All about ‘All’

الكُلّ عن كلمة "الكُلّ"

 

 

//Quick Draft Prepared for facebook Followers//

Coptic Youth 4 Holy Book’ Version     FB: (1st Part   2nd Part   3rd Part)       Winword Docx Version

 

 

 

·         من لا يعتزم على قراءة هذا المقال بجِديّة من يفحص كنزاً في التفسير،

فأدعوه لقراءة غيره، بعد أن أوضِّح له أن صعوبة الكلام بسبب أن شرح البسيط من أصعب الشروح،

وأن سبب الحاجة لشرح البسيط هي غيابه عن الفهم لتراكم التفاسير الفاسدة؛

 

·         وأما من يُوْليه التركيز المُخلِص،

فأَعِـدُه أن يخرج منه بأداة تحليل قويّة تجعل  "المكتوب" مقروءاً لديه!

 

 

فهرس:-

 

تقديم: لماذا هذا المقال !

القسم الأوّل: شرح وإثبات واستعراض أنماط محدوديّة كلمة كلّ:

·         محدوديّة "كل" في مبدأ المنطق اللغويّ

·         "كل" النوعيّة – أي الشاملة للأنواع لا الأفراد ("كلّ" المنزَّهة عن المحاباة)

·         "كل" الاحتكاريّة (المُعيـِّنة لمصدر واحد شامل لكل المقصود)

·         "كل" المبدئِـيـَّـة

·         "كل" التي تفيد الكثرة

·         "كل" المُحدَّدَة بالسياق الضمنيّ

·         تلخيص

القسم الثاني: تطبيق نتائج القسم الأوَّل في حسم أهمّ الخلافات التفسيريّة:

·         "وقال الرب لنوح: ... من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ... وكلّ ما يدبّ على الأرض دخل إثنان إثنان" (تك7: 1-9)..

·         "كما هو مكتوب: ليس بارّ ليس ولا واحد ... الجميع زاغوا وفسدوا معاً ... الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الإله" (رو3: 10-23 – انظر أيضاً مز14)..

·         "الإله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبـِلون" (1تي2: 4)..

·         "ألقينا رجاءنا على الإله الحيّ الذي هو مخلص جميع الناس ولا سيما المؤمنين" (1تي4: 6)..

·         "لأنّه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (1كو15: 22)..

كلمة خِتام

 

 

 

 

 

لـمـاذا هـذا الـمـقـال !

 

   لا يخفى على المشتغلين بتفسير الكتاب المقدس وهواته خطورة الشواهد التي تحوي المحدِّد الجامع  Universal Quantifier أو ببساطة كلمات مثل "كلّ" أو "جميع"، وكيف أن المبالغة في معناها تثير إغراء من يوافق التشبّث بهكذا مبالغة سابق معتقده، ويندر أن يتناول القارئ للكتاب حدود قصد الشاهد المكتوب تناولاً فنيّاً موضوعيّاً متأنّياً..

   ولا أبالغ في القول إنّه من آفات التفسير هذا التعلّق الأصمّ بأي كلمة "كل" ترد في سياق شاهد يظنّه المفسٍّر مواتياً لسابق معتقده؛ فتصير كلمة "كل" ذات معنى مطلق لا يقبل الفهم والتفاهم والحدود والتحديد..

 

   وفي هذا المقال القصير سأصنّف أنواع محدوديّة كلمة "كلّ" بشواهد كتابيّة لا خلاف في معناها أو على الأقلّ لا يمكن أن يقوم خلاف جادّ فيها، حتى يثبت أصل معطيات التفسير دون نزاع، وسأراعي إيراد مثلاً على كل حالة من اللغة الدارجة مع مثل من الكتاب المقدَّس ذاته..

   حرصت على تقديم هذا القسم الموضوعيّ المحض قبل شفعه بالقسم الثاني الذي أعمد فيه لتناول بعض مواضع الخلاف الكبرى بحسم تفسيرها، بحكم ما استقرّ من شرح دون معارضة في القسم الأوّل من المقال..

 

   ولعلّ ألحّ سؤال يلاحق الأذهان بالتحدِّي مع قراءة مادة هذا الكتيّب، هو: "كيف يمكن أن تكون كلمة بسيطة ككلمة "كلّ" بهذا التعقيد وتحتاج لهكذا تحليل لفهمها؟، ولاسيما عند استخدامها من الكتاب المقدَّس الذي هو كلام الرب للبشر بسيطهم قبل عالمهم!!

   والإجابة بكل بساطة هي: الكلمة في أصلها بسيط، وفي مواضعها في الكتاب المقدَّس واضحة القصد بلا لبس، ككلّ الكتاب، ولكن المشكلة دخيلة من تراكم تفاسير وتَشايُع لمذاهب وطوائف ذات معتقدات رسميّة، فكان أن القادة الغيورين بلا معرفة تركوا تفاسيرهم واستدلالاتهم، واختطفوا لها ما اختطفوه من شواهد، وكان أن الجمهور الغيور بلا معرفة بدوره تشيّع لما تلقّنه، فداس الكبيس البسيط وواراه، وكانت كلمة "كل" من أبرز ضحايا تاريخ التفسير L

   وما أحاوله هنا ليس هو وضع علم معقَّد لفهم كلمة بسيطة ككلمة "كلّ"، ولكنّ المحاولة المتواضعة تدعو للعودة للتأكّد من فهم المعنى بحسب بساطته الأصليّة؛ وأي تعقيد يظهر في الشرح فهو نابع من تعقيد الخطأ الدخيل في الفهم، والتسطيح الذي تعقّد، ومسح، وكسح الأذهان عبر أجيال، حتى تَحوَّلَ الخطأ إلى بديهيّات في أذهان المساكين..

 

   أنوّه أخيراً أن المصطلحات المُقتَرَحَة هنا لأَبعاد وأنواع المحدوديّة في كلمة كلّ، هي من صياغتي (باللغتين العربيّة والإنجليزيّة)، إذ أن هذا المقال هو مُبادِرَة من مجهودي المتواضع، ومرجعي في المصطلحات المُقتَرَحَة فهو برهان المنطق اللغويّ الصافي، ذلك أنني أخوض في تفاصيل لم يسبق تصنيفها في عمل مشهور مقبول حتى أعود لمصطلحاته..

 

 

  

 

 

القسـم الأوَّل

استعراض وشرح وإثبات محدوديّة كلمة "كلّ"

 

 

محدوديّة "كل" في مبدأ المنطق اللغويّ:

Universal Quantifier as Limited in Philological Principle

 

   "كل" لا ترد بمعنى مطلق شامل لجميع الأفراد إلا مع تأكيد صريح على شمول القصد منها..

   وإلا فلماذا تظهر عبارات التأكيد عادةً مع بعض استخدام كلمة "كلّ"؟

   لماذا يُوضّع التأكيد لو لم تكن "كل" بمفردها لا تحمله بالضرورة؟

   قد يكون التأكيد لغرابة المعنى على السامع، ولكن في كثير من المواضع لا يكون هذا هو علّة التأكيد، ولا يبقى من سبب له إلا إضافة معنى شمول كل الأفراد تحت مظلّة كلمة "كلّ"..

   وأمّا عادةً، فإن كلمة "كل" تكون لها محدوديّة تُفهَم صراحةً أو ضمناً..

 

 

 

"كل" النوعيّة – أي الشاملة للأنواع لا الأفراد

(أو "كلّ" المنزَِهة عن المحاباة)

 Universal Quantifier as limited to Classes, but not Instances (Prejudice-Free Universal Quantifier)

 

   أحياناً ما يُقصَد بالكليّة هو كليّة الأنواع لا الأفراد.. وعادةً ما يرد هذا الاستخدام الشائع عندما يكون القصد تنزيه عمل ما عن المحاباة والانحياز بناءً على "قـَولَبة"Stereotype  أو تعصّب..

  

   وأشهر أمثلتها الدارجة هو ما تستخدمه بعض مؤسسات العمل في بعض إعلاناتها:

   "الكلّ مُرَحَّب به"  All are Welcome (or Encouraged)”  

 

   ويُفهَم من هذا الإعلان أن المُعلِن ينفي ما يستقرّ في الأذهان عن توقّع المحاباة برفض فصيل ما بناء على نوعه أو لونه أو جنسه أو هكذا من صفات عامة، ولكن لا يُفهَم منه قطّ أن الترحيب في العمل يشمل كل الأفراد حتى الذين تنقصهم الأهليّة للعمل بناء على عامل فرديّ خاص بهم..

 

   ومثل آخر معروف في الخطاب السياسيّ:

   "الوطن للجميع"..

   ولكن هذا لا يستفيد به كل الأفراد، فمنهم من يخون ومنهم من يُقضَى عليه بحرمانه من حقوق مُعيَّنَة يحددها القانون، وإنما القصد ينصرف بوضوح إلى عدم حرمان الفرد بناء على انتمائه إلى فئة ما، سوء دينيّاً أو عرقيّاً أو اجتماعيّاً..

   وهذا المثل بالمناسبة مزدوج التحديد.. إذ تتحدَّد فيه كلمة "كُلّ" تحديداً مُسبقاً بالسياق الضمنيّ، قبل قَصْرها المقصود منها على الأنواع دون الأفراد، فالسياق يُحدِّد ضمناً قبل كل شئ الذين ينتمون للوطن ويحملون جنسيّته، ولا ينتفع بالقول إن "الوطن للجميع" من لا ينتمون للوطن أصلاً"، ثم بعد تحديد ذلك يزيد التحديد تحديداً بانصراف القصد إلى جميع الفئات مع استبعاد أي فرد بناء على اعتبار يخصّه فرديّاً وليس بناء على انتمائه لفئته..

 

   وفي الكتاب المقدَّس هناك مثل قاطع على ذلك الاستخدام:

   "يقول الإله ويكون في الأيّام الأخيرة أنّي أسكب من روحي على كل بشر ..." (أع2: 17)..

 

   فهذا شاهد قاطع الدلالة لا يسرّ كثيرين من الدخلاء على عمل التفسير..

   إذ واضح أنّ الروح لم يحلّ على كل أفراد البشر، ومع ذلك يقول النبيّ يوئيل ويكرِّر الرسول بطرس قول الرب الإله إنّ الروح ينسكب على كل بشر..

   فكيف يكون الفهم الذي تستقيم معه المعاني؟

   هكذا يكون: إنّ كل بشر هم كل أصناف البشر من حيث العمر والجنس واللغة والحالة الاجتماعيّة عبداً أم حرّاً..

   وهذا الفهم الصحيح هو عين ما يكمل النص تفسير قصدَه بذكره صريحاً:

   "... فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً وعلى عبيدي أيضاً وإمائي أسكب ن روحي في تلك الأيّام فيتنبأون" (أع2: 17-18)..

 

   وهذا هو مجموع الشاهد كما ورد في نبوّة يوئيل، واستشهد بها الرسول بطرس بدقة نصيّة عالية:

   "ويكون بعد ذلك أنِّي أسكب روحي على كل بشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبابكم رُؤًى، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيّام" (يو2: 28- 29)..

 

   ولمزيد من المحدوديّة رغم كلمة "كلّ"، فواضح أنّه حتى مع كل هذا التنوّع شبه الشامل في أنواع الموعودين بسكب الروح عليهم، فإن حدود الأفراد المشمولين يكونون فقط من ضمن شعب إسرائيل، بحكم أنه يخاطب شعب إسرائيل.. ويلزم بقيّة البشر من الأمم نبوّات مكمِّلة حتى يتّسع المعنى لقبولهم باطمئنان، وهكذا نبوّات تملأ أسفار العهد القديم بنعمة الرب، ولكن القصد هنا أنّه في حدود هذا الشاهد فإن المحدوديّة ظاهرة ومعيّنة بكل قطع ويقين وبلا أي مجادلة ممكنة، رغماً عن كلمة "كل بشر"..

 

   إذاً فكلمة "كلّ" قد تأتي بدون تعيين أن قصدها كل الأنواع لا كل الأفراد، ولكن معناها يكون كذلك، ويُفهَم من مضمون موضوعها، وقد يجاورها سياق قريب يعين على الفهم ولكن يمكن فهمها بدونه، طالما أن ذات موضوعها يستبعد شمول المعنى لكل الأفراد، ويحمل ملائمة قصد كليّة الأنواع، وشرح ذلك أن طرفيّ الموضوع هم الرب والبشر، وغالباً ما يُصنِّف البشر أنفسهم لأنواع أفضل وأجناس أرقى وآخرين منبوذين، ولكنهم أمام الرب يتبدّل ترتيبهم، لا بحسب ما يعانون من انتماءات خارجة عن إرادتهم،بل بحسب اختيار الرب لأفراد بعينهم بحسب قلوبهم.. ولذلك فعندما يقول الرب إنه سيسكب روحه على كل بشر، فإنّ الفهم ينتقل تلقاءً لإدراك القصد أنّه كليّة "الأنواع"، لا "الأفراد" الذين يقبل الرب منهم البعض وبرفض البعض دون خلاف..

 

 

 

 "كل" الاحتكاريّة (المُعيّنة لمصدر واحد لـ"الكلّ")

Sententious (Monopoly) Universal Quantifier

 

   هذا أدق أنواع محدوديّة كلمة "كلّ"، ويحتاج لإمعان في الشرح وتدقيق في الفهم..

   إنّ "كلّ" هنا لا تفيد شمول الجميع، بل تفيد منع الجميع عن الجميع إلا واحد.. وأقترح لها تسمـِيـَتـَيْن: أنها "كل المانعة" أو "كل الاحتكاريّة"..

   وهي لا تُعني شمول كل الأفراد في موضوعها، ولكن تُعني كليّة النفي على بعدين:

   نفي كل المصادر  عن كل الأفراد، باستثناء المصدر الواحد المقصود والمصور عليه المعنى!

 

   ومن أمثلة استخدامها الدارجة، افتخار الروّاد في مجالات تخصّصهم بنسبة كليّة الفضل لهم، كأن يقول مثلاً معلِّم لقرية أميّة ليس بها مدارس إنّ "كل الأطفال تعلّموا منّي"، بينما لا يكون بالضرورة أن كل أطفال القرية قد التحقوا بمدرسته، ولكن القصد أن كل الذين تعلّموا فقد تعلّم منه هو لا من غيره..

 

   ولا يعدم الكتاب المقدس أمثلةً لهذا الاستخدام الدقيق لكلمة "كلّ":

   "إذاً لا تحكموا في شئ قبل الوقت حتّى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويُظهِر آراء القلوب وحينئذٍ يكون المدح لكل واحد من الإله" (كو4: 5)..

  

   لا خلاف أنّ المدح من الرب الإله لن يكون للكلّ فرداً فرداً.. وإذاً فما هو هذا الذي يقوله الرسول بولس أنّ المدح سيكون "لكل واحد"؟

   والقصد هو : المدح لكل واحد ممن سينال المدح سيكون من الرب الإله فقط..

   أو بكلمات أُخرى: الرب فقط هو سيكون المادح وقتها..

   وقصد الرسول بولس من استخدام هذا الأسلوب هو صرف أنظار السامعين عن انتظار المدح من غير الرب، لأنّه هو وحده مصدر المدح الحقيقيّ الدائم المستحقّ للسعي..

 

   ويجدر تحليل سبب استخدام كلمة "كلّ" في هكذا نوع يغلب عليه قصد المنع لا الشمول، بدلاً من استخدام أداة النفي مباشرة:

   فبالنظر لهذا الاستخدام الدقيق يظهر بعدين من "الكليّة" أو "الشمول":

   البعد الأوّل هو كليّة النفي لجميع الأغيار خلا المصدر الواحد المقصود تعيينه،

   والبعد الثاني التالي منطقيّاً هو كليّة الأفراد الذين انتفعوا بموضوع القصد- أنهم حتماً دون استثناء قد نالوا نفعهم من الواحد المقصود تعيينه لا غير..

   ولما كانت تتوفّر "الكليّة" على بعدين في القصد، فإنّ استخدام كلمة "كلّ" يسبق في الورود للخاطر قبل أداة النفي.. ومن وجه آخر، فإن "كلّ" هنا تحمل الوجه الإيجابيّ في المعنى، والذي يقوم مقاماً أقوى من الوجه السلبيّ باعتبار أنّ المعنى يعيّن واحداً هو من حيث الغرض يهدف للمنح لا المنع، ومن حيث الفعل فهو قد منح ويمنح فعلاً، فيكون تقديم المعنى على وجه الجمع  أحقّ وأبدى من تقديمه على وجه المنع بكل مقاييس البلاغة..

   وبوضع المثالين السابقين في هذا التحليل يظهر أفضليّة استخدام "كل" هذا الاستخدام الدقيق:

   المثل الكتابيّ:

   الصياغة الرسوليّة: حينئذٍ يكون المدح لكل واحد من الإله

   البديل الحرفيّ:   جينئذٍ لا يكون المدح لأي واحد إلا من مدحه الإله

   أيهما أدعى للاستخدام في الكرازة والتبشير؟

   المثل الدارج:

   الصباغة معتادة: فلان صاحب الفضل في تعليم الجميع

   البديل الحرفيّ: لم يتعلّم أي واحد إلا من تعلَّم من فلان

 

   فواضح لمن يتذوَق الكلمات أن استبعاد كلمة "كلّ" وقصرها على معناها الساذج بالشمول المطلق فحسب، حسب هواة بعض المتعصبين في التفسير، ومن ثمَّ الاكتفاء باستخدام الأدوات الحرفيّة الضيقة المعنى، يصل باللغة لفقدان أحلى ما فيها: بلاغة الأدب الذي فضّلوه على العلم، إن كان أصلاً من دون الأدب علم..

 

 

 

"كل" المبدئِـيـَّـة

 Initial Universal Quantifier

 

   إن "كلّ" هنا، تشمل المبدأ شمولاً تامَاً، ولكنها لا تتوقَّف عند المبدأ، وإنما فقط تبدأ من عنده كنقطة الانطلاق الصحيحة، وقصدها هو صرف النظر واستبعاد كل الأغيار في نقطة بداية الفهم، حتى يتأسَّس موضوعها على بدايته النقيّة، ولكن للموضوع بقيّة بعد بدايته، وتقتصر وظيفة "كلّ المبدئيّة" على تنقية البداية فحسب..

   فمتى صادفتنا "كل" المبدئيّة"، فلنفهم منها "كليّة" البداية باستبعادنا "كل" ما هو خلافها من البداية، لا أن نفهم منها "كليّة" القصة حتى منتهاها..

   وليس هذا نوعاً تام الاستقلال، ويتداخل مع سابقه بوضوح، ولكنه مميّزٌ في اتّصاله بفكرة "المبدأ" ولذا يجدر إفراده..

 

   ومن أمثلة استخدام "كلّ" المبدئيّة في اللغة السياسيّة:

"مكتبي مفتوح للكلّ"، "مبدأ الحوار متاح للجميع"؛

ومن أمثلة الاستخدام الشخصيّة:

"أنا لا أكذِّب أي واحد"، "أنا أرحّب بالكل"، أنا أحب الكلّ" إلخ..

   ولا يقصد المتكلِّم، ولا يفهم السامع، في كل هذا ديمومة الترحيب والتصديق والمودّة، ولكنّه يقصد مبدئيّة ما يقدّمه المتكلِّم دون هواجس مسبقة أو شروط قبليّة، حتى يثبت من الطرف الآخر ما يتطلّب تغيير ما كان متاحاً في مبدأ الأمر..

 

   وهذا مثل كتابيّ شهير، لا يستقيم تفسيره إلا باعتبار نمط "كل المبدئيّة"، وأما بإهمال اعتبارها، فيصل الفهم الساذج إلى نتائج لا معقولة ولا إيمانيّة:

   "(المحبة) تصدق كل شئ" (1كو13: 7)..

 

   كيف يصدق الإنسان كل شئ؟ فأين الحكمة؟ إنّ الحكمة تفرز كل شئ ولا تصدق الكذب.. وأين الإيمان؟ هل يصدِّق المؤمن الحقّ أي تشكيك له في إيمانه بالرب؟

   فإذا كانت المحبة تصدِّق كل شئ، بحسب الفهم المطلق المتشنج لكلمة"كل"، فكيف للمؤمن أن يصدِّق الرب ويصدِّق ضلالات بعض الناس في ذات الوقت، وهو يحب الرب ويحب الناس أيضاً؟

   فهل يُقال أن الإنسان الواحد يصدِّق بمحبته الكذب ويكذَبه بالحكمة والإيمان؟ هذا كيان الإنسان المختلّ المنفصم لا المؤمن المتزن..

   فالصحيح، الذي لا تصحّ إلا معه كل مفاهيم الإيمان، أنّ الكليّة هنا هي في حدود المبدأ.. في حدود "الاستعداد القبليّ"..

   في مبدأ المحبّة، أنها مستعدة لتصديق كل شئ، ولا يتوفَّر فيها رغبة مسبقة في التكذيب، لأن هكذا رغبة تكون نتاج البغضة المبدئيّة التي لا تطلب الحقّ.. إنّ هذا القول "المحبة تصدِّق كل شئ" هو الوجه الآخر للقول "المحبة لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق"..

   وأما متى ثبت العكس فإنّ المحبة ذاتها قبل غيرها من الفضائل لا تصدِّق الغش، ذلك لأنّ المحبة لا تحبّ الشرّ لأنها صورة الرب فينا وهي محبة لأنّها محبة للخير.. ولغيره فلا تكون محبّة بالمعنى المسيحيّ المقصود..

   إذاً فمفهوم ضمناً مع هذا الاستخدام لكلمة كلّ أن "المحبة تصدِّق كل شئ صادق"، وذلك تمييزاً عمّن لا تتوفّر فيهم المحبة فيتشككون حتى في كل شئ صادق.. ولكنّ من تتوفَّر له المحبة فهو برئ من كل سبب مبدئيّ للتكذيب المبني على البغضة لا على الحقّ، ذلك لأنّ المبدأ عنده هو المحبّة الكليّة..

   

 

 

"كل" التي تفيد الكثرة

 Exaggerative Universal Quantifier

 

   وهذه واضحة القصد، وتفيد مع الكثرة زوال المانع.. فهي متاحة للجميع دون مانع..

   وأمثلتها الدارجة أكثر بداهة من الحاجة لإيراد..

 

   وهذا مثل كتابيّ لهذا الاستخدام الأبسط لكلمة "كلّ":

   "فكبرت الشجرة وقويت وبلغ علوّها إلى السماء، أوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع، وتحتها استظلّ حيوان البرّ وسكنت طيور السماء وطعم منها كل البشر" (دا4: 11)    

 

   ويتّفق المثل في جزئه الأوَّل مع "كل" الجامعة للأصناف، فلا مانع هنا، وإن دون تصريح قاطع، أنّ قصده هو أن الشجرة طعامها يصلح للطيور وحيوانات البرّ مع البشر.. واما عند تكرار "جميع" للمرّة الثانية، فكلّ هنا تفيد الكثرة فحسب إذ أن النصّ يحدد أن كل لا تشمل أنواعاً بل تقصد البشر تعييناً..

   

   ثم هذا مثل مُركَّب من فهم الرسول لكلام الحكيم حين استشهد به فوضع "كثرة" كتفسير لـ"كل": "كلّ":

   الْمحبة تستر كل الذنوب (أم 10: 12) & المحبة تستر كثرة من الخطايا (1بط4: 8)     

 

   والملاحظة الفنيّة الدقيقة هنا أن الرسول على وعي بالمكتوب كيهوديّ وكفاهم لدلالات كلمات الشاهد ويخاطب يهوداً مثله يفهمونها بالمثل، ، فوق كونه رسولاً مسوقاً بالروح، وإذاً فهكذا تعمل اللغة وهكذا يستعملها أهلها..

   

 

 

 

"كل" المُحدَّدَة بالسياق الضمنيّ

 Implicit Context-Limited Universal Quantifier

 

   "السياق"، من حيث المبدأ، أمر عموميّ جداً يُحدِّد كل مقاصد الاستخدام لكل الكلمات، ولكن هذه النقطة تناقش نوعاً دقيقاً من "السياق".. إنه السياق الداخليّ داخل الجملة محلّ الفحص، وليس سياق القرائن القريبة قبل أو بعد الجملة موضع الفحص!!

   إنه سياق "منّه فيه" بتعبير دارج..

 

   وهذه بعض الأمثلة البسيطة: للسياق حين يكون مُتَضَمَّناً في القول دون حاجة للنظر فيما قبله أو فيما بعده، بل في باطن القول ذاته:

   "سنعطي الجميع احتياجاتهم"،

   السياق يُظهِر دون تصريح ودون نظر لقرائن خارجة عن الجملة أن "الجميع" هنا هم جميع المحتاجين،

   "الحكومة ملتزمة بإيواء الكلّ"،

   لا يحقّ لمن يمتلك مسكناً ان يطلب إيواءً باعتبار أنه واحد من "الجميع" لأن "الجميع" هنا هم من يحتاجون لإيواء،

   "الكلّ سيسعد في الحفل الآن"

   السياق يحدد ضمناً أن الكلّ محدَّدين بالحاضرين فيه وليس كل البشر.. فيكون القول يفيد هذا القصد حرفيّاً: "الكل الذين في الحفل سيسعد بالحفل"..

   "السؤال: أريد كل المشبوهين ... الجواب: هذا هو الجاني تحديداً وهذا هو الدليل"

   عندما يكون السائل هو محقِّق غرضه معرفة الجاني فإن العارف بالغرض يكون مضلِّلاً لو عرف المطلوب والتزم بحرفيّة السؤال..

   وكثير من الأمثلة التي تكون بداهة قصد الكلام فيها ظاهرة من معرفة عامّة لا تحتاج لتعيين، فلا تحتاج الجملة من هذا النوع لقول لصيق سابق أو لاحق لُيعين على فهمها..

   هذه كلّها بديهيّات وسياقها منها فيها،

 

 

   وهذا مثل كتابيّ يحوي مقصود السياق ضمناً:

   "كل شئ مُستطاع للمؤمن" (مر9: 23)،

   و لا يفهم أيُّ واحد أن "كل شئ" تتضمنّ ما يخالف الإيمان،

   إذاً فالسياق مُتَضَمَّن في ذات الكلمة "المؤمن" ويمتد المقصود إلى كل ما هو دون جعل العبارة تُناقِض نفسها، فلا يفعل المؤمن شيئاً يٌخرجه عن الإيمان ويكون من ضمن ما هو مُستطاع له كمؤمن..

 

   ومثل آخر خطير الدلالة الثيولوجيّة:

   " إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ. فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ" (2كو5: 15)..

   ومعلوم أن الأكثرين سيرفضون بقلق القول إن المسيح لم يمت لأجل جميع البشر فرداً فرداً، رغم سهولة إثبات ذلك، ولكن لا يمكن لأي واحد مع هذا الشاهد أن يُجادِل في أنه ليس الجميع قد ماتوا في المسيح، بل المؤمنين بفدائه المعتمدين على اسمه فقط، ولاسيما مع بولس الذي لا يُمكِن أن يُفهَم منه أنه يقصد غير ذلك..

   فإذاً تكون كلمة "جميع" هنا مُحدَّدَة القصد وتحديديها مشمول في ذات الجملة على هذا النحو: "إن كان واحد قد مات لأجل جميع الذين مات لأجلهم، فجميع أولئك قد مات ..."

 

   وهذا مثل مُرَكَّب في اعتماده على سياق متعدد العناصر:

   "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ: الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ جَمِيعاً وَبَهَائِمَ الْبَرِّ أَيْضاً وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَسَمَكَ الْبَحْرِ السَّالِكَ فِي سُبُلِ الْمِيَاهِ" (مز8: 4-8)..

 

   ولأنّ النصّ شعريّ فقد سمح بشرح البديهيّة تلذّذاً بالاسترسال في التأمّل فيها..

 

   إلى هنا والشرح يبدو ساذجاً وربما بديهيّاً لدرجة السخافة، ولم يكن له من حاجة أصلاً،  ولكن ستظهر خطورة الالتزام بتقديم هذا النوع مع هذا المثل الكتابيّ [i]:

   "الـكلّ يحلّ لي لكن ليس الـكلّ يوافق" (1كو6: 12) [ii]..

 

   فهل تحلّ الخطيّة؟ حاشا نحن الذين مُتنا عن الخطيّة كيف نحيا بعد فيها؟ أم كيف يقول الرسول نفسه في ذات الفقرة: "الجسد لليس للزنا" (1كو6: 13)، ويقولها كمقابل نقيض لفكرة "حِليِّة" كل الأطعمة؟ أم هل الزنا يحلّ ولكن كل مشكلته أنه لا يوافِق؟ وكيف يتفق فهم مطلق التحليل هذا  مع قول الرسول بطرس "... الدعارة والشهوات وإدمان الخمر والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرَّمة" (1بط4: 3)؟ بل كيف يقول "تحلّ" إذا كان يقصد نفي الحرام من مبدئه كما يفهم البعض ويستمرِئون القول؟ بينما التحليل يفيد التحريم وإن على الأقلّ من حيث المبدأ!

   ولكنّ السياق يزيل باطمئنان وثقة كل هذا السخف الناتج من الفهم النابي عنه، فإنّ سياق الفقرة كلّها من حديث الرسول، والتي زيّنها بمقولته القويّة هذه، فإنّ السياق كله يتحدث عن أشياء مخلوقة وليس أفعال بشر، وهذه الأشياء هي محلّ خلاف بين المتهوّدين وغيرهم إن كانت تحلّ ولا ضير منها أم هي تنجِّس من ذاتها..

   وتعليم الرسول على نقيض ذلك بالمقابـِل هو أنّ "الأشياء" باعتبارها مخلوقة فهي طاهرة لأنها صنيعة الخالق الطاهر الذي لم يخلق شيئاً نجساً في ذاته: "كل خليقة الإله جيّدة زلا يُرفَض شئ إذا أُخِذَ مع الشكر" (1تي4: 4)، و "كل شئ طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شئ طاهر بل قد تنجّس ذهنهم أيضاً وضميرهم" (تي1: 15)..ولذلك فإن "الأشباء" لا "الأفعال" كلها تحلّ في ذاتها ومن حيث المبدأ، ودائماً ما تُحال النجاسة للفعل والفكر النابع ن الإنسان لا من ذات الأشياء المخلوقة من قِبَل الرب، فالشئ يتنجّس، بحكم الشاهدين السابقين، إذا "ما لم يلازمه الشكر" (الذي هو من فعل الإنسان) أو "إذا ما تناوله الإنسان بذهن نجس أو بعدم إيمان" (وهذه الأفكار بمثابة أفعال ذهنيّة لدى البشر)..

   فهذا حال "الأشياء" (خليقة الرب)، فأمّا "الأفعال" (خليقة الإنسان)، فإن السياق لا يخلو من استكمال المعنى على وجهه المقابِل، فيقول الرسول صريحاً: "الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والرب سيبيد هذه وتلك، ولكن الجسد ليس للزنا بل للرب والرب للجسد" (1كو6: 13).. فها هو قطع الرسول بحرمانيّة الفعل الشرير بالتعدِّي على مقدسات الرب..

   والخلاصة في التفسير، ورغم تمحّك البعض بسذاجة في كلمة  "كل" أنّها تحلِّل كل شئ، بغيبة واضحة لمنطق اللغة عن فهمهم لها، الخاصة إنّ التعليم الرسوليّ ههنا يقرِّر أنّ "الأشياء" ليست فحسب غير نجسة في ذاتها، بل أنّ الإنسان هو الذي ينجس الأشياء لا الأشياء تنجّسه!

 

   وبغير الالتفات الواعي للسياق يتوه الكثيرين في فسحة كلمة "كلّ" ويصلون لأبعد من المقبول بل من المعقول.. ولكن بالنظر في المحدوديّة الطبيعيّة المتعقّلة لكلمة "كلّ"، نفهم أنّه عندما يقول الرسول "الكلّ يحلّ لي" (هكذا مطلقاً بحسب ظاهر الجملة)، فإنّ السياق يقوم مقام المُحدِّد الذي يفيد بأنّ الكل هو "كل خليقة الرب الطاهرة"، التي لا يدخل ضمنها " كل خليقة الإنسان" التي هي أفعاله والتي ليست كلها طاهرة..

   

 

 

مُلخًّص أبعاد تحديد كلمة "كل"

 Brief on Types of Limitation of the Universal Quantifier

 

·         "كلّ" قد تُعني كل "أنواع" موضوعها لا كل "أفراده"، وأسمّيها "كل النوعيّة" وأيضاً "كل المنزِّهة عن المحاباة"،

·         أو تُعني "كليّة المنع دون الواحد"، أو "كل" المحدِّدة المانعة، لا الجامعة،

·         أو تفيد كليّة تحديد المبدأ لا شمول المعنى حتى منتهاه،

·         وقد تُعني، ببساطة، الكثرة لا الشمول المطلق،

·         ودائماً ما يلزم النظر في السياق، فلعلّ محدوديّتها تكون ظاهرة صريحاً فيه..

  

 

 

 

القسـم الثاني

تطبيق نتائج القسم الأوَّل في حسم بعض التفاسير الخلافيّة

 

 

 

 

حدود الأرض التي غطّاها الطوفان، وحدود أنواع البهائم الناجية في الفُلْك

The reasonable Limits of the Flood and of the Saved Animals

 

·         "وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفُلْك ... من جميع البهائم الطاهرة تاخذ معك سبعة سبعة ذكراً وأُنثى ... وكلّ ما يدبّ على الأرض دخل إثنان إثنان" (تك7: 1-9)..

 

   نطاق القصد هنا هو منطقة الأرض التي يتجمّع فيها البشر، ولا حاجة لأن يتعدَّى الطوفان هذه المنطقة، وبالتالي فإن الحيوانات التي دخلت للفُلك هي الحيوانات المعروفة في هذه المنطقة، والمتاحة أمام نوح لجمعها..

 

   وأما الفكرة الطفوليّة الساذجة، والتي لم يفلت منها حتّى كثير من كبراء الرُتَب [iii]، والتي تُصَوِّر الطوفان على أنه غطّى الكرة الأرضيّة، فهكذا فكرة تلزم أصحابها بتصوّر أنّ نوح قد جمع كل أنواع الحيوانات بلا استثناء في حجم السفينة المحدود (يستثنون الدينوصورات لأنّها قد انقرضت ولا تسبب مشكلة لفكرتهم إذ يفترضون أنها سابقة على الطوفان وانقرضت)..

   وهذا فوق كل تصوّر ما لم يحدث بمعجزة يخلو من ذكرها السرد الكتابيّ!

   والشاهد الذي يستندون له هو تكرار كلمة "كلّ" في وصف الكتاب المقدس لهذا الحدث الكبير الفارق:

   "وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفُلْك ... من جميع البهائم الطاهرة تاخذ معك سبعة سبعة ذكراً وأُنثى ... وكلّ ما يدبّ على الأرض دخل إثنان إثنان" (تك7: 1-9)..

 

   والصحيح المعقول الذي يُفهَم أولاً من النصّ بكل بساطة، ثم يوافق حقائق الجغرافيا والأحياء، أن الطوفان قد اقتصر على موضع تجمّع البشر وقتها، والذين لم يكونوا قد تشتّتوا بعد، وأمّا أبعد من ذلك فهو زائدة بلا لزوم من حيث الغرض الذي هو تجديد البشريّة بالقضاء على كلّ الجيل العاشر الشرير خلا نوح وأهل بيته الذين سيكونون رأساً لتجديد البشريّة..

   ثم لما كان ذلك، فلم يكن من سبب لأن تكون كل الحيوانات الناجية في الفلك تشمل كل أنواع الأحياء، وإنما يقتصر القصد على الأنواع المتوفرة في المنطقة التي سيضربها الطوفان، والمرجَّح أنه منطقة ميسوبوتاميا (العراق حاليّاً)، ولم يُعرَف أن من بينها أفيالاً مثلاً أو دببة..

   ولكن خارجاً عن فحص النصّ داخليّاً، فإن مشكلة جمع كل أنواع الحيوانات المعروفة في حجم الفلك المحدَّد يجعل الأمر معجزة من نوع معجزة الخمس الخبزات والسمكتين، ولكن الكتاب لم يذكر أن الأمر تمّ بمعجزة، ولو كانت وفات الكتاب ذكرها فهو أمر معيب في النصّ – حاشا..

   ثم بكل تأكيد فإن الدينوصورات ليست من الحيوانات التي دخلت الفُلْك، واستثناؤها ينقض النظيّة الحرفيّة المطلقة التي لا تقبل من كلمة "كل"إلا شمول الكليّة، فلا يحق لهم مع هكذا نظرية أن يخرجوا من أي إشكاليّة بفرض استثناءات عقليّة..

 

   ولكن لا علينا من إثبات استحالة حدوث هذا التصوّر المفرِط السذاجة واللامعقوليّة، فإن قضية المقال هي فحص النص وشرح كيفيّة فهم كلمة "كل" من داخل النص.. وفي النصّ لدينا تكرار لكلمة "جميع" ثلاث مرّات رئيسة:

 

   "كل" الأولى هي: "جميع أهل بيتك" وهذه تُفهَم على سبيل الحصر والشمول التام بلا مشاكل، ليس لمجرّد انها "كلّ"، ولكن لأنّ السياق والمعقوليّة يؤكدان أنها كذلك، وهذا يُفهَم من عدة وجوه متفقة: الأوّل أن بيت نوح محدود العدد، ولو كان بعضهم قد استُثنِيَ من الدخول للفُلْك فإن هذا الاستثناء في ذاته بالنظر لقلّة عددهم يحمل معنى بارز لا ينبغي إهماله،فطالما لم يُذكَر ما لم يكن ينبغي الإغفال عن ذكره حال حدوثه، فهو إذاً لم يحدث.. والوجه الثاني للالتزام بقبول "جميع أهل بيتك" على أنها جميع تامة الشمول بلا استثناء، أن النصّ إذ يتقدّم أكثر يؤكد صراحةً أن الجميع قد شملت الجميع بالفعل بلا استثناء: "في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح وثلاث نساء بنيه معهم إلى الفُلْك" (تك7: 13)..

 

   ولكن ما حدود قصد "جميع البهائم" و "كل ما يدب على الأرض"؟

   من النصّ ودون إجراء بحث معقول خارجاً عنه، يجد القارئ الفاهم أنّ الغرض هو إيقاف انتشار الشر بالقضاء على الجيل الشرير الذي استشرى فيه الزواج المختلط (تك6: 1-2) الأكثر شراً ونجاسة من كل شئ آخر (تك6: 3)، وقبله كان غرس بذرة تعدد الزوجات (تك4: 19).. ومن ثَمَّ من بعد إيقاف نموّ هؤلاء "البشر - الزائغين" (تك6: 3)، يكون تجديد الحياة والعبادة، وتلك هي الحكمة المفهومة، دون حاجة للتصريح، من تكثير البهائم الطاهرة (سبعة أزواج) مقابل البهائم غير الطاهرة (زوجين) [iv]، فالبهائم الطاهرة هي التي يُنتَفَع بها في الطعام والذبائح، وأما غير الطاهرة فلمجرّد حفظ التوازن البيئيّ.. فلما كان ذلك هو الغرض، فإنّ الطوفان يكفيه أن يغطِّي الأرض التي تجمع البشر، والفلك يكفيه أن يحمل الحيوانات المعروفة في هذه المنطقة..

 

   وبكل تأكيد، فهذا ليس حلاً مصطنعاً لمقابلة إشكاليّة عقليّة تواجه النصّ، بل هو الفهم الأصليّ للقصد بكل موضوعيّة تحليل أي نصّ، كما في غيره مما سبق من أمثلة القسم الأول وما يلحق من أمثلة هذا القسم..

 

 

 

 

تحديد "الجميع" الموصوفين بالزيغ عن الرب في رومية 3 ومزمور 14

The Limit of All the Going-Aside in Psalm 14 and Romans 3

 

·         "كما هو مكتوب: ليس بارّ ليس ولا واحد ... الجميع زاغوا وفسدوا معاً ... الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الإله" (رو3: 10-23 – انظر أيضاً مز14)..

 

لا يمكن أن يعمّ القصد حتى لا يُفلِت منه أي واحد قبل المسيح، فالزائغون هنا هم أيضاً سافكو دماء ومغتصبون،

على أن الرسول يفيد بصريخ القول في بدء الفقرة وقلبها وختامها أن "الجمع" هنا هو جمع على مستوى اليهود الأمم،

فهذه "كل النوعيّة المنَزَّهة عن المحاباة"، ومن لطيف التوافق أن الفقرة البولسيّة هنا تفيض بالحديث عن عدم المحاباة لدى الرب بين من هم تحت الناموس ومن هم بلا ناموس!

 

 

   لدينا دليلان قاطعان على أن "الكليّة" هنا لا تشمل كل الأفراد فرداً فرداً؛ الدليل الأول يفيد بالقصد الصحيح، والدليل الثاني يقطع باستحالة التفسير الخاطئ..

 

   + الدليل الأول على استبعاد الفهم الأعمى المطلق لكلمة "كل"، و إنما هي هنا تفيد مساواة عموم اليهود بعموم الأمم، وأن الناموس لا يجعل أهله أفضل من دونهم لمجرد انتمائهم له، هو ما جاء في قلب الفقرة الرسوليّة ذاتها:

   "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ،

وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ. لأنّه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرّر أمامه، لأن

بالناموس معرفة الخطيّة، وأما الآن فقد ظهر بر الإله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس

والأنبياء، بر الإله الذي بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق ..." (رو3:19-

22)..

 

   وبعد هذه الجملة بعينها يقول فوراً:

   "إذ الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الإله" (رو3: 23)..

 

   والفقرة أصلاً يبدأها بقوله:

   "فماذا إذاً أنحن أفضل كلا البتة لأننا قد شكونا أن اليهود والأمم أجمعين تحت الخطيّة" (رو3: 9)،

وهذه الجملة هي التي يبدأ بالقول بعدها فوراً: "كما هو مكتوب ليس ولا بار ليس ولا واحد" (رو3: 10)..

 

   + ودليلنا الثاني هو من ذات الفقرة نفسها عل استحالة فهم كلمة "كلّ" هنا بهذا المعنى القاهر

لجميع الأفراد، ولو التفت أي خاطف لهذا النصّ فلا يمكنه أن يقبل تعميمه على الجميع أفراداً، ولا

شك سيضطر إذا توقّف عن طبع الاستخفاف والتشبّث، ونظر في القراءة، أنه سيراجع نفسه أمام

النص كاملاً، بغير اختطاف جملة والاستفراد بها:

 

   " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا

وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ

الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ

اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ الإله قُدَّامَ عُيُونِهِمْ" (رو3: 10-18)..

 

   فمن يقبل تسمية أبرارٍ، لا داعي لتسميتهم، بل حتى تسمية كثير من البشر العاديين قبل المسيح

أن سمّ الأصلال تحت شفاههم، وأنهم سفّاكو دماء، وفي طرقهم اغتصاب وسحق، ولا يرون

خوف الإله؟

   لا يقبل واحد ذلك، ولا ينبغي أن يقبل بالضرورة مقابل ذلك أن كلمة "كلّ" تشمل الكلّ!

 

 

   وهناك شاهد متعلِّق بالمعنى يدعو غرض الإحاطة إلى تناوله بالشرح:

   أما "لأن لا إنسان صدِّيق في الأرض يعمل صلاحاً ولا يخطئ" (جا7: 20)..

   والنفي عائد بوضوح الفقرة التي ورد فيها الشاهد على العصمة وعدم الخطأ، وليس على الصدق وفعل الصلاح، وهذا لم يقل به أي واحد أصلاً أن الأبرار الصادقين الذين يفعلون الصلاح بل حتى الذين لم يذوقوا الموت لم يخطئوا أو أنهم معصومون أو حتى أن يقال لهم "صالحون" بمطلق الكلمة بمستوى بر المسيح، إذ من يفعل الصلاح ليس صالحاً كصفة مطلقة.. ولكن المهم هنا أن هناك صدٍّيقين، يفعلون الصلاح، ولكنهم مع ذلك يخطئون وليسوا صالحين تمام الصلاح..

 

 

 

تحديد المُخَلَّصين بحدّ قصد اختيار الرب

The Limit of Those Included in the Divine Purpose of Selection

 

·         "الإله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبـِلون" (1تي2: 4)..

 

   الجمع هنا بقصد نفي المحاباة، فإنّ الرب لا يستبعد أي جنس أو لون، ويريد إثبات أنّه رب كل البشريّة بجمعه للناس في الملكوت "من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة" (رؤ7: 9)؛ وليس القصد أنّه يضع في مشيئته خلاص جميع الأفراد، وإلا يكون من يهلكون يمثلون تغلّب للشيطان على الرب حاشا..

 

   إن قضيّة "خلاص الجميع"، أو حتّى: "إمكانية خلاص الجميع" هي من أدقّ وأشرس قضايا الخلاف، والتي تلعب فيها كلمة "كلّ" المُعتَمَد الرئيس لدى المُجادلين.. والشراسة ليست فقط في توتّر الناس قبالتها، وعدم استعدادهم للتنازل عن شمولها المطلق؛ ولكن الشراسة الأصعب معها هو في صعوبة فهمها..

   ولا يعدم أولئك شاهداً يبدو قويّاً لمن ينظر له مُختطفاً من فقرته، أو بأقلّ من العمق الكافي:

  

   "الإله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبـِلون" (1تي2: 4)..

 

   فطالما أنّ الرب يريد أن جميع الناس يخلصون، فيطمئن أصحاب هذه النظرية وهكذا يشكّلونها: الخلاص للجميع، والدعوة للجميع، وأما من يخيب فهذا من رفضه هو فقط ودون دخل لاختيار الرب الذي هو للجميع من حيث المبدأ.. وأما إن قيل شئٌ عن قصد اختيار فهو بالعلم السابق لدى الرب لمن سيقبلون ولمن سيرفضون.. هكذا تتلخَّص أبسط الشروح والتي تُعدّ عن أصحابها من الإيمان الذي دونه التجديف [v] !

 

   إذاً، فها هو نصّ كتابيّ يقول أن الرب الإله يريد أن جميع الناس يخلصون!

 

   ومعنا في هذا الشاهد ثلاثة احتمالات مبدئيّة للتفسير:

      ^ أن "كلّ" التي فيه هي فعلاً مطلقة القصد،

      ^ أو أن "كلّ" هنا هي "كل الأنواع" ("كل" الطيبة التي لا تحابي) التي قابلناها قبل ذلك،

      ^ أو معنى ثالث أكثر تركيباً،

   ولنتحرّى حدود "كلّ" هنا برويّة:      

 

   إن الاحتمال الأول هو ما يستسهل الكثيرون أخذه مطلقاً على إثبات فكرتهم، ولكنّ هذا الفهم يثير مشاكل جليّة: أبسطها أنّ مشيئة الإنسان قد تغلب مشيئة الرب -حاشا- وليست هي غلبة ظاهريّة مؤقتة ولكنها غلبة أبديّة، إذ أن معاندة الإنسان، أو حتى فلتكن معاندة الشيطان المنازِع فيه، تقوده لهلاك أبديّ رغماً عن مشيئة الرب الطالبة لخلاصه.. بينما الرب يقول: "لا يخطفها احد من يدي ... لا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي: أنا والآب واحد" (يو10: 29-30).. هذا غير مشاكل أُخَر كثيرة مضادة للإيمان بقصد الاختيار الإلهيّ، أحلتُ ملخَّص تفصيلها في الهامش السابق [vi]، حتى لا يقطع تركيز سياق نقطة البحث هنا:

 

   فكيف تُفهَم "كلّ" في هذا القول الرسوليّ؟

   يسهل على المؤمنين "بقصد الاختيار" التامّ، مثلي، ولاسيما إذ معهم الآن أدوات التحليل السابقة، أن يفترضوا أن "كلّ" هنا هي للأنواع، ويطبّقونها على النص فيجدون أن الأنواع المقصودة هم "الملوك"، و"أصحاب المناصب"، مثل العوامّ، إذ أن الملوك وقتها كانوا من غير المؤمنين (والمؤمنون يكونون استثناءً بحسب التاريخ)، والتأكيد بكلمة "كلّ" هنا يفيد إزالة الافتراض السهل لدى المؤمنين أن الخلاص لهم وليس لعظماء هذا الدهر غير المؤمنين..

   ولكن إذ ليس لنا عادة أن نحتطف التفسير عند أول ما يوافق التفسير معتقدنا، فبالإمعان نصل لما هو أغنى مما تحمله لنا كلمة "كلّ" هذه المرّة..

 

   صحيح إنّها "كلّ" المانعة لاستثناء النوع..  "كل" الجامعة للأنواع لا الأفراد..

   هي "كلّ" التي سبق تبيان غرضها الرئيس في استخداماتها بأنّها إثبات النزاهة وتأكيد عدم التحيّز الظالم..     

   ولكن قصد الرسول بها يحيط لما هو أوسع كثيراً جداً من الملوك والعوام معاً،

   الجمع هنا يفيد نفي المحاباة والإفادة أن الرب لا يستبعد أي جنس أو لون، ويريد إثبات أنّه رب كل البشريّة، القادر على ضمّ كل من يريد لمُختاريه رغماً عن كل المعاكسات، ليتمجّد فوق كل سلطان الظلمة في العالم بجمعه للناس في الملكوت:

"من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة" (رؤ7: 9)

 

   من أي نتبيّن أن "كل" في هذا القول الرسوليّ هي هكذا؟ كثير من الأدلّة القاطعة على كل وجه ونحو:

 

   السياق اللصيق يوافق هذا بكلّ قوّة، فهذا م يسبق الشاهد الرسوليّ:

   "فأطلب أوَّل كل شئ أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكّرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب. لكي نقضى حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار. لأنّ هذا حسن ومقبول لدى مخلِّصنا الإله الذي يريد أن جميع الناس يخلون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون" (1تي2: 1-4)..

   فأوّل الأسئلة لتنظيم جُمَل الفقرة في ارتباط منطقيّ هو: ما العلاقة بين "جميع الناس" و"الحياة الهادئة المطمئنة" بالملوك؟ والإجابة أنّ الملك هو خادم الإله للصلاح (رو13: 4)..

   وإذاً تنتظم الفقرة فوراً في هذا السلم المنطقيّ اللازم استيعابه للوصول لأعلى القصد:

   1) جميع الناس على كل حال من أحوالهم مدعوُّون للخلاص،

   2) ولما كان خلاصهم يقتضى وصول الكرازة لهم، وإلا "كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟" (رو10: 14)،

   3) ثم لما كانت الكرازة تتطلّب السلام والطمأنينة حتى تستمرّ بلا مانع في حياة مطمئنة هادئة بكل تقوى ووقار (1تي2: 2)،

   4) ثم لما كان الاستقرار يتطلَّب خدمة الملوك الذين لا يحملون السيف عبثاً (رو13: 3-4)،

   فلذلك يطلب الرسول من تلميذه الأسقف أن يذكر الملوك في صلاته!

   وإذاً يكون "جميع الناس" ليسوا هم جميع الأفراد بلا استثناء، بل عموم جميع الناس، على مستوى أمم وشعوب المسكونة الخاضعة للملك..

 

   لن تكون هي مفاجأة إذاً الآن، مع حضور هذا الفهم، عندما يختم الرسول فقرته القصيرة، بالحديث عن دعوة الأمم! (والفقرة لا يسمح قصرها بتغيير السياق، فلا يظنّ واحد أن الرسول يتكلم عن موضوعين)..

   فالرسول ههنا يعيّن بوضوح البُعد الذي يطرح مقياس الشمول (أو والكليّة) عليه، الذي هو بُعد "جميع الأمم من غير اليهود"، وهؤلاء يسبق فيشير إليهم بـ"جميع الناس"، ولمَّا لم يرد في المعنى ما يفرِّق بين "جميع الناس" المذكورة أولاً، وبينها عندما وردت ثانياً في الشاهد المعنيّ عن إرادة الرب في "خلاص جميع الناس"، فلا تكون هناك حجة للمُمانَعة أن القصد في قوله "الإله يريد أنّ جميع الناس يخلصون" هو قصد "كل الجامعة للأنواع" "المنزِّهة عن المحاباة" بناء على ظروف لا ذنب للإنسان فيها..

 

   ثم هذا ما يشفع به الرسول الشاهد المَعنيّ مباشرةً: 

   "لأنّه يوجَد إله وواحد ووسيط واحد بين الإله والناس: الإنسان يسوع المسيح"  (1تي2: 5)..

   وهذا يعود بنا لسابق المقابلة مع الشاهد الوارد في شرح "كلّ الجامعة للأنواع لا الأفراد، والذي هو: "أسكب روحي على كل بشر" (أع2: 16)..

 

   ويواصل الرسول:

   "الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1تي2: 6)..  

    وهذا الشاهد ظاهر التماثل مع قول الرب: "ابن الإنسان ... يبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر10: 45)..

   فالآن لدينا قول الرب: "عن كثيرين" يقابل قول الرسول: "عن الجميع".. فأن يقصد الرسول بـ"الجميع" "الكثيرين" الذين قصدهم الرب، فهذا ما سبق شرحه وإثبات توافقه مع استخدام كلمة "كلّ"، أما أن يقصد الرب بـ"الكثيرين" "الجميع أفراداً" فهذا ما لا يصحّ بالمنطق، فاختصار الجميع فرداً فرداً دون استثناء، لمجرد "الكثيرين" لا سبب مقنع له، بل على العكس فإنه يكون به إخفاء لمعنى خطير كان ينبغي إظهاره لو كان له وجود حقيقيّ..

   فبمشابهة هذا الشاهد للقول المذكور للرب، يحيلنا الرسول بولس من حدود السياق اللصيق في فقرة الشاهد محل التفسير إلى حكم عموم سياق الإيمان المسيحيّ عن وجهَيْ القضيّة: قصد الاختيار (على مستوى الأفراد) من ناحية، وشمول قبول الأمم من ناحية، فتكون خلاصة النتيجة أنّ "الجميع" هم "الكثيرين" من أفراد جميع الأمم والأجناس..

 

   ولا يزال الرسول يواصل إحكام قصد سياقه، فيقول تابعاً:

   "الشهادة في أوقاتها الخاصة، التي جُعلتُ أنا لها كارزاً ورسولاً، الحقَّ أقول في المسيح ولا أكذب، معلِّماً للأمم في الإيمان والحقّ" (1تي2: 5-7)..

   ما الذي أدخل الكلام عن الكرازة للأمم في مُناسبة الوصيّة بإقامة الصلوات للجميع؟ وفي إرادة الرب بخلاص "الجميع"؟ ليست المناسبَة إلا أن الكلام أصلاً هو على مستوى الجماعات لا الأفراد، وأنّ التأكيد على خلاص "جميع الأمم" لا يزال لازماً لإظهار قبول الرب للجميع (أجناساً)، تحدِّياً لمقاومة الحركة المتهوِّدة.. وتزداد مناسبة إيراد الوصيّة بالصلاة لأجل الجميع (أي من الأمم كما اليهود)، تزداد المناسبة المتطلِّبة للتأكيد بسبب خصوصيّة المتكلِّم والمتلقِّي، فالمتلقِّي للكلام هو تيموثاوس ابن المرأة اليهوديّة والمعتبر بذلك يهوديّاً والمتأثِّر بطبيعة الأمور بحسب تربيته اليهوديّة بأفكار اليهود الراسخة بصحيحها وخطئها (2تي3: 15)، بينما المتكلِّم هو بولس رسول الأمم والكاشف الأعظم لسر قبول الأمم في المسيح بالإيمان بالإنجيل رغماً عن كل مقاومة متهوّدة (أف3: 3-6)،..

  

   إذاً فكل السياق سابقاً ولاحقاً، قريباً وعامّاً، سواء في فكر الرسول بولس صاحب القول وعلى اتّساع كل التعليم الكتابيّ، يتّفِق كلّ هذا، وفقط، مع كون استخدام كلمة "كلّ" في هذا الوضع هو استخدامها المماثل لقصد النبيّ يوئيل منها في (يو2: 28)، وقصد الرسول بطرس منها في (أع2: 16)..

 

 

 

تحديد "كلّ المٌخَلَّصين"أنهم من المؤمنين فقط

The Faith Limit of Salvation

 

·         "ألقينا رجاءنا على الإله الحيّ الذي هو مخلص جميع الناس ولا سيما المؤمنين" (1تي4: 6)..

 

   مخلٍّص جميع الناس" = "مخلِّص واحد للناس"، وليس غيره.. الكليّة هنا هي "كليّة المنع دون الواحد".. "كل" هنا تجمع تضع كل الناس مطلقاً أمام مصدر واحد للخلاص (لمن سيخلص منهم)..

   وعلى ذلك، تُفهَم كلمة "لاسيما المؤمنين"، لأنهم على هذا الأساس من الفم يكونون أقرب للخلاص لإتمامهم الخطوة الأولى اللازمة وهي الإيمان.. وأما إن كان الخلاص حتميّ للجميع، بحسب الفهم الخاطئ، فلا يكون معنى لقوله "لاسيما" إذ نوال الخلاص ليس نسبيّاً، فطالما تحتّم خلاص اجلميع فلا يبقى للاسيما مكان، وإنما الاقتراب من الخلاص والسعي للحفاظ على شروطه وقطع الشوط فيه هو النسبيّ بلا شك..

 

   ليس كل المؤمنين سيخلصوا (هذا معتقد بروتستانتيّ يخلط بين المؤمنين والمختارين ويفترض أن كل المؤمنين مختارين)..

   ولكن كل الذين سيخلصوا ينبغي أن يكونوا مؤمنين..

   وهذا الفصل يناقش الخطأ المقابِل للخطأ السابق.. ففي السابق كان الخطأ يصوِّر الجميع مختارين ولكن ليس جميعهم مُخلَّصين، وهذه المرة يتبنّى الخطأ في فهم كلمة "كل" تصوّراً عكسيّاً، إذ يعتبر الجميع مُخلَّصين وإن لم يكونوا مؤمنين!

   هذا الخطأ بدعة معروفة في تاريخ الكنيسة باسم "أبوكاتاستاسيس"، ويصرّ أصحابها على خلاص الجميع في النهاية وفناء جهنم!

   فإن كان الخطأ السابق هو الأكثر حاجة لدقّة الشرح، والأشرس والأكثر إثارة للتوتّر عند الفُرقاء، فإنّ هذا الخطأ، رغم سهولة تفنيده، فهو الأخطر في نتائجه، وينتهي نظريّاً وعمليّاً بمعتنقيه للميوعة الأخلاقيّة والتفريط في كثير من صُلب دواعي الشرف والإيمان..

   ورغم أنّ أصول هذه الفكرة المميتة لم تنبع عند أكثر أصحابها أصلاً من أيّ فهم، وإن كان خاطئاً، للكتاب المقدس، فإنّ مواضع تُكلُهم في الاحتجاج الكتابيّ لا تخرج عن شاهدين، هذا أوَّلهما:

 

"... ألقينا رجاءنا على الإله الحيّ الذي هو مخلص جميع الناس ولا سيما المؤمنين" (1تي4: 6)..

 

   و"كلّ" هنا هي من نوع "كلّ الاحتكاريّة".. التي تفيد وحدة المصدر للجميع..

   هذه هي "كلّ" التي تتحدَّد بجميع من ينتفعوا بمصدر ما يجمعهم في الموضوع الذي تجمع فيه كلمة "كلّ" أفرادها..

   القصد هنا هو: الإله الحيّ المُخلِّص الوحيد لجميع من يخلصوا..

  

   وقد عبر علينا هذا النوع بشاهد لم يكن من مدخل للمغالطة معه (كو4: 5)..

 

   والدليل على تحقّق ذلك المعنى هنا، هو من ذات جملة الشاهد، التي تعفينا من أي حاجة للبحث بعيداً.. فالرسول يختم الجملة بقوله: ".. ولاسيّما المؤمنين"..    

   والسؤال الآن: هل في الخلاص كميّات؟ خلاص كبير وخلاص متوسط؟ وهل هو قابل للتجزئة؟

   إذا كان ذلك ليس كذلك، فما هو قصد كلمة "لاسيما" التخصيصيّة؟ أيّة خصوصيّة تجعل الخلاص يخص المؤمنين دون سواهم؟

   لا يبقى إلا خصوصيّة احتمال نواله، وهنا، وهنا فقط، يستقيم المعنى:

   فالمؤمن أقرب للخلاص لأنه حاز الشرط الأول الذي بدونه لا يمكن إرضاء الرب (عب11: 6)، ولا يبقى له لإتمام خلاصه إلا المحافظة عليه، اتّكالاً وعملاً،

   بينما غير المؤمن يحتاج للإيمان أولا، فهو من هذه الحيثية أبعد..

   وبهذا الشرخ نرصد مفاجأة لمخطئي الفهم، لأنه لما كان الإيمان هو الذي يقرب للخلاص فهو لازم في طريقه وبدونه لا خلاص، ومن هنا فالشاهد دليل على لزوم الإيمان لا على عكسه!..

   وكفى بالاستشهاد بشاهد مضاد، دليلاً على خيبة أصحاب الفكرة المبتدعة..

 

 

 

حدود "كل الذين يحيون في المسيح" وحدود "كلّ الذين يموتون في آدم"

The Limit of “All the Living in Christ,” and “All Dying in Adam”

 

·         "لأنّه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (1كو15: 22)..

 

      أي أن كل من سيحيون سيحيون في المسيح فقط! ولس الكل بلا استثناء سيحيون، لأنّه واضح أن هنالك من سيقومون قيامة الدينونة لا الحياة (يو5: 29)..

   وأيضاً كل من سيموتون سيموتون فقط في آدم، لأن الموت لم يدخل للعالم من طريق غيره، ولكن ليس الجميع ماتوا بلا استثناء، فهناك من لن يموتوا موت الجسد، أولئك الذين سيكونون أحياءً على الأرض وقت مجئ الرب المكتوب عنهم "هوذا سر أقوله لكم: لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغيّر" (1كو15: 51) [vii]..

 

 

   وهذا هو الشاهد الثاني لأصحاب الخطأ السابق التعرّض له في الفصل السابق توَّاً..

   ويكثر من استعماله الذين ينادون (غالباً سراً وضمناً دون جسارة على المواجهة) ببدعة "أبوكاتاستاسيس"..

   وليس من عجب، فقد تكرَّر عليهم إثبات خصومتهم للمنطق اللغويّ بشكل ملفِت، ليس عن جهل أو ضيق فهم بقدر ما هو عند مبدأ غريب غير معيّن بالتصريح ولكنه ظاهر كمسحة لصيقة بكل فكرهم، ولعلّ ذلك بفعل مرجعيتهم الآبائية الشرقية المتأثّرة بالفكر الأفلاطوني التهويميّ النزعة..

   ولننظر في الشاهد:

 

   "لأنّه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (1كو15: 22)..

   وهذا شاهد آخر يرفعه بحرارة نفس الذين يسيئون فهم الشاهد السابق..

   فهل سيحيا الجميع أفرداً دون استثناء في المسيح؟

   فليكن مسموعاً حرص الرب ودقتّه في التفريق بين نوعَي القيامة بقوله: "يخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو5: 29)..

   لن يقوم الجميع إذاً قيامة الحياة في المسيح..

   ولكن كيف يقول الرسول إنّ "في المسيح سيحيا الجميعلاشك أن الجميع هذه غير الجميع تلك.. فماذا يمكن أن يكون الفارق بين الـ"جميعـ"ين؟ لا يمكن أن يكون إلا هذا الفارق:

   أنّ "الجميع" هي من نوع المحدِّد للمصدر الواحد الذي ليس للجميع مصدراً للنفع سواه،

   النوع النافي لجميع الأغيار دونه، وليست الجامعة لكل الأفراد في الانتفاع بمضمونها..

   ومن هنا فإن "الجميع" تجوز في التعبير أن الجمع المقصود هو أنه خلا الواحد المقصود تعيينه، فلا يقوم إلا النفي لـجميع الفرص أمام جميع الناس، حد كما مرّ في شرحنا لـ (1كو4: 5)..

 

   القصد ختاماً لمجمل قول الرسول، أنّ "كل من ماتوا" فإنما لم يموتوا خارج آدم، إذ ليس للسقوط مصدر آخر ولا للموت مصدر آخر خلا خطيّته وسقوطه وموته، [viii]

   وبالمقابل، فإنّ من قاموا للحياة فلن يحيوا إلا في المسيح وحده آدم الثاني، إذ فيه كانت الحياة وليس من سواه مصدر لها..

   مع التسليم أنه حين يُقصّد بالموت إمكانية الموت، فالموت عامل بهذا القصد في جميع البشر من ماتوا فعلاً ومن لم يموتوا، سواء كان القصد بالموت روحيّاً أو جسديّاً، وبهذا القصد فإن "الجميع" في آدم تشمل جميع البشر مطلقاً الذين ولدوا منه بطريق التوالد الطبيعيّ..

   ويلزم هنا ملاجظة الفارق بين الإطلاق لمعنى كلمة "كل" التي تحيط بمن يموتون في آدم، وبين التحديد فيها عند الإشارة لمن يحيون في المسيح.. وسبب الفارق هنا بين "كلّ" و"كلّ" رغم إتيانهما في شاهد واحد هو الفارق في علة الصفة الجامعة: إذ علة الاجتماع في موت آدم هي الانتساب له بالنسل، وليس من أي استثناء في هذه العلّة لجميع البشر، وأما الحياة في المسيح فمبرِّرها هو الإيمان العامل، وهذه ليست للكلّ، فحقّ هنا التمييز في نطاقَي الجمع بين "جميع" و"جميع"..

 

   إذاً خلاصة النظر في "كلّ" التي لشاهدنا في هذا الفصل إنها "كل" المانعة – "كلّ" شمول المنع للجميع عن الجميع دون الواحد المقصود،

   والواحد المقصود هنا هو المسيح المخلِّص وحده،

   الذي دونه فليس بين الجميع مخلّص لأي واحد من الجميع،

   وهذا أبلغ استخدام لأخطر قصد في كل منطق اللغة، أي لغة، والذي من أجله لزم أن نطنب في شرح منطق استخدام الكلمة وإنقاذها من فم أسود المغالطات والغلطات..

  

 

 

 

كلمة خِتام

 

   وبعدُ، كان هذا كتيّب " الكلّ عن كلمة كل"، جمعتُ كل ما يلزم الانتباه له بفطنة المنط اللغويّ في التعامل مع كلمات الشمول في الكتاب المقدَّس: "كل" و"جميع" وما إليهما،

   والآن فإن من يحكم على عنوان المقال بعدم الأحقيّة في الادّعاء بأن المقال يجمع كل شئ عن كلمة "كلّ"، فلعلّه لم يقرأ المقال بالتركيز المطلوب J

 

وأخيراً أقول لمن وصل بقراءته حتى هنا إنني أتمنّى أنّني أوفيتُ وعدي لك!

 

 

 



[i]  في مناقشة مع بعض السطحيّين من الدخلاء على التعليم وكانوا من الذين يروّجون لعدم صحة كلمة "حرام" مستندين لهذا الشاهد (ولا مفاد من تعيين أسماء فقد كثروا جداً فوق لزوم الحاجة للتعيين)، فقد فَرّقت لهم بين كلمة أشياء وكلمة أفعال، قبل أن أسألهم إن كانوا يقولون إنّ الخطية تحلّ ولكنها فقط لا توافق، أقلقهم هذا السؤال، ولما لم يحروا جواباً سألتهم كيف أن الشاهد الذي يتمسّكون به تظهر فيه بكل قوّة كلمة "تحلّ" وهم يرفضون الحرام و"الحلال".. السؤال الوحيد الذي أجابوه كان كيف يتجاهلون استعمال بطرس الرسول لكلمة حرام، وكانت إجابتهم أن بطرس كان يعلِّم اليهود، وتعليقاً على تلك الإجابة قلت: ولكنه كان يعلمهم التعليم المسيحيّ، ورسالته قانونية في العهد الجديد لا القديم، فعاودوا السكوت.. وختمت بسؤالهم كيف يتجاهلون كلمة "أشياء" ويعتبرونها تشمل الأفعال؟ وكان طريفاً أن هذا السؤال الأخير والأسهل لهم أن يتجاوزوه هو أكثر ما أقلقهم، وأما سهولة تجاوزه من جانبهم فسرّه هو ما لم أنس كشفه لهم أنّ كلمة أشياء ليست أصيلة في النصّ، وأنّه من الشرف في طلب الحقّ أنني لا أسجِّل عليهم ما يستصعبونه بينما أعرف أنا أنه ليس هو الدليل الحق ضدهم، وأنّ الأهمّ من التماحك بلفظ هو فهم الجملة بتمامها وفي سياقها..

   وخُلاصة الشرح الذي قدمته في تلك المناقشة مُتَضّمَّن في تسجيل تفسير هذا الشاهد في كتيّب: "بولسيّات عسرة الفهم"..

 

[ii]  أوردت نص الجملة الكتابيّة حسب أصلها اليونانيّ، وأما في الترجمة البيروتيّة، فقد وردت هكذا: "كل الأشياء تحلّ لي لكن ليس كل الأشياء توافق" بإضافة كلمة "أشياء"..

κάθε πράγμα عدل الفقرة كلها بحسب ان ان أي في وكينج جيم وحتى يونجز ليترال اجمعوا على كل شء

   وتعليقاً لازماً على كلمة "أشياء" هذه الظاهرة في الترجمة البيروتيّة، فهي من الإضافة التفسيريّة للمترجم البيروتيّ، ولاشك أن المترجِم كان يفسِّر بديهيّة ظاهرة في السياق، ويوافق تماماً كل المشروح في المتن..

   ولكنه مع صواب فهمه يُؤاخَذ فنيّاً في عمله هذا حيث أن ترجمته مُقَدَّمَة على أنها "نصيّة" بلا "تفسيريّة"، لاسيّما وأن الترجمة البيروتيّة لا تخلو من بعض الأخطاء من نتاج هذه النزعة التي وإن لم يُسرِف فيها المترجِم فإنّها غير مأمونة العواقب عل كل حال..

   وعلى كل حال فإن الشرح في هذا المقال يقوم على الأصل وعلى فهم السياق لتعيين محدوديّة كلمة "كلّ"، ولا ينتظر موافقة تفسير المترجم الذي خالفناه غيرة مرّة في مواضع أُخرى، وإن كان وافقنا هذه المرة لبداهة القصد، ولكن لزم القول أن حجتنا ليست في الترجمة..

 

[iii]  في يوم الأربعاء 3 مارس 2010، قدَّم البابا شنودة الثالث تأمّلاً يحمل هذه الفكرة..

 

[iv]  من الاعتراضات السطحيّة المضحكة على الكتاب المقدس اتهام الفقرة بالتناقض بين (تك7: 2) و (تك7: 9)، فالأولى تذكر البهائم الطاهرة "سبعة سبعة" بينما في الثانية تعمِّم "اثنين اثنين" على جميع البهائم".. وبكل أسف يفوت المعنى البسيط المدافعين قبل المتهجّمين، فأولئك يتهكمون وأولئك يبحثون عن تفسير مصطنع فيفترضون أن العدد قد نزل عليه التخفيض في يوم الدخول ويقترحون لذلك أسباباً أبعد سذاجة كأنيكون نوح قد استهلكهم وقت العمل..

   والصحيح البسيط أن العدد (تك7: 9) يصف دخول أفراد الحيوانات، وليس عدد الأفراد من كل نوع، فدخول الفُلْك، ككل أمور تصميمه، كان منتظماً نظاماً فائقاً، فالنظام يبدأ أو ما يبدأ من وقت دخول الجميع، ومرحلة الدخول هي الأولى بالتنظيم لزوم العدّ وسهولة التوزيع والتسكين داخله.. فكان عدد الأزواج من كل نوع: سبعة للبهائم الطاهرة، واثنين لغير الطاهرة، أما دخول الجميع فكان زوجاً زوجاً (اثنين اثنين)..

 

[v] بكل وضوح وبساطة: فهكذا نظريّة هي عالية جداً وإلى فوق في الموازين الإيمانيّة والمنطقيّة.. نعم عالية في الموازين وليس في الوزن! وما أبسط تفنيدها وإظهار عوارها:

   1) فلو كان قصد الاختيار هو بالعلم السابق فالاختيار ليس بعد اختياراً، لأن العلم السابق يُبنى على عمل الإنسان وليس اختيار الرب..

       والأكثرون يكرّرون فكرة سبق معرفة الرب بأعمال يعقوب وعيسو، والتي بناءً عليها اختار يعقوب حسب شرحهم، ويوغلون في ترسيخها، ولكنهم مع ذلك لا يشرحون لماذا يورِد الرسول بولس مثلاً عن "سبق العلم الإلهيّ بالأعمال" بينما هو في سياق نفي فضل الأعمال البشريّة في الخلاص "ليس من الأعمال بل من الذي يدعو" (رو9: 11)!

   2) ولو كان ليس من قصد اختيار مطلق الحريّة لدى الرب، فإن كل شرح بولس الرسول في رسالة رومية باطل،

   3) ومن ثَمَّ يجدر بأصحاب تفسير قصد الاختيار بطريقة العلم السابق أن يُسعفوا الرسول بتفسيراتهم، حاشا - وإنما أتكلم لإظهار نتيجة مجاراة منطقهم، لأنه بناءً على ما يقولون فقد عجز ولم يحر جواباً من أمثلة أجوبتهم عندما حاول إجابة ذلك السؤال المتوقَّع عن حجيّة الرب في الدينونة طالما هو الذي يشاء ويختار، واكتفى الرسول بالإجابة أنّه: "من أنت أيها الإنسان حتى تجاوب الإله (رو9: )، ولم يفد بأمثلة الأجوبة الرائجة بين الناس الذين يحرصون على سماع الأجوبة وتكرارها بكل شغف، ولا يجرؤون على قياسها بأصل النصّ الكتابيّ لمعرفتهم أن الإجابات المريحة لآذانهم لا تريح النصّ الرسوليّ من أي وجه..

   4) ولو كان عدل الرب يُقاس، كما لا يملّون التكرار، بعدل القاضي بين البشر، فإن خصومة الرب للبشر تساوي خصومة البشر للبشر، وهذا إغفال مريع لحقيقة أن الرب هو صانع البشر وصاحب أمرهم وليس ندّاً لهم أمام قانون عدالة مستقلّ يحكم بين الطرفين.. 5) وأما ما يهملونه في منطق العدالة البشريّة، فهو الوجه الوحيد الصحيح القابل للقياس والذي هو قاعدة العدل: "من حكم في ماله فما ظلم"،

   5) وهم بإهمالهم لهذا، فإنما يهملون المثل الذي تكلّم به الرب نفسه، مثل الفعلة وأصحاب الساعة الحادية عشرة، والذي يصرِّح ببساطة حق الرب العادل: "يا صاحب ما ظلمتك ... أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي؟" (مت20: 13-15)، وتغافلهم عن هذا المثل الربانيّ يجعلهم يفوتون قول الرب المخوف: "خذ الذي لك واذهب" (مت20: 13-15)..

   6) ومن حيث المنطق المجرَّد، فإن فكرة حريّة الاختيار فكرة تناقض نفسها، فلا يمكن أن تكتمل الحريّة ويكتمل الاختيار لأن العلاقة عكسيّة بينهما، فكلما زادت الحريّة زادت المعرفة (لأن الجهل قيد مضاد للحريّة) وكلما زادت المعرفة قلّت الحاجة للتنقّل بين البدائل، وقلّ عنصر الاختيار..

   7) ويحدث هنا تعمية بين كلمة "اختيار" ولكمة "حرية اختيار"، فالاختيار قائم بلا شك في العهد القديم: "فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك" (تث30: 19)، ولكنّه اختيار وليس حريّة اختيار.. والسؤال البديهيّ هنا، ما هي خكمته عن كان اختياراً بلا حريّة، فإن إجابته معروفة من أصول الإيمان أنّ الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح وكاشف لضعف الإنسان ومقنِع له أنّه لا خلاف له من ذاته؛ وبالمقابِل فإنّ افتراض انه كانت هنالك حريّة في هذا الاختيار، فالرسالة إلى العبرانيين تتكفّل بالرد عليها: "خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل أيام حياتهم تحت العبوديّة" (عب2: 15)..

   8) وقبل كل تفنيد وشرح، فالرب يقضي تماماً على هذه الفكرة الشيطانيّة التي هي تفضّل الإنسان عليه باختيار بحريّته الشخصيّة ، إذ يقول: "إن حرَّرَكم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً، إذاً فمن أين يأتي الإنسان بحريّة حقيقية خارج الرب يختار بها الرب؟ بينما هو لم يصر حرّاً أصلاً إلا باختيار الرب له؟ وهذا شاهد مرتبط يزيد إِحكام ضبط المراوغة دون قصد الاختيار: "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم ..." (يو15: 16)..

  9) وأخيراً وبالعودة لذات الشاهد موضع البحث: فلو كانت مشيئة الرب أن يخلص واحد، ثم هلك هذا الواحد، فإذاً قد سقطت مشيئة الرب الإله - حاشا، وخُطِف من يده ويد ابنه القائل: "لا يخطفها احد من يدي... لا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي: أنا والآب واحد" (يو10: 29-30)، وكان هذا الخطف بحسب ذاك الفهم أبديّاً، وليس مؤقّتاً بسماح وحكمة وعدل الرب في إعطاء الفرصة للشيطان وللشر حتى يظهر أنه شريِّر وخاطئ جداً.. ولكنّنا نحن المؤمنين نؤمن أنّ مشيئة الرب غالبة نافذة لا محالة دونها، فكيف يجوز دخول فكرة التحايل على إطلاق قصد الاختيار، بتصوّر أن الإنسان يمكنه أن يفعِّل إرادته المعاندة لإرادة الرب العليا فتنفذ إرادته أو إرادة الشيطان فيه دون إرادة اختيار الرب؟ 

      وحتى عندما قال الرب لأورشليم: "كم مرّة أردتُ أن أجمع أولاك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت23: 37)، فإن النظر للنبوّات وتوقّع تمام تنفيذها يؤكد أن إرادة الرب هي التي غلبت إرادة الأجيال المعاندة (إش40: 1، إش52: 1، أع1: 6-7، يو17: 6-36، 2تس2: 4-8، رو11: 26، وحتّى تمام التجديد: رؤ21: 2)، وأما الذين عاندوا إرادة الرب فقد هلكوا بعنادهم ولم تتحقق مع ذلك إرادتهم المعاندة في نهاية الأمر، بل وحتى في عنادهم لم يخرجوا عن ضبط مشيئة الرب، ولا زاد أثر عنادهم عن مرحلة معينة في الزمن إذ الرب يقول: "الآن قد أخْفِيَ عن عينيك" (لو19: 42)..

   10) ومن ردودهم الرسميّة أنّ الاختيار مقصور على الاختيار في الخدمة، أو الاختيار في ظروف معينة بحسب ما يلائم خلاص الإنسان.. ولكنهم لا يشرحون كيف أن هذا المعنى هو الذي يمثله بولس الرسول بمثال "يعقوب وعيسو قبل أن يُولَدا"!..   

   11) ومن ردودهم الرسميّة أنّ الاختيار مقصور على الاختيار في الخدمة، أو الاختيار في ظروف معينة بحسب ما يلائم خلاص الإنسان.. ولكنهم لا يشرحون كيف أن هذا المعنى هو الذي يمثله بولس الرسول بمثال "يعقوب وعيسو قبل أن يُولَدا" (رو9: 13)!..

   12) وفي مواجهة هذا الخضمّ من التفنيد، يلجأ المدافعون عن تحجيم قصد الاختيار الإلهيّ إلى ردود كثيرة، بعضها مضحك مبكي (احتج واحد في مناقشة صوتيّة مسجَّلة أنّ الرب يقول إنّ الشيطان يضلّ لو أمكن المختارين أيضاً، ولما أكلمتُ له النص القائل: "لأجل المختارين تُقَصَّر تلك الأيّام"، وسألته: لماذا حرص الرب على الإفادة بأنّه سيسعِف المختارين بتقصير الأيّام، بينما لم يذكر أن من المختارين من سيسقط (رغم لوم التحذير لو كان الأمر حقيقاً بالحدوث، أجاب إنّ السبب الوحيد المعقول هنا أنّ الرب لم يحب أن يفهم الناس أن الشيطان يكسب منه أناساً! وبعد أن قال ذلك غضب وانفعل وقال إنه لم يقل وإن المناقشة لا ينبغي أن تنتهي هكذا ولا يسوغ أن يُنسَب له ما قاله L)

        ومحاولات كثيرة هكذا للرد تفوق طاقة الهامش في التفصيل وتفصيل تفنيدها..

 

   وفي مقابِل ملاحقة كل الحجج المضادة لثبوت قصد الاختيار، فإنّ الشرخ الأغسطينيّ الكالفينيّ المعتمد أساساً على هذا الإيمان لا يخلو من أخطاء خطيرة:

   أبرزها فكرة أن النعمة لا تُقاوَم، وهذا خاطئ جداً، فالنعمة قد تُعطَى لغير المختارين، حتى تتبرَّر أمام الجميع.. والناموس كان بلا شك نعمة، كما يقول الإنجيليّ: "ونعمة فوق نعمة لأن الناموس بموسى أُعطِيّ وأما النعمة والحق فبيسوع لمسيح صارا" (يو1: 16-17) ولكنّ كثيرين ممن أعطوا نعمة الناموس قاوموها حتى قدروا على التملّص منها وأهملوها (أع7: 53).. (يحاول كثيرون من الذين يقلقون من أية إشارة إيجابيّة للناموس –أبرزهم في المكتبة القبطيّة أوريجين والأب متّى المسكن، علا خلاف الأخير العارم مع الأوّل، يحاولون إعادة قراءة القول الإنجيليّ أن النعمة والنعمة التي فوقها كلاهما نعمة العهد الجديد، ولكنّ النص بكل وضوح لا يفسح لهم حتى باب الاحتمال أمام هذه المحاولة، فعبارة" ونعمة فوق نعمة" مقطوعة بحرف العطف "و" عن أن تكون مفعولاً لفعل "أخذنا" السابق عليها، وموصولة بوضوح بتفسيرها الأحقّ لها الذي يضع الناموس مقابلاً للنعمة والحقّ، بأداة التمييز (التعريف) التي تميّز نعمة عن نعمة أخرى، وليس ان تحتكر النعمة وتنفي غيرها.. إذاً فالناموس نعمة والعهد الجديد هو النعمة الأحقّ بالوصف دون استبعاد لسمة النعمة عن الناموس)..

   ومن أخطائهم في فهم هذه القضيّة هي خلطهم بين المُختارين والمؤمنين، إذ هم يُماهُون بينهما، حتّى يقولون إن المؤمن لا يهلك، والصحيح أنّ المختار لا يهلك، ولكنّ المؤمن قد يهلك (رو11: 20-21) (في نقاش مع بروتستانتيّ لا غشّ في بروتستانتيّته حول قضيّة إمكان هلاك المؤمن سلّم لي سريعاً أمام قراءة هذه الفقرة التي أوردها هو أصلاً للاستدلال العكسيّ، وختم النقاش الشامل لغير قضية بقوله: بقليل تقنعني أن أصير أرثوذكسيّاً.. وفقرات مطوّلة من تلك المناقشة مُسجَّلة في كتيّب: "البروتستانت والأرثوذكس والكتاب المقدس على مائدة الحوار المستديرة"، وهو من أقرب الكتيّبات لذكرياتي، وأعمقها شرحاً وتشريحاً للجميع بمشرط الكتاب المقدس الشافي لما استعصى من أخطاء عبر الزمن)..

   وفوق هذين الخطأين الرئيسين، فإن أدبيّاتهم في الاستدلال وفي شرح الشواهد التي تبدو في سطحية فهمها مضادَّة لإيمان بقد الاختيار، فإنهم يخلطون الصحيح بالفاسد في الاستدلال مما يزيد الساحة ارتباكاً وتيهاً بين تفنيد خصومهم لاستدلالهم الفاسد وبين مضادتهم، دون دراية، لأصل الإيمان الصحيح..

   ومرّة ثاني، فإن تفاصيل الأخطاء في تفسير الأقوال الكتابيّة، من جانب الذين يدافعون عن قصد الاختيار دون إتقان في التفسير، كثيرة تفوق طاقة الهامش على مزيد من التثقّل فوق ما تثقّل به..

 

   ويلزم التقرير أخيراً أن كل الشروح والمجاوبات ليس لها من نفع أصلاً إلا رد الاحتجاجات المضادة، أما أصل الإيمان بمطلق قصد الاختيار الإلهيّ فهو بسيط مباشِر بل وحتى بديهيّ وليس بحاجة لإثبات خاصّ به، والذي يكفيه قول الرسول ظاهراً قاطعاً مُحكَمأً: "من أنت أيها الإنسان الذي تجاوِب الإله؟!" (رو9: 20).. وإنما يبدأ الشرح لإزالة اللبس والخلط وتفنيد المغالطات لا أكثر..

 

   وبعدُ، فقد كان هذا تلخيصاً بقدر الإمكان لملاحقة الأخطاء في رفض الإيمان والتسليم البسيط المباشر لقصد الاختيار الإلهيّ المطلق، ألحقته بالفصل أعلاه لأهميّة الموضوع، وحتى لا أترك القارئ بحيرة في قضيّة غنيّة لا يملك أن تُفتَح لديه ثم يرضى بأن يُحال لمرجع آخر غير متاح للتوّ أمامه، للاستزادة بشأنها، فآليت على نفسي سرعة تلخيص عناصر الأخذ والردّ فيها قدر إمكاني..

 

[vi]  انظر الهامش v أعلاه,,

 

 

[viii]  وأما خَرَف تفاسير أغسطين وغيره لهذا الشاهد بأن الجميع سيموت ولو للحظة وأولئك الأحياء عند مجئ الرب – بحسب ذلك التفسير – سيذوقون الموت شكليّاً ويقيمهم الرب، فهو من عنديّاتهم،  وتأثراً بفهم خاطئ آخر لنص كتابيّ آخر، وذلك من باب "افتراض التفسير لتفسير المُفتَرَض" لمصالحة المكتوب بالفهم الخاطئ له، ولا تصالح! والأكثر دلالة على خطأ هذا التفسير هو أن أغسطين كان يفسّر نصّاً مُترجَماَ ترجمة معكوسة في الفولجاتا، فكان يفسر القول "ليس كلنا نتغيّر ولكن كلنا نرقد" (عندما كنت أتابع تفسير الأسقف أغسطين خطر لي أنه ربما يقرأ من النسخة اللاتينية ذ لم يكن متمكِّناً من اليونانيّة، وأنه ربما كان مصدر الخطأ في نص الترجمة، وفعلاً بالكشف على النص تأكّدت من صدق حدسي، وكان الأسقف يفسِّر ويبني الحقائق ويثبت منطلقاً من نصّ خاطئ معكوس!)..

   وها هو نصّ تفسير الأسقف أغسطين:

Since, then, there can be no resurrection unless death has preceded, and since we can in this passage understand by sleep nothing else than death, how shall all either sleep or rise again if so many persons whom Christ shall find in the body shall neither sleep nor rise again?

(Augustine, City of God, Book XX, Chapter 20, NPNF, Series I, Vol. II, Book XX, Chapter XX, P. 937.)

   وواضح أنه قد فاته أن الجسد يكفيه انحلال طبعه وماديّته القابلة للفناء حتى يحتاج و" يتوقَّع التبنِّي فداء أجسادنا" (رو8: 23) دون أن يلزم للبشر انفصال الروح عن الجسد حتى يكون لهم انتفاع بالقيامة..

   ولن أستفيض أكثر مع تفاصيل تفسيره إذ هو، كما سبق الإشارة، مبنيّ على ترجمة الفولجاتا المعكوسة أصلاً ("يرد النص في الفولجاتا هكذا: "ليس كلنا نتغيّر ولكن كلنا نرقد"، وفي نسخة أُخرى: "ليس كلنا نقوم ولكن كلنا نرقد"..

   وهذا هو النصّ اللاتينيّ المعكوس في الفولجاتا الذي كان أغسطين يفسِّره ويبني عليه حقائق الإيمان (!):

" Ecce mysterium vobis dico: omnes quidem resurgemus, sed non omnes immutabimur"..

 

   كما لن أتطرّق لإسناد الرأي بمثال أخنوج وإيليا، فهما مثالان غامضان لا يمكن الجزم نحو موقفهما من موت الجسد بشئ.. 

   وإن كان، وبسبب رسوخ مظنّة أن جميع أفراد البشر حتماً سيموتون بالجسد، من نتاج تفسير خاطئ آخر لما ورد في الرسالة إلى العبرانيِّين (سيرد تفسيره لاحقاً): "وُضِع للناس أن يموتوا مرَّةً ثم بعد ذلك الدينونة" (عب9: 27)، فإنّ بعض المفسِّرين حاولوا انتحال أيّة فرصة لإثبات عودة أحنوخ وإيليّا للموت، وذهبوا بتهوّر لافتراض أنهم هما الشاهدَيْن المذكوريّن في سفر الرؤيا (رؤ11: 7) حيث يعودان للظهور في المدينة المقدسة ليستوفيا حق الموت عليهما!

 

   ولا يبقى لإتمام الإحاطة بتفنيد كل تخاريج التفسير الخاطئ، إلا الالتفات لتفسير شاهد (عب9: 27):

   النظر في هذا الشاهد في سياقه يفيد بكل ثقة أن قصد الرسول الكاتب كان التنبير على كلمة "مرّةً"، وعلى لحوق الـ"دينونة" بتلك المرَّة، أي أن الموت (للغالبيّة العموميّة خلا الاستثناءات) هو مرّة واحدة قبل الدينونة، أي أحاديّة فرصة الحياة قبل مواجهة الدينونة وحتميّة الدينونة بعد الحياة، فليس فرصة بعد الموت لطلب حياة جديدة للإفلات من الدينونة، وعلى هذه الحقيقة يقيس ترتيب عمل الخلاص الذي قدمه المسيح على ترتيب نتيحة خطيّة آدم – فمن خطيّة آدم صار حال البشر في العموم أنهم يموتون وبعد ذلك لا يفلتون من الدينونة، هكذا بالمقابِل مات المسيح مرّة واحدة، ولا انتظار لموت ثان له لأن مرة واحدة تكفي للفداء من دينونة واحدة، ومن لا يؤمن في هذه المرّة فإذ ليس له مهرب من الدينونة بحسب القانون القديم فإنه لا حاجة له لفداء جديد!

فالشاهد هنا يتكلم عن مقابلة الموت الواحد للمسيح قبل تقديمه التبرير (بالقيامة) بقبول ذبيحته، مقابِل الموت الواحد للبشر قبل الدينونة..

ولو كان يقصد حتمية موت الجميع إذاً فهو يقصد حتميّة دينونة الجميع، وهذا ظاهر البطلان بعمل تبرير المسيح والظاهر حتى من ذات الشاهد)..

ولو كان يتكلّم عن جمع شامل مطلقاً لكان يخالف حقيقة من ماتوا مرّتين، ومعنا لعازر وابنة رئيس المجمع وابن أرملة نايين وطابيثا وأفتيجوس..

معنا إذاً مثال جديد يشهد لصحّة قضية المقال عن محدوديّة كلمة كلّ..  

 




   







Site Gate    Main Table of Contents    Exegetical Technicalities(Mother Page)    Sign Guest Book