Protestant, 'Orthodox' and Bible
holding a Round-Table Discussion

 

البروتستانت و"الأرثوذكس" والكتاب المقدس


على مائدة الحوار المستديرة

 

 

 

فصول هذا الكُتَيِّب عرضتُ واحداً بعد الآخر في وقت بدء ضربات المرض على الفيس بوك..

ولاقى الموضوع ترحيباً مرضياً، وهذا رابطه التذكاريّ قبل إلغاء فيسبوك لنظام لوحات النقاش:

http://www.facebook.com/topic.php?uid=167605712823&topic=14860[1]

 

احتفاظي بنسخ احتياطية بشكل فوريّ حفظ لوحة النقاش حتى عرضتها على موقع كوبتك يوث

وهذا رابط النسخة الاحتياطية المحفوظة:

http://www.copticyouth4holybook.net/fbgrp_roundtable.htm

 

وبعدها جمعت كل البوستات في ملف RTF  مزود بروابط داخلية

ومع الشروع في تصميم هذه الصفحةللموضوع قمت بتحميله بالمرّة، وهذا رابط له:

http://www.mediafire.com/file/m4izpkjn4v91jlc/roundtable.rtf/file

 

 

 

 

 

Early DRAFT المقال تجميع لثلاث درافتات ينتظر تنسيق الاسلوب واختصار الجحم وحذف التكرار Early Draft

 

 

 

فهرس ("هايبرلنكد"):

 

هذا الموضوع

تمهيد نفسي ذهني

 

الإفخارستيا

شفاعة المنتقلين

الشفاعة عموماً

أمثلة الإيمان والأعمال

خلاص المؤمن "حتماً"؟!

الاعتراف للكاهن

المعمودية المُخلِّصة

الأيقونات

نزول المسيح للجحيم

لا تدعوا لكم أباً ولا معلماً

قصد الاختيار الإلهيّ

 

ختام

 

 

هذا الموضوع

 

(أبدأ بالاعتذار بعذر أحسبه مقبولاً أن هذه الكتابة تجري في حال مشغوليّة خدمة اجتمعت مع إرهاق كلاهما فوق العادة، فإذاً لست غافلاً عن بعناء القارئ المتابع بفقرات قد تكون بحاجة لمزيد من التفصيل أو التبسيط أو حذف التكرار، وقبل الكل في هذه الطبعة تصميم الصفحة غير المتقن وتنسيق السطور المختلّ فنيّاً الذي آسف له أشد الأسف، ولكن تحاشياً لخسارة الوقت في الرقاد أواصل الكتابة وما لا يقوم مقام العمل الخالص فلعلّه يصلح درافت يحفظ الأفكار)
[2]

 

 

مرض عموم الجدال الراهن بين البروتستانت و"الأرثوذكس" مصاب بثلاثة أعراض لآفة الغرض الذي هو مرض:

 

- البروتستانت غالباً ما يستشهدون بشذرات من شواهد تحمل عكس قصدهم الخاطئ (وليس فقط لا تشهد بقصدهم)،

- و"الأرثوذكس" تفوتهم هذه الملاحظة فيما هم يتوهون في محاولة توفيق الإيمان الأرثوذكسيّ بشذرات الاستشهادات البروتستانتيّة..

 

-- البروتستانت يقتطعون الشواهد ليس فقط من سياق عموم الكتاب ولا حتى فقط من سياق الفقرات القريبة، بل بل أحياناً من سياق مضمونها ذاته،

-- و"الأرثوذكس" يزيدون على القطع تقطيعاً بتقسيم الإيمان لأنواع علّهم يمرّرون به "خفيفاً" من تحت أسنان شذرات الشواهد المقتطعة..

 

--- البروتستانت يقتطعون عناصر الإيمان دون أن يدروا من رأس الإنجيل: "احيا لا انا بل المسيح يحيا فيّ"،

--- و"الأرثوذكس" يفوتون عليهم فرصة الانتباه بتعقيد التيه عن المكتوب بإزاحة الجدل لمدى أبعد في تقسيم المعنى وتقطيع أوصاله..

 

والمحصلة: أن الجدال في أكثره يجري خارج ميدان المواجهة القانونيّ الذي هو المكتوب الذي لا يمكن أن يُنقَض..

ولهذا فمعظم الجدال منقوض لخروجه عن ساحة غير المنقوض،

 

الفريقان مغرقان في حال تساجل خارج الميدان أصلاً، والميدان هو الكتاب المقدس بحق معناه..

ولكونه كذلك فهو فاشل في مضمونه وممل في تكراره..

 

ماذا يحدث ما اقتضى هذا التوصيف اللاذع؟

& إنه مشهد من عديد المشاهد التي تظهر فيها أعراض آفة التجزئة والتقطيع والفصل والتقسيم في التفسير والتجادل ما يقف على العكس الصريح ضد قصد الرب الذي هو التجميع

والتكامل في الواحد..

&& إنه استفراد الفرقاء بعناصر الإيمان العنصر مملوخاً لديهم من جسم الإيمان المسيحيّ كالميت فاقداً لتجانسه الحيويّ مع عموم جسد الإيمان المسيحيّ المتناسق المحكم الاتصال

العضويّ..

&&& إنه جدال الخطأ حين يصطنعه فريق لعلّة فيبتلع طرفه الفريق الآخر فيفقد فرصة تنبيه المخطئ الأول ويزيد تعقيد شبكة الجدال بخطأ فوق خطأ..

 

فماذا يفك الاشتباك ويحلّ الشبكة؟ ليس إلا العودة بالتحاكم للمحكمة والقاضي المعين من الرب، ومن هنا كان عنوان الموضوع دعوة رقيقة للفُرقاء للجلوس على مائدة حوار

مستديرة مع الكتاب المقدس، يأخذ فيها الكتاب موقعاً متكافئاً، حتى يسمع الجميع بعضهم بعضاً ولا تبقى حجة على من يستحسن لنفسه قولاً يخالف قول الكتاب المقدس..

 

التوصيف في الفقرات السابقة لم ينتبه له الكثيرون يظهر بعدة تنويعات في مفاطع الجدال المعنيّ ذاك،  ويسهل استقراء عموميّته لمن ينتبه..

إنه مشهد الجدال البروتستانتيّ "الأرثوذكسيّ" المعاصر، ولا يخفى على المتابعين لعملي المتواضع مفاد وضع كلمة "أرثوكسيّة" بين علامتي تنصيص!!

 

وهذا الموضوع سيُعِيْن من يطلب التيقن من هكذا حال مضحك ومبكي—مضحك لذوي النباهة ومبكي لذوي الغيرة..

فصول الموضوع التالي عرضها بعون ربنا ستوالي إظهار مصداق التوصيف الأسيف للحال، وهي فصول مألوفة العناوين القديمة صادمة التفاصيل الجديدة، مثل:

"الإفخارستيا،  شفاعة المنتقلين، الشفاعة عموماً، الأعمال، خلاص المؤمن حتماً، الاعتراف، نزول المسيح للجحيم"، ويزيد عليها ما يسمح الوقت وتسمح الطاقة

بإضافته بعون ربنا.. وفي كل فصل سيتكرّر رصد شبكة تعقيد أخطاء تقطيع أوصال الشواهد والاغتراب المريع عن رأس الإنجيل الذي هو "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ"..

(ولعلّ القارئ لا يتوه في إغراء مواضيع الجدل واتساع منتوجاتها فيتوقّع حسماً لها، فإنما القصد يتركّز بكل عناية على لقطات تُطهِر أعراض الآفة المبدوء بتفصيلها)

 

صحيح: أين شخصي المتواضع من الفريقين؟ أنا أرثوذكسيّ و"أرثوذكسيّ" متبرِّئاً من مواضع "الأرثوذكسيّة" حين تخالف الأرثوذكسيّة.. ولذلك عينه أكتب هذا وقصدي أن تتماهى

"الأرثوذكسيّة" مع الأرثوذكسيّة بحق معناها، فأحرّرها بضمير مستريح فيما أكتب من "حبسة الأقواس"، ووقتها ووقتها فقط سيصير البروتستانت محتجين وفقط ضد كل دخيل على

الإيمان، فيصير الجميع أرثوذكس في نقاء من زوان البدع ويصيرون واحداً في الواحد الذي له كل المجد في مختاريه إلى الأبد آمين..

 

***

 

تم تحضير الموضوع وتجميعه من شتات موضوعات سابقة خصيصاً لنشره في مجموعة "كوبتك يوث فور هولي" بوك على فيسبوك.. وسأوالي نقل الفصول على لوحة النقاش من

حيث جمّعتها في ملف RTF  سأقوم بتحميله على ميديا فاير[3] بعد الانتهاء، مع تزويده بروابط بينية لتسهيل المتابعة لمن يجدفي الموضوع ما هو جدير باقتنائه مجمعاً.. وبعض الفصول

تستدعي الإشارة لحوارات سبق حصولها وكانت بمثابة بذرة من بذار ثمار الفصل المعنيّ، فسأحيلها للهوامش للتخفيف عن المتن المزدحم أصلاً بتجميع مادة من ثلاثة درافات، ثم هذا

بالمرّة رابط لـ"إرشاد المحتار بالحوار"، وهو الملف الرئيس الحافظ لأغلب الملاحق هنا..

 

أقدم الموضوع مجمعاً بعدما قدمته مسلسلاً على فيسبوك، وأنا عالم بقدر الخلط الذي ينتظره من المتحزبين لغير حق الإنجيل.. وينتظره هكذا أيضاً من غير ذوي الدربة في التفكير المتأني

في جيل كاد يفقد اللغة والمنطق جميعاً.. فبعد استبعاد المتحزبين من الخطاب، غير قلق من تهمة "إعثارهم" التي يلوكها الببغاءات غير فاهمين معنى كلمة "عثرة"، بل بترحابي

بـ"إعثارهم" على كل حال بقدر ما "أعثر" الرسول بولس متهودي جيله، فالآن بعد استبعاد مساكين الأحزاب أولئك أعود بالخطاب لأهل بيرية بينكم ممن هم أكثر شرفاً، فأقول لكم:

اهدئوا جميعاً وكونوا مسرعين في المتابعة متأنين في القراءة مبطئين في الرد ووقتها ستزول كل الخلوط وتفهمون أموراً هي جدداً وعتقاء معاً—جدداً لم تفهموها من قبل وعتقاء

من حيث هي ليست جديدة بل التي كانت عندنا منذ البدء في الكتاب المقدس ولكن غابت الأفهام عنها في شتات التحزب والتشاحن والتحاكم خارج المحكمة.. أم كيف تقرئون!؟

 

 

 

تمهيد نفسي ذهني

 

"أرجوكم بلاش تُستَدرَجوا للاستفزازات البروتستانتية.. لما يقولولكم هاتولنا من الكتاب المقدس قولولهم الآباء قالوا كدة"!

كان ذلك هو رد أسقف شاب ذي شأن وشعبية وغيرة لا ينكرها ذو أمانة عليه، في احد مؤتمرات سنة 2003 أو2004..

 وكل من هو من أهل هكذا رد فيحتاج لتمهيد نفسيّ وذهنيّ حتى لا يصطدم مع الموضوع ويتوه عنه ويفقد قيمته ويخرج منه متأذياً..

 لذلك لزم هذا الفصل قبل طرح فصول الموضوع..

 

ذلك الرد ماهو إلا مجموع كارثتين!! كارثة البروتستانت الذين كانوا أصلاً من كنيستنا فتركوها لأنهم لم يجدوا فيها شبعاً كتابياً وأُسلِموا لطعام الأطفال السطحي خارجاً، وكارثة كنيستنا

التي تركت كتابها العظيم وأعطت الفرصة للخارجين ليتشدقوا عليها باسمه..

 

لماذا دعا الأسقف السؤال عن دليل كتابي استفزازاً؟

 

أنا افهم كأرثوذكسي مخلص ومسيحي بداهةً أن البروتستانتي والكوتاليكي وغير المسيحي ومن يعبد الحجر أنه عندما يأتيني سائلاً عن دليلي من الكتاب المقدس على أي شئ فإنني

ابتهج واسر وأكاد احتضنه وانا أجيبه واستزيده لمزيد من الأسئلة الكتابية.. فإن قابلته ببرود واجبته كما لقومٍ عادة فإن ضميري يبكتني.. فما البال بأن أزجره وارفض السؤال أصلاً!!!؟؟؟

 

يا ناس عيب.. واحد اتى لحد عندي ملزماً نفسه بمرجعية كتابية دون مجهود مني وأفلته من يدي دون أن أقيم عليه الحجة الأرثوذكسية كتابياً؟ وبدلاً من هذا أدعو طلبته استفزازاً

وأحرص ألا  أُستَدرَج له؟

 

كوارث!!

كارثة على السائل لأن رداً هكذا أعمى جدير بان يحبسه في انشقاقه خارج الكنيسة، ولم ينضم لها وهو يطلب الكتاب المقدس فيجد الكنيسة تعتبره استفزازاً،

وكارثة على من يجيب هكذا، لأنه يُوجَد شاهد زورٍ عن الارثوذكسيّة،

وأما أنا ولساني فنعبد الرب ونفرح بالمكتوب كل حين ونفرح بمن يطلب إجابته منه..

 

لقد صار "الإنجيليّ" "إنجيلياً" لأنه لم يفهم الإنجيل ولم يدخل لعمقه،

ولقد عجز "الإنجيليّ" عن التعمق في الإنجيل لأن كنيستنا لم تفتحه له أصلاً وهو فيها،

ولقد صار عنيداً عن الرجوع عندما خرج لأنه كلما عاود المشاكسة و"الاستفزاز" وجد "أرثوذكسياً" أكثر حصافة منه ولا يقبل الاستفزاز ولا يجيب بشئ من الكتاب

ولقد صار الأرثوذكسي هكذا لأن الأسقف نصحه ان يصير هكذا،

ولقد أوصاه الأسقف هكذا لأنه لم يملك إجابة لسؤال البروتستانتي..

ولماذا تفوته الإجابة؟ لأنه تغرّب عن المكتوب الذي لا يمكن أن يُنقَض (مهما أنكر ذلك ادعاءً) ولذلك وُجِدَت إجابته منقوضة لأنه استحسن بديلاً للكتب وقوة الـله

فُوُجِدَت إجابته خلواً من الفهم ومن القوة!

 

إذاً سمعتم أنه قيل "لا يستفزنّك البروتستانت ولا تجبهم من الكتاب المقدس"، وأما أنا فأقول "بس يجي لي السائل ويكون جاداً في رغبته في الالتزام بالكتاب.. شخص يقول لي أنا

إنجيلي أقول له وأنا معك وقبلك.. واحد يطرق بابي قائلاً إنه يبحث عن شئ في الإنجيل أفتح له وأقول تفضل هنا أهل الإنجيل.. يقول لي اثبت لي من الإنجيل يجد الإنجيل في يدي لا

في جيبي جاهزاً ومفتوحاً"..

 

وأقول أيضاً إن كل حجج "الإنجيليين" على الأرثوذكسية هي ذاتها حجج الأرثوذكسية.. تعرفون لماذا؟ لأن حججهم من نصوص الإنجيل، وإنما هم قد رفضوا الأرثوذكسية لأنهم لم

يفهموا النص الإنجيلي في عمقه.. ليس قول ولا كلام! فالشواهد متوفرة يعجز الوقت وتعجز الطاقة عن حصرها جميعاً، ولكن كلمة الـله لا تُقيَّد فسألقي فلسي الأرملة في العناوين

التالية، في حوار بين البروتستانت و"الأرثوذكس" والكتاب المقدس يُظهر حق الأرثوذكسية متحررة من حبسة القوسين!!

 

طال التقديم، والأمثلة العينيّة تتعجل الدخول:

 

 

 

الإفخارستيا

 

من بين ما يدفع به البروتستانت مستنكرين بموجب فهمهم له الإيمان الإرثوذكسيّ بأن الإفخارستيا جسد الرب ودمه الحقيقيين، هذا الشاهد الذي كعادة شواهد هذا الموضوع ليس

فقط لا يشهد لقصدهم ولكن يشهد عليه، بل أكثر من هذا وذلك أنهم بذلك الاستدلال الردئ يمسون معنىً تجديفيّاً، لا يعفيهم منه إلا أنهم لا يدرون بماذا يستشهدون!!

 

شاهدهم الشاهد عليهم هذه المرة هو نهي العهد القديم المتكرر في العهد الجديد من أكل اللحم بدمه، وساتبرّع بجمع الشاهد بنصوصه ومواضعه المتكررة:

غَيْرَ انَّ لَحْما بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لا تَاكُلُوهُ. (تك9: 4)

 

وَأَمَّا الدَّمُ فَلا تَأْكُلهُ. عَلى الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالمَاءِ.)تث12:  16)

 

لكِنِ احْتَرِزْ أَنْ لا تَأْكُل الدَّمَ لأَنَّ الدَّمَ هُوَ النَّفْسُ. فَلا تَأْكُلِ النَّفْسَ مَعَ اللحْمِ. (تث 12: 23)

 

لا تَأْكُلهُ. عَلى الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالمَاء. (تث 12:24)

 

لا تَأْكُلهُ لِيَكُونَ لكَ وَلأَوْلادِكَ مِنْ بَعْدِكَ خَيْرٌ إِذَا عَمِلتَ الحَقَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. (تث 12: 25)

 

وَأَمَّا ذَبَائِحُكَ فَيُسْفَكُ دَمُهَا عَلى مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلهِكَ وَاللحْمُ تَأْكُلُهُ. (تث 12: 27) 

 

وَكُلُّ انْسَانٍ مِنْ بَيْتِ اسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَاكُلُ دَما اجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الْاكِلَةِ الدَّمَِ وَاقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا.  (لا17: 10)

 

لِذَلِكَ قُلْتُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: لا تَاكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَما وَلا يَاكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ دَما. (لا17: 12)

 

لانَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ. فَقُلْتُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: لا تَاكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا لانَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ اكَلَهُ يُقْطَعُ. (لا17: 14)

 

أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ». (أع15: 29)

 

فهذه هي النصوص، وقد حرصت على جمعها كلها، وسازيد!!

في "سأزيد" هذه تفنيد المغالطة، وكشف فداحة محتواها التجديفيّ.. وإنما مشكلتهم أنهم يختطفون ولا يتحرون سياق الشواهد.. ومشكلة كنيستنا هي الرد بتعجل وعمى دون التحريّ

أيضاً.. للآن فقد رصدتُ الشواهد التي يختطفها فريق ويربك بها فريق فيعمى الأخير عن كونها ليست فقط ليست ضده ولكنها معه وليست فقط معه ولكنها شاهدة بغربة خصمه

الفادحة عن المعنى وعن القيمة الإيمانية الخطيرة التي في المعنى.. وسأفعل الآن ما لم يفعله الفريقان فأضيف الشواهد الشارحة للشواهد وأقارن المكتوب بالمكتوب، أو بكلمات

أُخرى أعطي المابكرفون للكتاب المقدس في الحوار:

 

وأول كل شئ يجدر تنفيض المائدة مما يطرحه البعض منقولهم إن الإفخارستيا ذبيحة غير دموية، كأنهم بذلك يتخفون من السؤال فيما هم يكررون عبارة توسع استعمالها فوق

قانونها حتى صارت تكذب قائلها حين يقول إنه يرمن بأن الإفخارستيا جسد حقيقيّ ودم حقيقيّ!! التوسع في تلك العبارة كان من جراء مجمع كوتاليكيّ متأخر للرد على البروتستانت فيما

لم يراعي الآباء الأولون الانتباه لخطورة العبارة إذا خرجت عن نطاقها المقصود وإن كانوا لم يسيئوا استعمالها على كل حال.. العبارة صحيحة وفقط في وصف التقدمة من حيث هي

خبز وخمر ولكنها لا تجوز مع التقدمة حال كونها الذبيحة المقبولة من الرب كجسد ودم حقيقيين له..

(لمزيد من التفصيل يُراجَع مقال "الإفخارستيا ليست ذبيحة غير دموية")[4]

 

والآن يبدأ تتبع خط الاستدلال المضاد للإفخارستيا من هذه الشواهد مع التمعن في عواقبه:

- أول ما يصدم الناظر في ذلك الاستدلال أن أصحابه لا يفرقون بين ذبيحة المسيح وذبيحة البهائم من حيث التحريم الوارد في الوصية! عندهم أن الوصية تحرّم كل

الدم دون استثناء ولا تمييز بين جسد الرب ودمه وحاشا من قول بين البهائم ودم ثيران وتيوس وعجول! فإذاً أول الاستدلال تجديف L

ويلتقط ذو النباهة في المكتوب أن تحريم شرب دم البهائم هو ذات دليل حق الإفخارستيا أنها جسد ودم الرب..  وأن إجابة سؤاله منه فيه هكذا:

إننا نشرب دم الرب فلماذا تحرِّم الوصية شرب الدم؟ لأجل أن نشرب دم الرب..

بتمام هذه الفقرة المحكمة يتم مفيد الكلام، ولكن لأجل تفصيل الشواهد وتجميع الشهادات وللشبع من ترابط المعاني في الكتاب المقدس، وبالمرذة لتحرّي

فداحة تلك "الحجة" التي لم تقم إلا لعلّة ولم تتكرر إلا لجهل فإن الفقرات التالية تتابع تحرّي المعنى:

 

-- ومن اللطيف البدء في استكمال النظر بشاهد من العهد الجديد سيزيد المفاجآت لمختطفي شاهد تحريم شرب الدم من حيث يحتسبون أنه دعماً لهم..

فليس بعد كثير حتى يظهر أنه تفنيد مزيد..  فإن نفس وصية تحريم الدم في العهد القديم دعمها مجمع الرسل في العهد الجديد وأبقوا على التزام كل كنائس

الأمم بها.. إذاً معهم بحسب الظاهر مزيد من الشواهد، ولكن نفس مجمع الرسل جمع أربعة تحريمات معاً "عبادة الأصنام والدم والمخنوق والزنا" (ويمكن اختصارها

لثلاثة تحريمات لأن المخنوق والدم واحدفي سبب التحريم، فالمخنوق يموت بدمه فيه).. فما الذي يجمع بين تلك الأمور التي تبدو شتاتاً؟ لماذا هذه التجميعة؟

"لماذا" هو السؤال!! "لماذا" هي كلمة السر التي تفتح الباب لفهم أسرار الإفخارستيا وتشرح لمن يحب الفهم عجائب القصة كلها..

 

وحتى تُجَاب لماذا في النهاية يلزم تحريها من البداية: "لماذا أصلاً منع الرب الدم في العهد القديم؟"، ومن ثم يمكن إجابة: "لماذا كانت هذه الوصية

واحدة من ثلاثة فقط استثناها الرسل في العهد الجديد؟"..

 

لماذا لماذا ثم لماذا؟؟؟..

 

وهذا دور السياق لإجابة السؤال العظيم الذي ميز به الرب البشر وجعلهم على صورته ومثاله وخصيصاً على صورة ومثال الـ"لوجوس" به، السؤال الذي يتمحور حوله الـ"لوجيك"

المودع في البشر كقبس من اللوجوس الخالق، السؤال القائل "لماذا".. فماذا لدى سياق الشواهد لإجابة السؤال؟

 

أولاً يقول شاهد التكوين:

غَيْرَ انَّ لَحْما بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لا تَاكُلُوهُ. (تك9: 4)

وأضع الخط تحت كلمة "بحياته"، فسياق تحريم أكل الدم يخص من الدم تحديداً أن فيه الحياة بل هو نفسه مُعتَبَراً الحياة ذاتها، وإذاً فالدم لا يؤكَل لكونه الحياة..

بدأ المعنى يتضّح، والبقية تأتي عاجلاً، والآن على الأقل معنا إجابة مبدئية تستدعي النظر في تحرّي عمق حكمتها..

 

ومثله سياق اللاويين الذي ورد فيه النهي عن أكل اللحم بدمه:

وَلا يَذْبَحُوا بَعْدُ ذَبَائِحَهُمْ لِلتُّيُوسِ الَّتِي هُمْ يَزْنُونَ وَرَاءَهَا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً تَكُونُ هَذِهِ لَهُمْ فِي اجْيَالِهِمْ. وَتَقُولُ لَهُمْ: كُلُّ انْسَانٍ مِنْ بَيْتِ اسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ

الَّذِينَ يَنْزِلُونَ فِي وَسَطِكُمْ يُصْعِدُ مُحْرَقَةً اوْ ذَبِيحَةً وَلا يَاتِي بِهَا الَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِيَصْنَعَهَا لِلرَّبِّ يُقْطَعُ ذَلِكَ الْانْسَانُ مِنْ شَعْبِهِ. وَكُلُّ انْسَانٍ مِنْ بَيْتِ

اسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَاكُلُ دَما اجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الْاكِلَةِ الدَّمَِ وَاقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا لانَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ فَانَا

اعْطَيْتُكُمْ ايَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ لانَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. لِذَلِكَ قُلْتُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: لا تَاكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَما وَلا يَاكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي

وَسَطِكُمْ دَما. وَكُلُّ انْسَانٍ مِنْ بَنِي اسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَصْطَادُ صَيْدا وَحْشا اوْ طَائِرا يُؤْكَلُ يَسْفِكُ دَمَهُ وَيُغَطِّيهِ بِالتُّرَابِ. لانَّ نَفْسَ

كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ. فَقُلْتُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: لا تَاكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا لانَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ اكَلَهُ يُقْطَعُ. وَكُلُّ انْسَانٍ يَاكُلُ مَيْتَةً اوْ فَرِيسَةً

وَطَنِيّا كَانَ اوْ غَرِيبا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَبْقَى نَجِسا الَى الْمَسَاءِ ثُمَّ يَكُونُ طَاهِرا. وَانْ لَمْ يَغْسِلْ وَلَمْ يَرْحَضْ جَسَدَهُ يَحْمِلْ ذَنْبَهُ». (لا17: 7-16)

 

السؤال "لماذا" يحيبه سياق اللاويين أربع مرات وبإصرار أن النفس هي في الدم وعلى ذلك تقوم نتيجتان: الأولى أن الدم يكفر عن النفس-- هذه نتيجة أولى،

والثانية أن "نفس الحيوان" هي المطلوب ألا تُؤكَل..

 

+ الوصية تحرم أكل نفس البهائم، وأما الرب فيقول: "مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يو6: 57).. وقال أيضاً: "نْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ

فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير ... لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ.

مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 53-54، 55-56).. لا قول ولا كلام، إذ حتى بالتنازل جدلاً والتماشي مع أن الكلام مجازياً يبقى السؤال: هل يستعمل الرب مجازاً يخالف منطوق وصية تحرم موضوع المجاز؟ حاشا.. لو كان شرب دم الرب محرماً بالوصية المختطفة فهل يستعمل الرب هذا "المجاز" في وصيته بشرب دمه؟!؟! خطذا داز غير جائز ولا لائق ولا حاجة له أصلاً لو كان فهم الوصية كما فهمها المختطفون لها لعلّة.. فإذاً فهمهم خاطئ يطال التجديف وإذاً وبحقّ لا قول ولا كلام للمعاندين وأما لنا نحن المحبين لفهم المكتوب فلايزال لأجل المعنى كلام:

فها الوصية تحرم "اكل الحيوان بدمه، والرب يقول "من يأكلني يحيا بي".. وتقول الوصية بتحريم شرب دم البهائم وأما الرب فيقول: "من يشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه ... من يشرب دمي يحيا للأبد وأنا أقيمه في اليوم الأخير ... دمي مشرب حقّ"..

 

لقد بدأنا برصد التجديف في "الحجة" الاختطافية، والآن نصل لنتيجته المعاكسة تماماً لقول الرب الصريح..

فإذاً القضية التي لا يتوه النبيه عنها هنا أن إشكال البروتستانت من هواة ذلك "الاحتجاج" أن إشكالهم فيه يبدأ بالتجديف وينتهي لمعاندة قول الرب وهي نهاية منطقية لبداية اختطافية،

وهذه نتيجة ثابتة عليهم بغير فرصة للإفلات منها بادعاء أن قول الرب "من يأكلني يحيا بي" مجاز.. تحذر الوصية أن من يخالف فيأكل ميتاً او يشرب دماً بهيمياً فهو ملعون وميت والرب

يقول إن شرط الحياة الأبدية هو أكل نفسه وشرب دمه..

 

وليس منتهى الفهم بعد، فلايزال للسؤال "لماذا" كلام:

لماذا حرم الرب اكل نفوس البهائم وأوصى باكل نفسه هو؟

الإجابة منها فيها:

حرّم الرب اكل نفوس البهائم من أجل أن يأكل أحباؤه نفسه هو.. فمن يأكل الرب يحيى به (يو6: 57)، وأما البهائم فتُباد (مز49: 12، 20)..

وأية شركة للحياة مع الموت؟ أو أي نصيب للنفوس البهيمية مع الرب الروح من السماء؟ (1كو15: 40-55؛ 2كو6: 14-16)..

                                                                                                             

هذا المعنى الذي ختم به الرب سبق فشهد به سياق تحريم سفر التثنية لأكل الدم:

 

 وَتَفْرَحُونَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ أَنْتُمْ وَبَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَعَبِيدُكُمْ وَإِمَاؤُكُمْ وَاللاوِيُّ الذِي فِي أَبْوَابِكُمْ لأَنَّهُ ليْسَ لهُ قِسْمٌ وَلا نَصِيبٌ مَعَكُمْ. اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تُصْعِدَ

مُحْرَقَاتِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَرَاهُ. بَل فِي المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ فِي أَحَدِ أَسْبَاطِكَ. هُنَاكَ تُصْعِدُ مُحْرَقَاتِكَ وَهُنَاكَ تَعْمَلُ كُل مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ. وَلكِنْ مِنْ كُلِّ مَا

تَشْتَهِي نَفْسُكَ تَذْبَحُ وَتَأْكُلُ لحْماً فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ حَسَبَ بَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ التِي أَعْطَاكَ. النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ يَأْكُلانِهِ كَالظَّبْيِ وَالإِيَّلِ. وَأَمَّا الدَّمُ فَلا تَأْكُلهُ. عَلى

الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالمَاءِ. لا يَحِلُّ لكَ أَنْ تَأْكُل فِي أَبْوَابِكَ عُشْرَ حِنْطَتِكَ وَخَمْرِكَ وَزَيْتِكَ وَلا أَبْكَارَ بَقَرِكَ وَغَنَمِكَ وَلا شَيْئاً مِنْ نُذُورِكَ التِي تَنْذُرُ وَنَوَافِلِكَ وَرَفَائِعِ

يَدِكَ. بَل أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ تَأْكُلُهَا فِي المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَاللاوِيُّ الذِي فِي أَبْوَابِكَ وَتَفْرَحُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ بِكُلِّ مَا

امْتَدَّتْ إِليْهِ يَدُكَ. )تث12:  12-18)..

 

والآن فإن من لا يرى من الشاهد المتسع أنه متعلق كله بمفهوم "الشركة"[5] فإنه لن يرى شيئاً.. السياق سياق شركة مع الرب، شركة مقدسة لا تقبل دخول غريب لاسيما بهيميّ فيها..

قرينة الوصية المحرمة للدم كلها قرينة شركة.. شركة بين الشعب والرب وبين الشعب ونفسه في شركة الرب.. وهي شركة تسبب فرحاً للرب وينعكس من الرب على الشعب ليفرح في

شركته مع نفسه ومع الرب.. ولقد توقفنا في الفحص السابق لسياق الوصية في سفر اللاويين عند العقوبة المفروضة على المخالف فكانت أولاً: "اجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الْاكِلَةِ الدَّمَ"

ثم " وَاقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا".. عقوبة مزدوجة فيها قطع للشركة مع الرب "اجعل وجهي ضده" وقطع للشركة مع بقية الشعب "أقطعها من شعبها".. ولعل هذا كان غير واضح في الشاهد

ولكنه يتضح بمقابلته مع شاهد سفر التثنية.. فالوصية بمنع أكل اللحم بدمه مجموع سياقها العام حيثما وردت هو أولاً تحريم بسبب كون النفس في الدم وثانياً جواً عاماً بالشركة على

صعيدين بين الرب والشعب وبين الشعب بعضه البعض وثالثاً عقوبة للمخالف بقطع تلك الشركة ببعديها..

 

++ فإذاً من التكوين للاويين للتثنية فالتحريم يخص نفوس البهائم والسياق يشير لرفض تلك النفوس من أجل حفظ نفوس الشعب مقدسة لشركة الرب وحده،

ويختم الرب صريحاً على الكل بقوله: من ياكلني يحيا بي" و"من يشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه"، وهو قول حتى لو قاله مجازاً فإنه يفيد أن ما سبق من تحريم شرب الدم كان لحفظ

قداسة النفوس دون دم البهائم لا دم  الرب- حاشا..

 

+++ وليس المنتهى بعدُ، فإن الرسول بولس كأنه يتابع ذلك الاستدلال مع هذه السطور إذ ها هو ينتظر وصول الكلام لهذا السطر حتى يكافئ الجهد بقوله صريحاً مريحاً فريحاً: ل

لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ (1كو10: 21)..

صحيح هو لا يتكلم هنا عن شرب الدم بعينه ولكنه لا يخالف المعنى بل يأخذ منه ويبني عليه ويوسعه ويحيط بكل غايته.. إن الغشكال هو في "الشركة بين

الفاسد والصالح"..

 

 

يبقى سؤال واحد وبديهي لربط الحصيلة قبل المُضيّ قُدُماً: ما العلاقة بين كون النفس في الدم وبين الشركة المقدسة مع الرب والكنيسة؟

وهذه هي الإجابة بنعمة الرب: الشركة مع الرب تعني التقديس للرب والتقديس عن غيره.. التخصيص له دون غيره.. إعطائه الكل كل القلب وكل الفكر وكل النفس.. وأما الدم فبه

نفساً بهيمية غريبة، فمن يشربه فإنه ياخذ في نفسه شركة نفس غريبة وسبب التحريم حسب فهم السياق هو الحفاظ على قداسة الشركة مع الرب..

 

++++ فالآن ولزيادة الزيادة من وضوح الحكمة من وصية تحريم شرب الدم وأكل اللحم بدمه ننتقل للعهد الجديد من تحريم العهد القديم لتأكيد التحريم

في العهد الجديد:

لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ غَيْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا الَّتِي

إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ. (أع15: 28-29)

 

كان هذا هو قرار مجمع الرسل، ويكررون ثانيةً:

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْأُمَمِ فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لاَ يَحْفَظُوا شَيْئاً مِثْلَ ذَلِكَ سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَمِنَ الدَّمِ

وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا. (أع21: 25)[6]

 

 

والسؤال معنا الآن هو: معنا رسل هم من الأصل يهود وللناموس تأثير أصيل وراسخ لديهم وهم الآن مسيحيين يعرفون بالروح القدس أن الناموس قد أُبطِل، وهُم على وشك أن

ينبئوا الأمم بعدم التزامهم بالناموس، ولكنهم لسبب ما قرروا الإبقاء على ثلاثة وصايا ونواهي تحديداً من كل الناموس،  فماذا تختار لو كنت مكانم؟ لا ليس النهي عن كسر السبت من

بينها  كما قد يظن أي واحد إن سار خلف الإجابة بطريقة التأثر والأولوية اليهودية.. الآن نحن مع أولوية مسيحية وأية أولوية مسيحية أكثر من الشركة مع الرب التي كانت هي ذاتها أولويته

في وسائله وعين غرضه من حيث الغاية في العهد القديم؟

هل يمكن الآن استقراء الرابط الوحيد بين النواهي الثلاثة التي استثناها الرسل من الإهمال؟ وأوجبوا حفظها بسلطان الروح القدس؟

هل يمكن للرابط العميق أن يكون غير حفظ الشركة المقدسة مقدسة فعلاً مع الرب؟

 واضحة.. واضحة جداً.. انظروا:

أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ». (أع15: 28-29)

الثلاثة معاً واحد يوصون بحفظ الإنسان كل الغنسان لذاته نقياً من أية شركة خلا الرب:

 

الأولى: المذبوح للأصنام يحمل سلطاناً تكريمياً للأصنام وإن لم يؤمن الآكل بها ولكنه بأكله من ذبائحها يكرمها ويرتبط بها قلبياً لاسيما مع طيب الطعام..

 

الثالثة: هي الزنا وفي الزنا تكون للإنسان شركة اتحاد جسد مع إنسان غريب بعيداً عن الرب أقول لا أنا بل الرسول، بل الناموس لأن الرسول ينقل من الناموس فيقول: "أم لستم

تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد (معها) لأنه يقول يكون الاثنان جسداَ واحداً وأما من التصق بالرب فهو روح واحد" (اكو6: 16-17)..

ومن الشواهد المتعلقة والشاهدة لنفس المعنى قول الرسول: "كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد ولكن من يزني يخطئ إلى جسده" (1كو6: 18)

هكذا تتوفّر إذاً وصية مزيدة تحفظ من الناموس ما يحفظ جسد الإنسان في الشركة مع الرب مقدساً له ومقدساً عن غيره من علاقات دنسة..

 

الثانية: الوسطى هي وصيتنا.. الدم (والمخنوق مثله لأن المخنوق يموت ودمه يتجمد به) هو وصيتنا التي نبحث عن التيقن من حكمتها.. وقد وصلتُ أولاً وأظن المتابع الحق يصدقني

ويوافقني، فأقول وصلنا معاً إلى ان الوصية حكمتها حفظ الشركة مع الرب مقدسة على مستوى النفس التي لا ينبغي ان تختلط بشهوة بهيمية ونفس غريبة بداخلها،  قلنا ذلك من

استقراء الوصية في سياق ورودها في مواضعها بأسفار العهد القديم، وغلام وصلنا الآن؟ إلى نفس الوصية تاخذ موضعها بإحكام وتتوسط وصيتين تحملان نفس الغاية ليتموا معاً

حفظ المؤمن السامع لهم العامل بهم لحفظ قداسة شركته مع الرب تامة: قلباً ونفساً وجسداً..

وثلاثتهم قد انفردوا بين الجميع بوجوب الحفظ في العهد الجديد بسلطان الروح القدس والرسل ليزداد الفهم يقيناً من كل نحو!

 

 

كان سؤالنا الأول والأب لكل الأسئلة كان لماذا؟ لماذا الوصية؟ ما غايتها؟

والآن تكتمل إجابته بوصولنا لغاية الوصية موضوع النظر وغايته هي حفظ نفس الإنسان المؤمن مقدسة للرب عن أية شركة غريبة..

الوصية كانت لمنع دخول الغريب داخلنا لتحفظنا للقريب للرب نفسه..

الوصية تحفظنا مقدسين لشركة أفضل هي شركة دم الرب، ولأن حياة الكائن هي في دمه فلهذا نحن نحذر من شرب دم البهائم، ولهذا عينه نحن نشرب دم المسيح.. لهذا أنا اشربه

لأن لي الحياة هي المسيح ولأنني احيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ (غل2: 20؛ في1: 21)..

وبأقل من هذا المعنى لا يرضى الإنجيل وإلا لكانت المقدمات عند الرب بلا نتائج والوصايا بلا غايات ولكنا مقدسين عن البهائم لأنفسنا لا للرب حاشا ثم حاشا لأننا لو كنا هكذا مقدسين

لأنفسنا لصرنا، بغياب وعينا بكوننا للرب، أكثر بهيمية من البهائم التي تعرف صاحبها!

 

ظهر الآن سخف الاستدلال الذي يستشهد لنفسه بشاهد ضد عليه!

وظهر التجديف الضمنيّ (في المعنى لا في قصد من يقولوه إذ هم غافلون عما ينتهي فكرهم عنده) في الاستدلال المُختَطَف، فإن المستدل بهكذا استدلال بغيض كأنه يستعفي من

شركة حياة الرب التي هي في دمه لأن الرب أوصاه أن يحذر من شركة حياة البهائم والذي ذلك أصلاً لكي يحفظه طاهراً لشركة دم نفسه..

 

ظهر المعنى الصحيح مشهوداً له من سياق التحريم أولاً ومن فم الرب ثانياً قم من عودة الرسل لتثبيت نفس التحريم ثالثاً وانتهاءً بالرسول بولس وهو يفيد غير مرة بلُب القصد من

الاحتراس من الشركة بين الفاسد والصالح..

 

فمع كل هذه الشواهد النبوية والرسولية والربانية يحق القول إنه بالإجماع تحرم الوصية على المؤمنين الشركة مع نفوس بهيمية وحيوات غريبة، ليس لمشكلة في الدم أي دم ولكن

في أنه دم بهائم!! ولماذا ذلك أصلاً إلا لأنه يحفظ مختاريه لشركة أفضل مع دم ثمين يتكلم أفضل من كلام دم ذبائح البهائم ويعطي قوة أمنع وأدْوَم.. ولكن يفوت المعنى من يبحثون

لشاهد يختطفونه لعلّة، ومع فواتهم المعنى يدوسون عليه كأنما هم يجيبون الرب قائلين: "لن نشترك في دمك لأنك حرمت شرب دم البهائم" حاشا لدم الرب من هكذا فهم أعمى..

هل اتضح الآن كيف أن من يستخدم الوصية ضد الإفخارستيا فهو يستخدم المقدمات ضد النتائج والأساس ضد الغاية ويسير عكس اللوجيك وعكس اللوجوس..

 

وبعدُ ألم يكن هذا كلامي وأنا بعدُ في البدء أن الاستشهاد طالما كان كتابياً فهو لدعم وحق الإيمان الأرثوذكسي، وإننا نخطئ كثيراً بمحاولة تغييبها وتغيير معناها كأنما لننجو منها وهي

ذاتها مصدر النجاة والإثبات؟

نعم الرب حرّم دم الذبائح قديماً ويحرمه أيضاً الآن ولا تزال الوصية صالحة،

ونعم الإفخارستيا ذبيحة دموية وليس كما يحاول البعض التنصل من تسميتها هكذا،

ونعم نحن نشرب دماً حقيقياً للمسيح إلهنا،

وعجباً أن الرب كان يتعهد الشعب من القديم بالقداسة غير ظاهرة نهاية قامة ملء نعمته ليظهرها لنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور الشركة في قمتها التي تفوق كل عقل: خلقنا

الرب من دم واحد ليتجسد ويتحد معنا في ذات الدم الواحد ليفتدينا بدمه ليعطينا إياه لنشرب ليصير اتحادنا معه مذهلاً في دائرة نعمة إلهية محكمة الإغلاق لصيقة الاتحاد..

 

والآن ماذا أقول؟ هلليلويا!

 

 

 

شفاعة المنتقلين

 

الموضوع كبير وشيق، وهكذا خطير حتى أنه يصلح كمدخل عام لكل اللاهوت الكتابيّ المفتقد، ويغري جداً بالتوسع فيه ومعه، إلا أن مجال هذا الكتيّب يحد الحديث في نقطة واحدة

هي مناقشة شاهد معين من شواهد البروتستانت في إنكار شفاعة المنتقلين..

وشاهدهم المُعنَي (الذي يثبت نظرية الكتيّب في استشهاداتهم الكتابية الضد على معتقدهم) هذه المرة هو:

 

وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. (تث18: 11)

 

مرة مزيدة يستخدمون شاهداً يحمل أولاً دلالة عكسية إذا نُظِر لسياقه وأُجيب على سؤال لماذا، ثم يحمل ثانياً تجديفاً ضمنياً لا يدرون به، يصل هذه المرة لدرجة إنكار قيامة المسيح

حاشا لنا ولهم ولكل المؤمنين..  

ويتوه الرد عن خطورة دلالة الاستشهاد فيكتفي المجيبون بالبحث عن شاهد "مضاد" ويضيفون شرحاً يهدم أصل الإيمان الذي يدافعون عنه!!

وتظهر السمة الملازمة لفصول المقال: الشاهد يشهد على من يستشهدون به، ومن يشهد الشاهد لهم يفُوْتهم ضبط أخطر دلالات سوء استدلال خصومهم به..

بكل اختصار لإفادة المتعجلين: الوصية هنا لمن كانوا في العهد القديم الذي كان الموتى في زمانه في الجحيم.. ولم تكن قيامة بعد ولا فردوس سماويّ مفتوح..

فكانت استشارة الموتى هي بمثابة استشارة الجحيم والمرور على إبليس.. أما في العهد الجديد فقد صارت قيامة وصار فردوس سماويّ بشّر به الرب..

كأنما من يرون الوصية سارية على أهل الفردوس كأنهم لا يرون فارقاً بين الجحيم وافردوس السماويّ،

وكأنهم لا يرون فارقاً بين حال الحبس في الهاوية على الرجاء وبين سكنى الفردوس مع الرب،

وكانهم بالجملة لا يرون فارقاً بين حال المؤمنين في العهد القديم قبل المسيح وبينه في العهد الجديد بعد المسيح،

أي بالجملة ورغم صعوبة الكلمة أقول: كانهم لا يرون للمسيح عملاً—حاشا..

 

تمّت بالسطر السابق خلاصة مفيد هذا الفصل، وما يزيد فهو لتحري كل ادلة المعنى وإظهار زخم وضوحها لمن كان بحق أميناً للإنجيل لا يختطف منه لعلّة، ولمن كان بحق يجيب عن

الإيمان بفهم لا بانحياز وتحزب لسابق ما تلقنه.. ولتبدأ رحلة الفصل الثاني:

 

عادةً ما يدور الجدل لفظياً حرفياً حول جواز تسمية الراقدين في الرب موتى.. فيكتفي الجانب الأرثوذكسي بالتأكيد على أن الجميع عنده احياء، دون أن يكلفوا خاطرهم بفحص

خطورة الشاهد المُقضدَّم ضد إيمانهم.. بينما في المقابل يركّز رافضو شفاعة المنتقلين على معنى موت الجسد والذي لا يمكن إنكار حدوثه مع المؤمنين.. وأما أنا فسأبدأ بمفاجأة

فأمدهم بشاهد يساند دعواهم في جواز تسمية المنتقلين موتى على هذا الوجه كتابياً، فمثلاً يتكلم الرسول بطرس عن المسيح فيدعوه مماتاً في الجسد، ويتكلم الرائي عن الموت

الأول، فيسمي مفارقة الروح للجسد موتاً، وللجميع..

 

صحيح الجميع عنده أحياء عند الجميع، ولكن دعوى مناقضة شفاعة المنتقلين تعتمد هنا على أن للموت معانس ومنها معنى موت الجسد أنه هو المقصود في الوصية، وأنها تحكم

بعدم استشارة الموتى بالجسد دون أن تذهب لفحص الحالة الروحية والمصير الأبدي للموتى.. هذه هي الدعوة وهذا هو شاهدها الكتابيّ وسأضع امام الدعوة وحجتها السؤال الدائم:

 

لماذا؟ لماذا أوصى الناموس القديم بعدم استشارة الموتى؟

 

و"لماذا" يجيب عليه السياق الذي يشير للعلة والغاية والظروف المحيطة..

وسياق أي جملة يبدأ من قلب الجملة ذاتها، وهو ما يفوت كثيرين من فهم معنى السياق، ويتسع قليلاً للفقرة المحيطة، ويتسع أكثر للسياق الكتابي اللاهوتي العام..

وسيكون لكل هذه الدوائر مساهمة في إحكام الإجابة..

 

فأولاً النص المُستَشهَد به نفسه: "ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جاناً أو تابعة ولا من يستشير الموتى"  يضع استشارة الموتى في جملة واحدة مع الرقية سؤال الجان والتابعة..

الأعمال المرتبطة بالنهي عن استشارة الموتى هي أعمال مباشرة الاستعانة بالشيطان والقوى الشيطانية!

فلعل في استشارة الموتى بحسب الجملة نفسها شيئاً من التعامل مع الشيطان.. هذا أولاً..

 

ونص الفقرة كلها يؤكد بأكثر من إشارة هذا الارتباط بين استشارة الموتى وبين التعامل مع الشيطان:

مَتَى دَخَلتَ الأَرْضَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لا تَتَعَلمْ أَنْ تَفْعَل مِثْل رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ وَلا مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلا عَائِفٌ

وَلا مُتَفَائِلٌ وَلا سَاحِرٌ وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ

إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ. تَكُونُ كَامِلاً لدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. إِنَّ هَؤُلاءِ الأُمَمَ الذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلعَائِفِينَ وَالعَرَّافِينَ.

 

كل الإشارات تتكلم عن عبادة مباشِرة للشيطان من تقديم ذبائح بشرية وسؤال العرافين والعائفين والمتفائلين والسحرة والجان والأرواح التابعة..

هل أوضح من ذلك؟

 

ثم يزيد نهياً ذا دلالة:

وَأَمَّا أَنْتَ فَلمْ يَسْمَحْ لكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هَكَذَا.

 

ويفتح مقابل الدائرة الشيطانية المغلقة دائرة إلهية رحيبة بالشاهد الشهير الخطير:

يُقِيمُ لكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لهُ تَسْمَعُونَ. (تث18: 9-15)

 

للآن فالسياق النصيّ واضح في الفصل بين دائرة المشورة الإلهية الماخوذة من النبي الإله المتجسد وحده الذي هو مثل موسى، وبين دائرة الاستعانة اليشطان،

وهي دائرة يغلقها الرب ليغلق أبواب نفاذ مشورة الحية القديمة للكنيسة، وبثها لسموم معرفتها وعرافتها المميتة..

وتقع وصية النهي عن استشارة الموتى من نصيب دائرة الشيطان المغلقة..

 

لماذا؟

نمتلك الآن سياقاً لاشك فيه يربط الوصية بالاستعانة بالشيطان والمرور عليه في طريق طلب المعرفة.. وغن كان السياق يقينيّة،

ولكن علته تبدو غامضة في

حدود الفقرة، فما العلة في الربط؟ لماذا؟

 

نفحص السياق العام بأكثر اتساع:

واضح من السياق النصي القريب السالف أن الفصل بين دائرة طلب المعرفة من الرب الإله المتجسد المُسمى نبي مثل موسى (عن هذا الشاهد بحث ذو نتيجة أصيلة مذهلة بعنوان

"نبي مثلك")، وبين طلبها من الشيطان يعود بالقارئ الكتابي لرأس القصة حين وُضِعَت أمام الإنسان الأول معرفة حياته موته من وصية الرب له،

ثم وُضِعَت معرفة مضادة مصدرها الحية الغريبة.. ولقد مات الإنسان حين قبل معرفة الحية ورذل معرفة الرب.. وهذه هي السلسلة للأحداث الروحية المترتبة:

- معرفة الحية وقبول غوايتها كمصدر للمعرفة قاد للموت

- موت الإنسان بمشورة الحية كان هزيمة للإنسان منها

- ما انغلب له الواحد فهو مستَعبَد له أيضاً

 

# الحصيلة الآن أن الإنسان في هزيمته من الحية ميت ومُستعبَد معاً..

& والعبد حبيس بيت سيده ولا يبقى في البيت للأبد فقط حسب الناموس الإلهي القديم، ولكن حسب ناموس الشيطان فإنه يستأثر بفرائسه للأبدية التعيسة،

فالنتيجة المُعناة من كل ذلك أن الإنسان في موته حبيس هاوية من انغلب له..

 

وإذا كان هذا رأس القصة في انغلاب وموت واستعباد الإنسان للحية، فإن بقيتها محكمة البناء في تأكيد أصالة وحدتها كجسد كتابّ لاهوتيّ عام لهذا الرأس،

والشواهد التالية في الكتاب على ذلك المعنى للربط بين الموت والعبودية لإبليس والانحباس عنده عند مفارقة الروح للجسد كثيرة جداً منها في العهد القديم:

يَا رَبُّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْهَاوِيَةِ نَفْسِي. أَحْيَيْتَنِي مِنْ بَيْنِ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. ... إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخُ وَإِلَى السَّيِّدِ أَتَضَرَّعُ. مَا الْفَائِدَةُ مِنْ دَمِي إِذَا نَزَلْتُ إِلَى الْحُفْرَةِ؟ هَلْ

يَحْمَدُكَ التُّرَابُ؟ هَلْ يُخْبِرُ بِحَقِّكَ؟(مز30: 3،9)

 

ولعل هذا أوضح الشواهد وأكثرها مباشرةً.. ففي ذلك المكان محبس إبليس المشرف عليه كسجان والجاثم عليه كمشرِّع لا يكون تسبيح ولا شكر للرب ولا يبقى لحبيسي المكان

الشعب الجالس في الظلمة إلا الراجء الذي رقدوا به انتظاراً للرب.. ثم أيضاً:

 

أَفَلَعَلَّكَ لِلأَمْوَاتِ تَصْنَعُ عَجَائِبَ أَمِ الأَخِيلَةُ تَقُومُ تُمَجِّدُكَ؟ سِلاَهْ. هَلْ يُحَدَّثُ فِي الْقَبْرِ بِرَحْمَتِكَ أَوْ بِحَقِّكَ فِي الْهَلاَكِ؟ هَلْ تُعْرَفُ فِي الظُّلْمَةِ عَجَائِبُكَ وَبِرُّكَ فِي

أَرْضِ النِّسْيَانِ؟ (مز88: 10-12)

واضح هنا أن الرب قد صنع للاموات عجائب على عكس قول المرتل، عندما أشهر الرياسات والسلاطين جردها ظافراً بهم في الصليب.. فما هذا الذي يقوله المرتل إلا أنه يصف

المشهد في الهاوية قبل نزول المسيح المخلّص؟ ويشعر القارئ المتأمل مع الوصف النبويّ هنا لحالة الأموات بكآبة جثوم الشيطان وبنفاذ قانون الظلمة التي له فالمعرفة قد احتجبت

وعمل التسبيح بطل وعمل الرب ومجده قد غاب، ولكن إلى حين، إلى ملء الزمان..

 

ومثلهما:

أَسْرِعْ أَجِبْنِي يَا رَبُّ. فَنِيَتْ رُوحِي. لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي فَأُشْبِهَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ (مز143: 7)

 

وفي سفر الجامعة نجد النغمة الأكثر كآبة من المزامير في وصف ذات مشهد الموتى فيقول:

لأَنَّ الأَحْيَاءَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ أَمَّا الْمَوْتَى فَلاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَيْسَ لَهُمْ أَجْرٌ بَعْدُ لأَنَّ ذِكْرَهُمْ نُسِيَ. (جا9: 5)

لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ وَلاَ اخْتِرَاعٍ وَلاَ مَعْرِفَةٍ وَلاَ حِكْمَةٍ فِي الْهَاوِيَةِ الَّتِي أَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَيْهَا. (جا9: 10)

 

وباختصار يكون السؤال: كيف تحل الظلمة ويغيب مجد الرب وتتوقف الأعمال ما لم يكن عدو الخير هو الحاكم وصاحب السلطان في تلك الساحة الجهنمية؟

والإجابة هي: بلى!

 

وفي العهد الجديد:

صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْياً وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا. وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضاً أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى (أف4: 8-9)

فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتاً فِي الْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ، الَّذِي فِيهِ أَيْضاً ذَهَبَ

فَكَرَزَ ِللأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيماً، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ

(1بط3: 18-20)

 

هذا هو السياق الكتابيّ اللاهوتيّ العام الذي يمتد وتنتشر شواهده من التكوين رأس القصة للرؤيا مروراً بكل التعليم الرسوليّ وفي القلب من ذلك تعليم الإنجيل.. كان جميع الموتى

في عالم إبليس في هاويته التي يخيم فوقها ويحكم فيها سلطان الظلمة التي له، وإن كان ذلك على تمييز واضح بين ذوي الرجاء المتعشمين في خلاص الرب وبين الرافضين له..

 

إذاً فإن موتى العهد القديم كانوا حبساء عند إبليس، والمرور عليهم لاستشارتهم يعني بالضرورة المرور على إبليس.. وهذه العلة واضحة لتحريم استشارة

الموتى، كما تتفق كل دوائر السياق:

 ذات السطر الواردة فيه الوصية بعدم استشارة الموتى يأتي في سياق تحريم الأعمال الشيطانية..

 والفقرة كلها تدعم الارتباط بين الأمرين بمزيد من الشواهد، وتفصل فصلاً تاماً بين دائرتين:

دائرة المشورة الإلهية ودائرة مشورة إبليس وتوصي بتكريس هذا الفصل وتحذّر بعقوبة وخيمة لمن لا يتحراه..  

 ثم سياق الكتاب كله يجعل الوصية بعدم استشارة الموتى ترتكن على خلفية من انحباس الموتى في قبضة إبليس قبل الفداء..

 

معنى هذا الاستقراء بكل بساطة هو:

لقد ظهر بجلاء أن علة الوصية بعدم استشارة الموتى قديماً كانت الاحتراس في الابتعاد عن إبليس على أي نحو كان، فإذاً بيقين البداهة بل بمقتضى الإيمان بعمل الرب فإن ذات

"الموتى" عندما لا يعودوا يُسَمّون موتى بالمعنى الروحيّ، أي عندما يزول إبليس من الطريق بيننا وبينهم، ويكون مقرهم هو الفردوس مع المسيح، فإن ذاك أفضل جداً ويفتح لنا باب

الشركة معهم التي تلزمنا بطبيعة كونها شركة بالتعامل المقدس معهم شفاعةً وصلاةً ومعونة..

 

أي بكلمات أخرى يثبت مرة جديدة توصيف الإشكال المعروض في تقديم الموضوع بالاستشهاد بشاهد ضد نتيجة لاقتطاعه من رأس معنى الإيمان،

فها هي الوصية عن عدم استشارة الموتى في العهد القديم تحمل هي ذاتها التوصية بالتعامل مع الأبرار المنتقلين..

 

أيضاً سأسوق مثلين لتمثيل مغالطة الاستعمال العكسيّ للشاهد:

 

على دائرة الحياة اليومية فإن أباً يحذر ابنه من الذهاب لأخيه أو ابن عمه الذي يسكن في منطقة يقطع الطريق فيها لصوص لا يمكن أن تبقى وصيته ملزمة ولا حتى مجرد صالحة

للاتباع بعد انتقال الأخ أو ابن العم للسكن في بيت آمن الطريق إليه مأمون..

 

ومثل آخر: إذا حل احتلال في بلد فإن ذوا الحمية الوطنية يرفضون الذهاب إليه طالما بقي تحت الاحتلال لا لضرورة قصوى، وبداهتهم الضميرية والشعورية في ذلك أنهم لا يقبلون

وضع اختام العدو المغتصب على أوراقهم ولا يقبلون أخذ الإذن منه لدخول بلادهم.. هذا يُسمى المقاطعة في السياسة والمثل يشير لأقصى درجات المقاطعة التي تمنع صاحبها من

الانتفاع بذات وطنه حتى لا يتعامل مع العدو أو يخضع لإذنه.. فمتى رحل الاحتلال ليس فقط لا يصير سبب لعدم ذهاب البعيدين لأقاربهم وزيارتهم، بل يصير السبب كل السبب للذهاب

والاحتفال والتزاور..

 

الخلاصة القائمة الآن على فحص كل شئ أن القاعدة البديهية الواضح لمن يرى شيئاً أي شئ في الكتاب أن الموت قبل المسيح هو غيره بعده..

قبل المسيح سقوط في يد إبليس وهاويته، وبعد المسيح بقاء معه في الفردوس في موضع انفتح طريقه حتى الأرض، فلا يهبط الموتى بعد من الأرض للجحيم

بل يصعدون في الطريق المفتوح الآن المغلق مرةً قبلاً إلى الفردوس..

إذاً وبالإجماع تُوضّع الوصية بعدم استشارة الموتى في موضعها الصحيح بين علتها وغايتها فيُقال:

علّة الوصية هي الغحاطة بالمؤمنين في دائرة مشورة الرب تامة الظهر من مشورة أو شبه مشورة إبليس..

غاية الوصية هي تأديب المؤمنين استعدادهم للقيامة حين يخلصون مرةً وللأبد من سلطان إبليس..

 

 

مع انتهاء الفصل بما يرضي ويغني فإن الواحد يفهم أن هناك من يكررون عبارات ممتلئة بالمغالطات التطبيقية بغير ضبط، أتوفع هنا منها أن يقول واحد: "أليست الوصية صالحة لكل

وقت ومكان؟"، وصحيح كيف يكون الدفاع عن مغالطة إلا بمغالطة لاحقة؟ فإن المغالطة فقط هي ما يمكنها الستر على المغالطة أختها!!  

فلعل هنا بالمرّة مكان لمناقشة الخلط الدائم في أمر صلاحية الناموس بتطبيق الإشكالية على هذه الوصية، وهذا التطبيق يقوم بمثابة مقاربة ثانية لنفس المغالطة موضوع النظر في

هذه الجولة..

فأقرر بوضوح إيماني قبل كل ما يلي أن الوصية مقدسة وستبقى ولا تزول لا نقطة ولا حرف منها كوعد الرب.. صحيح مقدسة.. وصحيح ستبقى..

ولكن بأي معنى؟:

+ بمعنى كونها شاهدة على عمل فداء المسيح الذي أخرج الموتى من حيث لم يكن ممكناً لهم ولا لنا التواصل، وكان مقامهم في ظلمة إبليس وهاويته..

+ بمعنى فهم حكمتها وعلتها ألا وهي الابتعاد عن أي مشورة أو تعامل على أي نحو مع إبليس، والبقاء في دائرة مشورة الرب دون خلط ولا حتى مع شبه مشورة أبليس أو شبه

شبهها..

 

وإذا اختلف حال الموتى بين عهد قديم وعهد جديد تختلف صلاحية وصاياهم بين العهدين وفُهِم مرام حرفها.. وإذا فُهِمَت العلة وأُدرِكَت الغاية عاشت روح الوصية وانتعشت.. ولقد

عاشت روح الوصايا كلها عند الاحياء بقيامة الرب وابطِل لهم ناموس الموت، وأُبطِلَت الوصايا المتعلقة بالموت أُبطِلَت بداهةً، وبقيت فقط كشاهدة لعمل الرب ومحذرة من العودة لحال

العهد القديم وسلطان عبودية الموت..

ولكن أن تبقى كوصية منفصلة عن علتها (الانفصال عن إبليس) وغايتها (التأديب والاستعداد للقيامة) وفاعلة بحرفها المقتطع من العهد القديم في العهد الجديد؟

هذا كمثل بقاء وصية باركوا لاعنيكم في ملكوت السموات!

 

ورغم قسوة الاستنتاج الدائم معنا عن التجديف الخفيّ غير المقصود يقيناً في الاسشهادات المضادة تلك، فإنني أتحامل على مشاعري لاستكمال العرض:

في العهد الجديد في فداء المسيح انفتح الطريق للمرة الأولى وذلك ثابث في قول الرب: يا أبتاه في يديك ستودع روحي.. ولم يحدث من قبل أن قالها ميت..

قيلت فقط بعد المسيح وسمعناها لأول مرة من استفانوس شهيد الرب إذ قال أرى السموات مفتوحة وابن الإنسان جالساً عن يمين العظمة، وقال أيها الرب يسوع اقبل روحي.. قبل

ذلك كان الجميع يذهبون لأسفل..

فإذا كان الطريق مع "الموتى" بالجسد الأحياء يقيناً مع الرب، وليس بعد على رجاء كالقديم بل معه في فردوسه، إذا كان ذلك كذلك، وهو حتماً كذلك، فكم يكون تجديفاً على عمل

قيامة الرب أن نُفَعِّل وصية العهد القديم هذه تحديداً وقد أُبطِل للأحياء الناموس الخاص بالموت والموتى؟

 

لقد ظهر بمقاربتين الآن، الاولى بتتبع سياق الوصية، والثاني بالتماشي مع مغالطة تدافع عن المغالطة الرئيسة، ظهر على كل وجه وبكل مقاربة أن الوصية كانت لتواجه ثمرة الموت،

والآن قد صارت القيامة والحياة..

فما معنى أن يتداوى المريض بالدواء بعد الشفاء إلا إهانة للطبيب الذي عفاه من

الدواء وأجرى له الجراحة الناجحة؟ وماذا يُقال عن التشبث بمقاطعة "الموتى" وهم الآن أحياء مع المسيح، إلا إنها إما مقاطعة مستترة للمسيح نفسه أو عدم

اعتراف بفاعلية فدائه وقيامته؟

 

إن التجديف الضمني هذه المرة به ما يعني إنكار الفداء والقيامة جميعاً..

 

وأما نحن، كمسيحيين جميعاً، فإننا اقتنينا الفداء، وليس فقط صدقناه، ونعيش القيامة، وليس نؤمن بها فحسب، ولأننا نعيشها فإننا نتصل بنتائجها وأعمالها،

ومنها شركة الكنيسة كل الكنيسة في كل الكون، وإذا كانت الوصية أن نصلي بعضنا من أجل بعض، فإننا لا نستبعد المنتقلين، بل بالأحرى نقدِّمهم، ولا تعوقنا وصية العهد القديم التي

انحصرت في غرض العهد القديم، والآن فقد أبطلها المسيح بإتمامها..

 

نحن المسيحيين متصلين حقاً بـ"الموتى" الأبرار الراقدين في الرب لأنهم وإن كانوا مماتين في الجسد ولكنهم أحياء بالروح، وإن كانوا قد ماتوا من ضعف

ولكنهم أحياء بقوة الرب الإله.. وإن كان من المسيحيين من يستبعدون من شركتهم الكنسية الأبرار المنتقلين ظناً منهم أن المؤمنين الأبرار المنتقلين ينضوون

تحت تحريم العهد القديم في استشارة الموتى فإنني أربأ بهم كمسيحيين ولا أحب لهم كمؤمنين بقيامة الرب أن يفهموا هكذا..

 

وتستدعي الذاكرةُ هنا حواراً مع "بيلي"، تجدر إضافته.. و"بيلي" أو "ويليام" شاب كان يعمل لتأمين بيسين فندق كنت أقيم فيه في "ميريلاند" إبان فترة "الريلوكيشن" في حداثة انتقالي

للعمل في الولايات المتحدة ودار الحوار بيننا عندما لمح الصليب في عنقي عن طائفني ما قاده لإبداء سبب عدم ارتياحه للكنائس التقليدية لأنهم يعبدون الموتى الأبرار بدل الرب.. أجبته:

أنت تؤمن بالملائكة ولاسيما بأن لكل إنسان ملاك حارس.. فأجاب بإيجاب لا يخلو من الحماس.. فعليه بنيت وسألته: ما الفرق بين روح الملاك وروح البار الراقد في الرب؟ كلاهما ليس

الرب وكلاهما خادم للرب وكلاهما في معية ورفقة الرب في عمل كنيسته.. ما الفرق؟ هز رأسه بالإعجاب وهو يكرر الكلام مُسائِلاً به نفسه.. الحوار مع بيلي احتشدت فيه نقاط متصلة

لعل بعضها يجد طريقه للوصول لملاحق بعض الفصول التالية،،،

 

 

 

الشفاعة من المبدأ [7]

                        

الجدال حول الشفاعة محفوظ وممل ولكن هنا جديد!!

مرة ثانية ودائمة معنا في هذه الفصول: "أحيا لا أنا بال المسيح يحيا فيّ" (غل2: 20).. "يتصوّر المسيح فيكم" (غل4: 19).. المسيح شفيع فهل حين يحل بالإيمان في قلب المؤمن

ويتصوّر فيه، هل يغير عمله؟ فتكون صورته ويكون عمله منفرداً شفيعاً، حتى غذا حل في المؤمن وتصو فيه أبطل عمله؟ إنه شفيع بطبيعته وقصده وشعوره، فإذاً حين يتصور في

كيان المؤمن الحقيقيّ به، الذي هو أي المؤمن لا يحيا هو بل المسيح يحيا فيه، فإذاً يمتلك المؤمن كل مشاعر الشفاعة بقلبها الملتهب ويصير شفيعاً بقدر وضوح صورة المسيح فيه..

من ينكر من ثَمَّ أن كل مؤمن هو شفيع باللزوم والحتمية فإذاً هو منكر او غافل او غير فاهم لرأس

الإنجيل "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ"..

يخطئ البروتستانت كالعادة الأسيفة خطئاً جديداً قائماً على نفس المبدأ الذي هو تجزئة الغنجيل وعدم فهمه متصلاً قائماً أساساً على رأس تعليمه القائم بدوره على غاية عمل

المسيح التي هي مكتوبة في كثير من الشواهد التي درّتها قول الرسول كخلاصة القول إنه لا يحيا هو بل المسيح يحيا فيه..

وبالمقبل يخطئ البروتستانت بانزلاقهم خطوة في الطريق مع البروتستانت، ليخالفوهم بعد قليل، ولكن التائه يخالف رفيقه في الطريق ليترك الموضع الخاطئ لخطأ آخر، فالطريق

الذي بدأ خطئاً لا يصل للمقصد الصحيح أبداً.. ماذا يحدث؟ سيوافق الارثوذكس مبدئياً على أن هناك شفيع "واحد" هو المسيح، ليعملوا "برواقة" على إيجاد "توصيلة" بين ما وافقوا

البروتستانت فيه وبين إيمانهم الذي خالفه البروتستانت، وليس أفضل من تفسير مصطنع للقيا بدور "التوصيلة" سينتقلون بعد الموافقة على أن الشفيع واحد وهو المسيح إلى التفريق

بين شفاعة وشفاعة.. وما اتعسها "توصيلة" عن طريق التجزئة.. وخذوها قاعدة: أي تجزئة هي من غير المسيح، لأنه في المسيح يسوع فإنه يجمع كل الصحيح إلى واحد وإنما تكون

الفروق بين عناصر الجسد الواحد هي في تميزهم وأقدارهم ولكن السمة واحدة في كل جسد الإيمان المسيحيّ.. ولكن نتكلم بعد فوات الاوان فلقد "سرح "الأرثوذكس" في تفريقهم

الفارق فجعلوا الشفيع الواحد هو في الشفاعة "الكفاريّة" وهناك شفاعة أخرى دعوها "توسليّة"، ومن قسّم فليقسِّم أيضاً فزيادة تقسيم وضعوا حاجزاً بين الشفاعتين فقيل إن من

ينسب لشفاعة الكفارية للبشر فهو "كافر" (قيلت هكذا في غير كتاب صدقوني) ومثله تماماً لا يقل كفراناً من ينسب الشسفاعة التوسلية للرب.. فالرب يكفر لا يتوسل والمؤمنون يتوسلون

لا يكفرون.. وهكذا ما بدأه البروتستانت بقطم المعنى منزوعاً من رأسه أكمله "الأرثوذكس" بالرد عليهم بمزيد من التقطيع، فقسّموا جسم الشفاعة المفصول سابقاً من رأسه فيما

وافقوا البروتستانت فيه بتخصيص الشفاعة للرب وحده، كمساومة طيبة في نظرهم لكي يستفردون بنصيب من الشفاعة للمؤمنين استعمالاً خصوصياً لهم دون الرب..  

وكل واحد يأخذ نصيبه من الشفاعة بعد تقطيع أوصالها..

وكل ذلك هنا وهنالك كلام فارغ من الإنجيل، وعدذوا الأخطاء: 1- فالرب إذ هو شفيع فإنه يشفع في القلوب التي حلّ فيها كما يقول الرسول بولس "من يعثر وأنا لا ألتهب" ومن أين

ياتي بهذا الإحساس الممتلئ شفاعة حتى اللهيب إلا من المسيح الحالّ فيه، فالشفاعة تبدأ لدى المسيحيّ بامتلائه بيقين الجسد الواحد في المسيح لأن شفاعة المسيحيّ ليست شفاعة

واسطة ولا مجاملة.. ثم 2- ليس هناك شفاعة كفارية لأنه ليس ثمّة كفارة تعمل عمل الفداء في المسيح بل مغفرة قائمة على عمل الترضية لقلب الآب بإتمام خدمة المصالحة، وليس

منتهى المصائب بعد، فـ 3- إن الشفاعة الغفرانيّة كما سلف التنبيه، لا الكفاريّة، حاضرة في طلبات الكنيسة منسوبة لكل الأبرار المنتقلين وكم يُقال بشفاعة العذراء والملائكة وفلان إلى

آخر هؤلاء الأبرار يا رب انعم لنا بمغفرة خطايانا.. ثم معكم النقطة الأثقل: 4- أن الشفاعة التوسلية قام بها المسيح أنجح قيام ولولا شفاعته التوسلية لما كان لمؤمن شفاعة من أي

نوع، ومن لا يصدق فليسأل كاتب رسالة العبرانيين الواصف شفاعة الرب التوسلية في أيام جسده حين قدم بصرخ شديد ودموع طلبات وتضرعات (عب5: 7)... ولا اظن أن احداً ستأخذه

الحمية للدفاع عن نفسه فيقول إن هذه ليست شفاعة وإن الرب كان يطلب عن نفسه فحسب.. إذاً متصلاً بشفاعة الرب الغفرانية بتقدمه للصليب فغنه قدم شفاعة توسليّة بصراخ

ودموع وسُمِع له لأجل تقواه.. اسمعوا إذاً وافهموا ما هو أن الشفاعة المسيحية واحدة الغفران هو مقصدها وغايتها، والتوسل للآب هو طريقتها، وليس ثمة تفريق بين طريقة الشئ

وبين غايته وإما هو تمييز أوجه العمل الواحد.. وهذه الشفاعة بكل وجوهها المسيحيّة جميعاً هي أصلاً للمسيح ولبغيره ليس لها منفعة، والآن فإن غاية المسيح توحيد مختاريه في

واحد ولذلك فإن ما في سمات الرب فإنها تنطبع في نفوس من يحل فيهم، فيصيرون شفعاء كما هو الرب أيضاً، شفعاء من حيث اتلهابهم من أجل من يعثرون وبكائهم مع من يبكون،

وصراخهم للرب عن أولئك، طلباً أول كل شئ لتوبتهم لأن الرب يقول أيضاً اطلبوا ملكوت الـله وبره وهذه كلها تثزاد لكم، فماذا نتوفع ان يتشفّع عنه الأبرار اولاً إلا غفران خطايا من

يتشفعون بهم؟! انتهى مفاد الفصل لمحبي التلخيص عساه لم يطل، والبقية تجميع لنوتات قديمة لحينما أعود فأنسق العرض كلّه بعون ربنا...

 

ظهر الآ من رأس الفصل أن الكلام ليس م نذلك المتكرر بأخطائه وسأمه، وإنما يحمل الكلام هنا بعون ربناً جدداً وعتقاء، عتقاء في العمق والمعنى الإنجيليّ،

وجدداً في التنبيه للأخطاء المستوطنة الدخيلة، ثم لعلّ في ردة الفعل الغاضبة من الفرقاء المتابعين الآن جدداً وعتقاء أيضأً J (على أساس أن بهم من المتعقلين من لم يغضبوا يعد):

 

عادتي مع عموم البروتستانت لاسيما غير ذوي العلم منهم، ولا أجمع بإطلاق، أنهم يدخلون الجدال بتكرار نصوص كتابية في مقابل تفسيرات وحجج متكررة سبق تعاملهم معها.. فإذا

فوجئوا في المناقشة بحجة جديدة أو بنص كتابيّ غير مسبوق الاستخدام في الموضوع ارتبكوا.. وهذا ماسيحدث هذه المرة عندما يظهر من الشرح كيف ان لب احتجاجهم ضد شفاعة

القديسين هو ذاته دليل حتميتها، ولن ينتهي العرض قبل أن أكشف آسفاً اتهاماً واضحاً في قسوة الاتهامين السابقين لا يقل، بتجديف لا يدرونه في احتجاجهم المعتاد ضد الشفاعة..

 

وأما "الأرثوذكس" في عمومهم أيضا، وليس الجميع مطلقاً، فإنهم يسعدون بأية حجة تسند إيمانهم ولكن سعادتهم يشوبها الحذر وأحياناً ينقلبون للغضب العارم إذا ما كانت الحجة

الجديدة تناقض شيئاً حفظوه من حجج قديمة وتظهر مواطن العوار فيه.. وهذا ما سيحدث هذه المرة..

وعلى هذين الحالين المعتادين أنتظر غضب الجميع وأسعد به أيضاً.. فاسمعوا وعوا واغضبوا.. ولا تخطئوا..

 

ولتكن البداية ونبدأ مع النص الأشهر الذي يستخدمه البروتستانت ضد الشفاعة:

  لنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار.." (1يو1:2)

 

وهم عادةً يسوقون النص بالدفع لإيحاء كلمة "واحد" التي لم ترد به فيقع في روع المتلقنين أن النص يقول "لنا شفيع واحد".. ومع ذلك فسأبدأ شرحي بالتسليم بما يفترضونه ضمناً

في النص، وليكن لنا شفيع واحد.. وأنا لا اسلّم بهذا هزءً ولا تحدياً ولكن أسلِّم بحق أن المسيح هو الواحد الوحيد في كل ما صنع.. ولكن...

 

ماذا يعمل المسيح الحال فينا؟ هل يكون شفيعاً خاجرنا ويغير عمله فينا؟ المعنى البسيط للشفاعة الحتمية..

هل المسيح عقيم؟ حاشا! هل عقم عن أن يأتي بأولاد للآب على صورته أي المؤمنين باسمه؟

هل عجز الآب عن أن يخلق خليقةً جديدة على صورة ابنه بالروح القدس المجدد لخليقتنا في المسيح؟

هل لم يتصور المسيح فينا؟ ألم تحل صورته فينا وتنطبع فتظهر أعماله فينا كقصد نعمته؟!

 

حسناً يفكرون أن الشفيع للبشرية واحد ظلت تلك تترجاه حتى أتى، ولكن لماذا يريدون حال البشرية بعد إتيان المسيح كنفسه قبل مجيئه، من حيث غربة شكل البشرية عمن تجسد

وأخذ صورتها؟ هذا ارتداد عن أصل القصد! التدبير لتحقيق غاية والغاية توافق وتدعم بقية الغايات إن كان صاحب الغاية حكيماً وقادراً، ولا أقدر وأحكم من الرب، فكيف يجعلون بداية

غايته تقصر عن بلوغ تمامها؟! كيف يقبلون مسيحاً شفيعاً ويحجزونه- حاشاه- دون أن يستعلِن كل صفاته في نفوس مختاريه المخلوقين على صورته للشهادة لها بإظهارها في أنفسهم

كلٌّ على قدر نصيبه من ظهور الرب فيه؟ الكلام هنا ليس عن بشر يساوون المسيح- حاشا، ولكن عن مؤمنين يظهر فيهم المسيح بحسبما هو ولكنبقدر ظهور على قياس النعمة

المعاطة لكل واحد..

 

هذا هو موطن التجديف التابع لـ"حجة" هذه المرّة: أنهم ينادون –دون دراية- بعمل المسيح باطلاً –حاشا- وبالمسيح عقيماً منفرداً بصورته ضانّاً بها أو عاجزاً عن تصويرها بالحلول

بالإيمان في قلوب المؤمنين باسمه وبعمله –حاشا ثم حاشا!!

 

أي نوع من "الوحدانية" فهمها المحتجون ضد الشفاعة في وحدانية المسيح كشفيع؟ ألا يحسن الشارحون البروتستانت للعقيدة أن يتكلموا عن الوحدانية الجامعة في طبيعة الإله؟

ثم ألا يتقدمون اكثر فيحسنون القول إن الرب الإله طبع سمة الوحدانية الجامعة في خليقته؟ ثم بعد هذا ألا يحسنون تقديم الإنسان نفسه كالمثل الأخص الذي يعكس صورة خالقه (مع

لزوم التحفط التصحيح لبعض التمثيلات لاسيما تلك التي تُدخِل الجسد كعنصر في التشبيه)..

 

فإذا كانت وحدانية الرب الإله هي وحدانية جامعة، وهي كذلك يقيناً إيمانيّاً، وإذا كانت ليست فقط جامعة بل ولّادة تخلق على صورتها ومثالها، وهي كذلك يقيناً كتابيّاً، فلماذا يختطفون

قول الرسول "لنا شفيع عند الآب" ليصوروا به الشفاعة هذه المرة عملاً احتكره الرب دون شركة النعمة مع المؤمنين؟ كيف يستقيم أن ينعم على البشرية بصورته في العموم وعلى

المؤمنين بصورته باكثر خصوص وقداسة، ثم يمنع عن صورته فيهم أعمالها اللازمة؟

 

واضح هكذا أن كل المداخل الإنجيلية تلتقي في الكرازة بنفس المعنى.. فمن جهة المسيح فإنه يتصوّر في مختاريه، ومن جهة المؤمنين الحقيقيين فإنهم يحيون لا هم بل المسيح

يحيا فيهم.. وإذ المسيح يحيا في نفوس المسيحيين فماذا يعمل المسيح الحالّ فيهم؟ هل هو مسيح غريب عن المسيح؟

ألا يقوم بعمل المسيح لأنه هو نفسه المسيح بصورته مستودعاً إياها حيثما حلّ؟

 

وأيضاً لنتناول المعنى بابسط المداخل: فإن قلق المتشبثين بهذا النص الكتابيّ كناقض لعموم الشفاعة ينشأ من أوهام مخاوفهم على كرامة المسيح أن تُسلَب وعمله أن يُنسَب لغيره،

ولهذا الفهم يُقال ببساطة الإنجيل مع الرسول أنه لا احد بدون الرب يقدر أن يعمل شيئاَ ومقابل هذا نستطيع كل شئ في المسيح الذي يقوينا وأننا بعد كل شئ نحن ما نحن ولكن نعمة

الإله العاملة معنا وبالإجماع فإن النعمة تعمل عمل صاحبها وليست باطلة –حاشا- فينا!

  

فهكذا وبقوة المعنى المسيحيّ الذي لا يقبل الإنجيل بأقل منه تبطل حجة أن الشفاعة تسلب عمل المسيح لأنني استطيع كل شئ في المسيح، وقبلها تبطل

حجة أن وحدانية المسيح هي وحدانية مصمتة عقيمة، وإنني كمؤمن بالرب فأنا ما أنا ولكن نعمة الإله العاملة معي، وإنني بدونه لا أقدر على شئ، وإن صورته

فيّ، وإنني انظر لتلك الصورة بوجه مكشوف لأتغير إلى تلك الصورة عينها كما من الرب الروح وليس كما من عندياتي، وإذ أن نعمته عاملة معي وصورته فيّ

فإن نعمته وقدرته وصورته ليست باطلة ولا خاملة..  

 

إذاً فليس معنى أان المسيح يعمل الشفاعة وحده هو قَصْر معنى الشفاعة على المسيح دون محاولة لفهم كيف يعمل البناء الكنسي وكيف تعم النعمة وكيف تتوزع الأدوار لنفس

العمل الواحد في الجسد الواحد الذي رأسه المسيح)  فلو لم يكن ذلك هو المعنى المقصود بالمسيح كشفيع واحد، فماذا يكون المعنى المقصود؟

 

+يتفرد دور المسيح في الشفاعة بكونه وحده دافع الرصيد اللازم والمفعِّل للشفاعة..

+في مد كل من يشترك فيه بالبذرة التي تصوره وبالطاقة التي تنمي البذرة وبالضمان الذي يحفظه في شركة هذا العمل الإلهي..

+وفوق كل شئ فإن كل شفاعة من إنسان للآب لكي تكون مقبولة ينبغي أن تُقَدَّم باسم المسيح، بينما المسيح لا يقدم شفاعته باسم أي واحد غيره وإنما يقدمها بسلطان اسمه الذي

هو فوق كل اسم..

+إن وحدانية المسيح كشفيع هي الوحدانية في إنشاء عمل الشفاعة، في تأسيس العمل وإطلاقه، في الوساطة بين البشر والـله كقول الكتاب "يوجَد إله واحد ووسيط واحد بين

الـله والناس الإنسان يسوع المسيح (اتي2: 5).. وهنا يكون التمييز بين الوساطة والشفاعة في غاية الجدوى واللزوم..

وهذه الوساطة لا يصح معها الشرح كما سلف مع الشفاعة، لأن وساطة المسيح تنبع أصلاً من طبيعته الفريدة إلهاً متأنساً، والطبيعة الإلهية يمكن الاشتراك في سماتها ولكن ليس في

التحول لشخص صاحبها الرب، وعمل التجسد يمكن الاشتراك في أعماله وثمار نعمته ولكن لا يمكن القيام به هو ذاته بداهةً وإلا فكيف يتأنس الإنسان؟ هنا ينفرد المسيح لأن تلك

الوساطة هي أصلاً رأس عمل الشفاعة والمسيح ينفرد بكونه الرأس لكل عمل صالح..

 

فالآن مع تفرد المسيح بهذا المعنى للشفاعة فإنه ليس عقيماً ولا يحتكرها لنفسه، ولكنه يتفرد بأصلها ورأسها ليضع صورته في المؤمنين ليتشفعوا كلٍ في دوره..

ومن ثَمَّ فلكي تعمل شفاعة المؤمنين يلزمها أن تصل للمسيح الذي يعمل وحده –باعتباره الإله المتجسد- كوسيط بين الناس والآب (اتي 2 : 5 )..

 

هذا هو معنى المسيح الواحد في كل عمل، ولمن يعترض عليى الشرح فله هذه المفاجأة أن هذا التوصيف لمعنى وحدانية المسيح يشمل كل أعماله كمعلم واحد (ومع كونه هو

المعلم الواحد فقد وضع في الكنيسة معلمين) وكراعي واحد (وقد وضع على صورته رعاة) ثم وحتى تعلو المفاجأة لقامة ملء المسيح فإذ هو المخلص الواحد وحده فإنه مع ذلك،

وبالأحرى لأجل ذلك، أرسل التلاميذ ليخلصوا على كل حال قوماً 1كو9: 22)، فإذا هؤلاء التلاميذ بدورهم يوصون المؤمنين أن يخلصوا البعض بالخوف من النار (يه1: 23)،

ويثيرون ضمائرهم بأن مَنْ رَدَّ خَاطِئاً عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ يُخَلِّصُ نَفْساً مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا (يع5: 20)— مع العلم بأن الكلمة المُترجَمَة "يخلِّص" هنا وردت

بذات كلمة الخلاص الخاصة بعمل المسيح من جذر: "سوس")..

ولا يمكن للشرح أن يستقيم فيبقى المسيح هو المخلص الواحد ويدخل المؤمنون كفاعلين في عمل الخلاص إلا بفهم معنى الوحدانية الجامعة الإنجيلية في شركة النعمة..

وحدانية المسيح في تأسيسه للعمل وحده وكونه الرأس الواحد للعمل وكونه العامل الواحد فيه ولكن مع ذلك – أو بالاحرى من اجل ذلك- فهو لا يحتكر العمل ولا يعقم أن يصوّر

المؤمنين على صورته ولا يبخل أن يعمل من خلالهم وبهم ذات عمله ويظهر فيهم ذات صورته العاملة..

 

تم الشرح الذي إذا فاته واحد فاته معنى الإنجيل والكنيسة جميعاً.. للأسف!

 

ولكن ولاكتمال أسف المتأمل، فإن الخطأ في فهم المعنى الخاص بالنص الكتابي "لنا شفيع عند الآب يسوع المسيح"، ذات الخطأ في الفهم ابتلعه الفريق "الأرثوذكسي" المدافع عن

الشفاعة.. لم يفهموا معنى وحدانية المسيح في العمل على النحو الإنجيليّ الصحيح، واختطفهم اختطاف البروتستانت للمعنى، ولما كانوا قد نشأوا على صحيح عمل الشفاعة فقد لجأوا

لمحاولة تفسير ركيكة، وكيف لا وهي تفسير لنص لم يفهمه مفسره من الأصل!

 

فلما كان البروتستانت قد بدأوا مع النص بالتقسيم بالقَصْر فكان بالأرثوذكس أنهم لجاوا لحيلة إعادة التقسيم.. ولكنهم وقعوا في نفس فخ التقسيم وفصل المعنى بعضه عن بعض..

وإذا بأحد الشراح يخرج بحيلة تقسيم الشفاعة إلى كفارية وتوسلية.. ويزيد بعده من اضاف للحيلة حبكاً فحرّم نسبة الشفاعة التوسلية للمسيح.. ثم زاد التعقيد أن بعض المفسرين فسروا

نصوصاً كتابية على هذا الأساس، فتعقد الخطأ وتراكمت مستوياته.. ودائماً عندما يحل التقسيم (لا التمييز) يكون المدخل قد انفتح للشيطان صاحب شعار قسِّم تجد مدخلاً وفرِّق تسُد..

 

فأول الرد على هذا الشرح الفاسد هو الضبط المنطقي لخطئه من المبدا، فلا يستقيم التقسيم منطقياً على اساس الكفارة والتوسل، فكلاهما لا يمثلان بدائل لوجه تقسيم واحد ولا

ينتميان لمعنى واحد، فالتوسل هو طريقة عرض الشفاعة والكفارة هي غرض الشفاعة، والغرض لا يقابل الطريقة منطقاً.. فقد يصح أن يتوسل الواحد ويكون غرضه توسله "الكفارة"

فيجمع بين المعنيين في الشفاعة الواحدة..

 

وثاني أوجه كشف الارتباك في هذا الشرح هو التناقض الظاهر فيه مع الليتورجيات الأرثوذكسية التي تصرخ بطلب شفاعات العذراء وصلوات القديسين "لكي ينعم لنا (الرب) بمغفرة

خطايانا".. فها هي شفاعات وطلبات غرضها مغرفة الخطايا.. فكيف يستقيم مع هذا تقسيم الشفاعة إلى توسلية خاصة بالقديسين و"كفارية" خاصة بالمسيح..

 

وثالث وأهم أوجه فساد هذا الشرح هو إهانة شفاعات القديسين بحصرها في التوسل (دون الكفارة).. ففيم سيتوسل القديسون؟ ولم سيطلبهم المؤمنون؟ في البحث عن شئ

مفقود؟ أو في التدخل لعمل أشفغية جسدية؟ جيد وكريم ولا بأس، ولكن إذا تم حصر شفاعة القديسين في هذا، فأين يذهب طالبو الشفاعة من قول الرب اطلبوا أولاً ملكوت الـله

وبره؟ بل أين يذهب القديسون أنفسهم من الوصية لو طاوعوا طالبي شفاعتهم في حدود كونها "غير كفارية"؟ إن إهانة وصية الرب بطلب ملكوت الغله وبره ليست مجرد إهانة تنحصر

مشكلتها في الخلل الأدبيّ للمتشفعين، ولكنها تعني خسارة روحية لمن يفوته فهم الشفاعة الصحيح، إذ ينحصر في استحضاره للقديسين في طلبات أرضية وتفوته شركة النعمة

السمائية مع القديسين بفواته لوصية الرب..

 

وأما وجه الفساد الرابع والأخطر لاهوتياً في ذلك الشرح المؤسف في تقسيم الشفاعة، فهو قصره الشفاعة التوسلية على القديسين مثلما قصر الشفاعة الكفارية على الرب، وهذا

سيؤول إلى إنكار تجسد الرب وصيرورته عبداً وفي الهيئة كإنسان، لأن الرب في أيام جسده:

قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، (عب5: 7)

وكان بتوسله هذا يعمل عمل الشفاعة العظمى عن البشر كنائب عنهم وهي لابس لطبيعتهم متحد بها..

ألم يكن في هذه الطلبة الربانيّة الخطيرة التوسل كل التوسل وعمق التوسّل بأعجب درجاته؟! ألم يؤكد بهذا حق تجسده وأنه "العبد المتألم" موضوع النبوات العجيب والأثير؟

 

ثم وجه فساد أخير ملحق بما سبقه وهو سوء تفسير النصوص الكتابية والليتورجيات.. ومن هذا تفسير شاع لقول الرب:

فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِاسْمِي. وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ الآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ

(يو16: 26-27)

يقول التفسير ما معناه إن الرب لا يستعفي من الشفاعة والطلب هنا ولكنه يتكلم عن الشفاعة التوسلية التي لا تليق به.. وفساد التفسير واضح من حيث أنه إذا صح فإنه يجبّ

الشفاعة التوسلية على إطلاقها ولا تعود لها جدوى من القديسين أنفسهم، كيف لا وسبب بطلانها حسب النص الكتابيّ نفسه هو أن "الآب يحبنا"، وهي محبة ثابتة حقيق معها –إن صح

التفسير- أن يقول بالأولى كل قديس مثل المسيح إنني لا أطلب لأجلكم لأن الآب نفسه يحبكم.. وهكذا فبتفسير مختطف لنصف الجملة ومبني على شرح مُعَد سلفاً بغير خبرة إنجيلية ولا

منطقية نصل لبطلان الشفاعة التوسلية على إطلاقها من حيث أراد شارحونا ومفسرونا إثباتها للقديسين دون الرب..

وأما اللافت جداً وموضع المفاد والنافع لفهم المعنى في هذا القول الرباني فهو تسبيب الرب لتوقفه عن السؤال عن تلاميذه، فهو يقول: "لأنكم قد احببتموني وآمنتم أني من عند الـله

خرجت".. وفي هذا السبب مُلاك المعنى الإنجيليّ لوحدة الفاعل في العمل (المسيح) مع عدم منع ذلك من اشتراك المؤمنين فيه، فإن المسيح كان يطلب اولاً وقبلاً عن بشرية ساقطة

ومنفصلة عن عمل الرب، وهو في عمله هذا ناجح وخرج ليغلب، وليس عقيماً أبداً، ولذلك فإن التلاميذ المختارين قد آمنوا به، وحال غيمانهم به تغير الحال فصاروا في حضن المحبة

الأبوية وصارت الطلبة لأجلهم لا لزوم لها وإلا كانت تشهد شهادة زور عن عدم جدواها أولاً ولصارت باطلة كطلبات الأمم، حاشا للرب، وإنما تبقى هذه الطلبة الربية الكفارية من أجل من

يسقط في الطريق ومن يحتاج لمعاودة التوبة ولمن يشفع فيه الرب بطلب أن يُترَك هذه السنة أيضاً..

 

ما هو الخالص من الشرح الآن؟

            

بكل لزوم الأسف لقد خرج الفريقان من ساحة فهم المعنى الإنجيلي المتكامل لوحدانية الجسد المسيحي الذي المسيح رأسه، وفهم كلاهما معنى كون المسيح واحداً في العمل فهماً

قصرياً، وانطلقا يختلفان ولطنهما انطلقا من نقطة خاطئة أصلاً كانت هي وحدها ما اتفقا عليه، وهكذا بقي الجدال دون أمل في التصالح النظري على الأقل، والدعوة الآن هي للعودة

لساحة الإنجيل وفيه لا اختلاف ولا لا بل فيه النعم والآمين.. وإذا كان لأحد المتابعين في القراءة قبول لهذه الدعوة، فلعله يسأل: إذاً ماذا نقول بالجملة عن الشفاعة إنجيلياً؟

 

الشفاعة في تجريد معناها وقبل النظر في معناها المسيحي لها غرض ولها وسلية..

  وفي المسيحية فغرضها هو التكفير عن الخطية لا غير، ووسيلتها هي التوسل البنوي لا المهين وحالها انها بدأت ككل عمل مسيحي بالمسيح الرأس، الذي

توسل في أيام جسده كابن تعلم الطاعة مما تالم به، ثم أن الرب بقبول شفاعته وتكفيره عن البشر صنع بروحه القدوس من المؤمنين به خليقة جديدة على

مثاله أبناءً للآب بتبني النعمة، فصاروا على مثاله يتشفعون بتوسل للآب الواحد عن أخيه لكي يسهل طريق التوبة ولكي يرد الخاطئ عن طريق ضلاله لكي ينعم

بكفارة المسيح، فكانوا في شفاعتهم يشتركون في عمل الكفارة لا بتأسيسها ولا بدفع ثمنها – الذي هو عمل الرب وحده- ولكن بالإرشاد إليها وبالصلاة من أجل

الثبات فيها الواحد عن أخيه..

 

إننا باشتراكنا في الشفاعة، أحياءً على الأرض أو عند الرب في السماء، سائلين التكفير عن خطايا بعضنا البعض ومغفرتها ومتوسلين لتسهيل طريق التوبة لنا ولإخوتنا نظهر صورة

يسوع الشفيع المتصور فينا الحال بالإيمان في قلوبنا ونفسح لنعمته ألا تكون باطلة بل عاملةً  أعماله فينا.. ولتقسيم هذا المعنى وفصل رأسه (المسيح) عن جسده (المؤمنين به) لا

يسمح الإنجيل، وبأقل من هذا المعنى لا يقبل لنا الإنجيل!            

 

 

 

أمثلة الإيمان والأعمال:

الإيمان العامل بالمحبة

 

هذا الفصل وجيز ودقيق.. هو لا يناقش عموم جدلية الخلاص بين الإيمان والأعمال والإيمان العامل.. كل هذا تم حسمه لفظاً لفظاً لفظاً وشرح دقة منطق

منظومته بشواهد الإنجيل وإحكام المعنى غير مرة على المنابر[8]..

 

على أن من بين هذه الجدلية المتكررة بين أخطاء وأخطاء فإن نقطة بعينها تمثّلت فيها سمة هذا المجلد.. سمة اختطاف معنى ونزعه من رأسه ما يجعله يرتد عليهم دون أن يدروا،

يقابل ذلك التهور البروتستانتيّ ردود "ارثوذكسية" بعضها طيب وبعضها مفتعل ولكن دائماً يفوتها ضبط المخطئ في بؤبؤة مصدر خطئه والرد عليه بذات شاهده.. في هذا الفصل

فالعرض يتركذز على مثلين يستعملهما إخوة بليموث للدلالة على أن الخلاص بالإيمان وأن محاولة الخلاص بالأعمال هي مكرهة الرب.. الأمثلة لمن يتمعن فيها يجدها ليست فقط لا

تتحقق في الشواهد المُختَطَفة هي منها، لها، ولكن الشواهد عينها ينتهي معناها بالضرورة لتثديم أمثلة للمعنى المضاد فهي شواهد ضحد فكرة من يختطفونها للاستشهاد بها..

من هذه الأمثلة تصويرهم لقربان قايين أنه قربان الأعمال وقربان هابيل أنه قربان الإيمان.. والصحيح أن هابيل قدم قربانه بإيمان عامل بل كان عمله أكثر من عمل قايين فضلاً عن

كونه صحيحاً لا باطلاً كإيمان ذاك.. وأيضاً قايين لم يخل من الإيمان وإلا فلماذا قدم قرباناً أصلاً؟ ولكن الفارق بين إيمان هذا وذاك ومن ثم الفارق بين أعمال كليهما، أن هابيل قدم

قرباناً بحسب التسليم الصحيح نقلاً عن آدم.. فمن ثمَّ كان خلاص هابيل بإيمانه بما تسلمه تسلّماً صحيحاً ولم ينشقّ عنه ليخترع لنفسه بحسب ضلال فهمه ورغباته عبادة خصوصيّة J..

تم ملخص موضوع الفصل الوجيز بدوره أصلاً وكن بعض السرد لا يضرّ ولعله يسرّ ذوي الشغف بتفاصيل قصة الفصل معي:

 

مادة هذا الموضوع عَرَضَت لي مرتان.. مرة في 2003 في فترة النشاط على البالتوك عندما زحف على الغرفة مجموعة من المراهقين فيما يبدو من المتأثرين بشروح ماكنتوش

وجماعة بليموث.. ومنهم سمعت للمرة الأولى هذه "الحجة" لنبذ قيمة الأعمال تعضيداً، حسب فهمهم، للإيمان – حاشا للإيمان المسيحيّ أن يكون تعضيده انتقاصاً من قيمة الأعمال..

والمرة الثانية عَرَضَت لي من أحد المعتبرين كباراً بين أمناء الخدمة في الكنيسة عندما جهز مادته في موضوع عن الذبائح ناقلاً من المصادر البليموثية عن قناعة لا جهل!

 

وفي المرتين قلتُ ما سأقوله هنا..

 

إنها عادة رديئة أن يعتقد الواحد في عقيدة ما صحيحة أم خاطئة فيطارد كل نصوص الكتاب المقدس ويحاصرها ويلوي أعناقها لتقر بما يريد، فإن لم يمكنه ذلك مع النص فلا يفلته، بل

يُعمي عينيه وأذنيه ويتخيل فيه أنه يبدو كما يريد ويقول ما تستحكه مسامعه إليه..

 

وأما الحجة هذه المرة التي ترتد على قائلها كسمة مواضيع هذه المجموعة فهي تمثيل قايين بالأعمال وهابيل بالإيمان!

 

وهكذا تصوِّر هذه الحجة تمثيلها لقايين وهابيل بالأعمال والإيمان: هابيا قدَّم ذبيحة دون أعمال فكانت مقبولة لأنها ترمز لإيمانه بدم المسيح، أما قايين فقدَّم من تعبه في فلاحة

الأرض فكانت تقدمة أعماله مرفوضة.. انتهى منطوق الحجة..

 

قلتُ رداً على هذه الانتقائية السمجة:

 

ولكنّ ذبيحة هابيل اسلتزمت عملاً اصعب من أعمال قايين في الفلاحة، وهذه يُسأَل فيها يعقوب شخصياً الي رعى واقتنى زوجتيه بعمل رعوي وكلم خاله لابان وكانه يكلِّم مبتدعي

أواخر الدهور معه وشرح تعب عمل الرعاية فقال:

كُنْتُ فِي النَّهَارِ يَاكُلُنِي الْحَرُّ وَفِي اللَّيْلِ الْجَلِيدُ وَطَارَ نَوْمِي مِنْ عَيْنَيَّ. (تك31: 40)..

 

وأما تقدمة قايين فلم تخلُ من إيمان، وإلا فلِمَ قدَّم من الأصل ما قدم؟

إذاً وبداهةً فليس عيب قايين خلوَ قربانه من الإيمان وليس فضل هابيل خلوَ ذبيحته من الأعمال، فكلاهما كان له إيمان وأعمال، ولعل أعمال هابيل كانت أتعب على غير وجه..

 

فما الأمرُ؟

إن فضل هابيل هو في نوع إيمانه وأعماله وعيب قايين في نوع إيمانه وأعماله.. هابيل آمن بما تسلَّم وعمل بموجب إيمانه المُتَسَلَّم بصدق.. وأما قايين فقد عمل برأيه ومن معرفته

ومن ابتداعه؟ هل لاحظتم الكلمة؟ قايين مرفوض لأنه مبتدع! لأنه أتى بدخيل خلطه مع أصل الإيمان وتعهد بعمله خدمة هذا الابتداع..

 

المشكلة هي في نوع الإيمان قبل أن تكون في غيابه وفي نوع الأعمال قبل ان تكون في حضورها.. وطالما يثعجِب مثل هابيل أصحابنا فليتمثلوا بإيمانه العامل وبأعماله المؤمنة

وبكيان عبادة مسيحية واحد: جسده الإيمان، وروحه الأعمال، واسمه الثلاثيّ الإيمان العامل بالمحبة ليكونوا شركاء هابيل ولنكن جميعاً معهم بنعمة الرب التي تمنح الإيمان للإنسان

فيؤمن، وتعمل في إرادة المؤمن فيعمل، ولندع هذه التشبيهات المختطفة التي تخلو من المنطق وتتعدى بالخفة والصبيانية على احترام النص المقدس![9]

 

 

 

خلاص المؤمن "حتماً"؟!

 

رأس خطأ البروتستانت هنا هو خلطهم بين "المختارين" و"المؤمنين"، فكل مؤمن لديهم هو من المُختارين..

ورأس خطأ "الأرثوذكس" في الرد عموماً هو رفضهم لحقيقة الاختيار الإلهيّ الذي يقابله سوء تفسير البروتستانت له (من حيث تبنِّيهم للتبرير الأغسطينيّ التجديفيّ).. ولكن ما يُعني

هذا المجلد هو لقطة استعمال الروتستانت لدليل مقتطع وليس فقط مقتطعاً ولكنه دليلضد قصدهم، وليس فقط ضد قصدهم ولكن غفلتهم عن كل ذلك ليست لعلة إلا علّة العلاقة

الاجتزائية السطحية مع المكتوب.. بينما في المقابل تأتي الردود "الارثوذكسية" مبتلعة جزءً من خطأ البروتستانت تحاول بعده إيجاد "وصلة" بين ما وصلوا له مع البروتستانت إلى ما بدئوا

بمحاولة إثباته، كما هو حال كل فصول لقطات هذا المجلد..

ومادة الفصل مُعدَّة بتصرّف من ثمرة حوارات قيلت مع بروتستانتيّ على بالتوك، وسأثبت الحوار المعنيّ في متن الفصل بدلاً من تكرار المادة، على أن أيتبها إلحاق حوار تابعاً لذلك

الأول في ملحق الفصل..

 

وهكذا دارت المجاوبة المعنيّة: لقد بدأ بعض هواة ناشئي البروتستانت بطرح ما كان يبدو من أصواتهم أنه حجة قاطعة لدى الواحد فيهم ينتظر بعدها إقرار الخصم له أو انهياره، وكان

من نصيب هذا الفصل هذه "الحجة":

- مكتوب "فَسَتَقُولُ: قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لِأُطَعَّمَ أَنَا.  حَسَناً! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ" (رو11: 19-20)،

فواضح، يستنتج المتحاور البروتستانتي أن بدون الإيمان ينقطع الغصن، وبالإيمان يثبت، وطالما قد تثبت فلا يمكن قطعه أيضاً!!!

انتهى منطوق الـ"حجة" مباشرةً قبل علامات التعجب التي جاءت من عندي.. إنه بحق لعجيب مؤسف أن يصل الغرض المسبق في غثباغت فكرة أو عقيدة إلى هذا الحد من اختطاف

النصوص التي ليست فقط لا تدل على الملوب الاستدلال عليه، بل تدل بكل صراحة على عكسه القاطع.. وللأسف يندفع هنا "شباب الأرثوذكس" فيتكلمون عن أن هذه الشواهد نبوية

وتخص اليهود وكلام بلا معنى خلا أنهم فاتهم أن الخصم قدم حجة على نفسه لم يدركوا دلالتها لتي تنهي الجدل قبل بدئه، ولا عجب فهم لم يحاولوا فهم الشاهد أصلاً!! على كل حال لم

أفعل أنا أكثر من استكمال النص بعد إبداء التعجب:

+ لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!

لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضاً! (روم11: 20-21)

 

وبينما أنا اظن مشفقاً، على المتحاور وعلى نفسي من تدني المستوى، أن الاحتجاج قد توقف بسقوطه البين، فإذا به يحاول محاولة أبعد فيقول:

- إن قصد الوحي هنا تخويف للمؤمن حتى لا يكون مؤمناً مهملاً!

غير صحيح:

+ فبأي شئ يخيف الربُ المؤمنَ؟ بتهديد كاذب؟ حاشا للرب..

+  والأسخف: أي جدوى بل أي حكمة في تهديد بعلم من يتلقاه أنه وهميّ (بحكم أنه مؤمن يفهم "الإيمان" مثل صاحب الحجة)؟

+ أم لعل المؤمن لا يعلم أنه لا يسقط أبداً وهكذا وفقط هكذا يكون للتهديد جدواه؟ هنا وقفة توبيخية مع صاحب تلك الغجابة: فيا اخ أنت هكذا توجَد معانداً لغرض الرب حين تكشف

للمؤمنين ما يحرص الرب على إخفائه عنهم وتبطل من ثم جدوى تحذير الرب الذي جعلته به قبلاً صاحب تهديد كاذب حاشاه!!!

 

عاد ليقول ما حفظ نطقه دون الالتفات لمعناه، مثلما سبق ولم يلتفت لمعنى الشاهد الكتابيّ الذي استشهد هو نفسه به:

- الرب هنا يتكلم عن المؤمن غير الحقيقيّ الذي يؤمن إيماناً نظرياً فقط، وذلك مثل إيمان الشياطين وليس عن هذا المؤمن نتكلم..

فاستكملت الجولة معه:

+ إذاً فشاهدك بحسب ادعاءك الأخير هذا يتكلم عن مؤمن غير حقيقيّ، في حين أنك استشهدت أصلاً للبرهنة أن المرمن الحقيقيّ لا يسقط!! فلماذا تحتجُّ به أصلاً وهو لا يشهد

لقضيتك بحسب ما انتهيت إليه.

 + على أن هناك لك خطأ فوق خطأ!! فالنص يتكلم فعلاً عن المؤمن الحقيقيّ على خلاف محاولتك المتراجعة الأخيرة.. اسمع بقية النص:

فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضاً سَتُقْطَعُ. وَهُمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي

عَدَمِ الإِيمَانِ سَيُطَعَّمُونَ. لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطَعِّمَهُمْ أَيْضاً. (روم11: 21-23)

هل إيمان الشياطين أو حتى الإيمان النظريّ المجرد يُثَبِّت في لطف الإله؟

وأخيراً تكرّم على نفسك بالعودة بالنظر لأول النص:

حَسَناً! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. (رو11: 20)

هل الإيمان غير الحقيقيّ بحسب ىخر تفاسيرك للشاهد هل هكذا إيمان كاذب يُثَبِّت أصلاً في الزيتونة؟

 

 انتهت الجولة الأولى النموذجية مع من تعلموا أفكاراً دخيلة ثم تعلموا كيف يختطفون لها الشواهد، ولكن لم يتعلموا التريث في انتقاء شواهدهم حتى على الأقل إذا كانت غير شاهدة

لهم فلا تكون شاهدة فوق ذلك عليهم.. انتهى تسجيل الجولة معهم وكانت عقوبتهم العادلة هي نتيجة هذا النقاش![10]

 

مع تنبيه جدير للقارئ المُتابِع بأن هذا الفصل لا يمثل أخطاء الرسميين المنهجية وإن ظهرت فيه أعراض تلك المشاكل لدى كبار الفريقين على صغارهم..

 

 

 

الاعتراف للكاهن

 

 

بعد فصلين انخفضت المشكلة فيهما لمستوى الهواة، تعود إشكالية المجلد في قضية الاعتراف للكاهن إلى مستوى التعليم الرسميّ!!

نفس ترتيب وتوصيف الإشكالية: البروتستانت يرفضون تعليم سليم ويسوقون ضده مبادئ كتابية مقتطعة، فيقابلهم "الأرثوذكس" بحشد أدلة تجمع بين الصحيح والخاطئ، على أن في هذه المرة فهناك إضافة:فإن التعليم "الأرثوذكسيّ" أصلاً، وقبل الاحتجاج البروتستانتيّ، قد داخلته المبالغة السمجة التي تخرج عن دائرة الإيمان الأرثوذكسيّ السويّ، ومطمئناً لانتباه القارئ المُتابِع ليذي الدُربة في لغة الأقواس ورفعها لديّ، فإنني أسوق في هذا الهامش[11] بروابط تُعالج تلك الإشكاليّة لأستكمل من ثمَّ عرض الإشكالية المعنيّة في هذا المجلد..

 

يُحسِن البروتستانت بداية هذه الجولة، ويسئ الأرثوذكس الرد، فيتلقَّف أولئك منهم ما أساءوا فيه ويمسكوه عليهم فتتعطل الجولة عند ذلك الرد السئ، ويتأخر الفريقان عن اللحاق بالمعنى الصحيح وإن تقدما بعد ذلك للتراشق المعتاد بين غير ذوي العلم والحكمة منهما..

 

هكذا يتكلم البروتستانت في قضية الاعتراف للكاهن فيقولون:

نحن نعترف للمسيح وحده

 

ويالها من فرصة ذهبية يمنحها الأحباء بإصرار وتمسك ولا أقوى منها لإلزامهم بالمعنى الأرثوذكسي الكتابيّ ولكن.. وآااه.. لم يعتد الأرثوذكس في كلامهم أن يناقشوا بأرثوذكسية كتابية، وهم بين أن يبتلعوا جزءً خاطئاً من تفسير مضاد، أو يرفضوا جزءً صحيحاً .. وهذه المرة يرفضون الصحيح الثمين وإن بنى عليه البروتستانت أخطاءً لا تُبنَى..

 

يتطوع البروتستانتي ويبدأ كلامه بشأن الاعتراف بقوله إنه يعترف للمسيح، يقول هذا بفمه وبإصرار يفلته الأرثوذكسي! ويفوت قيمة الإقرار..

بينما كان الواجب الوجيب به أن يمسك بيده ويتهلل معه، ويوافقه كل الموافقة ويقتاده لبقية الطريق الكتابيّ من حيث أحسن البداية؟

 

يقول البروتستانتي إنه يعترف للمسيح وحده، إذاً فينبغي أن يسبقه الأرثوذكسي بهذا الإقرار ويوافقه ويدعوه ليذهبا معاً للمسيح ويتقربان منه بأكثر موافقة وسرور، وعند "قربانهما" إليه هنالك يدعو الأرثوذكسي أخاه البروتستانتي لينتصت لقول الرب نفسه..  

 

وماذا يسمع المتقرّب باعترافه بخطاياه للرب إلا هذا القول من فمه:

فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ

أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ. (مت5: 23-24)

لا تبقى حجة لأي واحد ألا يعود لكل من أخطأ في حقه تائباً طالباً مغفرته قبل مغفرة الرب وقبوله مصالحته.. 

 

ولكن هناك خطايا لا تخص تعاملات الأفراد معاً، وغنما تخص سمعة الشخص لدى المؤمنين وغير المؤمنين.. وفي كل خطية تمس سمعة الإنسان وطهارته فإنه لا محالة يوجَد

مخطئاً في حق الكنيسة.. لماذا؟ لأنه عضو فيها محسوب عليها سمعتها هي محصلة سمعة أفرادها وطهارتها من طهارة أعضائها:

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً (اكو12: 27)

 

 

ولنفس المعنى مدخل خطر وأظهر!!

صحيح أن أية خطية تكون في حق الرب وتلحِق باسمه الحسن، من حيث أن اسمه ليس غريباً عن الإنسان المؤمن بل دُعِي عليه، كما هو مكتوب:

لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ (رو2: 24)

 

 ولكن الكنيسة ليست غريبة عن اسم الرب بل هي جسده:

لأجل جسده الذي هو الكنيسة (كو1: 24)

 

 ولاسيما ونحن أعضاء هذا الجسد المقدس:

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً. (اكو12: 27)

 

من لحمه وعظامه ومفديين بدمه:

لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. (أف5: 30)

 

فبمثل ما تخص خطية الإنسان وتسئ لاسم الرب، وبمثل ما هي تتعدى على الإنسان الآخر الذي لحقه تعدى المخطئ، فهكذا هي وعلى كل وجه تمس وتخص الكنيسة باعتبارها أولاً: جسد المسيح الذي أغضبته الخطية، وثانياً هي الجسد الذي يقوم المؤمن كعضو فرد فيه..

 

ولهذا فالكنيسة الحريصة على سمعتها وطهارتها طالبةً إسكات جهالة الناس الأغبياء كانت لا تقبل المعلوم عنهم خطاياهم إلا بعد إعلان التوبة جهاراً.. والحق أن التائب يأكله قلبه لإعلان توبته أمام كل من علموا عنه خطيته، ليتبرّأ ويبرِّئ كل من تعلّق به، ولا حاجة له بقانون كنسيّ.. ومن ذلك فقد:

 كَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِم وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ.

(أع19: 18-19)

 

والآن فمن من الكنيسة يمثلها ويُقَدِّم له إقرار الخطأ في حقها طلباً من المخطئ الاصطلاح مع إخوته أعضاء الكنيسة حتى يتقرَّب للرب الذي أحاله إلى طلب الاصطلاح مع إخوته أولاً؟ قديماً كانوا يعترفون علناً في مسامع الأسقف أو القس، والآن تعددت الكنائس واتسعت، وزاد الناس وتعقدت أمور الحياة وتداخلت الهيئات في المجتمع، وتشابكت العلاقات، وهناك أنواع من الخطايا في تعاملات البشر محدودة المدى، فبعد أن يلتزم المخطئ بالتصالح مع كل من أخطأ في حقه، لا يكون ملائماً أن يزعج الجميع بقصص محدودة الأثر، فيصح، ولا يصح غيره، أن يقر بخطيته وتعديه للكنيسة وطلب الاصطلاح معها في شخص وكيلها الكاهن، وإن لم يفعل بقي تصالحه مع من أخطأ في حقهم ناقصاً نقصاناً عظيماً بعظمة الكنيسة جسد المسيح..

 وهكذا صار التعارف على تعيين القس مسئولاً عن تلقي اعتراف المخطئ، حتى إذا ما رأى الشعبُ شخصاً معروفاً بخطيته المهينة صار مفهوماً أنه يتقرَّب معهم لجسد الرب، ويتشارك معهم في الحياة الكنسية على مسئولية القس الذي سمع منه اعترافه بخطيته في حق الكنيسة.. فإن لم يكن الحال هكذا يكون الأسقف أو قس مقصراً لا محالة، وتُطلَب كرامة الكنيسة من يده..

 

يخطئ "الأرثوذكس" بخلط كل الخطايا معاً، غير مميزين بين خطايا تعدي بين أفراد، وخطايا عامة تخص ظاهر السيرة، ويخطئون من ثمَّ بوإلزام المخطئ بالاعتراف للكاهن، غير فاهمين اصل لزوم ذلك وحكمته، ويتقدمون في خطأ الفهم بافتراض لزوم الحل كعمل "سريّ" للمغفرة، وتلك بدعة دخيلة[12]، ولكن أصل الاعتراف موجود ولازم وهو ما يخطئ كثير من البروتستانت برفضه بالمقابل..

 

نعم لا وجه حق للمشاحنة مع بروتستانت أو مع غيرهم في نكتة وجوب الاعتراف السريّ الشامل بالكبيرة والصغيرة للكاهن، ولكن عندما يقطع أكثر البروتستانت مبدأ الاعتراف من

جذوره ويعاملون المعنى بساطور الجزار لا مشرط الجراح فإن شواهدهم تشهد عليهم ويبقى حالهم حال من يستهينون بنقاء الكنيسة رسمياً في حين أنني لا أجامل "الأرثوذكس" في

سقوطهم في نفس الخطأ ليس رسمياً ولا نظريّاً، وهو ما سأحيل رصده والتبرؤ منه للهامش حتى لا يثقل تفصيل الاستطراد على متن الفصل! [13]

 

هكذا يليق النقاش وهكذا ينبغي ان يسير.. رصد كل فريق لخطئه والانتباه من قطع جذور التعليم في عمل الاعتراض على تشويه دخيل فيه، والناتباه بالمقابل

من حشر المبالغات في التعليم بمظنذة تكريمه وترسيخه.. وهكذا يتنقّى الفريقان من الشطط يميناً ويساراً بالحذف وبالإضافة، وفي رجاء حدوث ذلك من

الجميع حتى يقتربون في موضع المكتوب كما هو، في انتظار ذلك على الرجاء أختم الفصل بجملته الرئيسة:

فياللخيبة أن "الأرثوذكسيّ" المحب للأرثوذكسيّة أي الاستقامة في إيمانه المسيحيّ أنه يجد من يقول له إنني أعترف للمسيح فيرد لا لا يصلح،

بدلاً من أن يُحسِن أن يصل به من بداية السائل الصحيحة إلى النهاية الصحيحة التي عنده هو دون أن يفهم كيف هي صحيحة!

 

 

 

المعمودية المُخَلِّصة[14]

 

نصيب "الأرثوذكس من الخطأ في هذه الجولة هو سوء فهم المعودية وليس صواب حفاظهم العظيم عليها.. واما نصيب البروتستانت من الخطأ فهو المعتاد في هذا المجلد: قطع

الشاهد من رأس الإنجيل.. على ان في هذه المرة زادت فداحة الخطأ بقطع كلمة من الشاهد من جملته!!

 

وتظهر بهذه الجولة أعراض آفة المقولبين من ورثة الجدليات المحفوظة، الذين إذا تفاجئوا بحجة جديدة خارج النص الذي تلقنوه، ولما كانوا لم يتعلموا أمانة النظر والبحث والإجابة عن

الإيمان بوداعة الفاهم لإيمانه والخوف من مسئولية كلمة الرب، ولكن تعلموا جيداً جداً استرجاع المُلقَّنات، فإنهم يتهورون في حيرتهم فيخبطون أي إجابة يندمون عليها.. هذه آفة كل

ورثة الجدليات الخائبة من كل الفُرقاء، وأما البروتستانت فيهم فتتركز أزمتهم هنا حين تكون الحجة المفاجئة لهم من الكتاب المقدس الذي يزعمون أنه مرجعيتهم الوحيدة.. ومثال لكل

هذا التنظير الحوار التالي الذي وقع بالفعل:

 

حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ

الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيح  (1بط3: 20-21)

 

تهوَّر المتصدّي للجدل واندفع كما توقعت ليصيح: إذاً فالمعمودية مثال أي رمز وليست أصل ولا تنشئ في الحقيقة شيئاً لازماً للإيمان.. مجرد رمز..

 

هكذا "حجة" هي العهد بالبروتستانت حين يتفاجئون بحجة حقيقية كتابية لم يعتادوا عليها، فلاعجب أنهم كبيراً وصغيراً يخترعون رداً "على الطاير" يزيد على الخطأ الرئيس أخطاء لاحقة، وهكذا "رد" من جانبهم يكون منجماً لأوجه الفساد، ومن ثمَّ لم أتعب في سرد تفاصيل فساد الاحتجاج المسكين:

 

+ المثال غير الرمز.. المثال شئ أو شخص أو قصة يشبه ما يراد التمثيل له، أو قد لا يُراد التمثيل ولكن يكون القصد هو رصد وجه التماثل بين مثيلين..

وأما الرمز فعلامة تقوم مقام ما يرمز إليه، والتقدم له بالتكريم أو التعرض له بالإساءة يُحسَب بحق للمرموز إليه به، وقد يحمل الرمز تماثلاً مع المرموز إليه او قد يكون الارتباط على وجه آخر غير التماثل كتداخل الرمز في حادثة أو تزامنه معها، فللترميز أوجه كثيرة على كل حال..

هذه بداية تلزم لتنظيم النقاش ووضع كل كلمة في معناها حتى لا تختلط الألفاظ فتتوه المعاني..

 

* والآن فإن النص يقول: "الذي مثالُه يخلّصنا".. المثال هنا هو المعمودية، والمثيل له هو الطوفان.. فهناك عند الرسول وجه للتماثل بين المعمودية والطوفان.. وفي النص ملاحظتان تعنيان بمباشرة وسطوع خطورة المعمودية في عرف الرسول المتكلم:

 

+ الأولى أن مثال الطوفان (أي المعمودية) أتت كفاعل مرفوع بالضمة وفعله الذي يقوم به هو الخلاص! المعمودية بكل وضوح هي فاعل في فعل الخلاص.. المعمودية "تخلصنا الآن".. خلّص يخلِّص فهو مخلّص.. المعمودية مخلّصة!

 

+ الملاحظة الثانية هي في خطورة مثيل المعمودية.. الطوفان أتى ليكتسح العالم القديم الفاجر.. أخطر حادث طبيعي في تاريخ الكرة الأرضية بعد خلقها هو ذلك الطوفان.. فكأن الذي يرى في المعمودية رمزاً ويفهم كلمة مثال على انها مجرد تمثيل شكليّ، كأنه يسأل الرب وقت الطوفان: ما هذا يا رب؟ فيضع على فم الرب قوله: هذا مثل أو رمز.. فيستزيد: مَثَل أو رمز لأي شئ يا رب؟ فيتصور ثانيةً رد الرب: مثل ورمز لمثل ورمز يأتي بعده.. ولا يملك المراقب لهذا الحوار التخيليّ إلا ان يصيح: كل هذا الطوفان الذي اكتسح كل جيل نوح من البشر وجدد\ وجه الأرض هو مثل ورمز؟ ولماذا؟ لمثل ورمز آخر يأتي بعده بلا أية فاعلية.. ثم والأعجب في سخف هذا التصور، أن الطوفان الذي كان بحجم يغطي الجبال يأتي في عُرف أصحاب فكرة المعمودية الرمزية كرمز لتغطيس فرديّ، أو رش ببعض قطرات الماء! هل من أي تناسب بينهما؟

 

الخلاصة أن لدينا نصاً قاطعاً على أن المعمودية فاعل من فعلة الخلاص.. بمنتهى الوضوح.. وأنها أتت مثيلاً لمثيل خطير جداً في التاريخ الطبيعي والروحي للبشرية كلها هو الطوفان..

والأسف المعتاد هنا أن النص يُختَطَف بخلط جليّ ليُساق عند الضرورة على أن المعمودية مثال أي مَثَل أي رمز، وفي هذا تسفيه للتدبير الإلهي وتصويره أنه هزل أو عبث أن يكون الطوفان رمزاً لرمز وأن يكون الرسول متكلماً عن عمل رمزي كفاعل في الخلاص![15]

 

 

وإلى الآن فلا وجه للغضب المقابل من بعض الأرثوذكس وقد اكتمل الاستدلال و المناقشة من البداية للنهاية على نحو مرضٍ تمام الرضى لنفوسهم.. ولكن الغضب يبدأ في موضوع المعمودية ومع ذات هذا النص الكتابيّ عندما يبدأ تحري وجه التماثل بين الطوفان والمعمودية..

 

وحسناً أن الرسول تكلم بهذا التمثيل بين الطوفان والمعمودية ليفتح سر المعمودية أمام الشغوفين بفهم الأسرار الإلهية.. الموضوع له موضعه من البحث المستطيل في ورقة خاصة،  ولكن يدعو السياق هنا لعرض مختصر ونافع..

 

ومفتاح الفهم هو في كون الطوفان مخلِّصاً.. من حيث النص الصريح "ثمانية انفس خلصوا بالماء" ومن ناحية أنه يماثل المعمودية التي هي مخلِّصة.. لاحظوا:

 

خلصوا بالماء وليس خلصوا من الماء!

 

+ عندما ينظر العابر الخالي الذهن من استيعاب منشئه ومقصده وخط سيره في عمل الرب، فإنه يرى تلقاءً في الطوفان المشكلة لا الحل.. ويرى في النجاه أنها منه وليس به.. ولكن الرسول بطرس هنا يقول صريحاً إن الخلاص هو بالماء أي أن الماء هو وسيلة الخلاص وليس المشكلة المطلوب الخلاص منها!

 

+ وتفوت هذه الملاحظة القارئ للتعمية المعتادة بالنظر العكسيّ للطوفان على انه هو المشكلة، وعلى هذه التعمية لا يدقق في حرف الجر ويقرأ خلصوا بالماء على أنها خلصوا منه بالفلك..

 

+ ولكننا نراها الآن.. الطوفان مخلِّص.. فمِمَّ يخلِّص؟ الجواب البديهيّ، والذي زاده الرسول وضوحاً فذكره، هو الخلاص من فجور العالم.. الطوفان أتى وخلص الثمانية الأنفس البارة من الوجود وسط عالم فاجر.. لم يكن بإمكانهم التخلص منهم بالسفر بعيداً، لأن بقاء الفُجَّار سيطالهم حتماً وسيطال نسلهم بحكم قوانين الجاذبية البشرية والتوسع البشري..

 

+ الماء خلّص الأبرار لأن البار خفيف بالروح فوإن احاطه الماء لكنه يطفو فوقه، وبينما الفاجر الذي تثقَّل بالأرضيات تغلبه الجاذبية الأرضية فيغرق.. هذه صورة عمل الماء المخلِّص.. ولهذا صح الماء كتمثيل ظاهر لعمل روحي حقيقي وليس تخيلي.. ولهذا كان التشابه بين الطوفان والمعمودية:

 

+ في ماء المعمودية يغطس الإنسان فيُحكَم على العتيق بالموت ولا يطفو فوق مياه المعمودية إلا الجديد.. من هنا يتفق الشكل الظاهر للمعمودية مع عملها الروحيّ الحقيقي.. وهذا تفصيل العمل:

 

+ المعمودية شرطها الإيمان، فيقول في موضع: "إن كنت تؤمن من كل قلبك (أن يسوع هو ابن الـله يجور أن تعتمد)" (أع8: 37).. وفي موضع آخر: "من آمن واعتمد خلُص (ترجمتها الحرفية: (سوف يُخَلَّص" (مر16: 16).. ومن اجلى مواضيع الإيمان فداء يسوع من الخطية، فإذ كان ينبغي للمتقدِّم للمعمودية الإيمان بفداء يسوع فقد قيل عن يسوع: وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (مت1: 21).. فالقضية هي أن المتقدِّم للمعمودية يؤمن بيسوع المخلص خلاصاً فدائياً من الخطية:

 وهذا يحمل معه الإقرار بورطة الخطية وظلمة الإنسان العتيق وحالة السقوط التي هي فخ يحتاج للفداء منه..

 وبعد الإقرار بورطة الخطية والحاجة للفداء، فالمعمودية تحمل بوضوح طلب هذا الخلاص من الرب الذي باسمه تكون المعمودية..

 فيكون تاج الإيمان اللازم للمعمودية هو الإيمان بشخص يسوع ابن الإله أنه هو وحده الفادي من فخ الخطية والمخلص بمعموديته منه..

 فبالنزول للمعمودية يعتمد الرب الإيمان ليحقق لصاحبه نجاته من الإنسان العتيق والإنعام عليه بخليقة جديدة تخلُص بالماء (أي بعمل الماء المخلِّص)، وليس من الماء (أي من خطر يوقعه الماء)..

 

+ يبقى فقط لاكتمال مثل المعمودية مع الطوفان، أن يتقدم الطالب للمعمودية إلى نوح المؤتمن من الرب لكي يضمه للفلك الذي ترفعه المياة وتخلصه بمن فيه من عالم الفُجَّار.. وهذا هو عمل الكاهن المؤتمن من الكنيسة باسم الرب في المعمودية..

 

 

وبعد ذلك، فما الذي قد يغضب بعض الأرثوذكس من المعنى؟ الذي يغضبهم هو ببساطة تأصيل المعنى الذي يعيد كل عمل وشكل إلى أصله من المعنى.. فذلك يثير لديهم القلق في الشكل المحفوظ بلا أي معنى لديهم، فقد عهدوا ان عملاً بذاته لا لزوم لمعناه يخلص القابل له من الخطية..

هكذا فهموه وتعهدوه بكل أسف..

 

ولكن لما كان لهذا العمل تحديداً المعنى كل المعنى والخطورة كل الخطورة وبكل جِد، فإن ذات المعنى يشرح ويجيب على أسئلة بدا من الاستحالة الإجابة النظرية عليها:

* مثلاً: ما هو مصير من آمن بالرب بكل عناصر الإيمان السالفة ولكن لم يعرف شيئاً عن الكنيسة الأرثوذكسية أو استحال عليه الوصول لها؟ او عرف عنها ما لم يشجعه على دخولها من أمثلة سيئة من المنتمين لها؟ ومثل هذا كثيرون جداً في العالم؟ ماذا يكون مصيره؟ بالمعنى المشروح فإن إيمانه قد اكتمل واستحقاقه للمعمودية أي الخلاص من العالم والخطية والإنسان العتيق قد جهز وبقي له الكاهن القابل له.. أفليس المسيح رئيس الكهنة بنفسه؟ هل يؤخر عنه عمل القبول في جسده وانتشاله الروحيّ من عالم الخطية؟

* ومن هذه الأمثلة الشهيد الذي يؤمن في ساحة الاستشهاد فيُستَشهَد لفوره، ومن هؤلاء الطوباويين الكثيرون جداً في تاريخ الكنيسة.. وقد اثار مثالهم الحيرة والسؤال عن مصيرهم دون معمودية.. ولما كانت المعمودية من ناحية التقليد الصحيح والنصوص الكتابية القاطعة لازمة للخلاص، ولما كان هلاك الشهيد –حاشا- ضد أي ضمير سليم، فغن الكنيسة اعتمدت ما تسمى بمعمودية الدم.. ولكن بقي السؤال بلا إجابة: أين المياه وأين الكاهن؟ وأين النص الكتابي الذي يفيد بالمعنى؟ فهذه هي العناصر اللازمة للمعمودية، ولو جاز أن تتسمى معمودية دون أصولها لجاز العبث بكل معنى.. والآن مع هذا الشرح السالف تتم الإجابة:

 

+ فالمياه هي في معناها قبل أن تكون في شكلها، ومعناها هو الغضب الإلهي النازل على الخطية والفجور ليحمل فوقه الإرادة الرافضة للفجور التي ينعم عليها الرب بخليقة جديدة متبررة ومقبولة منه..

++ والقراءة الكتابيّة هي كل الشواهد المتكلمة عن المعمودية بحسب الفهم المشروح، والجليّ، لاسيما في رسالة بطرس الرسول لمن يتأمله بسلامة نظر..

+++ وأما الكاهن فهو الرب رئيس الكهنة الحكم الأعلى في كل شئ.. ومن السخف أن يُحجَب كهنوت المسيح بكهنوت الكهنة الذين أخذوا نعمة الكهنوت أصلاً من المسيح صاحبها ومثلها الأعلى..

 

 

هذا الشرح للمعمودية حريّ بإسعاد الجميع لاسيما "الأرثوذكس"، لأنه يثبت المعمودية التي حرصت الكنيسة الارثوذكسية بكل إخلاص عليها وحفظتها عبر الدهور مصونة من العبث، ذات قانون إيمان مسلم بدليل من الرسل بنصه الذي هو أصل قانون الإيمان النيقاويّ.. هذا حريّ بإسعادهم بالأكثر أنه يقدم الإيمان الأرثوذكسي تقديماً مقنعاً للذهن مرحياً للضمير من حيرة الاسئلة الصعبة، متفقاً مع الكتاب، مُسلِّماً للرب بالحكم الاخير في كل شئ..

 

 

وأما ما يبقى من قلق وتخوف سوء فهم الكلام، وما قد يقود إليه سوء الفهم من استخفاف البعض بالمعمودية الكنسية رجاءً في معمودية خاصة ينالونها من الرب مباشرةً، فمثل

هؤلاء من غير الفاهمين يُحَلّ سوء فهمهم بالشرح لا بالحجب، وبالنقاش لا بالامتناع عن تقديم الفهم الكتابيّ المنطقيّ السليم.. ولا يبقى من سيئي الفهم بعدهم إلا سيئو النية وذوو

الطيش المستخفين بعمل كنيسة الرب.. وأولئك  المستعفون من الخضوع لكنيسة لا نصيب لهم مع الرب الذي أودع الكنيسة كرامة الائتمان على المعمودية.. فلا هؤلاء المستخفون

شهداء ولا هم ذوو أعذار مانعة من المعمودية، ولا يبعدون كثيراً عن "غير العلماء وغير الثابتين الذين يحرِّفون الفهم كباقي الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم".. فمالنا ولمن يسعون لهلاك

أنفسهم ونحن نتكلم عن المعمودية المُخَلِّصة..

 

 

 

الأيقونات

 

لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالا مَنْحُوتا وَلا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الارْضِ مِنْ تَحْتُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الارْضِ.

لا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلا تَعْبُدْهُنَّ (خر20: 4-5)

 

تنويع جديد على نفس منوال الإشكال.. هذه المرة يسبق الفريق المتمسك بالمعنى الصحيح فيبالغ فيه ويشط لحد فوق المعقول، فيأتي بعده الفريق المعاند ويختطف شواهد يحاول

بها هدم أصل المعنى الإيمانيّ فتكون لا فقط ليست شاهدة له وإنما شاهدة عليه[16]..

 

- يبدأ "البروتستانت" باستسهال تصدير الشاهد المعنون به الفصل:

الوصية تقول لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً فالكوتاليك مخالفون لأنهم يصنعون تماثيل،

وتقول: "ولا صورة" فـ"الأرثوذكس" مخالفون بدورهم لأنهم يصنعون صوراً (أيقونات)،

وتقول: "لا تسجد لهن ولا تعبدهن"، وجميعهم يسجدون ويعبدون!

 

+ ولكن الوصية ليست ضد "صنع صورة أو حتى تمثال" من حيث ذات العمل، بدليل أنها لو قصدت منع صنع الصورة-أي صورة، فما جدوى استكمال القول بالنهي عن السجود لها، إذ

من خالف وصنع صورة فهو مخالف من البداية ومن لم يخالف فلا معنى لنهيه عن السجود لما لم يصوره أصلاً؟

وقبل ذلك ومن المتكرِّر ذكره تذكير المعاندين الخاطفين للوصيّة بما يرد في فصول قريبة عن صنع الكاروبين ووضعهما فوق تابوت العهد! فإذاً القصد هو صنع الصورة للسجود لها،

ولكن ليس السجود في ذاته من حيث كونه سجوداً هو الممنوع وإلا فكيف سجد المضيفون لضيوفهم علامة ترحاب كأنه يقول للضيف أنت سيد البيت رافعاً عنه حرج كونه ضيفاً تحت إمرة

صاحب البيت، وإنما المقصود بوضوح النص هو خاتمته التي تنهي عن عبادة تلك الكائنات أيّاً كانت في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض..

فقضية الشاهد هي قضية "عبادة الصور"، والتحريم والتحذير فيها هو بشأن هكذا عبادة لغير الرب..

 

فأين الأيقونات من تلك المُحرَّمات؟ إنها في موضع العكس تجاهه!!

بداهةً أن الأيقونات في العبادة من حيث قصدها ليست لكائن من كان غير الرب، ولكن هي إما للرب نفسه؛ أو للرب في مواقف من العناصر الرئيسة للإيمان المسيحيّ كالميلاد أو صنع

ممعجزة أو التجلّي أو الصليب أو القيامة أو الصعود؛ أو حلول الروح القدس، الذي- انتبهوا- ظهر في هيئة جسميّة أي رسم ظهور نفسه بما يُرَى ومن ثَمَّ يُرسَم (لو3: 22)؛ أو لأبرار أكملوا

سيرتهم في الرب فصاروا موضوعاً للوصيّة التي تحيلنا للنظر في مثالهم الصالح (عب11، يع5: 11، وغيرهما)، والذين التمثّل بهم، وبحسب وصية ثانية أيضاً، هو مدخل قريب ودافع قويّ

للتمثّل بالمسيح (1كو1: 11).. فإن كان السمع عن السيرة البارة موضع كرازة إنجيلية، فما المشكلة في تثبيت السيرة المسموعة بصورة مرسومة؟

وليس بعيداً عن بساطة المعنى ما يقوله كاتب رسالة العبرانيين يقول: "أذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الحق انرظوا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم"(عب13: 7)[17]..

 

-- تهوّر

وبعص رافضي استعمال الأيقونات في العبادة يشطّون ويعتبرونها ليس فقط عبادة غير نافعة ولكن "عبادة وثنيّة"- حاشا..

 

++ ولقد عبر بالمناقشة في الفقرة السابقة شاهد عن تجسّم الروح القدس في هيئة حمامة مرئيّة، ولقد لفتُّ النظر للانتباه هنالك..

ليس هذا تجسد الرب في صورة إنسان حيث يذهب المنطق إلى أعماق تتجاوز حدود المسألة محل النظر هنا، ولكنه تجسّم للروح القدس الذي لا يتجسّد، أي ظهور في صورة مرئيّة،

فإذاً، وإن كنتُ لا أختطف مجرد التجسّم في الظهور للإلزام بالعبادة بالأيقونات، فإنني أفيد بحسم أن هذا التجسّم الفائق الكرامة يحرم المعترض تسمية الأيقونات عبادة وثنية من حيث

هي أيقونات.. إنهم يهاجمون ما يقوم برسوخ على صُلب مبادئ ما يؤمنون به ويستدلّون على هجومهم بما يتيههم عن مبدأ إيمانهم المسيحيّ..

 

  مرة جديدة لا جديد!

الاعتراض يخطف الظاهر في غير موضعه وبعيداً عن مقصده فيتوه بشاهده ذاته إلى ما قصد عينُ الشاهد إغلاقَ الطريق إليه!!

فحين تطلب الوصية تحريم عبادة غير الرب وغلق طريق ذاك من رأسه فإن المتهجِّمين على الأيقونات في العبادة يحرّمون عبادة الرب ذاته، والتمثّل بأبراره كما هم به، والتماس هذا

البرّ كله في الأيقونة كشاهد ماديّ ظاهر للحواس..

نعم لا مفاجأة ومرة جديدة: الاختطاف المُسبَّق طالما يقود لعكس مقصدكم الطيب! يا مؤمنين انتبهوا!!

 

---  فماذا عن الجهة "الأرثوذكسيّة"؟

تهوّر في الناحية المُدافعة

يقحم فرقاء جهتنا ردوداً بغيرة تتجاوز المعرفة والتعقّل..

ويقول آخرون إن تكريم الأيقونات هو بسبب مسحها بالميرون الذي يمثل حلول الروح القدس!!

ويفتحون الباب لاحتدام المعركة خارج حقلها حتى يكاد المنهمكون في هكذا معركة الانقطاع عن العودة لأصل السؤال لعلهم ينجحون في الوقوف على أساس كتابيّ يحل الأزمة..

أما تلك الردود فيجدر تفنيدها بالمرّة قبل سماع إجابة الكتاب النقيّة الشارحة للموضوع بغير تثقيل من تفنيد ومتبعة لجدليّة ما..

 

+++ فأما اتهام رافضو استعمال الأيقونات في العبادة بأنهم منكرون للتجسد في حقيقة أمرهم، فهو اتهام بالغ التعسف والجور:

وهو رد قائم على افتراض ضمنيّ أن تكريم المادة في التجسد يُوجِب تكريم كل المواد وصلاحيتها من ثم لاستعمالها في العبادة، ولكن نفس من يُقيم هكذا توصيف فهو إما من الذين

يؤمنون ويستعملون مصطلح "التألّه" الذي هو لديهم بمعنى تجلّي مواهب الرب في الإنسان، أو أقل القليل هو مسيحيّ بغير نزعات تحزبيّة، فهو حتماً يؤمن بتجسد الرب في طبيعة

الإنسان.. ليس إذاً قاعدة الإيمان لدى من يدفعون بهذا الرد تفيد بتجسد الرب في مادة غير الإنسان الحيّ..

وإذاً كان عليهم إثبات أن المادة غير الحيّة يمكن بتقديسها أن تُستَعمَل للتعبير عن الإيمان المُحيي وتجوز في العبادة من ثَمَّ..

إن فكرة التجسد داعية بلا جدال للتقريب من قبول مبدأ تقديس المادة المرسومة والعطريّة وما إليهما في العبادة، فتجوز كمدخل لشرح مبدأ العبادة بالأيقونات، ولكنها لا تثبتها ولا تلزم

رافضي الايقونات بالتراجع عن رفضهم..

ولقد سبق في الفقرة السابقة مناقشة تجسم الروح القدس وضحده لتهوّر الرافضين للأيقونات بوصفهم لها بالعبادة الوثنيّة، فأما التهور المقابِل ووصف رفضهم للأيقونات بأنها إنكار

للتجسّد، فمردود بالمثل..

 

---- على أن الدفاع الرائج يقول إن إنكار كرامة الأيقونات هو إنكار للتجسّد!

 

++++ وبكل وضوح ورغم ما قد يسببه من قلق للمتابعين، ولكن الرد المنضبط أو بالأحرى الضابط هو عمل لازم!

فإن تسويغ تكريم الأيقونات باعتبار مسحها بالميرون فهذا يعكس خط الاستدلال!

لأن المسح بالميرون هو الذي أتى كعلامة لتقديس الأيقونة المستوجبة ذلك، وهي تدشين (اعلان) طقسيّ يفيد اعتماد الكنيسة لصحة الأيقونة ونفعها للتعليم ومن ثم صلاحيها

لاستخدامها في العبادة..

 

فضلاً عن أن تكريمها بموجب تدشينها لا يرد على قضية الخلاف الذي يرفض اعتبارها صالحة للعبادة أصلاً من حيث رفض المعترض لاستعمالها ابتداءً..

فالمنطقيّ هو إجابة الاعتراض من حيث مبدئه قم بعد ذلك يكون التدشين بديهيّاً..

 

*+* وبين هذا وذاك فهذه خلاصة إفادة الكتاب عن "استعمال الأيقونات في العبادة":

 

* مبدأ تقديس المادة موجود في العهد الجديد أم لا؟

 

& الإجابة: نعم موجود ومثله الأعلى يتمثّل في الإفخارستيا، ومن أمثلته تقديس الطعام، وفي العموم يعلم الرسول أن كل شئ يتقدس بالصلاة والدعاء مع الشكر.. إذاً تقديس المادة

موجود ومُوصَى عليه فوق مجرد اعتراف المكتوب به..

 

** وهل من مبالغة إن قيل إن المبدأ ذاته موجود وظاهر ومطبَّق في العهد القديم قبلاً؟

 

&& الإجابة: بل المبدأ واحد في الكتاب وفي فكر الرب الذي لا يتغيّر، وفوق وجود المبدأ فهو ظاهر ومُستعمَل في عبادة العهد القديم،

وإلا فما هو خبز الوجوه وتابوت العهد والكاروبان عليه؟

 

*** الأيقونة استُعمِلَت في الكنيسة الرسولية أم لم تُستَعمَل؟

 

&&& الإجابة: نعم في نص بولس الرسول لأهل غلاطية الأغبياء—لامؤاخذة عن أهل غلاطية يتكلم الرسول ونتكلم :)

 

مجموع ‘&‘ + ‘&&‘ + ’&&&’ = ^

 ألا تكون مادة العبادة والاحتفال الكنسيّ من المقدسات على الأقل كمثل الطعام؟

أم يستعمل المسيحيون أيقونة مرسوم عليها المسيح شخصياً وعلى الصليب ذاته ولا يعطونها التقديس؟

 

تم القول!

الأيقونة مادة للعبادة صحيحة ومقدسة بحكم الكنيسة الرسولية.. وما زاد على ذلك من علل وهجوم ودفوع فهو من باب تطرف في التقديس تواجهه أخطاء في التفسير ومن خطأ

لخطأ تستمر الغربة عن المكتوب ويبقى المكتوب باقياً لا يمكن أن يُنقَض..

 

 

 

نزول المسيح للجحيم[18]

 

  وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ. (مت23: 46)

 

بينما هذه الصرخة الربانية الرهيبة تدعو القارئ للتمعن والتعمق، كأوجب دعوة واجبة التلبية، فإن بعض "مفسري" "إخوة بليموث" تداعوا للستهزاء بالنص الليتورجي القبطي:

"نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب"..

 

وليس على "الأرثوذكس" في هذه الجولة مؤاخذة في الرد خلا أن أكثرهم لا ينتبه لعمق ما يؤمن به، فيكتفي بالدفع بالشواهد الكتابية المتصلة، مهملاً ما في ذات ادعاء المنكرين من

شهادة عليهم منه فيه.. فهم ينكرون ما لم يتحروا معناه خلا اضطرارهم للجوء لاصطناع التفاسير غير المستريحة للشواهد المضادة لنكرانهم للمعاني الصحيحة في الإيمان..

فما أسهل الرد بأربعة نصوص كتابية قاطعة (رو10: 7، أف4: 9 ،1بط3: 19، 1بط4: 6) رغم محاولات التماحك في تفسيرها لحساب الاستنتاجات الخاطئة  من استيداع الرب روحه بين يَدَيْ الآب..

ومع هذه الشواهد من العهد الجديد يصح وضع التقليد اليهوديّ الراسخ المدعم كتابياً على وجود الأرواح جميعاً حتى أرواح الراقدين على الرجاء في أسر السجن حيث لا تسبيح ولا ذكر للرب (فصل "الإفخارستيا" في هذه الورقة به كثير من الشواهد المُعناة).. ولكن ليس نهج هذه الورقة المتواضعة مجرد مناقشة المواضيع وإثبات الرأي الأرثوذكسي فيها، وإنما محور الحديث هو تناول النصوص الكتابية التي يُساء تفسيرها لتئول إلى دليل على العقيدة الخاطئة، بينما هو هو نفسه عين النص الذي يردها ويثبت الصحيح الناقض لها..

 

و"المكتوب" هذه المرة يقوم بواجبه الذي طالما تعهّد به في هذه الورقة (دور إظهار أن تجاوز صحيح معناه يقود المتجاوِز إلى عكس ما يريد)، فقط الحاجة إلى فحصه في سياق عمل المسيح الفدائيّ، إذ أن استيداع المسيح روحه ليدي الآب ليس فقط لا ينافي نزول المسيح محيَى بالروح إلى السجن الذي هو الجحيم– سجن الأرواح العاصية (ابط2: 19)، بل هو الخطوة الطبيعية السابقة التي تستلزمها طبيعة الامور الروحية:

 

 + هكذا يليق بالمسيح وبطبيعة خدمته الفدائية غير المسبوقة أنه في نزوله للجحيم لا ينزل في الطريق الطريق البشري المعتاد من الموت للجحيم هكذا، بل كان حرياً به أنه يصعد

أولاً بروحه ليستودعها يضدي الآب ليؤكد أنه في نزوله للجحيم لم ينزل أسيراً كغيره من البشر..

 

+ إذاً فإن طريق المسيح للجحيم ليس هو الطريق المعتاد للأسرى مثلما أن عمله في الجحيم لم يكن هو عمل الأسير بل المخلص المحرر.. فالمسيح لم ينزل للجحيم من الصليب فوراً، بل من عند الآب رأساً، ليثبت سلطانه ويظهر عمله وينزل وقد فتح الطريق الذي سيقود الأسرى إليه..

 

+ المسيح في استيداع روحه في يَدَي الآب فتح طريقاً أُغلِق قديماً بوقوف كاروبيم بلهيب سيف متقلب بحسب تصوير الكتاب المقدس للمعنى (تك3: 24).. فهل يفتح باباً ويترك الآخر مغلقاً؟ أي نفع من عمله؟ إن من يفتح الباب الحاجز يفتح كل الأبواب بالمثل، وإلا كان عمله ناقصاً بلا جدوى حاشا له.. وهكذا فالمسيح الذي فتح الطريق للأبدية فردوساً وملكوتاً كسَر مصاريح نحاس وقطع عوراض حديد أيضاً (مز107: 16).. إن فتح الطريق من الجحيم للفردوس وللسموات جميعاً من الناحيتين لهو شبيه بعمل مشابه قام به المسيح على الصليب بتحطيمه شقاً ونقضاً لكلَيْ الحجابين: حجاب قدس الأقداس الفاصل بين الشعب وموضع حلول الرب الإله (مت27: 51، مر15: 38، لو23: 45)، والحاجز المتوسط الحاجب بين الأمم واليهود (أف2: 14).. وبالروحيات تُقرَن الروحيات (1كو2: 13).. ويأتي بكل انسجام مع معنى فتح البوابتين معاً في عمل المسيح الواحد قول الرسول: "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح (حيث الباب مغلق بين الأرض والسماء) أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح (والباب هذه المرة مغلق من ناحية الهاوية لمن ينزلها نحو الأرض صعوداً)" (رو10: 6-7)..

 

 + أما لو كان استيداع المسيح لروحه ليَدَيْ الآب يكفي كنهاية لعمل الصليب لحين قيامته، فما هو نفع البشر من هذا؟ المسيح الذي صُلِب ومات من أجل خطايانا وافتدائنا منها، وقام من اجل تبريرنا في حياة خليفقة جديدة، هل بين صلبه وقيامته يستودع روحه بين يضدَي الآب لأجل نفسه؟ حاشا، بل لأجل تأسيس وتكريس طريق حديث حيّ ينزل بعد فتحه لمن أُغلِق عليهم الطريق بين بابين..

 

إن استيداع المسيح روحه في يَدَيْ الآب لَهُوَ عمل يلزم بطبيعة عمل المسيح وبطيعة احتياج الفداء وبطيعة حواجز الخطية التي فصلت السماء عن الأرض والأرض عن الهاوية، يلزم أن ينزل المسيح بعدها للجحيم لا أن يهمله.. وأما القول بخلاف ذلك فيجعل عمل المسيح في استيداع روحه في يَدَي الآب الذي أتى بإحكام بين أعظم وجهين لعمل الفداء (الصليب والقيامة) يجعله عملاً خاصاً به وحده بلا لزوم للفداء، وكأنه عبثاً من العبث فيما يخص عمل تخليص البشر الذي لأجله ولاجلهم قدس الإنسان يسوع المسيح ذاته (يو17: 19)..

 

ومن لطيف سمات هذا الفصل من الورقة قلة عدد الغاضبين، فمع فوات وعي أكثر "الأرثوذكس" بالمنظومة الإيمانيّة هنا فلا خطأ إيجابيّاً يؤخَذ عليهم، ومن ثَمَّ فلا شئ سيغضب نزهاء النفوس فيهم مني، ثم أن البروتستانت يختلفون حول الرأي في القضية، ولا يأخذها أكثرهم بجدية خلا طوائف معينة.. من المريح للواحد أنه لم يغضب الكثيرين، ولو مرّة، فالحياة قبالة غضب المحيطين "جحيم" لا يخفف منه إلا "الرجاء في المسيح" أن يشفي نيران غضبهم، ولا يحطم متاريسه ويحرر منه كليّةً إلا "نزول المسيح إليه"  J J J  

 

 

 

لا تدعوا لكم أباً ولا معلماً!!

 

 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ وَأَنْتُمْ جَمِيعاً إِخْوَةٌ. وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَباً عَلَى الأَرْضِ لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ. (مت23: 8-10)

 

 

*معلمكم واحد هو المسيح*

والفُرقاء لا يتعلمون!

ومع ذلك يفسرون!! ويتخاصمون!!!

 

بحق لا تدعوا أباً ولا تدعوا معلماً....... من بين أولئك المفسرين للشاهد الذي يقول: "معلمكم واحد هو المسيح" نافياً حق التعليم عمن يعلم بغير تعليمه، ومن هم أولئك إلا ومنهم من يسيئون تفسير هذا الشاهد عينه! J


شاهد يشهد مرة جديدة على الفُرقاء بأنهم يتسابقون في قطف ثمار من خارج الحقل، أو كأنهم يلعبون خارج الملعب، ويسجلون في بعضهم أهدافاً غير محسوبة إلا كمزيد من رصيد غربتهم عن المكتوب!!

وشرح هذا الحال الأسيف تالٍ، قبل شرح المكتوب ذاته كما هو:


- شاهد ولا أسهل منه لهواة الفهم السطحيّ لتصديره دعماً لإنكارهم دعوة أيّة رتبة كنسّة بألفاظ التكريم والتوصيف المعهودة: "أب" أو "معلم"..


ولكن ذات الفهم السطحيّ يُلزمهم بإنكار دعوة آباء الجسد آباء ومعلمي المدارس معلمين!

وأما محاولة "عقلنة" الشرح لإفساح فرصة للبقاء في حدود المعقول، فستترك صاحبها في مواجهة النصّ بغير حيلة وسيطة تعطي له الحق في إنكار اللقب على واحد والسماح به لآخر.. فالشاهد يقول: "لا تدعو لكم أحداً على الأرض ..."

وطالما يرفض الرافضون دعوة أحداً في الكنيسة أباً أو معلماً بقوة فهمهم لقول الرب "لا تدعو احداً على الأرض ..." فلقد خنقوا أنفسهم ومنعوها من تكريم آباء الجسد ومعلمو المدارس من ذات اللقب..

وهذا هزل فجّ..

 

ثم ماذا هم فاعلون مع أقوال كتابيّة كثيرة وفي العهد الجديد تدعو الرسل آباءً وتدعو رتبة صريحة في الكنيسة معلِّمين؟ وتدعو السادة بحسب القانون الرومانيّ سادة على عبيدهم؟

 

على أن الأخطر من كل هذا التفنيد هو أن عين الشاهد الذي يختطفونه ينقلب عليهم كالعادة ليظهر أنه يشهد لأبوة كل كارز حقيقيّ بموجب إرساليّة الرب له، ومَعْلَمَة كل معلم مسيحيّ بسلطان الروح القدس وموهبته..

نعم!! ذات الشاهد وقبل الاستشهاد بغيره لتعيين معناه، بل هو نفسه شاهد ضد عليهم وشاهد لصحة تفسير ذاته من ذاته!!

ذلك لأنهم مرة مزيدة وبإنكارهم لتمتّع أعضاء جسد المسيح بأسمائه فإنهم ينكرون دون أن يدروا أن المسيح عامل ومُثمِر وناجح في الوصول لتحقيق مقاصده، وإلا أفليس الرسول يقول أن المسيح فينا رجاء المجد وأنه يحيا لا هو بل المسيح يحيا فيه؟ وأنه حالّ بالإيمان في قلوب المؤمنين؟

هل يعدَم المسيح صفته كمعلم حال حلوله في مختاريه؟ أم يعدم الآب صفته كأب؟ أم يعدم الروح عمل سيادته وقيادته كمرشد وضابط للكل فينا؟ حاشا حاشا حاشا..

يقولون: ولكن هذا يخص الرب وأبيه وروحه القدوس ولا يخصّ غيره..

صحيح ولكن صحيح أيضاً أن الرب بمكوثه فينا فهو يعمل ونعمته ليست باطلة أي عامة، وكل ما يزعجهم لا يزيد ولا ينبغي أن يزيد عن ادعاء أحد أن اللقب هو له ومن ذاته وبفضل من نفسه، ولكن طالما أن الأمر واضح والشهادة للرب بديهيّة ومرد كل شئ هو له باعتراف صريح وضيح فحينئذ يكون إنكار تسمية من أخد الأبوة بالنعمة والتعليم بالوكالة والسيادة بالموهبة يكون ذلك إنكاراً وإن بغير وعي لفعالية عمل نعمة الآب التي لنا في المسيح بعمل الروح القدس.. السؤال يتكرر جديداً للمُنكرين كما في شواهد مماثلة: هل أنتم تنكرون أن عمل المسيح ناجح؟

يقيناً لا، إذاً فلماذا تنكرون النتائج اللازمة والشهادة الحتميذة على نجاح مقاصد الرب في مختاريه بأه جعل منهم معلمين وجعل منهم آباء وجعل منهم سادة بنعمته وبحسب قصده؟

 

وأما حين يُجنّ واحد فيقول إن ذلك له من ذاته، كمنافس للمسيح أو كمنفصل عنه-- فحينها سادعوهم ليتبرئوا من ذاك معي..

 

-- ولكن بالمقابل:

فخّ الرافضين يبتلعه غير الفاهمين من القابلين فيبحثون عن "تسويغ" او "تخريج" لقول الرب ويتورطون في اختراع تفسير لا يدرون أنه يضرب في موضع آخر من عناصر الإيمان المسيحيّ أو حتى من صريح المكتوب..


وهذه المرة كانت المحاولة فظّة الفجاجاة حتى لقد بلعت حد افتراض من كبير كبير المفسرين القبطيين في جيلنا (بحكم منصبه الرسميّ الخطير) أنه يفترض بكل إصرار أن الرب كان يكلِّم به "التلاميذ" فقط، باعتبارهم أعلى سلطة في الكنيسة!!

وهذا التفسير "السلطويّ" الساذج يتجاهل النص بكل عرابة، فالإنجيل يذكر صريحاً ان الرب كان يكلم الجموع!!! وهذه الوصيذة تأتي في منتصف الحديث، فلا يسوغ حتى مع إطلاق الخيال الافتراضيّ ادّعاء أن الرب قال هذه خصِّيصاً للرسل في البداية أو قالها لهم منفرداً بعد انصراف الجموع في النهاية![19]

 

من أين أتى هكذا تفسير؟ الأرجح من التأثّر العكسيّ الدفاعيّ بما ينكره المنكرون من سلطة الكنيسة، فأتى كرد فعل "سلطويّ" متهوِّر لإثبات هذه السلطة بدليل فاسد يسفِّه من قضية صحيحة ذات حقّ.. أم لعل "المفسر" الكبير بدأ بهذا التفسير من واقع ملاحظته من ذاته التضارب الظاهر بين النص وبين دعوة المعلمين القدامى والكهنة آباءً، ولكن هي نفس الأزمة على كل حال: رد فعل لفهم خاطئ سواء من البروتستانت فعلاً أو افتراضاً وتحسّباً من ذات "المفسر" لملاحظة أقلقته.. وإنما يقيناً لم يتسلم التفسير من الرسل الذين على الأقل شهدوا الجموع ولاحظوا أن الرب يكلم جميع اجلمع ولا يختصهم بهذه الفقرة..


وهكذا فسواء من يطلب دعوة أصحاب رتب الكنسيّة سيداً وأباً ومعلماً أو من يطلب حرمانهم من هذه الالقاب التكريميّة، كلاهما أمام المكتوب الذي لا يمكن أن يُنقَض منقوضون وفي موازين معنى الإنجيل إلى فوق طالما يتجادلون خارج حقل المكتوب ويقطفون من ثمار افتراضات دفاعيّة تقصد ضحد فهم الآخر للمكتوب قبل أن تقصد فهم معنى المكتوب ذاته!!

 

فإن كان ذلك بكل أسف كذلك وحال الفريقين في غربة مرصودة عن المكتوب،

فماذا يعلمنا المكتوب؟ ماذا نفهم منه كأنما لم تكركب أذهاننا تلك التُرهات التفسيريّة؟


مهلاً..

هناك نقطة مثيرة في الموقف قبل الانطلاق في محاولة التفسير النقيّ، فمالا يصحّ كله لا يُخطئ كله أحياناً، ومع الفُرقاء بعض الحق!!

انظروا:

 

صدق الجميع على نحوٍ ما:

- يقولون "معلمكم واحد هو المسيح وليس أي إنسان آخر يحق أن يُسمَّى هكذا":

+ صحيح! فمعلمنا واحد هو المسيح وليسوا هم الذين يقولون ذلك فتفسيرهم ليس من تفاسير التعليم المسيحيّ!

 

- ويقول خصمهم إن المسيح كان يقصد الرسل بذلك الكلام..

+ صدق، ولم يقصده هو فهو ليس معلمنا وخيبة تفسيره لا تُحسَب علينا.. ومعلمونا هم الرسل..


* إذاً معلمنا هو المسيح كما نقل لنا الرسل، فاتركونا مع معلمينا نفهم ما قالوه:

 

أيّة أبوّة وأيّة سيادة وأيّ تعليم يقصده الرب هنا؟

التفسير الوحيد والفهم السديد الذي يبقى في دائرة المعقول ويخرج من النص بما يوافق مقاصد الرب في غير موضع من الإنجيل هو هذا:

 الرب يكلِّم جميع المؤمنين بكلامه كما هو ثابت من النصّ..

 الرب ينفي الأبوة إلا عن الآب وحده، وينفي التعليم والسيادة إلا عن المسيح وحده، كما هو ثابت أيضاً..

 

فلا يبقى لفهم النصّ بما يضعه في موضع التوافق مع البداهة إلا النظر في معنى التعليم ومعنى الأبوة ومعنى السيادة، وليس محاولة تغيير دائرة من كان الرب يخاطبهم، ولا دائرة من ينفي الرب عنهم استحقاق هذه الالقاب..

المحاولة الصحيحة تكون في هذا الاتّجاه، وخلافها يصل بالمخالفين للنتائج الهزليّة سابقة العرض..


+ الأبوة موضوع الحديث رُبِطَت بالآب، فهي اصل الأبوذة.. هي أبوّة الفضل الأعلى..

هي أبوّة الخلق والعناية والفضل الدائم، وايذة أبوّة اُخرى هي بلا شك أبوّة على صورتها، ونابعة منها إن صدقت..

التعليم بالمثل: القصد منه بذرة التعليم وأساسه، وليس شرحه أو نقله..

والسيادة كذلك هي السيادة العُليا وليست سيادة بالوكالة..


++ الرب ينهي عن قبول أي معلِّم يأتي بجديد من عنديّاته كأنه صاحب تعليم،

وينهى عن تكريم أي صاحب سلطان أو فضل على أنه أب أعلى أو سيد لا سيد فوقه..

 

+++ يبقى إذاً، وبلا أدنى ملامة، معلمو الكنيسة يستحقون لقب معلمين،

طالما اخذوا اللقب في حدود الفهم الواضح انهم معلمون بالوكالة أو شُرّاح لتعليم المسيح، وليسوا أصحاب تعليم من بدئه أتوا به من أنفسهم..


وبالمثل في الأبوّة والسيادة..

معلمنا وسيدنا واحد هو المسيح، وأبونا واحد هو الآب الذي في السموات،

ولكن الرب الإله ليس عقيماً، وكما خلق الإنسان على صورته، فقد أنعم روحه القدوس على من شاء بموهبة ظهور صورة الأبوّة فيهم وصورة التعليم والسيادة أيضاً، ليس من أنفسهم ولا لأنفسهم، بل بنعمة الرب لخدمة مختاريه،،،

 

وختام فوق الختام يجدر فرز السؤال:

أين المشكلة؟

هناك مشكلة صحيح، ولكن ليست في قول الرب- حاشا، ولا في هذا الشرح المتواضع بنعمة الرب..

ولكن هناك مشكلة-- أيناها؟

+ هي ليست في تعارض قول الرب مع تلقيب المستحقين للألقاب بها..

- هي في تلقيب غير المستحقين به،

-- هي في إنكار غير الفاهمين لاستحقاق المستحقين مستشهدين بنص يحمّلونه ذنب غير المستحقين،

--- هي في رد غير الفاهمين على غير الفاهمين الأولين باختراع ردود متهوّرة،

---- هي في الغربة عن المكتوب وقراءته نقيّاً!!!!

* فبحقٍ مؤسف كانت كلمة البداية الأحق بأن تحتل موضع الختام: ألا تدعوا أباً ولا تدعوا معلماً....... من بين أولئك المفسرين للشاهد الذي يقول: "معلمكم واحد هو المسيح" نافياً حق التعليم عمن يعلم بغير تعليمه، ومن هم أولئك إلا ومنهم من يسيئون تفسير هذا الشاهد عينه!.. ومن الموافق ان يكون هذا التحذير خاتماً للفصل اخلاتم للمجلد كله لحين ترقية عرضه بعون ربنا،،،،،

 

 

 

قصد الاختيار الإلهيّ [20]

 

لم يرد هذا الفصل في الدرافت الأوليّ للموضوع في لوحة النقاش على فيسبوك، لحيلولة ضيق الوقت دون ذلك، وأضيفه عاجلاً في هذا الدرافت لحين تشطيب العرض في حينه..

 

أعرض آفة الجدال الطائفيّ التي كشفها هذا المجلد معكوسة هذه المرّة.. الخطأ تسلل قبلاً للجانب التقليديّ (متمثلاً في الكوتاليك) فتورط البروتستانت بردود ابتلعت طرف الخطأ من املنكرين لسبق قصد الاختيار، وتماشوا معهم برد هو بكل بساطة ضد ما يريدون إثباته من أصل الإيمان كما هو في حقّ أمره!!

ولاحقاً تدخل الأرثصوذكس متضامنين في خطأ الكوتاليك كما تجسد في مجمع اورشليم الثاني (في المئة الثامنة عشرة) فأفادوا بكل كلام وعكسه دون معنى..

 

أما خطأ البروتستانت الذي ظهرت فيه أعراض الآفة فقد نقله كالفن من كلام أغسطين بكل خطئه هكذا: كان السؤال الذي يحاول أن يجيب عليه: "كيف يوافق سبق الاختيار الإلهيّ عدالة الـله؟" فتورّط في محاولة تلفيق غجابة ترضي المعترضين بغير فهم لمعنى قصد الاختيار، فهكذا كانت الإجابة أن ىدم سقط ففقد حقه وصار طالباً للرحمة لا العدل، والرحمة حق لصاحبها يمنحها من يشاء..

ياللداهية!

ذلك ليس قصد اختيار!!

ولا سبق اختيار!!!

- ذلك اختيار متأخر مرهون بخطأ آدم..

-- ذلك اختيار قائم على أحقيّة نالها الرب بغير مطلق قصد منه..

--- ذلك يخالف رد الرسول بولس الصريح الوضيح المريح لطالبي الفهم الصحيح حين قال بكل اختصار وعمق وحسم: "من أنت أياه الإنسان حتى تجاوب الـله؟!"..

+ هذا هو قصد الاختيار..

وقال: "ألعلّ الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟"..

++ هذا سبق الاختيار..

وقال: "قبل ان يفعلا خيراً ولا شراً لكي يثبت قصد الـله بالاختيار قال أحببت يعقوب وأبغضت عيسو قبل ان يُولَدا"..

+++ هذا سبق قصد اختيار إلهيّ مطلق كما يسوغ..

 

إنما بردّ البروتستانت ذاك، الكالفينيّ الاغسطينيّ، فقد أنكروا قصد الاختيار فيما هم يحاولون "تبريره"،

وذلك بإيجادهم "تسويغاً" له مرهوناً بعمل إنسان هو معصية آدم،

متأخراً في الزمان راهناً لحق الرب في الاختيار،

فأنكروه من حيث ارادوا إثباته، وفتحوا الباب لحجج مضادة لقصد الاختيار ليست هي ذات حجة ضد حق قصد اختيار الرب وإنما كلها يجد حجيّته في مغالطة الشرح البروتستانتيّ..

 

فكانت تلك الجولة مثالاً مزيداً على إشكالية الصراع خارج الميدان بين خطأ والرد عليه بخطأ يبتلع طرف الخطأ الأول فيما هو يحاول تفنيده.. فينتهي الأمر بإنكار ما يريد المدافع الدفاع عنه ومزيد من تيه من بدأ الخطأ في شبكة جدل عقيم من جهة الإيمان ولود ومثمر من جهة السماجات..

 

 

 

ختام

 

على غير عادتي في الكتابة، وجدتني بعد فصلين في هذه الورقة أواصلها منفردة دون مواصلة الكتابة في بقية الملفات المفتوحة.. وهذه علامة قناعة بقيمتها واستمتاع

بتسجيلها.. ولقد حرصت على الاحتفاظ ببساطتها وبخطها العام مكتفياً باستطراد جمع الأفكار المعنية من الدرجة الأولى، متحاشياً استطراد استدعاء الأفكار المتوازية والمتتالية.. حتى إذا ما لزم الاستطراد وضعتُه في هامش ملحق حتى يبقى المتن على خط واحد..

 

  وكقيمة مضافة فقد أكرمتني هذه اللوحة بإتاحتها موضعاً لإلحاق بعض ذكريات القديم فكانت استضافة طيبة لجولات لا تخلو من قيمة في ضبط الجدليات مما عبر بي قبلاً..

 

كانت جلسة حول مائدة مستديرة منعشة، ودائماً ما تكون عندما يكو نالكتاب المقدس أحد الجلوس، فيتكلم الجميع بما لديهم ويستمع الكتاب المقدس ويجيب فيظهر المعنى ويضبط التعبير ويحسم النتيجة..

فرصة لمواجهة بعض أفكار ناقصة عند فريق وابتلاع شروح غير منضبطة عند آخر..

كانت ورقة متواضعة من عدة فصول جمعتها فكرة الفهم المبتور عند البعض الذي يمسك برأس الدليل المضاد لفكره دون ان يستقصي نهايته ليتبين أنه دليل ضد خطئه لا له..

لعلها كانت ورقة على تواضعها وعجالة كتابتها منبِّهة لذوي الغيرة العارمة أن غيرتهم تعميهم عن خوضهم جدلياتهم خارج ساحتها الصحيحة التي هي فهم المكتوب كما هو مكتوب، وأنهم أطالوا الزرع في أرض جدباء واجتهدوا في التباري خارج الميدان، يتبادلون الخطأ بالخطأ، ويبقى الفريقان بلا حسم في مبارزتهما طالما بقيا خارج الموضع الصحيح..

 

ليغضب الغاضبون ولا يخطئون، وأكبر خطأ هو رفض دعوة الجلوس للحوار مع الكتاب المقدس..

ولعل دعوة الكتاب المقدس للفريقين بالجلوس على مائدة حوار مستديرة كانت مقبولة والكتاب كفيل بإقناع وإفهام الأمناء مهما أعمتهم غيرتهم التي بغير المعرفة والفهم..

فإن كلمة المكتوب ليست بعيدة عن أفهام الأمناء ولا محجوبة عن أرواح خالصي النيّة، ويصل بمثل هؤلاء إلى وحدة الإيمان الأرثوذكسيّ المستقيم المحتوى والغرض بغير أقواس، الممتلئ بل المالئ بكل ما يقنع الذهن ويشبع الروح!!!

 

 

Deacon Basil, aka Christopher Mark

 

 

 

 



[1] في سنة 2011 ألغت فيسبوك نظام لوحات النقاش فقمت بتحميل النسخة في صورتها في الجروب المذكور على الموقع، وهذا رابط لها..

وحمَّلت الملف بصيغة آر تي إف هنا..

 

[2] ونظراً لظروف التعجل في الكتابة، الخارجة عن الإرادة، مع كون الموضوع في مرحلة تسجيل الأفكار لحين تنسيق أسلوب العرض، ما يطيل الفقرات لتجميع كل الأفكار مبدئياً ما لا

يخلو عادة بحكم طبيعة الأمر من تكرار وإطناب، فإنني سأراعي المتعجلين في التقاط المفيد دون طاقة على مواصلة قراءة الفقرات الاستطراديّة، فلا على المتعجِّل أكثر من النظر

في أول فقرة "أدنرلايند" underlined  بعد عنوان الفصل ستكون كافية بإذن ربنا أن يلتقط منها النبهاء غاية المعنى،

ويتركون بقية الاستطراد لمحبي التمعّن في تحري التفاصيل والاستمتاع بتربيط الشواهد الكتابية في الفكرة الواحدة على أن يحتملوا مشكورين ثقل الأسلوب المبدئيّ.. 

 

[3] ميديافاير يقدم ميزة إعادة تحميل الملف بنفس الاسم على نفس الرابط ومن هنا يمكن تحديث الملف بروابط متصلة كلما تم إنجاز المزيد.

 

[4] بعد إلغاء نظام لوحات النقاش حمَّلت النسخة الاحتياطية هنا..

 

[5] لا أوافق لاعتبار لغويّ معجميّ على كلمة "شركة" في المعنى، وأفضل كلمة "رفقة".. ومقابلها أسترح لكلمة Fellowship بدلاً من Partnership.. فـ"شركة" ومقابلتها "بارتنرشيب" تفيدان التقسيم، ولكن لأن الكلمة اشتهرت جداً والإشكال المعجميّ فيها ليس معلوماً لأكثر الناس فأضطر لاستعمالها ولكن ليس قبل كتابة هذا التعليق.. فبما انني كتبته فسأستعملها فيما يلي مضطراً..

 

  [6]هذا تفسير غير مسبوق لقرار مجمع الرسل، سبق تفصيله في موضوع "رسوليات" والتالي رابط لفهرس تفاسير وتأملات رسولية به هذا الموضوع وغيره..

 

[7] رابط لصحفة فهرس روابط لمواضيع تفصيلية عن الشفاعة ممتلئة جدداً وعتقاء (ججد وعتقاء وصفان مجتمعان معاً لنفس المادة وليستا متوزعتين بعضها جدداص وبعهضا عتقاء!!):
وهذا تسجيل صوتيّ احوار مع أمين خدمة طلب مني حل بعض ألغاز شواهد الشفاعة، وبالتسجيل  كل محتوى الفصل وأكثر قبل كتابته بنحو سنتين..

 

[8] هذا رابط لبوست يشرح منظومة الخلاص في الإنجيل مظهراً مفاجآت لمن استغرقتهم الصيغ الجدليذة السقيمة، حيث تتجلّى ارتباطات معاني الإيمان والأعمال والجهاد والنعمة ودورهم في الخلاص بشهادة شواهد كتابية تفوت دلالاتها الكثيرين مثلما يقفوتهم الانتباه لعقم محفوظات تلك الجدليّة.. مع الشرح المكتوب في البوست تسجيل لكلمة قدمتها بطلب أسرة من أسقفية الشباب أعقبتها مناقشة ثرية جداً عن سيادة النعمة الإلهية فوق كل منطومة الخلاص..

 

[9] (ملحق فصل "أمثلة الإيمان والأعمال")

وفي نهاية الجولة حاول مداخلة الموضوع من صياغة ثانية فقال: أنت تتعامل مع الخلاص بمعادلة "إيمان + أعمال = خلاص"  وأنا بمعادلة "إيمان = خلاص + أعمال"..

فاجبته فوراً:  لا تضع شرحاً من عندياتك على لساني.. لم أقل هذا.. ولا يُفهَم من أي شئ قلته هذه المعادلة.. وغنما دائماً هو واضح من كلامي معادلة لم تفكر فيها من قبل هي:

 نعمة (تحت شرط الإيمان العامل) = خلاص!

عاد فقال بأسى مثير: لماذا أنت ضد الإيمان؟

فعدت للإجابة: من يحفظ روح الإيمان للإيمان فهو من يحب الإيمان حقاً، والإيمان يحبه، والعكس بالعكس..

انتقل لشاهد آخر دون طرح له من جانبي متوقفاً عن تفنيد المعادلة التي فرضها عليّ أو رد تفنيدي لمعادلته هو، فقال:

أنتم تفهمون الشواهد خطئاً مثلاً في رسالة بطرس الثانية حين يقول: " لِذَلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ" (2بط1: 10)، فكلمة "ثابتين" هنا معناها

مُثبَتَة أي مُبرهَنَة أمام الناس شهادة للإيمان وليس ثابتة بمعنى الثبات..

أجبته بهدوء: ماذا تقول حين يظهر انك انت من فهمها خطئاً وليس خطأك لعلّة إلا لأنك تتكلم بسبق علّة فتفترض من عندياتك..

ثم أظهرت له صحيح معنى الآية من بعض الترجمات، ونتهزتها فرصة لوضع خط تحت ملاحظة أنه أتى بالشاهد دون دعوة ولا مداخلة له في الحديث ما يظهر أن الشاهد يمثل له

هاجساً، ولا عجب إذ أن النصيحة بالثبات تفيد بداهةً إمكانية السقوط،  فهو من ثمَّ يحاول إقناع نفسه بصحة فهمه عن طريق إسماع نفسه وغيره هذا الكلام المضحك الذي اصطنعه

بغير وجه صحة، والذي كان يمكنه تحاشي التورط فيه لو اعتنى بفتح أي ترجمة لا الرجوع للأصل إن عسر عليه، صطنع بغير جه صحة..

هنا توقف الشاب الغيور بغير معرفة ورويّة وأمانة نظر عن المجاوبة في هذه الجولة..

 

  مزيد من التشبيهات غير الكتابية عن الإيمان والأعمال:

لأهمية الآتي من التعليق استسمح منهج الورقة المحدد في هذه الإضافة عن الإيمان والأعمال:

  هناك عدة أخطاء في التشبيهات من جميع الاتجاهات في حديثهم عن الإيمان والأعمال وذلك لسبب بعدهم عن ساحة الفهم الكتابيّ.. الجميع فرَّق الإيمان عن الأعمال وتعامل

معهما في ثنائية منفصلة أو شبه منفصلة.. ومن ثَمَّ  اندلعت التشبيهات المتعاركة حول جثة هادة، ذلك لأن الكتاب يعلِّم صريحاً بان الاعمال هي روح الإيمان، بحسب تشبيه يعقوب

الرسول: لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ، هَكَذَا الإِيمَانُ أَيْضاً بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ. (يع2: 26)..

 

 وعلى الشرح الكتابي أبني وأقول:

+ الأعمال هي روح الإيمان وليس جسده حسب تصور البعض خطأً.. ولذلك فهو ليس مجرد ثمر للإيمان بل مع كونه ثمر لاحق للإيمان فهو غذاء أوليّ له وطاقة تحركه وتبقيه بنعمة

الرب على قيد الحياة.. علاقة ها بناؤها بين روح وجسد لا يمكن معها تصور أن احدهما بديل للآخر أو يعمل دونه..

+ لا يمكن بحسب هذه العلاقة العضوية بين روح وجسد أن يكون إكرام الواحد على حساب الآخر ولا غبراز الواحد إهانة وإخفاء للآخر.. إنها لعبة شيطانية أنه نقسم غير المنقسم

ونحابي الإيمان على حساب الأعمال، فيصيح المغفلون: "يحيا الإيمان"، حتى إذا امتلأوا حماسة بالنداء وُضِعَت الأعمال امامهم كبديل للإيمان فصاحوا: "لتسقط الأعمال"، وهي لعبة

جاء دور الإيمان نفسه لتُلعَب عليه، فيصيح اليوم آخرون، أولئك المتمسحين بالمذهب المدعو زوراً إنسانياً، يصيحون بنفس الطريقة: "تحيا المحبة"، وغرضهم أو غرض العامل فيهم هو

القول: "ليسقط الإيمان"!

قلتُها مرةُ في التسعينات، وها هي تصير واقعاً شريراً يحيط بنا ويخترق ضمائر ومشاعر بعضنا.. إن الإيمان لا يكون على حساب الأعمال ولا المحبة على حساب الإيمان بل هو إيمان

عامل بالمحبة، جسد واحد.. ومن يسعى لجعل الواحد على حساب الآخر أو بديلاً له فكأنه يفكر في تهييج الإنسان الواحد نفسه على روحه على جسده، وإن جاز هذا مع الإنسان

المريض نفسياً فلا يجوز مع جسد الإيمان المسيحيّ، وأبداً لم يكن الجسد الإيماني في المسيحية مريضاً..

+ الإيمان (المقبول) والأعمال (الصادقة) لا تفاوت في الزمن بينهما، فعندما يعمل كورنيليوس فاعماله لا شك انبنت على بذرة إيمان صحيح بوجود إله مخلٍّض سيقبل منه ويكافئه..

وهو في هذا جمع كل عناصر الإيمان وإن خلت من معرفة الاسماء والأحداث والتفاصيل، فقد أقرّ ضمناً بحاجته لمخلص، وأقر بثقته في وجود المخلً وأقر بثقته في استجابة المخَلِّص،

وهذه الثلاثة تجمع الإيمان لمن هم بلا ناموس..

وعلى ذلك كانت أعماله، وعلى نفس ذلك قبلها الرب، ومع قبولها تمّ المكتوب أن في كل أمة من يتقيه ويصنع البر مقبول عنده (أع10: 35)..

+ يقع كثيرون من أنصار الأعمال في خطأ التشبيه الكمِّيّ بين أعمال الرب وأعمال الإنسان في لزوم خلاص الأخير، فيجيبون المعترضين على لزوم أعمال الإنسان متبرئين من سوء

فهم مقصدهم بأنهم لا يقولون بتساوي العملين وإن التشبيه لذلك هو أن المطلوب عمل كامل، والرب يقوم بتسعة وتسعين بالمئة من المطلوب ويترك واحد بالمئة فقط للإنسان، وبدون

هذا الواحد بالمئة لن يتم المطلوب من الخلاص! والتشبيه فاسد لتحويله المعنى لكمية، ولجعله عمل الإنسان في قياس مع عمل الرب، فهو وغن كان واحد بالمئة امام تسعة وتسعين

ولكنه قياس يعلو  بعمل الإنسان فوق حقيقته، ومهما عدلوا نسبة التقسيم بقي الخلاص مقسماً وبقي الإنسان في قياس كمِّي باطل مع الرب..

+ والصحيح أن يتعهدوا التشبيه بالقول المنطقي البسيط أن الأعمال شرط لازم والإيمان شرط لازم والنعمة هي العاملة بهذين الشرطين..

+ والأصح أن يُقال أن الإيمان والأعمال هما شرط واحد فيكون القول إن النعمة هي التي تخلِّص بشرط الإيمان العامل بالمحبة..

+ وهنا يلزم التفريق بوضوح بين الشرط والثمن، فلا الأعمال ولا الإيمان ولا حتى المحبة ثمن للنعمة، وإنما هذا الإيمان العامل بالمحبة هو شرط لعملها..

+ ولمزيد من التحري في التعبير ينبغي ملاحظة ان الشرط المقصود ليس شرطاً متعسفاً على سبيل التشرُّط المفروض من النعمة على الإنسان كما هو حال المرضى الساديين

الذين يهوون فرض الشروط –حاشا لنعمة الرب-، بل هو شرط طبيعيّ، إذ لا يستقيم تصوّر نعمة تخلص الإنسان من حالة الخطية وهو يحبها ويسرع لعملها، ولا تصور نعمة تخلص

الإنسان وتنقله لملكوت سماوي وهو لا يؤمن بها ولا برب الملكوت..

 

 وهذه النقاط هي ثمرة حديث سريع وعميق معاً مع صديق بروتستانتي في خدمة تشارك فيها معنا سنة 2003 انتهت بقبوله الفوريّ والتوافق على دفعها في النقاش مع غير

المؤمنين والبنيان عليها منطقياً وروحياً.. لقد لاحظتُ أن البعض من غير المؤمنين تعمدوا إثارة نقطة الخلاف في شرح دور الأعمال في الخلاص، وبان لي لزوم الاتفاق على صياغة

شرح واحد وتوسمت في الصديق المُشار له حسن الفهم وفي جلسة واحدة قلت له لن أجرح ضميرك الكتابي ولكن عليك الا تتعسف في التشبث بصياغة طائفية غسير كتابية، ولنتفق

على صياغة واحدة من الكتاب، فكانت النقاط السابقة محل اتفاق ومنها كانت الصياغة وكل الصياغات اللاحقة..

تفصيل الحوار معه مسجلة مع حوارات مثيلة في كتيّب  "بقليل أصير أرثوذكسياً"..

 

[10] (ملحق فصل "خلاص المؤمن حتماً؟!")

 انتهت تلك الجولة لتبدأ جولة جديدة مع آخر من المحترمين الذين يحرصون على توثيق كل شئ كتابياً بحق.. سمع الرجل آخِر الحديث فقال لي: لقد نشأتُ دائماً على الإيمان بعدم هلاك

المؤمن، ولا أتكلم عن إيمان الشياطين بل اتكلم عن نوع الإيمان المسيحيّ، وأرى أنك فيما يظهر قد حسمت النتيجة مع هذا الأخ المتداخل في النقاش، ولكني غير مقتنع.. اقنعني كتابياً

أو تنازل عن دعواك..

 

 جولة ثانية محترمة:

مع هذا السائل استجضرتُ كافّة المنطومة الكتابية لذهني، وبدأتُ بالشاهد موضوع المناقشة السالفة:

عندك نص كتابي لم أكد افرغ من مناقشته، وتعجبت انه يُؤخَذ دليلاً على حتمية عدم هلاك المؤمن، ويجدر بكل حق وبلا سخرية أن أشكر هذا المتداخل في النقاش لإهدائه النص لي

دون عناء بحث وإجهاد ذهن، فاسمح لي أن اعيد تلخيص النقاش مع المتداخل السابق كمفتتح لنقاشنا في المعنى، واسمع أولاً ما يقول الرسول:

فَسَتَقُولُ: قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لِأُطَعَّمَ أَنَا. حَسَناً! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ

الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضاً! فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضاً سَتُقْطَعُ.

وَهُمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَدَمِ الإِيمَانِ سَيُطَعَّمُونَ. لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطَعِّمَهُمْ أَيْضاً. (رو11: 19-23)

 

هذا الشاهد يشهد بسقوط الافتراض البروتستانتي الدائم أن الساقط لم يكن مؤمناً إيماناً حقيقياً، لأنك ترى هاهنا كيف أن الإيمان المذكور يثبت في لطف الإله، ويقبت في الزيتونة (جسد المسيح) فهل يثبت إيمان الشياطين أو الإيمان النظري المجرد واحداً؟

 ثم لننتقل إلى موضع آخر...

قاطعني ذلك المحترم وقال ما لا أنساه: قال أولاً: كفى..

قلت بإصرار على الاستكمال: لم تسمع البقية..

عاد وقال: كفى.. قلت كفى.. تحتاج أن تستكمل مع من يقاوح وليس مع من يطلب الاقتناع.. الشاهد الأول مقنع بما يكفي ولذلك قلتُ كفى.. بقليل تقنعني أن أصير أرثوذكسياً.. لو كانت الأرثوذكسية بهذا الشرح ما كان لي معها مشاكل.. وزاد فأبدى تبرّمه ممن كان يجادل وكرر بعدها وقبلها مثل هذا الرأي في تدخلات آخرين مماثلين.. وهو نفس الرجل الذي فاجئني بالدفاع عن الفهم الأرثوذكسي للاعتراف، والقصة مذكورة مذكور في ملحق فصل "الاعتراف للكاهن"..

 

وبعدُ، والخطاب للقارئ المُتابِع: فإن الكتاب يتكلم صريحاً عن عدم سماح الرب بهلاك المختارين، وليس المؤمنين، لأن كثيرين آمنوا ويؤمنون، إيماناً مسيحياً لا شيطانياً، إيماناً حقيقياً

مشهوداً له لا إيماناً نظرياً فارغاً، ولكنهم مع ذلك يُقتَنَصون من إبليس لأنهم لم يحترسوا لأنفسهم واستهانوا بحق الوصية الإلهية والتحذير الرسولي.. ولكن كلا الموضوعين: موضوع هلاك

المؤمن في عمومه، وموضوع الاختيار وضمان الاختيار الإلهي، هما موضوعان أوسع مجالاً من حدود هذه الورقة المتواضعة.. ولهما مواضعهما من العرض والتعمق بإذن ربنا..

 

[13] (ملحق فصل "الاعتراف للكاهن")

 

 ثم لا أختم الفصل دون ملحق بكلمة لازمة تخص موقعنا الأرثوذكسيّ بشأن الاعتراف الواجب والمفقود لدينا:

 فإن هناك خطايا دائرة علنيتها تكون أوسع من المجتمعات المحدودة، تلك التي يفتخر بها أصحابها في وسائل الإعلام العامة من حيث كان ينبغي أن يخزوا.. ومثل هذه تتطلّب بحسب الإنجيل الاعتراف العلني وإعلان التوبة العام، ولا يصلح معها ولا يقبل ذوو الضمير أن يكون الاعتراف بها في غرفة مغلقة، لأن الاعتراف في أصله الإعلان، وما أوجب الاعتراف الفرديّ إلا نوع الخطية المحدود المدى، والذي التزم فيه المخطئ بالتصالح مع كل من أخطأ في حقه مباشرةً بجانب اصطلاحه العام مع الكنيسة في شخص القس الموكل له تلقي الاعتراف.. فأما ان تكون الخطية عامة ومهينة للمجتمع المسيحيّ فهنا لزم الاعتراف في ذات الوسيلة وعلى نفس نطاق الانتشار الإعلاميّ وإلا ما كان لمثل هؤلاء دخول للكنيسة.. لا يحدث ذلك ولكن ينبغي أن يحدث.. ومرة جديدة فإن كرامة الكنيسة ومشاعر أعضائها ستُطلَب من يد المقصرين! ولأنني بنعمة الرب أرثوذكسيّ فإنني وبكل قوتي أعلن عدم مسامحتي لأولئك الخارجين عن حق للرب والكنيسة والشرف المسيحيّ علناً، وعدم مسامحتي لأولئك الرسميين في الكنيسة وكلاء العمل الكنسيّ الذين يجمعون أولئك ويقدمونهم ويخلعون عليهم المصداقية من دون إقرار أولئك بتوبة تكافئ علانيتها علانية مخازيهم، ولا علانية توبيخ يرفعه الكاهن المُعنَى (البابا مثلاً في أشهر حالات أولئك) L 

 

وأذكر هنا قصة تزيد رداءتها فوق رداءة الذين يحملون اسم الرب باطلاً، ذلك أن المعنيّ في القصة هي امرأة انضمت من الخارج للإيمان المسيحيّ ودارت في الفضائيّات تفاخر بذلك، وتلك قد سبق لها الدفاع عن الشذوذ!! صحيح لم تكن تدعي الإيمان المسيحيّ وقتها، ولكنها لم تعترف بخطأ ذلك ولا تبرأت منه على أي وجه.. وهنا سألت: لماذا وُضِع الاعتراف في الكتاب المقدس أصلاً إلا أولاً وقبل كل شئ لهذا النوع من الخطايا، وحكمة ذلك ثلاثية: تبرئة الكنيسة من سابق سيرة المنضمين لها، وعدم ترك الذين من الخارج تحت مظنة تحجزهم دون دخول الكنيسة أصلاً، وإراحة ضمائر المؤمنين من احتمال شركة رديئة.. ولكن تبررت الحكمة من بنيها ولم تقدم تلك اعترافاً ولا قال احد بذلك، فلما قدمت الاعتراض على بالتوك في مناسبة ظهورها طالبة الاشتراك في الكلام، فإنها بكل صلافة تحت سحابة دخان تعليقات قطيع ببغاءات المدافعين عنها: "حضرتك كنت معايا في المعمودية وسمعتني قلت ايه؟".. قلت بوضوح: "لأ.. وعلشان هو لأ فمشكلتك قائمة.. الاعتراف هو للي ماسمعوش توبتك السرية لأن خطاياكي كانت علنية".. لا اظن أحداً من القطعان سمع وفهم، ولكني قلت وأقول، ومحبو الخطأ يشتمون أو يصمتون ولكن لا يجيبون، وليست قضيتي مع أولئك المساكين ولكن مع التعليم الرسميّ للكنيسة!!

 

ثم لا أختم أخيراً قبل تسجيل قصة لا أنساها لصيقة جداً في ذاكرتي بشرح الاعتراف السالف.. فإن هذا الشرح قُدِّم للمرة الأولى لجمهور في غرفة حوارية على البالتوك كغجابة على سؤال من أحد غير المؤمنين طرحه ليثير ما ظن من فتنة في الغرفة، ورحل بعد الإجابة دون كلمة.. ونسيت أمه حتى عاد غيره ليكرر السؤال، فبينما انا أستعد للإجابة استأذنني صاحب الغرفة ليجيب بدلاً عني، ولما كنت أعلم أنه ليس ارثوذكسياً ولا يخلو أمره من تهور فقد جهزت نفسي للنقاش في جبهتين أو أكثر، ولكنني ذُهِلتُ ذهولاً حقيقياً إذ سمعته وكأنه يقرأ أفكاري ويشرح ضرورة الاعتراف للكاهن ويثبته بحسب ما سجلت في هذا الفصل حرفاً.. بعد أن انتهى من شرحه سألني عن رأيي في الكلام فأبديت تعجبي وقلت ممازحاً: من أين عبر مني روح الرب إليك؟ فقال: إنني تلميذ مجتهد أسجل وأعيد الاستماع.. عدت لأسأل: ولكن أين سمعت هذا الكلام؟ إذ لا أظن أن أحداً يفكر هكذا مثلي فإن كان فإنه لا يكون بدقة وترتيب هذا التوافق.. فقال: أنت قلتً هذا مرةً، وأنا تلميذ مجتهد أسجل الكلام وأستعيد سماعه ليلاً وأكتب منه احياناً.. قلتُ أخيراً: هذه مكافأة ثمينة لي أقدرها أيما تقدير أن الكلام وجد من يسمه ويفهمه وفوق كل شئ يستذكره وأكثر من كل ذلك أن يكون من يفعل ذلك له مكانته وتأثيره وخدمته، فقال لي ما جعل ما حسبته مكافأة كأنه لا شئ إزاءه!!!

قال: بقليل تقنعني أن أصير أرثوذكسياًJ

 

[15] (ملحق فصل "المعمودية المخلٍّصة")

انتهت هذه الجولة نهاية طريفة، فقد سلّم المناقِش بعض التسليم وقال: لنقل أن المعمودية فاعلة في الخلاص، ولكن ما هو دورها؟ ليس هو كل الخلاص ولكن الخلاص من الانتماء للعالم الحاضر، ولكنها ليست الخليقة الجديدة ولا الميلاد الثاني..

 وكان قوله هذا بداية لمناقشة سريعة ومختصرة وناجحة، وأبدأ تسجيل الحوار بكلام شخصي المتواضع:
+ لن أجادل في هذا اختصاراً للمجهود.. لتكن المعمودية (جدلاً) هي الخلاص من الانتماء للدهر الحاضر فقط، فهل يمكن لواحد ان يخلص الخلاص الأبديّ بينما يبقى منتمياً للدهر الحاضر والعالم الفاني غير مُخَلَّصٍ منه؟

- لا.. لم أقل هذا.. بل يلزم الخلاص منه، ولكنه ليس كل الخلاص..

+ مرة ثانية لن اجادل في فكرة تقسيم الخلاص لأجزاء، ولكن يعنيني تسجيل أن هذا (الجزء) من الخلاص الذ تسميه خلاصاً من الدهر الحاضر هو (جزء) لازم للخلاص الأبديّ..

- نعم لازم ونحن متفقان في هذا طالما تقوم أنه ليس كل الخلاص..

+ أنا لم أقل هذا.. أنا الزمك بما تقوله أنت، وإذن فبناءً على لزوم هذا (الجزء) الذي تقوم به المعمودية تصير المعمودية نفسها لازمة؟ وهذه هي قضية المناقشة من الأصل

- نعم لازمة وبالمناسبة فأنا نفسي قد اعتمدت..

+ حبيبي.. انت اعتمدت.. وأنت انتهيت للزوم المعمودية (كجزء) من الخلاص.. فلماذا مع ذلك بدأت احتجاجك بان المعمودية مجرد رمز ولا لزوم لها في الخلاص؟ تريد تعميتنا والظفر بالخلاص لوحدك؟ هل هذه أخلاق مسيحيين معتمدين؟

انتهت الجولة نهاية لطيفة  بهذه الدعابة، وللأسف باعدت الايام بيني وبين صاحب هذا النقاش، وهو نفسه صاحب المداخلة في هامش فصل "الإيمان العامل"، وكان إنساناً مخلصاً في إيمانه لم يعبه إلا الوقوع في براثن العوائد الطائفية التي تكبّل الذهن وتسوقه من عنقه، وتعلمه كيف يقود النصوص الكتابية قبل ان يفهمها لا ان يدعها هي تقوده بعد أن يتيقن من فهمها الفهم الصحيح..

 

[16] في مجاوبة عن موضوع شبيه انتهز قس بروتستانتيّ فرصة كنيسة دير العذراء التي تخلو من "حجاب الهيكل" ليدعو لتعميم الفكرة على كل الكنائس بدعوى "تنقية الناس من فكرة انعزال الرب عنهم".. فأجريت عليه في حضور باستورز أميركان معه تجربة مماثلة لفصول هذا المجلد J

 

[17] ملاحظة: يُساء استعمال الشاهد لدعم بدعة الإرشاد إياه الذي يملأ أركان اجتماعات الشباب كظاهرة مريضة، ولاسيما مع عدم دقة ترجمته البيروتيّة، ولكن

على كل حال فإن المعنى الصحيح للشاهد معروض من كل الجوانب في هذا "الفهرس"، وتركيز الشرح في هذه اللوحة:  "من الإرشاد للمشورة يا منبر احزن"

 

[18] ويمكن بكل شكر الرب إلحاق هذه المجموعة التأمليّة عن أبواب الرب من خلال فهرس روابط لتسجيلات مكتوبة ومسموعة على منابر متميزة.

 

[19] لا يكاد يصدق بعضكم أن ذلك قيل؟ ومن كبير؟ معذور من يتشكك وعلى كل حال فمعي ما أحتفظ به من تسجيلات صوت وصورة لحين توفر فرصة تنسيق عرضه، على أن الموضوع ليس سراً ولا لقطة نادرة فهو تعليم مسموع ومنشور على أوسع نطاق لمن يتابع.. وأنا لا أتابع إلا نادراً ولكني أرصد هذا النادر واحتفظ قدر طاقتي ببراهين حدوثه!!

 



Site Gate  Main Table of Contents  Answering  Major Mistakes  Major Contributions  Criticism and corrections.htm  Exegetical Technicalities  Sign Guest Book