقانونيّتها؟

والإجابة في سؤال أيضاً:

وماذا عمَّن عاشوا قبل تقنينها؟ وماذا عمَّن قرئوا رسالة البابا أثناسيوس فقبلوها بثقة في كاتبها؟ وماذا عَمَّن عاشوا قبل الوحي بكثير من أسفار الكتاب؟

السؤال قائم على افتراض خاطئ أن الإنسان يُحاسَب عن أسماء وأشكال لا يدرك محتواها، وإنما الحساب هو على قبول الحقّ والتجاوب معه متى ظهر للإنسان وأدرك قصده ونفعه، والىن يظهر أن هذا هو زمان تنقية المفاهيم للانتاع بكل عطايا الرب نقيّة مجرَّدَة من أي دخيل مُربِك.. الآن دعوة لتكريم الكتاب المقدس نقيّاً حقّ تكريمه بالنهل منه أكلاً وشرباً، مذاقةً وهضماً، دون انصراف عنه أو صرف لمجهود ثمين في حلّ ألغاز دخيلة مجافية لأبسط بديهيّات المنطق السمائيّ الذي يريد أن جميع الناس يفهمون وإلى معرفة الكُتُب الثابتة يُقبِلون..

 

 

 

وتلخيص للتلخيص، فهذا خطُّ سيرها وخط سير البحث معها:

1 ليست "قانونيّة"، وإن كانت "ثانية" من حيث كونها ليست قانونية، وفضل أفضلها أنها:

2 أسفار كتبها حكماء ومؤرخون يهود،

3 دخلت إلى المجلدات السبعينيّة باعتبار السبعينيّة نشأت وبقيت في العُرف كترجمة لكل الأصول اليهوديّة،

4 وبقيت مجموعة مع الأسفار القانونيّة في ظل غربة اليونانيّين عن الخلفيّة العبريّة الكتابيّة،

5 واعتُبِرَت قانونيّة أولاً في مجامع لاتينيّة غير مؤهَّلَة، وذات سُلطَة محليّة محدودة، ولم تُعتَمَد من رئاستها في روما، في نهاية المائة الرابعة وبداية الخامسة،

6 وبعد نحو "دستة من مئات السنين قرَّر مجمع "ترنت" ("الكاثوليكيّ") اعتمادها في جُملَة حُروم المجمع لكل قرارات ما رفضه البروتستانت،

7 وتعمَّم اعتبار بعضها قانوناً على الكنائس الشرقيّة بضغط لاتينيّ في عصر اللتننة،

8 على أن بعض الشرقيّين قبلوا بقيّة الأسفار "الثانية" بحكم قبول البعض، فهذا كذاك!

9 حدث ذلك بالغفلة عن كل الشهادات الكنسيّة رفضت قانونيّتها حين اختلط أمرها على العوام،

10 ويلزم العودة لاعتبار النافع منها بدرجة "كنسيّ نافع للقراءة" لا أكثر..

 

 

 

 

 

Discussed, and written as a preliminary draft in 2007,

Developed further in 2012,

Ended as a premature draft and posted as such in 214, on the eve of Pentecost!

 

Deacon Basil, aka C. Mark !

 

 

 

 

 



[i]  مالت النسخة العربيّة للتطويل والتكرار لأن خلفـيّـتها هي احتجاجات وافتراضات عديدة تستميت للدفاع عن قانونيّة الأسفار "الثانية" في الكنيسة القبطيّة، ومع كل احتجاج وافتراض أزيد من ناحيتي بمناقشته بكل تفصيل هو تشعّباته الحاصلة والممكنة، وكثرة تفريعات الدفوع (التي تكثر بسبب اليأس في تقديري) تحمل ما تحمل من تداخل يستدعي التكرار في الإجابة.. من متابعة كل هذا طالت النُسخة.. ثم لما كانت هذه النسخة في مرحلة المسودَّة، فبها تجميع بغير تنقيح واختصار كافٍ؛

   على أنّ النسخة الإنجليزيّة مالت إلى الاختصار بسبب عدم تراكم تلك الاحتجاجات التفصيليّة اليائسة في عقليّة من يتكلمون الإنجليزيّة، وهم من استدعتهم المُخيِّلة وأنا اكتب بالإنجليزيّة.. وأقترح على أي من يتعجَّل اختصار البحث لسهولة تداوله أن يُترجِم النسخة الإنجليزيّة..

 

[ii] Anticipate in Report 81, in the folder titled “I Was There, With His Grace, Reports” (Unpublished yet)!

 

[iii]  الدسقوليّة أو تعاليم الرسل، تعريب الشماس حافظ داود (المتنيّح القمص مرقس داود أخيراً)، الطبعة الثالثة، ص87-88، 1979؛

for the whole original Greek text: cf. Migne. PG, Book vi, section 18, pp. 555-1156.

 

[iv]  الشماس حافظ داود، المرجع السابق، ص7؛

cf. Migne, PG, op. cit. p. 96.

 

[v]  الترجمة لي من:

 NPNF, vol. 7, p. 156.

 

[vi] Lives of the Saints, For Every Day of the Year, edited by Rev. Hugo Hoever, Catholic Book Publishing Co., 1955, p. 112.

 

[vii] Cyril of Jerusalem, Catechetical Lecture 4, paragraphs 35-36; NPF, series ii, vol. vii, pp. 156-157.

 

[viii] NPNF Series II, vol. 4, pp. 1313-1314, lttr. 39, phrases 4-6;

    انظر أيضاً ص167 من نفس المرجع: مُلاحظة العالم أ. روبرتسون عن قانون الكتاب عند أثناسيوس.

 

[ix] St. Athanasius On The Incarnation, translated and edited by A Religious of C.S.M.V.,

 with an Introduction by C .S. Lewis,  St Vladimir Seminary Press, Crestwood, NY, 2000, Appendix, pp. 97-98.

   وسأورِد بعض الجُمَل من الأصل مقتطعة في حدود غرض الاستشهاد، حتى لا يطول الاستشهاد بتضمين ما يطول سرده وهو خارج القصد:

“Son, all the books of Scripture, both Old Testament and New, are inspired by god and useful for instruction, as the apostle says; … The Pentateuch for example tells …; Joshua, Judges and Samuel describe …; Kings and Chrinicles record … ezra …, the return from exile …; The prophets …”

 

[x] Babylonian Talmud: Baba Bathra Tractate 15 b; cf. Soncino Babylonian Talmud, Translated by Rabbi Dr. I. Epstein, Th Soncino Press, London, 1948.

 

[xi] NPNF, vol. iv, p. 1313, cf. ibid p. 2202, table B.

 

[xii] NPNF, vol. iv, p. 1118.

 

[xiii]  شهادة جيروم ضد قانونيّة تلك الأسفار تقوم بحقّ في صدارة الجدارة بالاستشهاد بها، غير أن الحساسيّة المحمومة من "الكاثوليك" تجاه استخدام البروتستانت لشهادته جعلتهم يفرطون في ردود جِدّ سخيفة.. ولما كان التزامي ونزعتي ألا أترك ذيولاً لرد ضد الحُكْم الذي أنتهي لعرضه خالصاً، فإن ذلك سيزيد البحث دون فائدة.. وحلاً لهذا، فسأسوق ترتيباً استثنائيّاً طريفاً: سأضمّ استشهاد أنصار "القانونيّة الثانية" بضمّ جيروم لها في ترجمة فولجاتا ناحية الشهادات المؤيدة، وأتولّى من ثَمَّ تفنيد استشهادهم هم! فالوقوف في ناحية التفنيد غير مُكلِفة كالتزامي قبل الاستشهاد بتمام إثباته..

   وأما سبب تلك الحساسيّة الظاهرة تجاه شهادة جيروم لدى "الكاثوليك" فهي قيمة جيروم الأدبيّة لديهم باعتبار مساهماته الكبيرة في ترجمة الكتب المقدسة وجهد البحث المتميّز في نسخها وترجماتها وكونه بذلك من العُمُد القليلة للكتابة الكنسيّة باللاتينيّة في زمن "الآباء" ما يسد بعض الثغرة بينها وبين الكتابات اليونانيّة الغزيرة.. ليس من السهل أن يقبلوا كاتبَهم الكبير شاهداً ضد عقيدة كنسيّة لديهم..

 

[xiv]  الترجمة لي عن:

Rufinus, Exposition of the Creed, 37; cf. NPNF, series II, vol. 3, p. 1144.

 

[xv] الترجمة لي عن:

Rufinus, op. cit., 38; cf. NPNF, op. cit. p. 1145.

 

[xvi] Rufinus, Exposition of the Creed, 37; cf. NPNF, series II, vol. 3, p. 1144.

 

[xvii] Rufinus, op. cit., cf. NPNF, op. cit., pp. 1144-1145.

 

[xviii] Francis P. Havey, African Synods, 1907: found in The Catholic Encyclopaedia under Council of Hippo.

 

[xix] Charles Joseph von Hefele, A History of the Councils of the Church, ii: translated from German by William R. Clark, T & T Clark, 1876, Edinburogh, pp. 458-468.

 

[xx]  أقرّ البابا "الكاثوليكيّ" غريغوريوس الكبير (بابا من 590 إلى 604 ميلاديّة) بأن مكابيّين الأول من الكتب غير القانونيّة ولكن النافعة لبناء الكنيسة:

Joseph Gildea, Gregory the Great, A Synthesis of Moralia in Job, Peter Lang Publishing, 1991, NY, part 1, book 3, p. 126 : “…from the books, though not Canonical, yet brought out for the edification of the Church, we bring forward testimony. Thus Eleazar in the battle smote and brought down an elephant, but fell under the very beast that he killed (1 Macc. 6.46).”

ولاستكمال الصورة أُضيف بكل وضوح موضوعيّ أنه مهما أطال من تُقلِقهم هذه الإشارة بعدم قانونيّة "تلك الكتب" التي منها على الأقلّ صراحةً "المكابيّين"، مهما أطالوا وأكثروا من استخراج عشرات الاستشهادات من كتابات البابا غريغوريوس بنصوص من "القانونيّة الثانية"، ولكن عبثاً، فهو يُيرِّر بنفسه نقله من كتاب ليس في القانون بأنه نافع لبناء القارئ، ولم يأت البابا غريغوريوس أسقف روما بجديد إذ هي ذات قاعدة البابا أثناسيوس على بعض الكتب من تلك الزائدة عن القانون في المجموعة  السبعينيّة.. يمكن لمن يقلق أيضاً أن يقارن بين طريقة استعمال البابا غريغوريوس الكبير للشواهد من الكتب القانونيّة بتلك التي من "القانونيّة الثانية" ويضع خطوطاً تحت التشابه والتكافؤ والتماثل والتطابق حتَّى، ولكن كل هذا يسهل جداً فهمه عند من يقبل الأسفار كنافعة  للقارئ ويظنها موحَى بها حتَّى، ولكن الثابت أنه أقرّ أن أحد أبرز تلك الأسفار ليس قانونيّاً، ولا يُعقَل أن من صار بعد ذلك بابا روما كان يجهل أو يعاند مع قانون سبق لروما اعتماده ثم يصير بابا روما دون استيقاف ومراجعة لسابق مخالفته الكبرى.. ولكن بالمقابِل يُعقَل، وإن كان يؤسِف، أن هناك ما جدّ بعد ذلك من مُعاندة مع البروتستانت أدخلت ما يتناقض مع الراسخ من تُراث الكنيسة، ومن ثَمَّ ظهرت الشواهد تترى على التناقض الناشئ، فيتبارى المدافعون لمحاولة تلطيف أثرها..

   ثم هناك مُلاحظة منطقيّة خطيرة: فمن يرى فعلاً في سِفرٍ ما أنه مُوحّى به ويفيد صراحةً بعدم قانونيّته فهو إذاً كان راسخاً في البقين من عدم القانونيّة وإلا ما كان قد تجاسر على وحي!

   كل هذا بافتراض أنه كان يرى في "الأسفار الثانية" وحياً، فذلك أمر لم يُصرِّح هو به وإنما قُدِّر بمقارنات في الاستعمال، وبالمناسبة فيُلاحَظ أن بعض كُتَّاب ذلك الزمان لم يفرقوا كثيراً بين "النافع للقراءة" وبين "الوحي" ولم يفحصوا القضيّة أصلاً..

 

 

[xxi] Plutarch, Life of Kato; Gosciny and Oderzo, Asterix and the Laurel wreath, 1974, pp. 33-34. J

 

[xxii] Augustine, On Christian Doctrines, 2, 12; NPNF, Series I, vol. 2, pp. 1138-1139.

 

[xxiii] NPNF, Series I, vol. 1, chapter 13, paragraph 20, p. 91.

 

[xxiv] Cf. ‘The Case of Bishop Augustine’ by the author.

 وانظر أيضاً نُسخ عربية مُختَصَرَة:  "حالة الأسقف أغسطين"

 

[xxv] The Acts and Decrees of the Synod of Jerusalem, translated from Greek into English and commented on by J. N., W. B. Robertson, London. Thomas Baker, 1899, pp. 155-156.

 

[xxvi] Talmud, Tractate  Megilla, 3a; Available at: Babylonian Talmud,Translated by Michael L. Rodkinson, 1918, book 4, vol. viii, chapter I, Mishna 1, p. 5.

 

[xxvii] Easy List available at http://www.jewfaq.org/prophet.htm

 

[xxviii] Babylonian Talmud: Tractate  Baba Bathra, 15 b; available at: Soncino Babylonian Talmud, Translated by Rabbi Dr. I. Epstein, Th Soncino Press, London, 1948.

 

[xxix] Babylonian Talmud, Translated by Michael L. Rodkinson, Book vii, Book 7, vol. xiii, 1918, Mishna V, Tractate Baba Bathra (Last Gate) part I, p. 36.

 

[xxx]  النصوص من كتاب ابن العسّال مأخوذة من: القمص صليب سوريال، دراسات في القوانين الكنسيّة، الكتاب الرابع، في كتاب المجموع الصفويّ لابن العسال، الكلية الإكليريكيّة واللاهوتيّة للقبط الأرثوذكس، ص 44.

 

[xxxi] Emil Schürer, The Literature of the Jewish People in the Time of Jesus, p. 246.

 

[xxxii] St. Athanasius on the Incarnation, op. cit. p. 113.   

 

[xxxiii] Ibid, p. 97 et seqq.

 

[xxxiv] Jerome, Preface to the Books of Solomon, for English translation see Philip Schaff and Henry Wace, Nicene and Post Nicene Fathers, Grand Rapids: Eerdmans, p. 492, 1953: As, then, the Church reads Judith, Tobit, and the books of Maccabees, but does not admit them among the canonical Scriptures, so let it also read these two volumes (Wisdom of Solomon and Eccesiasticus) for the edification of the people, not to give authority to doctrines of the Church";  cf. NPNF, series II, vol. 6, p. 1045.

 

[xxxv] Ibid, p.1046.

 

[xxxvi] Jerome, Preface to Judith, Translation taken from Roger Pearse, tertullian.org/rpearse/nicaea.html: the basis for affirming those [apocryphal texts] which have come into dispute is deemed less than sufficient. Moreover, since it was written in the Chaldean [he means Old Aramaic] language, it is counted among the historical books.”

 

[xxxvii] Ibid; Roger Pearse, Ibid: “I have acquiesced to your [pl.] request (or  should I say demand!): and, my other work set aside, from which I was vehemently restrained

 

[xxxviii] Jerome, ibid; English translation available at Roger Pearse’s page, ibid:

Among the Jews, the book of Judith is counted/considered [legitur] among the apocrypha; the basis for affirming those [apocryphal texts] which have come into dispute is deemed less than sufficient. Moreover, since it was written in the Chaldean [he means Old Aramaic] language, it is counted among the historical books. But the Nicene Council is considered to have counted this book among the number of sacred Scriptures. I have acquiesced to your [pl.] request (or  should I say demand!): and, my other work set aside, from which I was vehemently restrained. I have given a single night's work (lucubratiuncula), translating according to sense rather than verbatim. I have cut back the most error-ridden of many codices: I was able to discover only one with coherent expression in Chaldean words, to be expressed in Latin.”

 

[xxxix] Roger Pearse, tertullian.org/rpearse/nicaea.html

 

[xl] Pope Athanasius, fourth paschal letter, 332 A.D., paragraph 2 ;cf. NPNF, series II, vol. 4, p. 1233: "For by these means we shall have strength to overcome our adversaries, like blessed Judith Judith 13:8, when having first exercised herself in fastings and prayers, she overcame the enemies, and killed Olophernes."

 

 

[xli] Ibid: “Among the Jews, the book of Judith is counted/considered [legitur] among the apocrypha; the basis for affirming those [apocryphal texts] which have come into dispute is deemed less than sufficient. Moreover, since it was written in the Chaldean [he means Old Aramaic] language, it is counted among the historical books. But the Nicene Council is considered to have counted this book among the number of sacred Scriptures”.

 

[xlii] Ibid: “I have acquiesced to your [pl.] request (or  should I say demand!): and, my other work set aside, from which I was vehemently restrained”; cf. NPNF, series II, vol. 6, p. 1046.

 

 [xliii] Roger Pearse, in his paper at tertullian.org provides two quotes, as follows:

Andrew Hunwick, Ecce Homo-- An Eighteenth Century Life of Jesus: Critical Edition and Revision of George Houston's Translation from the French (The famous originl work by Baron d'Holbach), pp. 48-49, footnote 25; available at Roger Perse's Tertullian.org (http://www.tertullian.org/rpearse/nicaea.html):

"The question of authentic and spurious gospels was not discussed at the first Nicene Council: the anecdote is fictitious. It occurs in the clandestine text La Religion chretienne analysée ('Christianity Analyzed', ascribed to Dumarsais, and published by Voltaire in an abridged form in the Recueil necessaire ('Essential Collection,' 1765), where the source is given as the anctissima concilia (1671-1672, Paris, vol II, pp 84-85) of Pierre Labbe (1607-1667), which purports to follow the Year 325 § 158 of the Annales ecclesiasti (1559-1607) of Baronius (1538-1607), though be it noted that Baronius, while recording the adoption of certain gospels, and the rejection of others as spurious, does not recount by what means the distinction was made. Voltaire repeated the fictitious anecdote several times, giving Labbe as his source: see B. E. Schwarzbach, p. 329 & n. 81. Doubts had earlier been expressed, notably by Tillemont (see L. S. Le Nain de Tillemont, Memoires pour servir a l'histoire ecclesiastique ['Memoirs by way of church history', 1701-14, 2nd ed., Paris, Robustel - Arsenal 4° H.5547], vol VI, p .676.) In fact the anecdote pre-dates Baronius

by over six hundred years: it occurs in an anonymous Synodikon containing brief surveys of 158 Councils of the first nine centuries. Brought from Greece in the sixteenth century by Andreas Darmasius, this document was purchased and edited by the Lutheran theologian Johannes Pappus (1549-1610). It was subsequently reprinted, notably in the Bibliotheca graeca… of Fabricius, the first edition of which was published in 1705-1707, and which D'Holbach may well have consulted. The anecdote may be found in Synodicon vetus section 34, 'Council of Nicaea' (Johannes Albert Fabricius, Biblioteca graeca… [1790-1809, Hamburg: Bohn], Vol XII, pp. 370-371.)"

Cf. John DUFFY & John PARKER (ed.), The Synodicon Vetus, Washington, Dumbarton Oaks, Center for Byzantine Studies,  1979, p. xv; available at: roger Pearse, ibid:

“The Vetus Synodicon dates from after 887 AD, the latest events recorded in it.  The work lists every ecclesiastical synod that has ever been held from the beginning, giving a chapter to each.  Early material is derived from Eusebius, and then from other church historians.  However the compiler adds small details not recorded by these historians -- the number of bishops attending synods, etc -- which the editors suggest he invented himself.  Some of the synods are doubtful or imaginary. "In his zeal ... the writer was anything but a careful researcher, and although in places his sources or copyists may be at fault, he himself must be held responsible for most of those numerous errors which in the past have prevented scholars from treating the SV as a historical document above suspicion.”

 

[xliv] The whole chapter in the so called Synodicon Vetus about the council of Nicea is devoid of any canon or subcanon list. For the full text of it see John Duffy, ibid, chapter 35, p. 29:

”The divine and sacred First Ecumenical Council of three hundred and eighteen God-inspired fathers was convened at Nicaea, metropolis of the province of Bithynia. Its presiding leaders were the presbyters Vito and Vicentius taking the place of Rome's Pope Sylvester and his successor Julius, Alexander of Alexandria, Macarius of Jerusalem, Eustathius of Antioch, the presbyter Alexander representing Metrophanes of Constantinople, Hosius the bishop of Cordoba, and Constantine the apostle among Christian emperors. This holy council attached the term "consubstantial" to the Holy Trinity, fixed the time of the divine and mystical Passover, and set forth the divinely inspired teaching of the Creed against all heretics, Arius, Sabellius, Photinus, Paul of Samosata, Manes, Valentinus, Marcion, and their followers. It condemned also Meletius of Thebais, along with those ordained by him, and Eusebius of Nicomedia. The canonical and apocryphal books it distinguished in the following manner: in the house of God the books were placed down by the holy altar; then the council asked the Lord in prayer that the inspired works be found on top and--as in fact happened--the spurious on the bottom. Since the story is related only by SV, it is not possible to know if it belongs to an older tradition or where our author might have come across it. Note that 'Apocryphal' and 'spurious' works in Eusebius HE do not mean heretical ones -- they refer to works which are orthodox but not part of the canon.  The footnote tells us that the story is first recorded here, in the late 9th century.  Is this perhaps the origin of the whole fairy-tale?"

 

[xlv] Pope Athanasius, ibid; cf. NPNF, series II, vol. 4, p. 1233.: "For by these means we shall have strength to overcome our adversaries, like blessed Judith Judith 13:8, when having first exercised herself in fastings and prayers, she overcame the enemies, and killed Olophernes."

 

[xlvi]  هذا حال كثيرين في المكتبة وقاعات الاجتماعات القبطيّة في تلطيف شهادة البابا أثناسيوس ضد قانونيّة "الأسفار الثانية"، وإن كانوا يفعلون ذلك بالتمتمة بكم جملة سريعة كعنوان بغير متون، على أنني وجدتُ مقالات مُفصَّلَة للدفاعيّين "الكاثوليك" لعلّ هذا أكثرها تفصيلاً:

http://matt1618.freeyellow.com/deut.html#St. Gregory the Great, Pope, [590-604, A.D.]

 

[xlvii] Felix Just, Chart of the Hebrew and Christian Bibles, Loyola Marymount University.

 





Site Gate  Reopening Front Page  Main Table of Contents  Criticism  The Divine Masora  Exegetical Technicalities  Sign Guest Book