+

عذراء الأجيال

Virgin of Generations

 

فكرة مسرحية

 

 

 

 

 

     "عذراء الأجيال" هو عنوان المسرحية التي وحدها لم تزل تعاودني حتى أقنعتني أن أتحسّر على فوات أيام شبابي التي مرت دون كتابتها، وأنا لست ممن يتحسرون على ما يفوت..

 

     واتتنى فكرة "عذراء الأجيال" فى منتصف تسعينات القرن العشرين بإلهام أيقونة أخَّاذة اكتُشِفَت وقتها حديثاً في دير السريان يسمونها فريسكا، وهذه الفريسكا المُلهِمة هي التي تزين أعلى المقال.. وأنا وإن كنت أجهل دلالة مصطلحات الفنون التشكيلية، ولكنى أُخِذت بهذه "الفريسكا" التي تصور العذراء الملكة على العرش حاملة لملك الملوك على حجرها وحولها يمينا ويسارا يقف الملاك غبريال والأنبياء موسى وإشعياء ودانيال وحزقيال وكل منهم يمسك كتابا به كتابة ما شاهده أو قاله أو تنبأ به عن العذراء.. فموسى يتكلم عن رؤيته لعليقة مشتعلة وإشعياء يمسك بنبوته الشهيرة: "هوذا العذراء تحبل".. وحزقيال يخبر عن باب المشرق المغلق الذي لا يفتح لأن الرب دخل منه والرئيس الرئيس يجلس فيه.. ودانيال يحدِّث عن حجر قُطِع بغير يد من الجبل.. وأخيرا وتتويجا لتلك النبوات يُقرئ غبريال الملاك العذراء السلام الإلهي كما هو مدون فى إنجيل لوقا..

 

     رأيت شخوص تلك الفريسكا تمثل.. وسمعتهم يتحاورون.. كأن مسرحية متقنة تعرض علي مسرحها..

 

     وتحركت بداخلي الغيرة من مبدع هذه الأيقونة.. رغم أنني لا أسابق ولا أنافس في فن الرسم.. ولكنني وجدت من الأيقونة ليس مجرد رسام، بل مبدع مسرحي عملاق يبتسم بسخرية وديعة من اعتدادي بصبيانيتي الفنية.. ويقول لي: هاك نص مسرحي.. لم لا "تقتبسه"..

 

     نص المسرحية مُعَدّ وقريب من التمام على صفحات الأيقونة، ولا ينقصه إلا التشطيب ثم الإخراج.. وسأقول في التتر من تأليف مبدع الأيقونة الفريسكا المجهول، وإعدادي.. الحق حقّ..

شرعت في تحويل الأيقونة إلى خطوط ومشاهد لهؤلاء الأنبياء وهم معا وأضفت لهم، على نفس خط الأيقونة وبلا خروج عن نصها، غيرهم ممن سبقهم بدءً بآدم وحواء مروراً بالجميع حتى ملاخي في حبس الهاوية.. 

وإذ تشكّلت المجموعة أمام مخيلتي شعرت أنني معهم بحقّ.. 

تصورتُهم يتعجلون لحظة الإفراج، وكل منهم ينتظر المسيح ويتلمس كلمة تشجيع من أخيه..

 

وتعمّقت معهم إذ يتصاعد حوارهم الكتابيّ الذي يتطرقون فيه لمناقشة ما يعوّق مجئ المسيح، ودائماً ومن عدة طرق يصلون لحتمية مجئ العذراء حتى يجئ المسيح.. 

 

 

وأُحبِطت معهم إذ تدخل سليمان ليقول أن مجئ إمرأة بارة تصلح أما للمسيح، وعن خبرة عميقة له فى البحث بين ألف امرأة وأكثر، ليس أمرا هينا.. ويتأسى سليمان وهو يتذكر بصيص الامل له وهو يكتب النشيد حتى إذا ازدادت خبرته في حال الأرض وناسها غام عنه هذا الرجاء وهو يكتب الجامعة..

       وينتهي المشهد بانتظارهم لتلك المرأة..

 

      ثم في دوائر أُخرى خارج الشخوص النبوية تتوالى المشاهد من أزمنة وأماكن مختلفة عمن ينتظر.. 

      فهؤلاء فلاسفة يتباحثون مع ديونيسيوس الأريوباغى (مع استسماح واقع التاريخ الذي لا يعتمد القصة)  فيصلوا لنفس النتيجة ويتركوه منتظراً عذراءه المرجوة.. 

       وهؤلاء المجوس العلماء يفكرون ويراجعون تقاليد حكمتهم فينتهوا لنفس النتيجة.. 

      وهؤلاء الرعاة البسطاء.. وهذا سمعان.. وهذه حنة النبية.. 

 

 

     الجميع، كلٌ فى مشهد قصير مركز، يتكلم مع من حوله عن رجائه في المسيح ليصل بمحدثه إلى حتمية نفس النتيجة: العذراء أولا!

 

     ثم يأتي مشهد الختام وفيه تكون الخلفية هي سور سجن عال يطل من نوافذه آباء العهد القديم ويقف أسفله خارجا بقية شخصيات المسرحية في صف واحد بين كئيب محبط، ومتحرق رجاءا، ومتلهف شوقا.. وأمامهم يروح جيئة وذهابا الشيطان قلقا وشرسا.. بينما فى صدر المسرح تقف العذراء فتاة صغيرة بسيطة مصلية بهدوء ووداعة وفي عمق هذا المشهد يدخل الملاك غبريال ويدور الحوار الخالد بينه وبين العذراء.. فتتصاعد على وجوه جمهور المنتظرين في الخلف اللهفة التي لا تخلو من قلق على نتيجة اللقاء.. 

هنا يتدخل الشيطان لقمع أملهم متحدثا بصوت صارخ عن استحالة قبول العذراء للمهمة، مذكرا بما يقف أمامها من متاعب ومهانات، وسيف مزمع أن يجوز في نفسها إن هي قبلت، وكأنه بهذا يخيف العذراء نفسها.. ثم يواصل فيقول: وما جدوى أن تحمل هي المرارة والمهانة، وتحيى بسيف في نفسها من أجل خلاص الخطاة الآخرين.. ويتساءل متباكيا ومستنكراً: ما ذنبها هى؟ فلتقبل أخرى المهمة.. كأنه بهذا يوحي لها برفض بشارة الملاك والاستعفاء من المهمة الثقيلة.. أما هى، يواصل الشيطان، فلتعد لصلاتها وحياتها البسيطة الهادئة.. ولكنه لا يوجه الكلام للعذراء بل يقوله كمن يكلم نفسه ويسمع الآخرين.. 

     الدافع لهذه الحيلة الفنية أنني لا أظنه ملائما أن يتدخل الشيطان في لقاء الملاك بالعذراء.. ولما كان لازماً شرح صعوبة قرار العذراء، واستعراض الفكر الشيطاني فى هذا الصدد، لذا كان الحل الأمثل أن أضع الكلام على فم الشيطان، وأوجه حديثه للخلفية بعيدا عن لقاء العذراء والملاك..

 

     عندما يقف حديث الملاك مع العذراء قبل قولها : "هوذا أنا أمة الرب ليكن لى كقولك" يقف المسرح ساكتاً متهيباً.. 

     الشيطان في قمة ذعره وشراسته.. 

     وشخصيات الخلفية فى قمة تلهفهم المشوب بالقلق.. 

     والأنبياء منهم يتقدمون الخلفية ويمسكون بقضبان النوافذ متلهفين.. 

     وهنا تنطق العذراء بردها وهى تنظر للسماء نظرة خضوع وطاعة كمن هي معتادة على ذلك ثم تلتفت للخلف وتنظر للجميع نظرة محبة وبذل.. 

     هنا يبدأ سور الهاوية فى التصدع ويبدأ شخوص المسرحية الواقفين خارج السور فى الإمساك كل واحد بيد الآخر فى مشهد يعبر عن مفهوم الكنيسة الجامعة التى تتخطى حدود الزمان والمكان وتجمع أبناء الـله المتفرقين في كل الأزمان والأماكن إلى واحد.. وتعبر عن هذه الفكرة، مع تشابكهم، أزياؤهم المتنوعة.. وهي فكرة إستوحيتها أيضا من ذات الأيقونة التى أظهرت الأنبياء في أزياء مختلفة يعبر كل منها عن زمان ومكان حياة هذا النيى..

 

     والآن ما هو اسم المسرحية؟ هذا ما وجدته فى قول العذراء نفسها:

"هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني"..

ومن وقتها صارت "عذراء الأجيال" عنواناً دائم الإلهام لي..

 

     فاتني تنفيذ هذه الفكرة على المسرح.. ولكن الفكرة لم تفتني.. لأنها ظلت تلح على دائما وتضغط حتى تظهر بين ثنايا العظات والمقالات عن العذراء.. ولم تهدأ حتى صارت بذرة لصفحة كاملة في موقع CY4HB هي صفحة ثيوطوكوس.. وكانت فكرة أول مقال اقترحته عندما طلب مني المساهمة في نشرة كنيسة سانت مارك بواشنطن دي سي.. وكانت موضوع أول عظاتى عن العذراء بعد تكريسى.. ومع ذلك فلازالت تلح حتى تأخذ شكلها الأول وهو الشكل المسرحي.. لا أعرف إن كنت سأكتبها يوما أم لا! ولكننى وأنا أسجل خواطري عن العذراء لأجمعها فى مكتبة واحدة وجدت أن الوقت قد حان لتسجيل المسرحية كفكرة على الأقل.. ولكل شئ تحت السموات وقت!

 

     والآن لعل بعض الهواة يداعبه خياله بأن يأخذ دوره، وكما سبق لي تحويل الأيقونة لفكرة، يحوّل هو الفكرة لنَصّ ناجح بعون المسيح، لتبقى للأجيال مسرحية عذراء الأجيال..