+ 

 Song of Songs 

 The Heart of the Whole Scripture 






نَشِيـدُ الأنـاشيـدْ

قَلبُ الوَحْي كُـلِّـه

Song of Songs

The Heart of the Whole Scripture

 

   ليس أعظم من اليوم الذي وهب فيه الرب لمختاريه سفر النشيد.. وليس أحلى من هذا الحوار وألذّ على قلبي بين كل الحوارات والمجاوبات..

   وليس أقدس من لحظات قراءتي لإصحاحات كاملة منه، بين كل أيّام مكوثي على بالتوك حتى جعلت جولات تفسير النشيد تلك الأيام كثيرة وإن قَـلَّـت..

 

   لقد خضتُ جولة الشرح لسفر النشيد غير مرّة، وكانت المرّات الأكثر تأثيراً ونفعاً لي طوال المدّة القصيرة لارتيادي بالتوك، وأقدّم خلاصة هذه الجولات، وسأبدأ بإثبات قصّة "راباي عقيبا" التي بدأت بها تقديم الحوار الأكبر عن النشيد فعلاً مع ما أضفته من الملاحظات الدالّة عند طرحها..

 

   ومُستسمِحاً القارئ المتابَع، سأضع كعادة مجموعة الحوارات هذه، بعض الهوامش التذكاريّة مما قد لا يعنيه ولكن يعني عاطفة ذاكرتي..

   وأخيراً، لتنظيم العرض، سأنظِّم المادة إلى أربعة عناوين هذا فهرس روابطها:

 

 

"عقيبا"!! ولماذا كان "عقيبا" دون غيره؟! (كلمة تقديم الحوار)

تفنيد الاحتجاجات

تصحيح التفاسير الشائعة (مع تقديم مُختَصَر عن "التفسير التصويريّ")

Supplement-- Briefing Dialog in English

 

 

 

تقديم الحوار

عقيبا! ولماذا عقيبا؟!!

 

    + كَمِثـْلِ موضوعـِه، الذي هو قلب الكتاب المقدَّس والسِفر الأروع فيه (سِفر نشيد الأناشيد)، فإنّ هذا الحوار هو القلب المبهِج للحوارات كلها على قلبي..

 

   أود بدء العرض بقصة[i]  غير معروفة كثيراً، رغم ما يُنقَل عنها من قول مأثور؛ وأخلُص منها إلى ملحوظة هي الملحوظة الرئيسة في الموضوع..

   في نهاية المئة الأولى وبداية المائة الثانية، بَرَزَ راباي يهوديّ اسمه “عقيبا”، وكان من أشرس المدافعين عن الناموس اليهوديّ، والمعاندين في المقابل للمسيحيين.. كان هكذا مُحافظاً، ومتحفِّظاً على كل ما يمكن أن يصبّ في ناحية المسيحيين..

   وتذكر تلك المشناه المُشار إليها أعلاه في التلمود أنه في حوار حول قانونيّة سفر نشيد الأناشيد بين موافِق ومخالِف (يُقدَّر تاريخ عقد المجمع بسنة 90م)، قال “عقيبا” القول المأثور: "إن كل التاريخ لا يساوي قدر اليوم الذي مُنِح فيه سفر النشيد لإسرائيل؛ كل الكتاب المقدَّس مقدَّس، ولكن نشيد الأناشيد هو قدس الأقداس" ، وهو القول المأثور الذي تنقله مصادر كثيرة أو تنقل جزءً منه، وأحياناً دون دراية بالأصل.. لقد قال “عقيبا” هذا القول الهائل أمام أجلّ مجمع علميّ يهوديّ، وقاله مدافعاً عن سفر يميل إلى الناحية المسيحيّة بوضوح لقرب روحه من المحبة الظاهرة في التجسّد، وقاله وحسم به الخلاف على أعلى مستوى؛ وتوقَّفت بعد ذلك محاولة استبعاد السفر من القانون المقدَّس..

   وفي قصّة “عقيبا” الشخصيّة ملاحظة هي رأس ما أبدأ به المناقشة.. كان “عقيبا” راعياً أجيراً فقيراً، وأحبّ ابنة سيده الغنيّ وأحبّته، ولما كان فقيراً ليس موضع قبول من والدها، فقد عقدا زواجهما سرَّاً، واشترطت عليه أن يتعلّم حتى يصير راباي محلّ احترام بدلاً من عامل أجير..

   والآن فالمهمة صعبة بقدر ما هي محرجة، لأن رجلاً تعدَّى العشرين سنة يجلس مع الصبية ليتعلّم، ولكن الحب كان أقوى من الصعوبة وشافياً للحَرَج، وبلغ من قوّته أنه ليس فقط حمل نفس “عقيبا” للتعلّم في الكِبَر، ولا أنه صنع منه راباي، بل بلغ درجة هائلة من إثبات جبروت نفوذ الحب النقيّ، حتى بلغ بأمر “عقيبا” أنه صار السلطة المركزيّة التلموديّة العظمى في زمنه..

   ومن القصص الطريفة التي تحويها المشناه أن امرأته ذهبت إليه مرّة بين تلاميذه (الذين بلغ عددهم 24000) ولم يكونوا يعرفونها فأبعدوها، ولما رأي “عقيبا” ذلك قال لهم: "دعوها، فإن كل ما أنا عليه، بل كل ما أنتم عليه (بالتبعية باعتبارهم تلاميذه) هو من فضلها"..

   ما هو مفاد هذه القصة؟ هذا هو الشاهد فيها: أنه لا يكفي معرفة بعض المبادئ الكتابيّة والأخلاقية ليتأهّل الناظر لتقييم هُويّة سِفْر نشيد الأناشيد، بل ينبغي أن يتمكن من اختبار الحب في نقائه وفعله الإيجابيّ الذي ينقل من الجهل للعلم ومن الخمول للنجاح، والذي يغسل مشاعره، فإن لم تكن محبته للرب وحده (بتوليّة الجسد)، فلا أقلّ من اختبار المعنى على مستوى الحياة الجسديّة بحسب أصول طهارة المشاعر والأخلاق..

   لقد كان “عقيبا” هو الذي أدرك أكثر من أي عالم غيره مفاد سفر النشيد، فنطق وقال إن هذا هو قدس أقداس الكتاب المقدس.. هذا هو ما لا تكافئ كل أعمار البشر يوم أن منحه الرب لإسرائيل..

 

   هذا ما أقدِّم به الحوار الذي استطيع أن أقرؤه قبل أن يبدأ، فأرجو الصبر من السائلين لأنني لا أجيب عشواءً، بل بنعمة الرب أرى خريطة طريق مدخل مشكلة كل سؤال وخريطة طريق حلّها..

 

 

 

تفنيد احتجاجات المُعانِدين

 

   - كيف تعتبرون هذا الكتاب مقدساً؟ أنتم تعتبرون العيب مقدَّس؟

 

   + هات لي كلمة واحدة "عيب" في السفر!

      كلمة واحدة فقط!!

      وليس أسهل من هذا التحدي على من يملأ يده من هجومه على السفر لحد الانفلات، وليس أعجب من عدم الردّ بأمثلة ولو  حتّى بمثال واحد فقط بعد تلك الوصلة الاستقباحيّة المتكرِّرة!!!

      هات كلمة واحدة فقط عيب، وأنا أعدك ألا أرد لك "الجميل" بمعايب في ناحيتك إن كان هذا ما تخشاه J، وأن أُراعي فقط النظر فيما تظهره من عيب في نشيد كتابي، لو كان..

 

 

   - كلمة واحدة فقط؟ أتحداك تقرأ السفر علناً..

 

   + أي فقرة تتصوّر أنها الأكثر إحراجاً في السِفر؟ ماذا تريد أن أقرأ تحديداً؟ حتّى لا أقرأ فتعود وتقول إنني خبأت ما هو محرِج..

 

 

   - الفقرة التي بها ذكر الثدي والعناقيد

 

   + (قرأتُ الإصحاح السابع كله ولم أملك التوقّف فاسترسلت حتى أكملت قراءة الإصحاح الثامن، فأنت من أحلى لحظات تواجدي على بالتوك، وهكذا كانت من أمتع لحظات المتابعة عند الروّاد المؤمنبن كما أفادوني – وقرأ غيري مثلي، والبعض قرأ باللغة الإنجليزيّة أيضاً [ii]).. ها؟ أي كلمة يجدها أيٌّ من السامعين عيباً في الإصحاحين؟

 

 

   -  ألم تقرأ بنفسك؟ ثدياك أشبه بالعناقيد.. وانظر كيف انه يصعد للنخلة ليمسك بالعذوق؟

 

   + أين العيب؟ كلمة ثدي عيب؟ أم كلمة عناقيد؟ أم كلمة نخلة؟

     أكيد لا تقصد نخلة أو عناقيد.. فلا يبقى إلا كلمة ثدي.. إذاً ماذا تسمي سرطان الثدي؟ وإذا كانت الكلمة عيباً فالأعيب يكون الثدي نفسه، فأنت تعيب الخالق بهذا، وتُجَدِّف، ولا أقول بدون دراية..

 

 

   - الكلمة ليست عيباً في سياق، ولكنها عيب في سياق آخر طالما تُـبرِز المختفي بلا ضرورة..

 

   + ما الذي أبرزه السفر المقدَّس وكان مختفياً؟! J هل يمكنك إخفاء جسد المرأة؟ نعم تتحشّم وتستر جسدها شأن كافّة البشر المُحتَـرَمين، ولكن هل يمكن أن تخفيه أصلاً؟

      ثم تسأل ما هي الضرورة؟ كان لنا مُدرِّسات لعلم البيولوجيّ، فُضليات وذوات كفاءة ووقار، وكنا في تمام الاحترام والالتزام وقت الدرس، واسم غحداهنّ فيما أتذكَّر "فاطمة"! فإذا كانت لغة العلوم تسمح بكل احترام، فكم بالأولى العلم (بل الطبّ) الروحيّ؟

      إذاً فلا الكلمة تصف المختفي، ولا هي بلا ضرورة.. احتجاجك ساقط من طرفيه..

 

 

   - ليست المشكلة في كلمة يا كريستوفر، ولا تستغلّ ضعف حجة الداخلين لكي تنتصر، فالبعض يتهوّر ولا يضبط كلامه، وانتصارك عليه لا يعني انتصارك على عموم الاعتراض..

      المشكلة في الأسلوب نفسه.. في كليّته، وفي تصوير المشهد، وهو مثير للغرائز ومعيب..

 

   + على تمام العكس.. اتّهام "إثارة الغرائز" هو اتهام جدير بمجتمع بحاله يتوسّل أي شئ يثيره، والسفر يقدم العلاج لما تتهمونه به..

      وستسمع الآن مفاجأة، ألْهَتَك عنها كما ألهَت كثيرين قبلك، عملية مسح المخّ التي تجرف أفهام معاندي السفر وتعميهم عن استبصار الاتّجاه حتى يحسبون اليمين شِمال، ويفهمون من الشئ عكسه!!!

      أنت تعلم كيف في المدارس والشوارع ومكاتب العمل وفي كل تجمّع تخّض كل كلمة عاديّة جداً على محمل جنسيّ.. أنت تفهم هذا ولا أظنك ستطلب أمثلة وإلا كنت تطلب تسفيه جو النقاش في الغرفة المحترمة.. الإثارة عند من يطلبها هي التي تسعى للكلام وليس الكلام هو الذي يفعل هذا.. ما علاج المرض؟ كيف يتَـنَـقَّى الذهن من نزعته لإثارة نفسه بكلام لا يحمل أية صلة في موضوعه أو قصد قائله أو مقام قوله أصلاً بالأمور المثيرة؟ كيف يُعالَج السامع من اختلاقه وافتعاله لتلك الصلة المريضة التي لا أساس لها ليُثير نفسه بها؟

      العلاج عند سفر النشيد الذي يبرز الأصل المقدَّس للجسد، ويقرن النسخة البشريّة بأصل صورتها عند خالقها.. وهنا قابِل بين إنسان قرأ سفر النشيد وتشبّع به، وبين إنسان غريب عن معاني السفر، كلاهما يرى امرأة عابرة ولو كانت متهتّكة..

الغريب عن السفر المقدَّس ومعانيه سيفعل ما تقول أنت عليه، وتُثار غرائزه التي هي غالباً مُثارة دون حاجة لمثير!

      ولكن الإنسان الكتابيّ الممتلئ من رحيق سفر النشيد، هذا كلما رأى، وحتماً سيرى – كأي إنسان في مجتمع، امرأة فهو إما هو منشغل أصلاً عن النظر الردئ في قيمة إيمانه ومقدساته، وإما أنه لو أخطا عرضاً سيتذكَّر الصورة الكتابية التي ملأ سفر النشيد ذهنه بها، فيستدعي معها القداسة التي تليق بخليقة الرب، والحقيقة الإيمانية التي تمثلها الصورة البشرية الظاهرة..

 

      هذه مفاجأة أن ترى في سفر النشيد العلاج من الداء الذي تتهمه به، ولعلها مفاجأة أيضاً لبعض المسيحيين الذين يطولهم غسيل المخّ بقيم المتجمع الفارغة والمتزوّدة، التي تعيب الكلمات التي تذكَرهم بالعيب، وترحّب بالعيب نفسه.. ولكن المُؤَكَّد لديّ أن الإنسان السويّ غير المغرِض لن يتفاجأ بهذه الإجابة، حتى لو لم يكن مسيحيّاً أو عارفاً بالكتاب المقدس، لأنه أصلاً لا يقلق من لغة السفر، بل يجد فيها عذوبة شعريّة إنسانيّة إن لم تكن إيمانيّة..

      إذاً، فالسفر المقدس البديع يسير عكس خط الدناءة ذاك تمام العكس.. ولو كنت صادقاً في استقباح تلك الدناءة لكنتم حقيقين بالاحتفاء بالسفر، احتفاء المريض بالدواء الناجع، انظر ماذا يفعل السفر العالي؟! إنه يربط مصادر الجرح بالدواء فيجعل العلاج حاضراً ألصق ما يكون لموضع الخطر، ولا أروع من ذلك..

 

 

   ثم بعد هذه الإجابة التفصيليّة، يمكن أن أذكّرك بالشعر الصوفيّ الذي يتحدّث بكل قوة وبلاغة عن علاقة المحبّة مع الخالق..

      من ذلك هذه الأبيات:

يا نسيم الروح قولي للرشا

لم يزدني الوِردُ إلا عطشا

لي حبيبٌ حبّه بين الحشا

إن يشا يمشي على الخدِّ مشا

      أو هذه للحلّاج:

طاب السماعُ وهبّت النسماتُ

وتواجدت في حاناتها الساداتُ

سمعوا باسم حبيبهم فتهتّكوا

خلعوا العذار ودارت الكاساتُ

زاد الغرامُ بهم وفي أحشائهم

نارُ وفي أكبادهم جمراتُ

 

 

   - ما لزومه أصلاً؟ حتى مع إبطال كل الاحتجاجات! كان أي بديل له لشرح المعنى يُغنيكم عن القيل والقال من أصله..

 

   + طالما اللغة لا تعيب، وبها دواء، فما هي حجة الاستبعاد وطلب البديل؟

      وأمّا ما لزومه – هذا هو السؤال.. فإن كان المهاجمين للنشيد لا يملكون سبباً لتعييبه بالضرورة، فإن الفاهمين له، ليس فقط يملكون رداً على أي احتجاج ضدّه، بل يملكون ما يجعله لازماً، ويجعله نقصانه خسارة أصيلة.. وعدّوا معي:

 

   ^ فأبدأ أولاً بإجابتك إجابة عقيبا (والصياغة منِّي): "كل أسفار الكتاب مقدسة، ولكن النشيد هو قدس أقداسها".. فهل قدس الأقداس لا يكون لازماً بين الأقداس؟ فللسِفر لزوم كتابيّ.. قد تقول إن كلام عقيبا هو نفسه محلّ الاعتراض من جانبك، ولا يثبت الشئ نفسه، ولكن مهلاً.. فبقيّة "اللزومات" القاطعة ستثبت وتشرح قول عقيبا، فيُحسَب معنا سبباً للزوم السِفر بالضرورة المُلزمة.. إن إجابة عقيبا البديعة تضع عينَ ذهنِ السامع إلى موضع اللزوم الأكبر، فقدس الاقداس هو محل حلول الرب، ولا يكتمل إعلان الكتاب المقدس لأقداس علاقة الإنسان بخالقه إلا بإعلان قُد

س أقداسها، وهو علاقة الزيجة الروحيّة بين المسيح والكنيسة (وبين النفس البشريّة المؤمنة ضمناً).. وهذا يقود لعرض اللزوم من الناحية الإلهيّة..

   ^^ فإن اللـه محبة، ولذته مع بني آدم، وقد خلقه "في أحسن تقويم"، أفلا يلزم تعبيره عن غاية ومعاني رموزه، بل بالأحرى تصويره؟ (التصوير أقوى من الترميز في الوضوح والارتباط) هل يصنع الرب الإله شيئاً على صورته، ثم يُغفِل إظهار أحد جوانب تلك الصورة، التي هي علاقة المحبّة الزيجيّة التي تصوّر جسديّاً علاقة المحبة بين المسيح والكنيسة روحيّاً؟ للسِفر لزوم إلهيّ فوق كل شئ إذاً..

   ^^^ وبما أن العلاقة الفائقة المعنيّة تربط الرب بالإنسان، فيلزم للإنسان أن يسمع بإعلان الرب عن ذلك بلغة توافق المقام، وأين يسمع ذلك إلا في كتاب مُوحَى به وقانونيّ؟ ومنه يتعلَّم المعنى بذات لغته، فللسِفْر لزوم تعليميّ للإنسان عن نظرة الرب له وحكمة خلقه على صورته.. فماذا إذاً؟ هل حذف جزء من جوانب الصورة التي خلق الخالق الإنسان عليها لكي يُؤهَّل للاتحاد به لا يلزم إثباتها كاملةً؟ بل يلزم كل اللزوم..

   ^^^^ من الناحية العملية: أليس علاج انحراف استعمال الإنسان لخليقة الرب هو أمر لازم؟ فكيف يُعالَج انحراف نظر الإنسان بشهوة رديئة خاطفة للجسد البشريّ الذي يحمل إعلاناً في عالم المادّة لمقاصد الرب الروحيّة؟ سبق توضيح ذلك  النقاش، ولم يجادل احد، فالآن أزيد وأقول أليس علاج ذلك لازماً؟ وليس فقط "غير خطا"؟ ولن تجد لعلاج النشيد بديلاً، فالوعظ العموميّ لا يحوِّل نظر الإنسان، ولا يعزله عن رؤية الناس وعن سوء النظر إليهم.. العلاج الأقوى تأثيراً هو ترسيخ المعنى الروحيّ الأصليّ لذات ما يراه الإنسان حوله في حياته الخاصّة والعامّة.. فكلّما نر لأي جسد، وكان تلميذاً حقيقيّاً للكتاب المقدس، سيتذكَّر الشرح الإلهيّ، وليس فقط ينجو من عثرات النظر، بل يرتفع إلى العلاء ذهنه وقلبه.. ليس بديل لذلك إلا لو كانت المُسكِّنات بديلاً للعمليّة الجراحيّة داخل المخّ المُصاب..

   ^^^^^ ثم ماذا كان لزوم السِفر لدى توفيق الحكيم حين جفت منابع إبداعه وقت الحرب؟ أو لدى رينان عدو الكتاب المقدس؟ وكلاهما (الأول غير مسيحيّ، والثاني معادي بشراسة للإيمان المسيحيّ) أصحاب اعتزاز بإبداعهما الشخصيّ، ولكنهما مع سِفر النشيد تحولاً لتجربة تفسيره، مع فصول من المديح غير المُنتَظَر من مثليهما.. وكانت النتيجة مع توفيق الحكيم عجيبة.. إذ عندما فكَّر في إعادة كتابة النشيد انتهى بان نقله تقريباً بنصّه كما هو، مع لمسات تفسيريّة لتقريب المعنى كما فهمه للغة عصره!!! وليس هذا استشهاد بمنطق أدباء وفلاسفة ولكن رصد لالتزامهم هم بقيمة المكتوب في الكتاب وهم أرباب تلك الصنعة لا يحيلون إبداعهم لمصدر غير صديق (مع توفيق الحكيم) أو عدو (مع رينان)!!

   كمل لزوم في ذلك؟ وكم مُقاربة تثبت اللزوم في ذلك؟ J

 

   ثابت أن هذا النشيد لازم إلهيّاً وإنسانيّاً.. ثيولوجيّاً وأدبيّاً.. وتعليميّاً على كل وجه.. وأنه يسير عكس اتجاه اتّهامه، فينقل الإنسان من تشويه مقدَّسات خليقة الرب بشهوة رديئة إلى رؤية الأصول الإلهيّة في إبداعها، ولغة السِفر لازمة لعرض هذا الشرح الذي بدونها لا يجد شرحاً بذات القوّة التأثيريّة المُذَكِّرة والرادّة للذهن عن انحرافه بغاية الخليقة لدى خالقها، ومُحوّلة له من النظر الفاسد إلى إدراك الفهم العميق..

   وعدم رؤية هذا اللزوم من أي من هذه الجوانب العظمى تفيد أمراً واحداً وحيداً، وهو أن العاجز عن الرؤية يستقبح في سريرته علاقة الزواج الطاهرة، مهما صاغ شعراً ودبّج خطباً في كرامة الزواج وتكريم المرأة..

 

 

 

التفسير التصويريّ! [iii]

جولة فحص وتصحيح للتفسير بين أخطاء متضاربة [iv]

 

 

   (For English counterpart of the following paragraphs on what I call “Imagery Exegesis” see this link)

   (قبل معاودة عرض الأسئلة والأجوبة، أسبق فأستعير الفقرات التالية من كلمة التقديم التي بدأتُ بها تلخيص النظر للنشيد قبل فتح باب المُناقَشَة.. وفيها سأختصر قَدْر الإمكان تفصيل معنى وأبعاد "التفسير التصويريّ" (التسمية من عندي) لأنه موضوع مبدئيّ لن تكفيه فقرات تقديم لحوار عن تفسير النشيد، وإنما كان عرضه المختصر هنا لتطبيقه على تفسير السِفْر، ويلزمه مقال خصوصيّ أرجو إتمامه وعرضه مع تحميل هذا الملفّ)

 

   التفاسير الرائجة لسِفْر النشيد تنقسم في العوم لناحيتين، يمكن وضعهما تحت عنوانين رئيسين: "تفسير رمزيّ" و"تفسير تاريخيّ".. وكلاهما ضد التفسير الرمزيّ في الواقع! فالذين يقيمون التفسير التاريخيّ (أن النشيد يعبِّر عن قصة حب حصلت فعلاً لسليمان) يزيدون فيرفضون إمكانيّة المعنى الرمزيّ! ثم حتّى الذين يرفعون عنوان "التفسير الرمزيّ" ينحرفون عنه في واقع ما يلقِّنون ويتلقَّنون ويكرّرون من مادة تفسيريّة!! وسيظهر شرح ذاك وهذا بتفصيله في الحوار..

   وكلا الفريقين لا يخلو أكثرهم من الشعور بالحرَج القائم على فقدان خط سير الإعلان الكتابيّ عن علاقة الرب بخليقته البشريّة.. فأصحاب "التفسير التاريخيّ" (أي الذي ينظر للنشيد على أنه يفسّر علاقة محبّة وقعت فعلاً لسليمان) فهم يستكثرون الرمز على السِفر حرجاً أيضاً من إلصاق تعابير الحب المذكورة فيه بلسان الرب! بينما حتى أصحاب التفسير الرمزيّ يشعرون بالحرج من ناحية أٌخرى، وهي ضمّ الكتاب المقدس لنشيد حب جسديّ، فينزعون للتشبث بكلمة "رمز" بما لا يخفى من التوتَّر، لكي ينزّهوا الكتاب من احتوائه لأيّة مفردات جسديّة في المحبّة، وطالما يختطفون أيّة كلمة يظنّوها تسعفهم ويتسائلون مُستنكرين: "هل تقول يقول الجل المُحبّ ذلك لامرأته؟" وينسون أنه لو لم يكن الكلام يُقال فعلاً فإن "الرمز" يكون قد سقط من السِفر لأن الرمز هنا يتطلَّب كلاماً يُقال فعلاً ليُرمَز به!!

 

   وأما أنا، فلا أقول "رمزيّ" فحسب، بل أزيد فأقول "تصويريّ" لأن التصوير أقوى في التعبير من عموم مفهوم الرمز.. وأجد دعماً في "البدء" لصحّة كلمة "تصوير" لا مجرد رمز، فالإنسان مخلوق على "صورة" الرب، والمسيح "يتصوّر" في مختاريه، وعلى ذلك، فعلاقة الحب الزيجيّ المغروسة فيه، هي جانب "الصورة" التي تعلن محبة المسيح للكنيسة في الأصل الإلهيّ للصورة (مثلما أن ظاهر صورة الحب الأبويّ يعلن على مستوى الإنسان علاقة حب الآب لآدم وبنيه من حيث هو أبوهم الأصليّ، وأن علاقة الحب البَـنَـوِيّ هي النسخة الإنسانية التي خلقها الـله لمماثَلَة محبة الابن للآب، وهكذا)..

      وغياب هذا المعنى المبدئيّ يُسبِّب أخطاءً فادحة في التفسير بل وفي شرح الإيمان، عندما يقولون مثلاً إن كلمة "الابن" هي مجرد استعارة لتقريب المعنى من لغة البشر، وأنه للأسف لم تُوجَد كلمة أُخرى بسبب عجز اللغة البشريّة.. والصحيح أن البنوّة أصلها في الرب الإله وعلى صورته نالها الإنسان منه، ففي هذه النقطة العُظمى فإن الإنسان هو المُشبَّه بالرب وليس الرب هو الذي يُشبِّه نفسه بالإنسان! بالمثل في النشيد، فإن الحب الزيجيّ لدى الإنسان هو الجانب من الصورة الذي يمثِّل محبة المسيح للكنيسة ظاهرةً في الإنسان المخلوق على صورة خالقه..

 

      إن هذا المفهوم "التفسير التصويريّ" (كما أسميه) هو حقّ كتابيّ إنجيليّ رئيس ظهر منذ البدء (تك1: 26)، ثم أعلاهُ الإنجيل لمستوى آدم الثاني الرب من السماء (يو1: 13، 1كو15: 48)، وتطبيقه في التفسير ليس إذاً اختراعاً ولا حتى اكتشاف، وإنما هو مجرّد وضع خط من جانبي على ما غفلت عنه أجيال كثيرة، وغيابه هو الذي سلب التفاسير الرائجة لسِفْر النشيد رُشدها فتاهت:

      & وتعطَّل بعضُها فاقتصر على قبول "التفسير التاريخيّ" لظن أصحابه بعدم الحاجة للالتزام بقبول التفسير الرمزيّ، ولو وعوا أن الرمز هنا ليس كغيره من الرموز وأنه عنصر إيمان كتابيّ أصيل لاقتصر جهدهم على إثبات أنه لا مانع من أن يكون للجانب الواقعيّ نصيب في التفسير وليس انه هو التفسير الوحيد..

     & بينما غابت قوّة التنبيه لعناصر الرمز عن البعض الآخر حتى ساروا عكس اتجاه مقصدهم، إذ فيما قصدوا إثبات الرمز فإنهم حكموا بإبطال أول عناصره وهو شمول لغة الترميز ورسمها من مفردات لغة الجانب المرموز به، ولم ينتبهوا لسذاجة ذلك، ولكن لو كانوا يعون أنه ليس مجرد رمز لانتبهوا إلى إسقاطهم للرمز كليّةً في تفسيرهم فيما هم يرفعونه كشعار في العنوان..

   إذاً فلا أقول فقط بأن النشيد لا يُفهَم بغير التفسير الرمزيّ، بل أقول إن الرمز هنا ليس رمزاً شيئيّاً، بل رمز في شخص حيّ يحمل صورة خالقه، وليس رمزاً لا علاقة له بالمرموز إليه أكثر من التشابه الشكليّ أو الارتباط التذكاريّ، ولكنه رمز هو "صورة" الأصل ذاته! ولا رمز أقوى من ذلك موضوعيّاً وشخصيّاً.. ولولا شيوع كلمة "رمز" في وصف هذا النوع من التفسير، لما استرحت لتخفيض قوّة التفسير التصويريّ إلى درجة "الرمز" الذي به عموميّة تجمع ما هو أضعف ارتباطاً من الرموز بالمرموز إليه بها..

 

   وإنما فقط بفهم الرمز في النشيد بهذا التخصيص القويّ، أنه يتكلَّم في واقع إنسانيّ حقيقيّ ولكنه واقع يطلب أصله ويهفو لإظهار الصورة التي تصوّر عليها منذ البدء أي صورة ومثال محبة المسيح للكنيسة، فقط بهذا الفهم أقول، فإن "التفسير الرمزيّ" ينضبط" و"التفسير التاريخيّ" يكتمل، ويتصالح الجميع..

   إذاً خذوا التفسير بخط السير الكتابيّ الصحيح فيظهر أنه بسيط جداً، وتُزاح بذات البساطة كل عوامل اللَـبْـس النظريّ والحرج الشعوريّ جميعاً، ويبقى التفسير السليم وحده ليفتح للقارئ جنّة الكتاب المقدس المُغلَقَة وعينه المقفولة وينبوعه المختوم، نشيد الأناشيد أُعني، وماذا غيره..

 

   وسيظهر شرح وتفصيل تطبيق هذا التفسير على النشيد في التجميع التالي للفقرات الرئيسة من واقع الحوار الطويل، وما ماثله من حوارات مجتزئة في أكثر من مُناسبة:

 

 

    * لماذا التشبث بأن السفر رمزيّ؟ ما العيب في أن يتكلَّم عن علاقة عاطفيّة عفيفة؟  هذا منهج معترف به في مدارس تفسيريّة كبرى، ولكن الشرقيون عندهم "تابـُـو" نفسيّ يثير التوتّر لديهم ويحول دون قبول ذلك [v]..

 

   + لو كان مجرَّد علاقة عاطفيّة، لا ترمز بل تصوِّر ما هو أعظم، وفي الدائرة الإلهيّة، فما جدواه في الكتاب المقدس؟ هذه أول ملاحظة منطقيّة إيجابيّة..

      ثم بمنطق الترجيح من خلال السياق العام، فهل إذا وجدت كتاباً (أُعنِي النشيد) يتكلّم من أوله لآخره على علاقة زيجة روحيّة بين الرب وشعبه في العموم، وبين الرب وكل نفس من النفوس المؤمنة خصيصاً، وكان هذا خطّاً مُمتَداً بطول الكتاب وعرضه، ثم رأيت في قلب هذا الكتاب سفراً تتركز فيه أوصاف ومفردات هذه العلاقة، فهل يُحال على أنه سفر شاذّ يتكلّم عن علاقة شخصيّة تخصّ سليمان؟ أم يكون تأويله المتَّفِق مع كل سياق الكتاب أنه تكثيف وبعد ثالث للمعنى الممتد طولاً وعرضاً، ليزيد الطول والعرض عمقاً؟

 

 

   * هل هذا يُعني أن شولَمِّيث ليست شخصيّة حقيقيّة بالضرورة في تقديرك أم ماذا؟

 

   + لا فارق من حيث النتيجة.. سأعطي تشبيهاً "منّه فيه" لذلك.. إن كانت شولَمِّيث شخصيّة حقيقيّة، فيكون السِفر كحال الرجل المؤمن الروحيّ المتزوِّج أو الخاطِب الذي يطلب في زواجه تحقيق وتصوير علاقة الرب بالكنيسة.. وإن كان السِفر يتكلَّم عن شخصيّة معنويّة، فهو البتول الذي يرتفع مباشرَةً لمستوى علاقة الحب الروحيّ مع الرب دون اتّكاء على الظاهر الجسديّ كحال غيره من عموم البشر..

      ولكن لا مشاكل عندي مع الاحتمال الأول، ويصحّ أن تكون شولَمِّيث امرأة حقيقيّة، بل أميل إلى تقدير أنها كذلك، مع احتمال أن يكون اسمها الحقيقيّ قد أُخفي في النشيد لتظهر باسم شولَمِّيث (مؤنَّث سليمان)، وفي هذا اعتبار مزيد في تأكيد المعنى الروحيّ للنشيد مع كونه قائماً على تصوير جسديّ ظاهر..

 

 

   * (انطلقت هنا على المايك والتكست حجج التفاسير المعتادة، والمبلوعة بغير فحص، مثل:

   هل هناك إمرأة’ تقبل أن يدعوها زوجها بأنها مُرهِـبَـة كجيش؟

   أو فتاة ترضى أن يشبـِّهها حبيبـُها بأنها مثل الحصان؟

   أو هل تدعو رفيقاتها لكي ينظرن جمال حبيبها؟

   أو أن يجذبها حبيبها فتجري هي وصاحباتها خلف؟ )[vi]

 

   + لا تزالون للأسف على طرفي النقيض من المعنى الصحيح..

   & هل يمكن أن يشبّه الحبيب حبيبته بالفرس؟ تسألون بلغة مُلقّنة ملؤها التوتّر، وكأنما تحجّزون على أذهانكم دون مواجهة اعتراضات الخبرات الإنسانيّة المعروفة!!! نعم يمكن للحبيب أن يشبّه حبيبته بالحصان- طالما كانت العلاقة عفيفة.. ألم تسمعوا عن تشبيه المرأة بالمهرة قطّ؟

   && ويمكن له أن يشبها بجيش مُرهِب، وهذا قمة العفة المُقتَرِنة بقمة العاطفة المشبوبة أيضاً.. ألا يعرف أولئك المفسرين القول الشائع: "امرأة بمائة رجل أو بألف رجل؟ هل أبلغهم واحد أن هناك امرأة حزنت من هذا التشبيه؟ هل يخلطون بين أن تُشِبَّه المرأة بالرجل في سياق ساخر منها، وبين أن تُشَبَّه بجيش من الرجال في سياق المحبة؟ هل قرئوا شعراً أو سمعوا حديثاً من هذا الفن من الأدب؟ أم كيف يفسرون؟

   &&& ونعم صحيح لا يمكن للحبيبة أن تدعو صاحباتها لرؤية جمال الحبيب، لا يمكن هذا لأنه يلزم! فإن لم يكن لأولئك المفسرين خبرة بهذه المشاعر،ولم يسألوا الفتيات، فلماذا يكلفون أنفسهم بالمُجاوَبَة والتفسير؟

   &&&& وأما الجملة القائلة: "اجذبني ورائك فنجري" فلا تعني أنها تجري مع صاحباتها، وضمير الجمع يعود عليها هي وفتاها: اجذبني أنت وراءك فنجري أنا وأنت.. هكذا يستقيم النصّ، وأما حشر صاحباتها في هذه الجملة فهو من باب التوهّم الناتج عن الغرض المسبق في التفسير، والذي يجعل الجملة ركيكة التعبير لو كان هذا هو مقصدها.. وحتى لو تنازلنا عن الضبط اللغويّ، وقبلنا هذا القصد، فإن الصورة الناتجة لا تجافي الصورة الواقعية لعلاقة الحب العفيف، وليس بعيداً صورة العروس في يد عريسها والوصيفات خلفهنّ، ولا مثل العذارى العشر الذي يصوِّر طبيعة احتفالات الأعراس وقتها..

   ثم لو كان من يفسرون لهم عذرهم في عدم المعرفة بلغة الرمز (وإن لم تكن لهم الحجة في القيام بالتفسير مع عدم المعرفة)، فما هي حجة من يتلقّفون التفسير ويكررونه، وهم وإن كانوا بلا معرفة في التفسير، ولكن لهم معرفة على الأقل في بعض جوانب لغة الرمز؟

   فكيف يفسر المفسرون وكيف يقتنع المكرِّرون؟ راجعوا أنفسكم، وارفعوا أيديكم عن النشيد لحين ما تتقنون لغة الرمز ولغة المرموز وأصول التفسير في سياق الكتاب المقدس المُحكَم..

 

 

   * لماذا تُـنكِـر أنه رمزيّ؟

 

   + أنتم من تنكرون أنه كذلك بقوّة محتوى كلامكم.. وأنا أقبله وأثبته وأزيد عليه أنه ليس مجرّد رمز بل تصويريّ (يحمل صورة علاقة المسيح بالكنيسة بلغة الإنسان المخلوق على صورة اللـه).. هو صورة جسديّة للمعنى الروحيّ، و"الصورة" أقوى من مجرّد الرمز في تخصيص المرموز إليه وتعيينه والارتباط الشخصيّ والموضوعيّ به..

      أنتم تثبتون أنه رمزيّ بالعنوان فقط ولكن محتوى ما تكرّرون يناقض العنوان.. وشخصي المتواضع يقول إنه رمزيّ وأكثر من رمزيّ: تصويريّ، ويقول ويراعي توافق محتوى كلامه مع عنوانه، ويسعى لإثباته كتابيّاً ولغويّاً وأدبيّاً..

 

 

   * كيف نحن من ننكر ونحن من نقول إنه بغير قصد جسديّ بينما أنت تكلَّم عن تطابقه مع اللغة الجسديّة وتظن أنك انت من تُبِت أنه رمزيّ؟

 

   + أنتم تنكرون أنه رمزيّ لأنكم تنكرون القصد الجسديّ فيه! وتتعبون في إثبات أنه غير رمزي أيضاً بأسئلتكم التي تقود إجابتها لعكس قصدها..

      وأنا أثبت ذلك لأني أثبت له المستوى الجسديّ بالحقيقة وبما يوافق لغته وحقائق الواقع..

 

 

    * سفر النشيد رمزيّ لا يتكلم عن علاقة جسديّة [vii]..

 

   + عبارتك تجمع نقيضين!

      إن كان السفر رمزيّاً، وهذا ما أقوله وأقول أقوى منه أنه تصويريّ كما شرحتُ، فكيف لا يكون جسديّاً؟ أين الرمز إن اختفى عنصر الجسد من اللغة؟

      إزالة اللبس ببعض الشرح المتأنّي مهم جداً هنا لقوة رسوخ اللبس في الأذهان من كثرة التشبث بالمُلقَّـنات المدفوع بالشعور بالحرج: فتابع معي بتركيز:

      @ السفر رمزيّ.. أنا أقول هذا بكل وضوح.. متفقين..

      @@ والآن، فما هي عناصر الأسلوب الرمزيّ؟ رامز، ومرموز إليه، وشفرة الرمز التي تحمل   أو لنسمها لغة الترميز التي تمثِّل الشئ في "المرموز إليه" بشئ مماثل في "الرمز"..

      @@@ ولكي يصح التفسير للنص الرمزيّ، فينبغي للمفسر أن يدرك كلا الناحيتين: ناحية الرامز وناحية المرموز إليه، قبل أن يضطلع بتفسير اللغة الرامزة الواصلة بينهما.. ...

 

 

   *... صحيح، فما الجديد؟

 

   + الجديد عليكم هو هذا السؤال:

      @@@@ ما هو الرامز هنا؟ أليست علاقة عاطفيّة جسديّة ظاهرة الألفاظ؟

      إذاً فكل يُقرّ أن السفر رمزيّ، ثم يخترع تفاسير ينكر بها البعد العاطفيّ الجسديّ في السفر إنما هو ينكر أنه رمزيّ دون أن يدري.. يصل لعكس ما بدأ به.. والسبب بكل وضوح أنه بدأ بالقول إن السفر رمزيّ لمجرد شعوره بالحرج ومحاولته لإخفاء البعد الجسديّ في اللغة الرمزيّة، فاستسهل القول أنه رمزيّ دون أن يتفحص معنى الكلمة، ولأنه بدأ بغير دراية فقد انتهى لإنكار ما بدأ به..

      لقد زاد مثل هؤلاء المفسرون فأظهروا عدم فهمهم للأدب العاطفيّ العفيف.. أو لعلهم تعاموا عن ذلك لإمعان الحرج فيهم..

      كأنّهم يترجمون من الصينيّة إلى الإنجليزيّة، وهم يتكلمون الإنجليزية بدرجة متوسّطة، ولا يعرفون اللغة الصينيّة أصلاً، ثم هم لا يجيدون فن الترجمة ذاتها.. هذا هو مستوى تلك التفاسير!

 

 

   * !!! هذا يقود لعدم الثقة في كل المفسِّرين الكبار L

  

   + الكبير، في التفسير، يلزمه أن يكون صاحب خبرة كبيرة في لغة الرمز، ومثلها في حقائق المرموز إليه، حتى يكون كبيراً بحقّ في التفسير..

      وواضح قطعاً مما سبق، أن التفاسير الرائجة التي ينطلق الجمهور المنقاد منها، ويكررونها بغير وعي، تلك التفاسير تدل أن المفسِّرين الكبار الذين كتبوها أو اعتمدوها ليسوا ذوي خبرة لا في الرمز ولا في المرموز، وعلي، وبكل وضوح، فهم كبار، ولكن في الرتب أو في الشهرة، ولكنهم ليسكوا كباراً في التفسير..

      وبكلّ صراحة لازمة: من يشعر بالحرج من السفر فليرفع يده عنه ولا يُكلِّف نفسه عناء تفسيره!

 

 

 * فهمت قصدك ولكن بعد صعوبة في التركيز فهو مُخالِف للمألوف [viii]..

  

   + المُسبِّب ليس صعوبة كلامي.. فأنا لم أقل أكثر من عناصر التفسير الرمزيّ، ولم أقم بأكثر من إجابة الأسئلة "التهويليّة" لتلك التفاسير الرائجة من نوع: هل يمكن وهل يجوز؟ ومع كل إجابة أقدِّم مثلاً معروفاً من واقع الحال واللغة اليوميّة J

 

 

 * الصعوبة من كثرة التكرار ومن عدم الرغبة في المُراجَعَة لما قلتّه من أسباب.. ولكن لا أتوقَّع أن يفهم ذلك كثيرون إن أعطوا فرصة لمحاولة الفهم أصلاً.. أرجو تواجدك كثيراً هنا لشرح السفر..

 

+ النشيد له في عُهدَتي تفسير وتأمّل شامل إن أذِن الرب بالوقت والطاقة [ix]..





روابط مُتَعلِّقة

نسخة "وينوِرد" الأصليّة لهذا المقال مع مجموعات لحوارات مماثلة
ارفعوا ايديكم عن سِفْر النشيد - نُسخة احتياطيّة لتعليق فوريّ على فيسبوك




 

 

 

Supplement-- Briefing Dialog

 

   * sounds like you did an impressive job. The symbolic interpretation and the rest of the story, you know!

 

   + Actually I tried to fix what people thinks symbolic and to deepen the meaning of “symbol” itself.

 

 

   * Please either you convince me of what you were arguing about, but without repeating the common arguments. I really find the language of the book of ‘The Song of Songs’ shocking. If you are gonna deny that, so relieve yourself of the job. [x]

 

   + Let me not deny anything, but prove everything I state. Let you do the same. You find it shocking. It is true that YOU find it so, but it is not in itself. The problem lies in the hypocritical social concepts but not in the Song of songs, and hence the shock you suffer from.

      The body is not shocking. It is not estranged to God, but rather holy, even created to embody and physically realize the very spirit that you falsely consider holy alone. So, body is connected to the image of God through the spirit which in turn is created after the image of God.

 

 

   * Ok with that. Why then does the book use the private parts of women for expressing the meaning?

 

   + Because it is a private talk, the most ever private one, the innermost relationship between the Lord and his elect church, as well as every individual staunch soul which represents a church upon its own.

 

 

   * Being private, it should not have gone public even as public as a holy scripture!

 

   + It is publicizing the private. It is private in the sense of actual enjoyment, but public as it is common spiritual and ethical doctrine, much the way you get taught in public the therapy of private parts in gynecology and andrology sessions, but you practice the actual remedy in private.

 

 

   * Yet, it is embarrassing. Could not the spiritual meaning be delivered in a milder language?

 

   + It is embarrassing for those who do not grasp it. Also, many basic Christian doctrines (e. g. Trinity, Incarnation) are embarrassing to weakling Christians who live in Izlam dominated countries. Just because some people get embarrassed does not mean you do.

 

 

   * Take it from the other point of view. At least it gives the unbelievers a point over the bible, and prevents them from believing.

 

   + No points whatever are made over the bible. Let us reason your argument:

      Had the Song of Songs been not there, would the stubborn unbelievers have believed?

 

   * I suspect no.

 

   + Correct. For they try to find a fault regardless of the meaning. They attack on a purpose in advance.

      Now, let us turn to the positive side. Did the Song of Songs prevent the converts from converting to Christianity?

 

 

   * Again, no. They abound everywhere.

 

   + Very well. So, the non-existence of it does not bring good nor does it prevent harm. On the contrary, its existence does not prevent good (but rather add up to it), nor does it bring harm.

      The clearance of this simple calculation is that we lose ‘The Song of Songs’ and we gain no benefit, only to lose the precious value of it in order to appease the tendentious.

 

 

   * !!!.. I testify I could not be easily convinced. But now I am..

 

   + I would like also to brief one basic and major concept that awfully suffers from being glossed over. I call it imagery exegesis. The Song of Songs is one prominent case of this concept at full work. The root of this concept is based upon this early scripture: “Let us make man in Our image after Our likeness” (Gen1: 28).. So man can and should make a pictorial representation of the original image he is created in. He is, per se, a symbol upon his own! But this case of symbolism is very special. It is a picture of the origin that it symbolizes. Very pegged symbol it is then, with strong bonds to the origin both objectively and subjectively.

         You remember in the beginning of my answer I told you that the term ‘Symbolic Exegesis’ in few cases needs a bit of genuine understanding as well as the blind assuming of it in many exegetical works needs fixation. The cases I meant is when man appears to realize bodily the spiritual image of God after which he is created, or (pay attention here), when God describes Himself by terms of the original copy of the image (that is His own). Here, the common exegetical works, especially in the Coptic library, resort to saying blindly, that is symbolic. They slip automatically into this fatal mistake as saying God uses the limited human language in order that man understands! God, in that twisted understanding, likens Himself to man, while the correct concept is that it is man who is on the side of being likened as he was created in the first place after the likeness of God.

      Let us see the concept at work. When Christ is called Son of God, it is not that God fails to find a fitting expression in the “limited” human languages, but rather it is because the meaning of fatherhood and sonhood is originated in God Himself. Man can be father to his own sons and son to his own father just because he is created after the image of God who is Father, Son and Holy Spirit.    It is then clear that those who think that God likens Himself, in this very principal expression, to man— it is clear that understand the usage reversely as if God likened Himself to man while it is the other way round! In the same manner, and on the side of man, when man talks prophetically on a genuine lover relationship, the talk is not mere carnal, for the body itself is united with a spirit to conform a human being created after the image of god. Here, the matrimonial kind of love is the side of the image that reflects the relationship between the Son of god and the church!!! I am not here inventing nor even exploring for St. Paul has volumes about this meaning. I am only underline what many, for sorrow, are blinded to.

      Now you are in a well prepared position to remark this series: God created the human spirit after His image. Then He made it present in human body and work in a universe of materialistic nature. The human body that bears the spirit is a materialistic translation of the spirit. It is, somewhat, after the image of the spirit, or so it is meant to be subdued. In such a serial succession, human body bears the image of God and purposed to realize it and show it in the materialistic world.

      True, Adam and his sons failed to do the job, but when the second Adam, i.e. only begotten Son of God, appeared in flesh He accomplished it.

      Now, man has a body. It can spiritually live in different levels, all are spiritual. He can be married or celibate. If celibate, he goes more directly to communicate with spirit setting aside some bodily affairs. But if married, he can be still spiritual as translating and practicing the spiritual meaning in body talk and vocabulary.

      By all means, One cannot ignore the fact that his residence in body is a dwelling in a holy residence meant to reflect the original image, that is god’s one, who he is created after.

 

 

 

   * So Shulamite was not a real person? Or was she?

 

   + All the same. If she is entirely a figurative character, then the book is like a celibate man expressing his love toward the Lord. If Shulamite, however, is a real person, then Solomon here writes like a married man finding out the purposeful meaning of Christ’s love toward the church as it is reflected in an apparent simple human love story! I told you that both are spiritual if they pay attention to the final God-side destination.

 

 

 

 



[i] The discussion on the canonicity of “the Song of Songs” is mentioned in “Mishnah, Sixth Division, Yadayim 3.5; Translated by Herbert Darby, Oxford University Press, pages 781-2”; Cf. on Akiva: Ibid, Ned. 50a” and, Ket. 62b.

 

[ii]   قرأت Radoubi الإصحاح السابع بلغة إنجليزيّة بالغة البراعة في الإلقاء، وكان بيبو (أحد الذين يلقبّهم أصحابهم في المناقشة بلقب "شيخ" – وهو للأسف من غير ذوي الأدب والرصانة) يتحدّى سماع السِفْر مقروءاً، متمحّكاً في "المطالبة بإثبات المصداقيّة"، ولما أفلت الأمر منه خرج عن الموضوع لما لا يليق بغير منطق فأعفّ عن تفصيله وأسجِّل فقط ما ثبت من أسئلة وردود..

 

[iii]  "التفسير التصويريّ" معنى غاب استحضاره والغوص في أعماقه في أدقّ التفاسير التي تتطلّبه، رغم أن مبدأ فكرته معروفة لأنه يقوم على كون الإنسان مخلوق على صورة الـله.. يستحقّ المعنى مقالاً مُخصّصاً مُفصَّلاً، على إن في هذا المقال تلخيص له في الفقرة التالية من المتن، ومثلها في نهاية الحوار الذي دار باللغة الإنجليزيّة، فرغم اكتفاء طالبة السؤال واقتناعها مبكراً، فإنني تعَمَّدتُ إضافة شرحه لقيمته وخطورته..

 

[iv]  أفكار هذا الجزء مُسَجَّلة باستفاضة وتوثيق في كتيّب "ارفعوا أيديكم عن سفر النشيد" من مجلَّد "أخطاء شائعة"..

 

[v]  كانت هذه مُداخَلة Timothy_Abraham، ولما وجد صوته خافتاً وحيداً بين انهيال تكرار التفاسير المعتادة، فقد ناقش في نافذة خاصّة معي جزءً منه، ولم نصل لتمام الاتّفاق، واستكملت عرض التفسير في الساحة الرئيسة من لغرفة كما في متن هذا المقال..

 

[vi]  هذا الجزء هو الأكثر فنيّة في تصحيح التفاسير والأجدر بالالتفات بقدر رواج التفاسير التي انطلقت في الكنيسة، ولا داعي لمتابعة أول من أدخلها ومن نقل عنه حتى صارت أمراً واقعاً، وفي جولة لاحقة كتبته تلقاءً في عجالة على صفحة أحد النشطين في العمل الكنسيّ، وعرضته في صفحة Coptic Youth 4 Holy Book ،  (FB Group)، ثم بعد إغلاق فيسبوك لتطبيق لوحات النقاش حمَّلتُ النسخة الاحتياطيّة على الموقع هنا-- بعنوان "ارفعوا أيديكم عن سِفْر النشيد"..

 

[vii]  هذه العبارة المُـتَـكَـرِّرة، ورغم الشرح، تأتي من كثيرين بسبب التلقين المعتاد، ولكن أتذكَّر في هذا الحوار عينه أن أشدّ من كرَّرها بقوّة كان renoh..

 

[viii]  هذا الجزء من الحوار دار مع أحد الكهنة و"أمين" خدمة شباب..

 

[ix]  حين يأْذَنُ الرب بإتمام العمل، فسيكون موضعه هنا باللغة العربيّة، وهنا باللغة الإنجليزيّة..

 

[x]  هذا المقطع دار مع Echo_of_Truth، وهي طبيبة من رواد الغرفة، ولحقت بالأطراف الأخيرة من الحوار، ودار الحديث بيننا بعدها بالإنجليزية، وبسبب انتظامه ووقوعه في جو هادئ مُرَكَّز، فقد خرج من أنجح الحوارات وخلاها من شوائب التشويش، فسجلته بعدها مكتوباً هنا بنسبة 100% تقريباً من محتواه..

 






Site Gate  Main Table of Contents  Answering  Distinguished Dialogs  Majors  Criticism and corrections.htm  Exegetical Technicalities  Sign Guest Book