+

خدمة الضرورة

 

 

 

قُدِّمَت في عدة اجتماعات خدمة في صورتين: كمحاضرة مجملة وكسلسلة من خمس حلقات..

أكرمها الرب بنجاح دعا البعض لتكرار طلب كتابتها، وهذه الكراسة استجابة للطلب..

يتجاوز الموضوع مجرد تصحيح خطأ روحيّ عن فهم الأصل في الخدمة إلى تصحيح خطأ متوطّن عن فهم قصد التعيين الإلهيّ وحرية الإرادة ذاتها..

المقال مثبت في مجلدات:

 " مشاهد كتابية للخدمة المسيحية".. "قصد التعيين الإلهي"..  "كيف تقرأ".. "ثيولوجي الخطية"..

 

RTF Copy

http://www.mediafire.com/download/lnb6ewiu1agq38c/a_hb_mnstry_necessity_ministry.rtf

 

 

فهرس:

 

(1)   خدمة الضرورة؟!

     * الخدمة بين الاختيار و الاضطرار

     * الضرورة: ماذا ولماذا؟

     * الاختيار: متى وكيف؟

     * جُمَل مُحًصِّلة:

     * الوداع لإرادتنا...

 

(2) سمات خدمة الضرورة:

     * خادم الضرورة وحده هو الذى يقول:-

          1- يا رب ماذا تريد أن أفعل؟

          (خدمة تحركها إرادة واحدة هي إرادة الرب)

          2- من يعثر و أنا لا ألتهب؟ 

          (خدمة ملتهبة و حية)

          3- لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضا

          (خدمة متعزية و معزية)

          4  - اكرز بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مناسب و غير مناسب

          (خدمة دائمة لا تنقطع – فى كل زمان)

          5- لى الحياة هى المسيح
          (خدمة متسعة - فى كل مكان)
          6- و بهذا أنا أفرح
          (خدمة مُرَحِّبة بالآخرين ومتحررة من أعباء النزعات النفسية)
          $- خادم الضرورة وخادم الضرر        
          (دراسة جدوى لخادم الضرورة وخادم الضرر)

          7- فإنه إن كنت أفعل هذا طوعا فلي أجر و لكن إن كان كرها فقد إستؤمنت على وكالة

          (خدمة مجانية بلا أجر)

          8- فما هو أجري ؟ إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة
          (و بلا حتى نفقة - غير مكلفة للمخدوم)
          9- و لا طلبنا مجدا من الناس لا منكم و لا من غيركم
          (خدمة مأمونة  - بلا مخاطر من أطماع الخادم)

          10- لم نشأ أن نعطيكم إنجيل الـله فقط بل أنفسنا أيضاً

          (خدمة باذلة)

     * هنا فـَرْق!

 

(3) أمثلة معنويّة وشخصيّة لخدام الضرورة:

     * شرح بأمثلة للحرية المسيحية

     * أمثلة من الكتاب و تاريخ الكنيسة

     * خادم الضرورة الأمثل هو المسيح

 

(4) حصاد خدمة الضرورة وفَعَلَتها:

     * أين نحن من حقل خدمة الضرورة!

     * رسالة تشجيع...

 

(مُلْحَق) حريّة بلا اختيار.. وضرورة بلا ضرر!

 

 

(1) خدمة الضرورة!؟

 

 

 

 

* الخدمة بين الاختيار و الاضطرار

 

 

سؤال لكل الخدام:

هل دخل واحد حقل الخدمة كرها و اضطراراً؟

مثلاً: هل أتى أحدكم إلى هذا الاجتماع غصبا وتحت تهديد الويلات؟

أو حتى يقرأ هذه الكراسة مضطرا و مجبراً؟

الإجابة المتوقعة من الجميع هى : لا كبيرة جدا .. فنحن نخدم باختيارنا التام أو بحسب التعبير الشائع "بمزاجنا" (أسجل هذا التعبير بحرفه كما قيل من كثيرين، وتقريباً في كافة الاجتماعات التي قُدِّمَت فيها هذه الكلمة، و أنوى أن أستخدمه).. إذاً هي لا، مع هزة رأس قوية تأكيداً للنفي القاطع.. ويختم على الجميع نظرة استنكار بديهية للفكرة .. وربما أخيراً مع ابتسامة استخفاف لسذاجة السؤال..

 

إذا قدمنا هذه الإجابة لمعلمنا بطرس سيبدو لنا "ظاهريّاً" أننا سنحصل على الدرجة النهائية مع نجمة التفوق لأنه يقول:

 

ارعوا رعية الـله التي بينكم نظارا لا عن اضطرار بل بالاختيار

بطرس الأولى 5 : 2

 

إلى هنا و ليست هناك مشكلة فيما "يبدو"..

و لكن المشكلة تبدأ عندما نقدم الإجابة لمعلمنا بولس لأن له رأيا آخر فيما يبدو، ولو تقدم له أحدنا بهذه الإجابة أخشى ألا يقدرها بقدر درجة النجاح، لأن الإجابة النموذجية عنده هي:

 

أما أنا فلم استعمل شيئا من هذا ولا كتبت هذا لكي يصير فيّ هكذا

لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري

لأنه إن كنت ابشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة عليّ فويل لي ان كنت لا ابشر فإنه إن كنت أفعل هذا طوعا فلي أجر ولكن إن كان كرها فقد استؤمنت على وكالة، فما هو أجري ؟

إذ وأنا أبشر اجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم استعمل سلطاني في الإنجيل

كورنثوس الأولى 9 : 15 – 18

 

بولس الرسول يُقرِّر هنا أمْرَين:

 

الأول أنه يخدم كَرهاً (مجبراً أو مضطراً)

و على ذلك فلا يطلب بل لا يتوقَّع أجراً عن خدمته.. لأن الأجير يعمل طوعا (أى باختياره) و لذلك فهو وحده، على خلاف العبد والمُسَخَّر، الذي يملك أن يساوم في الأجر مقابل عمله.. وأما العبد والواقع تحت السخرة فلا يحصل إلا على علوفته أو ما يكفي ليقيم أوده وبقدر الطاقة التي يحتاجها لمواصلة العمل المكلف به..

 

والأمر الثاني الذي يقرره الرسول أنه بعد أن أقر بعدم استحقاقه لأجر، فإنه يذهب لشوط أبعد ويتنازل حتى عن نفقته الضرورية التي وجبت له بسلطان خدمته للإنجيل، والتي دعاها "سلطانه في الإنجيل!".. وداعيه إلى ذلك التنازل أنه يبحث في خدمته عن  مكافأة.. ولما كان أميناً ولم يجد استحقاقاً له في اجر مقابل خدمة، حيث انه لا يخدم طوعاً عن اختيار كالأجير، ولما لم يجد في يده ما يحق له سوى "سلطانه في الإنجيل" أي نفقته الضرورية للحياة، فقد تنازل عنها اختيارا و طوعا ليكون له فخر و مكافأة من هذا القبيل!

 

نعم! هو هنا يقول أنه يخدم كرها : "إن كان كرها فقد استؤمنت على وكالة".. أليس بولس الرسول قد استؤمن على وكالة ؟ إذاً فبحسب فهو يخدم كرهاً لا محالة من فهم ذلك من كلامه! ويؤكد فيقول إن خدمته هى ضرورة موضوعة عليه! (و الضرورة تعنى الاضطرار أو الإجبار).. و يذهب إلى آخر الشوط فيستنتج أن الويل ينتظره إن لم يبشر، نفس حال العبد الذي ينتظره الويل إن هرب من خدمته الإلزامية! كلام الرسول يحاصرنا على كل وجه مؤكداً أن هذه هي إجابته المعتبرة على سؤالنا.. هو لا يخدم "بمزاجه" ولا طائعاً متخيّراً.. هو يخدم كَرهاً..

 

السؤال الذي بدا بديهياً انتهت إجابته كصدمة!

تكاد الاحتجاجات العاصفة تقفز لتعض المتكلم: كيف هذا؟ أين حرية الإرادة؟ أليست هي نعمة من الخالق؟ وهل غير الـله رأيه فجعلنا عبيدا نخدمه كرها؟ ثم ماذا عن تعليم معلمنا بطرس الذي يبدو مناقضا لهذا تماماً؟

 

مهلاً.. إن مقاومة هذا التقرير الرسوليّ يأتي من فساد في فهم الحرية.. يأتي من تراكم خبرات بشرية سيئة لحقت بكلمات "الاضطرار" و"الخضوع".. يأتي رأساً من قياس فاسد تمام الفساد نقيس به الرب على البشر لا العكس.. ولكي نرذل الأفهام الدخيلة على المعاني، ولكي نفهم قضية الرسول ونعرف ما الذي أوجب عليه هذه الضرورة، ونوفِّق بين ما قاله وما قاله بطرس الرسول، علينا أن نفحص هذه القضايا الثلاث و نميز بين هذه الأمور ومقابلاتها:

أولا: نميز بين قهر الإرادة و سلبها رغما و تعسفا و بين تسليم الإرادة بملء الإرادة خضوعا لسلطان محبة المسيح..

ثانيا: نميز بين الضرورة الطبيعية التي توجبها مكانة و كرامة الابن و بين الضرورة التعسفية أى خدمة العين و الرعب (خدمة العين هي خدمة من يعمل تحت نظر مسخِّره حتى إذا غابت عينه عنه ترك خدمته لغياب التهديد)..

ثالثا: نميز بين حال المبتدئين و بين حال البالغين..

وإذا نجحنا في هذه التمييزات الثلاث نكون قد ميّزنا بين شر البشر الذي نختبره في العالم، وبين خير الرب الخالق صاحب الحقّ في كل الأشياء، ومعطي الخير لأحبائه في كل الأشياء..

 

و فى ضوء نتيجة فحص هذه القضايا يمكننا أن نجيب على كل شئ: لماذا رأى بولس "الضرورة" في خدمته؟ وماذا قصد بطرس "بالاختيار" في الخدمة؟ ولماذا فوجئنا نحن بإجابة بولس ورأينا فيها ما يناقض تلك التي لبطرس؟

 

 

* الضرورة : لماذا؟

 

لقد فحص بولس الرسول هذه القضايا الثلاث وميز موقفه في كل منها ووصل إلى هذا:

+ أولا وجد أن محبة المسيح هي التي تحاصره بل تحصره وليس إرادة إنسان من مسخِّري الأرض وعتاتها..

+ثانيا وجد أن  كرامته و مكانته فى المسيح هي التي تُكرهه (تلزمه)..

+ ثالثا وجد أن الضمان الوحيد لارتقائه من حالة البداءة في المسيح لبلوغ الكمال هي تسليم الإرادة، فتكون إرادة المسيح لا إرادته هي العاملة فيه..

 

ألَعَلِّي متجاوزٌ لفهم الرسول، وملزماً له بما لم يقل؟ حاشا.. بل ها هي نتيجة الفحص ببعض التفصيل، وبتوثيق إجابات الرسول من واقع نصوص رسائله:

 

محبة المسيح تحصره:

قالها مرةُ صريحا: "لان محبة المسيح تحصرنا" (2كو5: 14)..حصار لطف المحبة هو الذي كبله و ليس حصار رعب العبودية.. تحققَّ من أنه مدين للملك المسيح ليس بحياته هو بل بحياة المسيح نفسه "الذي أحبه و أسلم نفسه لأجله" (غل2: 20).. فأمام تحققه من فداحة دينه أدرك حقيقة حصار "محبة المسيح الفائقة المعرفة" (أف3: 19) فصار عبدا لهذا الدين المذهل، وما أعظم و أوضح الفرق بل التناقض بين هذه العبودية و عبودية الرعب.. فعبودية الرعب لم تغب عن فهم الرسول حتى يظن واحد انه خلط بينها وبين عبوديته للمسيح، حاشا، بل سبق فشرحها مرتين بتسميتها "خدمة العين" (إف6: 6، كو3: 22) وهي خدمة العبد الذي يضع عينه على عصا سيده ويرقب عين سيده عليه.. كلما كانت عين سيده عليه والعصا حاضرة فإن العبد يخدم، فإذا ما انفك حصار رعب العصا وغابت عين المُسَخِّر توقف العبد عن العمل.. وواضح أن ليس هذا ما يصف به الرسول محبة المسيح ودينه للمسيح..

هو يتكلم عن ضرورة ليست كالضرورة، وعبودية ليست كالعبودية..

 

طبيعته الجديدة في المسيح تلزمه :

هذه الطبيعة الجديدة التي أدركها في المسيح منحته مكانة و كرامة، فهو فى المسيح من أهل بيت الـله .. هو ابن للآب وصورة لمسيحه، وهيكلا لروحه القدوس.. عضو فى جسد رأسه هو المسيح كبكر بين إخوة كثيرين.. هي أولاً ضرورة كرامة.. ضرورة الابن الذي يدرك حقيقة بنوته و يحرص على كرامته البنوية.. ضرورة الأخ الذي يحب إخوته و يمارس أخويته بشرف وغيرة على منفعة أخوته.. كل هذه الكرامة تلزمه بضرورة تكريمها بالمقابل.. إذاً فهذه الضرورة ليست نتاج غصب ظالم بل هي نتاج طبيعة جديدة سمتها الخدمة و هذا الإكراه ليس نتيجة انحطاط مكانة و لا سبباً لإهانة كرامة بل على تمام العكس هي ضرورة ناتجة من شرف المكانة ومدعاة لمزيد منها، والتواني عن الالتزام بها هو السبب للمهانة كل المهانة..

ومثلما هي ضرورة كرامة فهي ضرورة طبيعية.. فأي ابن شريف يدعوه أبوه لخدمة إخوته، لإيصال رسالة لهم، لمعونتهم في احتياج، لإسعافهم في حيرة، ألَعَلَّه يتوانى؟ أو يجلس ليشاور إرادته "الحرة" أولا ليرى هل يرغب في تلبية دعوة أبيه ومساعدة إخوته أم لا؟ إن الابن الواعي لمكانته كابن يسعى بالحريّ ملهوفاً ملبياً دعوة أبيه و حاجة أخوته.. ألا نقول جميعنا في مثل هذه المواقف أن تلبية النداء بل حتى التقدم دون نداء أمر ضرورى؟ من هنا جاءت الضرورة دون أن تعنى ظلماً واقعاً على الإرادة، فهي ضرورة طبيعية نابعة من طبيعة جديدة للمسيحيّ، فهل يمكن للملح أن ختار ألا يملح ؟ أو للنور أن يختار ألا ينير ؟ هكذا فطبيعة المسيحيّ الجديدة لا يمكنها إلا أن تخدم..

الضرورة هنا هى ضرورة طبيعة لا تعسفية و ضرورة كرامة لا مهانة..

 

ضرورة البالغين:

إن غير البالغ لا يرى أصل الدعوة للخدمة الممتد في عمقه للرب، وإذ لا يرى من الدعوة إلا جزءها الظاهر الذي هو دعوة أصحاب الرتب الكنسية للخدام، فإنه أمام أولئك (بشر مثله) يمكن أن يجد لإرادته مكاناً ولاختياره دوراً.. ولكن البالغ في حواسّه الروحيّة الذي يرى لعمق الدعوة التي هي من الرب كبولس أيضاً، الرسول لا بإنسان (غل1: 1)، فإنه لا يجد فضلاً لإرادته ولا دوراً لاختياره، وهذه هي خبرة بولس الرسول مع إرادته البشرية بكل صراحة.. هذا لا يلاشي حضور إرادة الإنسان في خدمة الرب، ولكنه يضعها في محضرها السليم ومن ثَمَّ حدودها الصحيحة..

الإرادة حاضرة عندي هذا حسن و لكن الأحسن أن تكون حاضرة عند الـرب أي استودعها عناية الرب الإله..

اسمعوا، لازلنا مع بولس، وهو نفسه الذي قررّ ذلك.. اسمعوه يقرّر عن نفسه مثالاً للجميع أن حضور الإرادة عنده لم يُجْده نفعاً لكي يجد فعل الحسنى  (رو7: 18).. اسمعوه يبحث عن المنجاة فلا يجدها إلا في استيداع الإرادة الإنسانية الضعيفة للعامل فيها أن تريد وتعمل من اجل المسرة (في2: 13)..

طبيعة المراهق هي الاعتداد بإرادته، بينما الناضج البالغ هو من لا يستنكف بل يسعى ويطلب لمشورة الحكيم، والحكيم يقول "اتق الإله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله"  (جا12: 13).. وبولس الرسول طالب لطعام الكاملين متقدماً إلى الكمال  (1كو 3: 1-2، عب6: 1)  وجد هذه الحقيقة المذهلة: إنه يخدم كرهاً تحت ضرورة مُستَأمناً على وكالة..

إن اختبار البالغين أنهم وإن كانوا غير مُسَخَّرين في دعوتهم من أناس ولا يخدمون الرب خوفاً من قهر بشر، ولكنهم أمام الرب لا يحق لهم قياس دعوته على مستوى دعوة البشر، بل:

دعوة الرب قاهرة باللطف محاصرة بالحب ملزمة بالنعمة التي يصل لملئها ويفهمها البالغون.. 

 

 

* الاختيار: متى وكيف؟

 

فإذا كان هذا عمق بولس؟ فعمّ تكلم بطرس؟ هل خالف الرسولان بعضهما؟ حاشا، بل بطرس الرسول يتكلم صريحاً فيقول:

 

لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضاً، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ.

بطرس الأولى 4 : 10

 

يقول صريحاً أننا نخدم كوكلاء! فما هو الوكيل؟

فَقَالَ الرَّبُّ: «فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟

طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!

لوقا 12: 42-43

 

إنّه عبد! ولأنه وكيل على خدمة الرب فهو هنا لا يتكلّم عن أي عبد، بل عن عبد للرب.. والعبد

لا اختيار له..

فما هذا الذي يقوله إذاً:

أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ، وَشَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ

يُعْلَنَ، ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّاراً، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاِخْتِيَارِ، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ، وَلاَ كَمَنْ

يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ،

بطرس الأولى 5 :1- 3

 

لا يبقى إلا انه يتكلّم عن الاختيار لا كبديل للخضوع للرب، بل كمقابل لإجبار الناس واستعبادهم بعضهم لبعض.. كلمة اختيار هنا تنفي إجبار الناس لا الرب.. تنفي الانسياق وراء مطامع العالم التي تكبّل صاحبها وتُعميه وتحدد له اختياره..  والدليل على ذلك كثير ووفير:

 

  • من ذات النصّ يقول: "لا لربح قبيح".. أي الاختيار ليس لربح قبيح.. هذا الاختيار هو نقيض للخضوع للطمع وليس للخضوع للرب..

 

  • ومن ذات النص يقول: "لا كمن يسود على الأنصبة".. هذا يتفق بقوة مع كون الذي اختار خدمة الرب اختارها بحرية من أهل العالم.. ذلك لأن الخاضع لسيادة أرضيّة ينزع للتسلّط على من يفع تحت يده ليعوِّض سقوطه هو نفسه تحت تسلّط من يقوم فوقه.. وليس الأمر هكذا مع الخاضع للرب..

 

·         وفي نص آخر يقول صريحاً وقاطعاً ما قُدَِم أولاً لإثبات الأمر، أنه لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضاً، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ..

 

حصيلتنا الآن دليل قاطع فوق قرائن نصّيّة لا يبقى بعدهم إلا الذهول أمام اتفاق التعليم الإنجيليّ على المستوى الروحيّ اللاهوتيّ العميق، مثلما هو متفق في أمور ظاهر بساطة التعليم..     

     & الكل بفم رسوليّ واحد يتكلمون عن الوكالة والخضوع أمام الرب (هذا الذي يُسمَّى

        فضيلة "التسليم" العالية والغالية)..

    & والكل بلسان إنجيليّ واحد يتكلمون إزاء البشر عن حرية الإنسان التي أخذها فقط

       بتسليمه إرادته للرب..

 

فالآن تنشرِح الإجابة على سؤال العنوان: "الاختيار متى وكيف":-

الاختيار مَتَى: في حدود دعوة البشر للبشر ليس كل واحد يدعو يكون له الخضوع.. وليست كل دعوة تًدعَى يكون لها القبول.. للإنسان الخاضع للرب حريّة في التمييز والقبول والرفض بحسب الرب (الذي خضع له المؤمن فحررّه -من حيث المبدأ- البشر).. فما لم يُثبِت مُقدَِم الدعوة للخدمة أنها من الرب فللمؤمن حرية التمييز..

الاختيار كيف: اختيار عدم الخضوع لرغبة الطمع البشريّ ولا التحزّب البشريّ ولا التسلّط البشريّ..

 

وأما بالعودة لمبدأ الخدمة، وقبل أي تدخّل بشريّ، فالمسيحيّ خادم كرهاً.. خادم بغصب الطبيعة الجديدة التي أخذها.. خادم بحكم كونه ابناً حقيقيّاً إن لم يخدم حتماً وبغير تفضّل على الرب بالاختيار، فلا هو ابن ولا هو بالأولى مسيحيّ – حاشا أن نكون!

 

 

* جُمَل مُحَصِّلة

 

+ الضرورة تضعها علينا محبة المسيح التي تحصرنا..

+ و الخدمة كرها (غصباً) غَصَبَتْنا عليها مكانتنا كأبناء و واجبات كرامتنا كأهل بيت الإله..

+ و الويل الذي ينتظرنا لو أهملنا هذه الضرورة هو الويل من فقدان الكرامة البنويّة وخدش

    المشاعر الأبوية..

+++

+ من يفهم هذا ويقتني نعمة التسليم يصير حُرّاً من الجميع..

    وهنا يكون له الاختيار بين دعوات البشر للخدمة في دائرة الخضوع كرهاً لاختيار الرب

+++

+ معلمنا بطرس أثبت لنا في البداية الاختيار والإرادة،

   ومعلمنا بولس علّمنا أين نضعها ومتى تتوقّف..

+ بطرس استبعد الاضطرار القبيح الناشئ عن ضغط من تسلّط الناس أو طمع ردئ،

   وبولس وضع يده على المُوجِبات المسيحية السليمة للضرورة..

+ الرسول بطرس أرضع الأطفال لبنا،

    والرسول بولس أطعمنا طعام البالغين..

 

* الوداع لإرادتنا..

بملء إرادتنا!

الوداع للتخلّف الروحي... والذهني والضميريّ..

والوداع ليس للضياع.. بل للإيداع.. إيداع في يد من لا تضيع ودائعه..

وداع للإرادة لحفظها متحدَّةً بإرادة الرب.. وليس فقط أن بإيداعها الرب لا تضيع، بل بغير إيداعها لأمانة إرادة الرب فإنها حتماً تضيع وتُضيِّع صاحبها معها..

 

إننا بملء إرادتنا نقول كل يوم: لتكن مشيئتك .. هنا الإرادة تتخلى عن نفسها بنفسها وبنعمة الرب العاملة فيها والملزمة لها بإظهار الحب الإلهيّ.. بالنعمة أي المسرة بالعطيّة الإلهيّة المُفَرِّحة لا بالتهديد الساديّ المريض كما عند الإنسان.. فمتى يرتقى الإنسان لقناعة أن يسلم إرادته لإرادة الرب؟ ويتوقّف عن قياس الرب على البشر، ويدرك غباء مضاهاة طلب الرب بتسلّم إرادة الإنسان بأوامر عتاة الأرض في قهر إرادة أتباعهم؟ يجدث هذا عندما يرتقى من مرحلة بداءة المسيح ليتقدم إلى الكمال.. عندما يدرك الفارق بين الخالق والمخلوق.. المبتدئ مع المسيح يتصور أحياناً أنه قد قبل المسيح بإرادته هو، ويبدأ يُمَكٍِّن التعليم الساذج الشائع في ذهنه، ولكنه إذ يدخل في دائرة معرفة المسيح وينمو فيها يدرك حاجته الحتمية لضمانة سلامته أثناء مسيرته مع المسيح و أن خضوعه لإرادته الذاتية غير مأمون، ويدك بعداً أن إرادته الضعيفة ليست ولم تكن كفواً أن تقنعه بقبول المسيح، وهنا يراجع نفسه ويتخلى عن الانسياق مع إرادته، والافتخار الزائف باختياره هو للمسيح.. ومن لم يبلغ لذلك ويبقى متشبثاً بـ"إرادته" فهو كإنسان ظل يرضع لبنا طوال عمره.. إن مثل ذلك الإنسان يُسَمَّى متخلفا عقليّاً وضامراً جسديّاَ.. والآن فماذا يمكن أن نسمى الخادم الذي لا ينمو ليدخل لطور خدمة الضرورة؟ ألا يَحِّق تسميته "متخلفا روحيا وضامراً خَدميا"؟ عذراً لكل من أجاب بثقه أنه يخدم "بمزاجه" فليست هناك تسمية أرقّ لهذه الحالة من التخلف!

 

 

 (2) سمات خدمة الضرورة

 

* سمات الخدمة المسيحية لا يتحلَّى بها إلا من قبل الخدمة كضرورة لا خيار له فيها :

 

1- فخادم الضرورة هو الذي يقول مع بولس الرسول فى بداية خدمته:

يا رب ماذا تريد أن أفعل ؟

أعمال 9 : 6

وهي الكلمة التي بدأ بها بولس الرسول خدمته و ظلّت دائمة العمل فيه ليعلنها في في كل موقف وكل عمل حتى بلغ غايتها عندما أعلن عن مفهوم خدمة الضرورة الذي بدأنا به..

خادم الضرورة هو فقط الذي يستطيع أن يقولها مع الرسول لأن مفهوم الضرورة هو مفهوم الالتزام بتكليف إرادة الرب: ماذا تريد أن أفعل لأفعل؟.. الإرادة العاملة في الخدمة عند خادم الضرورة هي إرادة الرب صاحب التكليف و لذلك فهو لا يجسر على أي عمل دون أمر وتوجيه الرب الذي وضع الضرورة عليه..

أما الخادم الذي تفوته حقيقة الضرورة في الخدمة فتخلو خدمته من سمة الضرورة لا يقولها لأنه، أُذَكِّرُكُم، يخدم "بمزاجه"..

إنّ شعاره الداخليّ، وإن أخفاه، هو: "ماذا أريد أنا أن أفعل؟"..

 

إن السمة الأولى الرئيسة لخدمة الضرورة تضمن العمل بإرادة واحدة هي إرادة الرب.. أما تفشى روح خدمة "المزاج" فتُعنى تعدد الإرادات بعدد الخدام أنفسهم، ومن يضمن توافق هذه الإرادات الكثيرة؟ بل بالأحرى تتضارب وتترضض معها الخدمة لأن إرادة الذات تسعى بطبيعتها لفرض نفسها ونفى أو قمع الإرادات الأخرى.. إن السمة الرئيسة الأولى لروح خدمة الضرورة تفيد أول ما تفيد نظام الخدمة نفسه وتوافق عمل فِرَق الخُدَّام..

   ؟ سؤال

  و لكننا نقرأ عن مشاجرة قد حدثت بين بولس و برنابا حتى فارق أحدهما الآخر بشأن اصطحاب مرقس معهما (أعمال الرسل 15 : 37 – 40)

  هل معنى هذا أنهما لم يكونا "خادمَى ضرورة" خاضعَيْن لإرادة الـله ؟

 

 

  بل تمام العكس.. ولولا أنني أعلم أن هذه القصة تـُفهَم بالعكس بحسب اختطاف الظاهر، لوضعتها رأساً في فصل أمثلة عملية على خدمة الضرورة..

هذه المشاجرة المثيرة تثبت أن الرسولَين كانا يفهمان بعمق عميق وعاشا بكل حقّ عامل واقتنيا روح خدمة الضرورة.. فلو ما كانا خادمّي  ضرورة لكانت المشاجرة استحكمت و لم تجد لها حل و لكانت قد تطورت إلى حد القطيعة

  و لكنا قد سمعنا برنابا يعير بولس بأنه هو الذى أخذ بيده و قدمه للرسل و طمأن التلاميذ من جهته (أعمال الرسل 9 : 27)

  و لما كنا قد رأينا برنابا يتحمل عبء إعداد مرقس منفردا و لما كنا سمعنا بولس يقر فيما بعد أن مرقس نافع له للخدمة (تيموثاوس الثانية 4 : 11)

أما سبب المشاجرة فلم يكن أن كلا منهما يعمل برأيه الخاص بل مرة ثانية كان عكس ذلك، لأن كلا منهما كان أمينا للغاية فى الموهبة التى أٌوكِلَت له: فبرنابا بحكم موهبته الظاهرة فى اتضاعه وإنكار ذاته كان يخدم خدمة "اعداد الخدام"، والدالّ في موقفنا بقوّة أنه بدأ بهذا الدور أولا مع بولس نفسه وأحب أن يكرره مع مرقس.. و بولس كانت موهبته ووكالته هى التبشير حتى أنه كان يعطى الكرازة الأولوية عن الممارسات الكهنوتية المعتادة كالتعميد كما قال أن المسيح لم يرسلنى لأُعمِّد بل لأبشر (كورنثوس الأولى 1 : 17) و لأنه كان ينظر بأمانة بالغة لإتمام سعيه في خدمة البشارة (أعمال الرسل 20 : 24) لم يشأ أن يعطل عمل الكرازة باصطحاب خادم مبتدئ قد يحتاج للعناية به على حساب الكرازة..

 

أما الدليل على معرفة كل منهما بإرادة الرب منه و أمانته فى تتميمها أن برنابا خادم الإعداد و التشجيع لم يجامل بولس و أصر على أن يقوم بدوره مع مرقس و يتحمل أعباء هذا العمل الشاق حتى لو تطلب الأمر أن يتحمله بمفرده ثم يتكلل عمله بالنجاح و باعتراف بولس نفسه

أما بولس الكارز الذى أرسله المسيح ليبشر فلما وجد مرقس قد أصبح نافعا له للخدمة طلب مساعدته ناظرا لنفع الخدمة التى إئتمن عليها و غير ناظر للتشبث بسابق رأيه ..

 

كان بولس و برنابا مثل لاعبَيْن فى فريق واحد يعملان معا وللوصول لهدف واحد تحت توجيه مدرب واحد مع تنوّع المواهب، والتنوّع في المهارات يُوجِب التنوّع قي الأدوار، وذلك يقود لتنوّع المراكز والمواضع، حسب توجيه قصد المدرب..

ذلك ما لم يختبراه ويستعلناه في البداية ظهر لهما في المشاجرة ففهما أنه كان ينبغى أن يفترقا بعد أن أتم برنابا عمله مع بولس.. فلم يكن خلافهما بسبب عدم خضوعهما لإرادة الرب، بل على العكس – كان بسبب خضوع كل منهما لاختيار الرب لموهبته وتعيين الرب لدوره.. كان كلا منهما ينظر لوكالته و للضرورة الموضوعة عليه و للويل الذي ينتظره لو تهاون فلم يكن هناك مكان لا للمجاملات و لا للاستكبار..

كانت هذه المشاجرة دليل على خضوع الرسل لمبدأ خدمة الضرورة على كل وجه.. وما أحرى بها لمن يفهم أن تُؤخَذ مثالاً رئيساً على خدمة الضرورة وتوافق فريق عمل الخدمة الرسوليّة تحت مبدأ ماذا تريد يا رب أن أفعل..

 

 

2- خادم الضرورة هو أيضا الذي يلتهب مع بولس الرسول و يئن و يقول:

 

من يعثر و أنا لا ألتهب؟

كورنثوس الثانية 11 : 29

لأن الذي أخضعه تحت الضرورة هي محبة المسيح التي تحصره..فذات هذه المحبة التي تلتهب لعثرة البنين تنقل له لهيب الألم لعثرة العاثرين.. ولو لم يشعر بليهبها إذاً فهو غير منحصِر بها وبعيد عنها بعداً كبيراً حتى آخر نطاق مجال لهيبها..

لأن الذي جعل الخدمة ضرورة عليه هي يقينه أنه يخدم جسدا هو عضو فيه.. فأي عضو لا يلتهب تلقاءً بالتهاب عضو آخر في الجسد الذي هو عضو فيه؟

لأنّه يعي جيدا أن العاثر هو أخيه فيلتهب لذلك بلا تكلف و لا اصطناع..

 

أما الخادم الآخر فطالما أنه يخدم "بمزاجه" فإذا وجد عثرات من حوله سيستسهل الانسحاب من المشهد.. إذ ما الذي يجبر "مزاجه" على الالتهاب و الأنين؟ بل يبحث بالأحرى عن خدمة مريحة مضموناً وناجحة شكلا..

 

ولكن لأن خدمة الضرورة فقط هي التي تزرع بالدموع والأنين والإلتهاب، فهذه وحدها التي تحصد بالإبتهاج.. تحصد كنيسة مترابطة بها أغصان رطبة رطبتها دموع الخدام التي تستجلب نعمة زيت الرب..

أما الخدمة الأخرى التي يتقوقع خدامها فى ذواتهم وفى الأركان المريحة، فتلك تنتج كنيسة جافة متفككة مثل جُزُر منعزلة يهتم كل واحد فيها بشأنه و لا يبكى عليه إلا نفسه..

 

على أن خادم الضرورة لا يلتهب في مقايضة تجاريّة: أنه يلتهب لقوت عن قصد لكي يجني ابتهاجاً دائماً فيما بعد.. وإلا ما كان خادم ضرورة.. هو يلتهب حتماً لكل ما سبق الكتاب فعلّمنا إيّاه، وهو أيضاً يبتهج حتماً لأن أمانته في الالتهاب لا يقابلها أقلّ من أمانة الرب في إكرامه ببهجة خدمته.. وأنينه لا يتناغم معه إلا نشيد الرب الذي لا يعرف كيف يرتّله غيره.. فليشرب خادم الضرورة قليلاً من الأنين من أجل أسقام "جسد المسيح" الكثيرة..

 

 

3- لأنَه مقابل الأنين هناك عزاء المسيح الذي لا يختبره و يتنعم به إلا خادم الضرورة فيقول مع الرسول بيقين:

لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا

كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضا

كورنثوس الثانية 1 :5

 

خادم الضرورة وحده هو الذي يلمس تعزيات المسيح في الخدمة:

أولا:-

لأن من يتعب هو الذي يتلذذ بالراحة و من يئن هو الذي يشعر و يتلذذ بالعزاء

أما "الخادم" البارد في وقت الأنين فإن برودته تكون صقيعاً يجمّد حسّه بعزاء المسيح الدافئ الحلو..

وثانيا:-

 لأنه لو ترك المسيح خدامه للالتهاب المتواصل فإن النتيجة الحتمية هي تلف الخدام

تحت وطأة العثرات التي بلا عدد.. لذلك فهو يعالجهم و يُلطِّف آلامهم بمَرْهَم عزائه الشافي..

أما "الخادم" الآخر فما حاجته؟

وثالثا وأكثر الأسباب أهمية:-

 لأن خادم الضرورة وحده هو الذي يستأمنه المسيح على أن ينقل عزاء المسيح الذي يلمسه إلى من يحتاج، لذلك فخادم الضرورة ينال العزاء الذي ينقله للمحتاجين فيعود ليقول باستحقاق النعمة مع الرسول:

حتى نستطيع أن نعزى الذين هم فى كل ضيقة

بالتعزية التى نتعزى نحن بها من الـله

كورنثوس الثانية 1 : 4

وبفهم هذه السمة الهامة لخدمة الضرورة يكون فهم ما قاله الرسول أيضاً في مواضع أُخرى:

نفتخر أيضا فى الضيقات

رومية 5 : 3

فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح

لذلك أسر بالضعفات و الشتائم و الضرورات و الاضطهادات والضيقات

لأجل المسيح لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى

كورنثوس الثانية 12 : 9 – 10

الآن أفرح فى آلامى لأجلكم

كولوسى 1 : 24

 

إن خدمة الضرورة إذاً ليست عالة فقط على تعزيات المسيح، بل هي مانحة لها مثلما هي آخذة.. خدمة معزية لمن يخدمها ولمن تخدمه.. خدمة خادمة عزاء للجميع الذين هم في احتياج له..

 

4- خدمة الضرورة خدمة مستديمة.. وخادم الضرورة وحده هو الدائم الخدمة الذي يشارك تيموثاوس في الخضوع لوصيّة بولس الرسول :

اكرز بالكلمة اعكف على ذلك فى وقت مناسب و غير مناسب

تيموثاوس الثانية 4 : 2

 

وذلك لأنه لا يخدم بالخضوع لمشيئته الخاصة التي تبحث عما يناسبها في الوقت و المكان والموضوع.. بل بالأحرى يخدم بتكليف الرب تبعا للضرورة الموضوعة عليه.. والضرورة تغلب الظروف المعاكسة مهما كانت التكلفة، وإلا كيف هي ضرورة أصلاً..

 

خادم الضرورة خادم ملتزم و جاد و حاضر دائما في المشهد في وقت مناسب و غير مناسب.. لأنه هو الذي يقول مع بولس الرسول:

و لسنا نجعل عثرة فى شئ لئلا تلام الخدمة

بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الـله فى صبر كثير فى شدائد فى ضرورات فى ضيقات فى ضربات فى سجون فى اضطرابات فى أتعاب ...

بمجد و هوان بصيت ردئ و صيت حسن

كورنثوس الثانية 6 : 3 – 8

 

و هو لا يرهن خدمته بأي "شروط مناسبة له" لأن الخدمة لها الأولويّة فوق ظروفه.. وكيف لا وهي "ضرورة"؟

حتى الشروط الخبيثة اللابسة ثياب حملان تمتحنها "ضرورة" خدمته فتكشفها.. مثلاً يقول واحد إنه طالما أن الخدمة لا تثمر فليس "من المناسب" ضياع الجهد و الوقت و المال .. و لكن خادم الضرورة يعمل بفكر العبد الوكيل الأمين المؤتمن على وكالة فلا يملك من أمر الكَرْم شيئاً إلا أن يتمم خدمته كما كلف بها دون أن يعلق عمله على شرط الإثمار و النتيجة.. لذلك فرغم علم بولس الرسول بأن بين أساقفة أفسس من سوف لا يُلِق بالاً لتحذيره و سينحرف لكنه يحرص على أن يجمع الكل ليعطيهم تعليمه الوداعيّ وتحذيره الأخير دون أن يفرز بين من يثمر و من لا يثمر فيقول و ينبغي أن يقول معه خادم الضرورة:

لذلك أشهدكم اليوم هذا أنى برئ من دم الجميع

لأنى لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة الـله

أعمال الرسل 20 : 26 - 27

 

و مع قبوله لكل ذلك فخادم الضرورة لا يأخذ متاعب الخدمة تلك ذريعة للتهاون في خلوته مع الرب وقياس نفسه بمقياس الحقّ.. بل يظل ثابتا في صلواته و أصوامه و طهارته و محبته و طول أناته .. يظل ثابتا فى الروح القدس لأنه مع كل هذا يقول أيضا متابعا الرسول:

فى أسهار فى أصوام فى طهارة فى علم فى أنا فى لطف فى الروح القدس فى محبة بلا رياء

كورنثوس الثانية 6 : 5 – 6

 

يبقى ملاحظاً نفسه، وملاحظاً ثمر التعليم فيمن يخدمهم لأنه يتعلّم أصول خدمة الضرورة من بولس كما تيموثاوس أيضاً:

لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. لانك إذا فعلت ذلك تُخَلِّص نفسك والذين يسمعونك أيضاً

تيموثاوس الاولى 4 : 16

 

لماذا يتحمل خادم الضرورة المتاعب دون أن يستهين مقابلها بمبادئه الروحية؟ لأنه لا يخدم باحثا عن أجر حتى يصير متاعب الخدمة فرصة لمكافأة الذات بالتهاون .. بل هو يخدم بقناعة أنه تحت ضرورة لا يملك المساومة فيها..

أما الخادم الآخر "أبو مزاج" فلا يعكف على الخدمة إلا في الوقت الذي يناسبه و يناسب "مزاجه" و بالشروط التى يراها "تناسبه".. ذلك لأنه يخدم "بمزاجه" متحررا من أي ضرورة.. و لو تحامل على نفسه و خدم في وقت لا يناسبه فإنه يعطِّل الخدمة بالأكثر بمزيد من المنّ المتكرر، ويبقى دوماً على أهبة الاستعداد لتوظيف أهون التضحيات التي يقدمها ذريعة للتهاون في أمور خلوته هو مع الرب التي هي أكثر خطورة ولزوماً..

وفارق الربح الذي تفوز به الكنيسة إن سادت روح ديمومة الضرورة هو خدمة دائمة و حاضرة و جادة في كل حين يقوم بها شمامسة متصلون بالرب دوماً لا يساومون خدمة بخلوة.. خدمة دائمة من خدام مُثُل لا تُعَطِّلها ولا تعطّلهم، بقدر الإمكان، أي معاكسات سواء العارضة أو تلك المقصودة من عدو الخير – عدو الخدمة..

 

؟ سؤال

 فعلاً قد يساء فهم العكوف على الخدمة في وقت مناسب و غير مناسب أنها دعوة لأن يهمل الخادم كل التزامات حياته

 تجاه أهل بيته و دراسته و عمله و إلا لا يكون خادم ضرورة! فكيف نضبط فهم المعنى الدقيق؟

 

المبدأ أن الخدمة دائمة مهما كانت الظروف

والوقت غير المناسب لا يعطّل الخدمة

ولكن الخدمة ذاتها ينبغي أن تكون دوماً مناسبة.. فالخدمة أنواع خِدَم  كثيرة..

 

 

المغالطة التي تنتج اللبس هنا هي حصر الخدمة بين جدران الكنيسة وفي ساعات مدارس الأحد بظنّ أن أمور الحياة الأُخرى خارج نطاق الخدمة..

 فكما أن الخدمة بمفهومها السليم تمتد لكل وقت مناسب وغير مناسب فهى كذلك تمتد لكل مكان و مناسبة فالمسيحىّ مكلف بالخدمة بين أهل بيته بالرعاية والبذل و في دراسته بالنجاح وفي عمله بالأمانة و فى كل ما تمتد إليه يديه فالقضية إذاً ليست هي : "هل أهمل واجبات حياتى لصالح الخدمة؟"  بل القضية هى : "كيف أرتب أولويات الخدمة؟"

 

والذي يقع في هذه المغالطة لم يستوف بعد كل سمات خدمة الضرورة، ولم يفهم ما حتى ما تلقّنه منها

و السمة التالية لخدمة الضرورة تختم على مخارج السؤال وتستوفي إجابته:

 

 

5- كما أن خدمة الضرورة تمتد في كل وقت فهي أيضا تشمل كل مكان وكل مجال في حياة الخادم..

غير الفاهم لحدود الضرورة قد يحصر نفسه في حدود خدمة التربية الكنسية أما خادم الضرورة الفاهم يقول مع الرسول:

لى الحياة هى المسيح

فيلبى 1 : 21

 

أي لي الحياة لخدمة المسيح، والتفسير ليس لنا ولكن في ذات الفقرة لذات الرسول الذي يكمل الإفادة ويقول:  

ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم

فيلبي 1: 24

 

وتذكرنا كلمة "ألزم" في هذا الشاهد بكلمة "الضرورة"..

و يكرر الرسول نفس المعنى في موضع آخر:

إن عشنا فللرب نعيش

رومية 14 : 8

 

إذاً فالشاهد هنا أن الحياة بكل أمورها و التزاماتها هي للمسيح ولخدمته..

فلا يعني القصد من الخدمة "في وقت غير مناسب" لا يعنى إطلاقا إتمام الخدمة في صورتها النظامية في الكنيسة على حساب التزامات الحياة الأخرى.. هذه خدمة و تلك خدمة أيضاً.. وخادم الضرورة يفعل هذه ولا يترك تلك..

والقانون الرسوليّ في اختيار الرعاة مثال قاطع:

يدبر بيته حسنا له أولاد فى الخضوع بكل وقار

و إنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف يعتنى بكنيسة الـله

تيموثاوس الأولى 3 : 4-5

 

و يقول هكذا فى شأن الأرامل اللواتي يسعين للتكريس الكنسيّ مهملين بيوتهن :

إن كان أحد لا يعتنى بخاصته و لاسيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان

و صار شرا من غير المؤمن

تيموثاوس الأولى 5 : 6

 

و يوحنا الرسول يقول لتلميذه غايس عن الاهتمام بأموره الشخصيّة:

أروم أن تكون ناجحا و صحيحا كما أن نفسك ناجحة

يوحنا الثالثة 2

 

و حتى الخدام المتبتلين و المكرسين تكريساً كاملاً فليسوا خارج المبدأ العام للخدمة في كل شئ.. أي  يرون ضرورة الخدمة موضوعة عليهم في كل شئ:

و لسنا نجعل عثرة فى شئ لئلا تلام الخدمة

بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الـله

كورنثوس الثانية 6 : 3-4

 

والذي يبدأ تكريسه بإهمال أهل بيته أون دراسته فهو دخيل على التكريس وعالة على الكنيسة.. لا أقول يُرفَض ولكن لا يُحسَب تكريسه في تمام خدمة الضرورة..

 

وفي ضوء فهم امتداد الخدمة بسعة الحياة كلها نفهم معنى خدمة الوقت غير المناسب بعمق و شمول:

ففي وقت الاحتفال بالنجاح يرى العالم الوقت غير مناسب للخدمة بينما يرى خادم الضرورة التزامه بخدمة الشهادة لصاحب الفضل فى النجاح و صاحب الحق فى ثمار النجاح فيشهد بهذين للمسيح ..

وفي وقت الأحداث غير السارة كالوفاة يرى العالم ألا وقت و لا مناسبة للخدمة قطّ بينما يرى خادم الضرورة الوقت وقتا مقبولا و مناسبا ليشهد للعزاء الذي يمنحه المسيح بالإيمان بالحياة الأبدية السعيدة..

إن مع سمة "لى الحياة هى المسيح" تتسع حدود الشهادة للمسيح خارج حدود الخدمة النظامية لتشمل كل مكان تدوسه بطون أقدام الخدام و كل زمان يعيشون فيه .. بينما تظل الخدمة الأخرى الحرة من الضرورة حبيسة أسوار الفصول وفقط لمدة ساعة في الأسبوع..

 

وأكيد لا حاجة للقول أن الخادم الآخر الآتي للخدمة "بمزاجه" لا يفهم و لا يستطيع أن يفهم امتداد الخدمة لتشمل كل تفاصيل الحياة.. فالأسهل للخادم العامل "بمزاجه" أن يحصر نطاق خدمته في مجتمع الكنيسة و يستأثر بباقي وقته "لمزاجه" فهذا أهون كثيراً.. هذا إن لم يكن قد دخل في ذات الخدمة لكي يخدم نفسه بالأكثر بتوفير صحبة خدام تخدِّم عليه في قضاء بقية أوقاته "المناسِبة".. وهذا يألفه كل شباب الكنيسة تقريباً..

 

وبعد كل ذلك الشرح المحيط، يبقى من الخدام من يفوتهم، مع أمانتهم وتحملهم لضرورات الخدمة بجدية، يفوتهم فهم هذه السمة الهامة للخدمة، سمة "الخدود المتسعة والمجالات المتنوّعة للخدمة".. فترتبك أمور حياتهم و حياة من حولهم لأنهم أخرجوها من دائرة الخدمة فأهملوها و التفتوا للشكل وانحصروا في الأسوار..

ومن لطيف كنوز خبراتي أسوق هذا الحوار لإثبات المعنى مرةً وللأبد:

 

Jحوار

 يشرح معنى "لى الحياة هي خدمة المسيح"  بين أمين خدمة فاته فهم هذه السمة للخدمة و بين خادم يعيها جيداً :

 

أمين الخدمة : كيف تعتذر عن الخدمة بسبب مشغوليات الامتحانات؟ ألم تسمع وصية الرسول بالعكوف على الخدمة في وقت مناسب و غير مناسب؟ الخدمة أولا ثم أي شئ يأتي ثانياً حتى ولو كان الامتحانات

 

الخادم : بل الخدمة أولاً وثانياً وأخيراً فأنا لا أضع شيئا محل مقارنة أمام الخدمة J.. الخدم ديمومة وليست مجرد أولويّة!

 

أمين الخدمة : يا سلام .. و طالما أنّ الأمر كذلك، وأنت هكذا أكثر تشدداً مني، فكيف تعتذر عن الخدمة بسبب الامتحانات ؟ L

 

الخادم : أنا لم أعتذر عن الخدمة بل أطلب ترتيب أولويات خدمتي..

 

أمين الخدمة (بقلق): لا أفهمك تماماً؟!

 

الخادم : ما أعنيه أنه لو لم تكن دراستي و نتائج امتحاناتي ليست جزءً من خدمتي للمسيح ما كنت انشغلت بها من الأساس

و لكن لما كانت لي الحياة هي المسيح وكل أمور حياتي هي خدمة للمسيح فأنا الآن بين خدمتي فى مدارس الأحد و خدمتي في الدراسة.. كلاهما خدمة في موضعين وساحتين ونوعَي نشاط متكاملَيْن..

وها أنا أضع الأمر تحت حكمك لاجئاً لخبرتك في ترتيب أولويات الخدمة أن تساعدنى على ترتيب الأولويات عندى فخدمة الامتحان مرة واحدة في العام و أمامي أيام قليلة للتحضير لها و ليس هناك "خادم آخر" معي فيها كلفه المسيح بأداء الامتحان بدلا منى..  

 

أمين الخدمة : ولكن...

 

الخادم : أنت نفسك في مرة سابقة قلت مغضباً على من أهملوا خدمة المرة السابقة بحجة احتياج اجتماع آخر لهم أن عليهم إكمال خدمتهم الأساسية (التي لا يعوض غيابهم عنها غيرهم) تماماً أولاً، ولا يذهبون لغيرها قبل إكمالها.. والدراسة هي خدمتي الأساسية بدليل أنني انضممت لخدمة الاجتماع بعد تقدمي في الدراسة من ومرحلة لمرحلة.. ولو كنت فشلت في مراحل خدمتي الدراسية ما كنت دخلت هنا أصلاً.. وواضح أنه لا يمنك ان يعوّض غيري مكاني فيها.. القصد أنك تحسن جيداً إبداء أولوية الخدمة الأساسية وتلك التي لا يقوم بها غير الخادم..

 

أمين الخدمة : (ابتسم مُسِلِّماَ بنهاية النقاش محسوما لصالح المفهوم السليم للخدمة و للضرورة)

 

 

6- يفرح خادم الضرورة مع بولس الرسول ويقول:

و بهذا أنا أفرح

فيلبى 1 : 18

 

فما هو هذا الذي يفرح بولس الرسول ويفرح مع خدام الضرورة ؟ إنه وجود خدام آخرين يزاحمونه الخدمة و يتعقبونه أينما ذهب لا من جل منفعة الخدمة بل من أجل مضايقته !!! و مع ذلك فهو يفرح و يفسر سبب فرحه بقوله:

فماذا ؟ غير أنه على كل وجه سواء كان بعلة أم بحق ينادى بالمسيح

فيلبى 1 : 18

 

نعم فطالما أنه ينادى بالمسيح فخادم الضرورة الذي انحصر بمحبة المسيح يفرح حتى بين خدام يخدمون عن علة..

فبالأولى كثيرا يحتمل بفرح الخدام الذين يضايقونه لمجرد سوء تفاهم..

و بالأولى أكثر جداً يكون مُرَحِّباً و فَرِحاً بالخدام الأكفاء..

وتبرير ذلك بديهيّ ومثله حاضر: فالعامل ضرورةً وكرهاً في كَرْم سيده بصعب جداً أن تضايقه كثرة العاملين..

أما الخادم الذي يخدم "بمزاجه" لا عجب أن يحكم على الخدام "بمزاجه" و دائما سيجد سببا لرفض الجميع..

 

عندما تغيب هذه السمة من الخدمة تتحول طاقة الخدام للصراعات الداخلية فتكون طاقة هدم بدلا من أن تكون للبناء..

فتحتاج الخدمة لخدمة تصلح ما أفسدته الخدمة وخُدّامها..

والخادم الذي تفوته هذه السمة تكون أفضل خدمة يؤديها للخدمة التوقف عن الخدمة لحين مراجعة نفسه!

 

أما عندما تسود روح خدمة الضرورة التي يرى فيها الخدام أنفسهم عُمّالاً في الحقل لا سادة له فهذه الروح تضم كل يوم الذين يخدمون، وتضيف بهم طاقة فوق طاقة.. حتى من له دوافع غير سليمة في دخوله إذا كان دخوله على هكذا اجتماع بهكذا روح، فإنه غالباً ما يعتدل ويستقيم لأن روح خدمة الضرورة الغالبة المحيطة به تجذبه وتحصره وتجعله نافع للخدمة..

 

   ؟ سؤال

 

 هل يعنى قبول الآخر والترحيب به ترك باب الخدمة مفتوحاً بلا شرط و لا فحص لأي من أراد الدخول؟

 و هل يعنى  أن المدبرين الذين يستبعدون البعض لعدم الصلاحية ليسوا هم خدام ضرورة؟

و هل يعنى ألا يُبالى بأى ممن يعلّمون تعليماً خاطئاً بدعوى أنهم يبشرون باسم المسيح ؟

 

أبداً أبداً أبداً.. وخدمة "الضرورة" التي هي نقيض خدمة "المزاج" و"الإرادة الشخصية" تدّل على القصد.. والقصد الواضح هو نفي رفض الخُدّام لأسباب شخصية.. أو تحزبيّة.. بالمزاج والإرادة البشرية.. خادم الضرورة لا يعرف الرفض لأسباب شخصية سواء حباً فى رفض الآخرين أو على سبيل النقمة من الرافضين له

 

ولكن متى انتفت كل عوامل المزاج المضاد للضرورة، فيبقى راسخاً بكل بداهة اليقين أن خادم الضرورة هو خادم ضرورة.. وكيل مدقق ومؤتمَن أمين.. وبهذه الأمانة، وبلزوم الضرورة، لو أُقيم مقام التدبير والاختيار يدقق أيما تدقيق في وضع الخادم المناسب للخدمة المناسبة

 

وقد ظهر هذا المبدأ بوجهيه في عدم الرفض المبدأيّ من ناحية، وفي تدقيق الاختيار عند إمكانه، من الناحية المقابلة، ظهر هذا عند مرشد ورفيق رحلة خدمة الضرورة معنا للآم.. ظهر عند بولس الرسول تمام المبدأ والسمة محل المناقشة.. فمع أولئك المعاندين الذين يخدمون للإغاظة، ولما كان لا يملك معهم إلا الشعور الداخليّ، فقد قابل عملهم بالفرح نافياً الغضب الشخصيّ – وماذا كان يملك أكثر وهم يخدمون بعيدا عن سلطان الكنيسة؟

و لكن في دائرة سلطان التدبير الكنسيّ فهو يوصى الأساقفة بألا يضعوا اليد على أحد بالعجلة، وفي وصيته تلك الكفاية الفائقة الكفاية لضبط المعنى من وجهيه، وقدذم له المثل الواقعي وفعل هذه ولم يترك تلك..

 

 

$- خادم الضرورة وخادم الضرر:

 

السمات الأربع التالية تشرح معا "الجدوى الخدمية" لخادم الضرورة مقابل خادم الضرر..

إنها محاولة لتطبيق معايير دراسات الجدوى على خادم الضرورة، وأهمها:

 

·         التكلفة،

·         الربحيّة،

·         العائد المتوقّع،

·         ومقدار المخاطرة..

 

خادم الضرورة فى جدواه الخدمية يرتقى من مجد لمجد فهو يخدم:

 دائما بلا اجرة،

بل و أحيانا إن أمكنه بلا نفقة،

وهو خادم أمين و مأمون بلا طمع في الخدمة و ثمارها،

حتى إذا تنهاى في مسيحيته و خدمته يصير باذلا لنفسه..

 

و بالمقابل ماذا يمكن أن نقول عن خادم الضرر المزاجاتيّ؟ هو في أفضل الأحوال قليل الجدوى!

إن لم يكن عديمها!!

إن لم يكن واقعا على الخدمة بخسارة!!!

لأنه يبدأ عمله بانتظار الأجر و لأنه إذ يفكر بعقلية الأجير الذي لا يعجبه أجره أبداً فقد قد يتطور بحثه عن الأجر العادل (من وجهة نظره) إلى الطمع في الثمار لنفسه حاسباً أنها الأجر العادل لخدمته.. إن هذا سمت الاٌجراء الغالب كما هو معروف، ولذلك تلزمهم العين التي تجعل خدمتهم خدمة عين مرفوضة في المسيح..

و غنى عن القول إن الذي يدخل من مدخل خدمة اللاضرورة لا يعطى إلا بمقدار ما يأخذ أو أقل فكيف به يبذل ذاته؟

المتوقَّع إذاً من الخادم الذي يخلى نفسه من الضرورة قليلا من النفع مع كثير من المتاعب و الخسائر والمضارّ..

 

إن من اعتدنا تسميته خادم المزاج يجوز الآن تسميته خادم الضرر ليكون ضداً ظاهر الضدّيّة اللفظية لـ خادم الضرورة!

 

 

7- خادم الضرورة خادم بلا أجر، قابلناه منذ بداية المشوار وهو يقول مع بولس الرسول:

فإنه إن كنت أفعل هذا طوعا فلى أجر

ولكن إن كان كرها فقد إستؤمنت على وكالة فما هو أجرى؟

كورنثوس الأولى 9 : 17 - 18

 

ونحن في شرح ذلك منذ البدء.. فلا مزيد إلا الدعوة لمعاودة القراءة!

 

 

8- ولا حتى له نفقة.. والنفقة غير الأجر.. وهكذا يفسر الرسول جعله لخدمته بلا نفقة لتحويل وِفْر النفقة إلى أجر، بفلسفة روحية مبهرة، شارحاً هكذا العلاقة بين هذه السمة وبين الضرورة:

هكذا أيضا أمر الرب أن الذين يشاركون الإنجيل من الإنجيل يعيشون

أما أنا فلم أستعمل شيئا من هذا ... لأنه خير لى أن أموت

من أن يعطل أحد فخرى ...

فما هو أجرى ؟  إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم أستعمل سلطاني في الإنجيل

كورنثوس الأولى 9 : 14 - 18

 

الشرح هنا دقيق الألفاظ كما يليق بدقة المعاني.. فغير المتمعن يمتنع..

 

^ يلزم التفريق أولاً بين الأجر والنفقة..

الأجر المقصود في سياق المعنى هو شرط شخصيّ لقيام العامل بعمله، يخضع لتقدير الأجير لتعبه وقانون العرض والطلب.. وأما النفقة فهي شرط حتميّ وأمر ضروريّ لإعالة الخادم المكرس أو لتسديد حاجات الخدمة نفسها، وبدون النفقة تُعوَّق الخدمة او تستحيل.. هذه التي يقول بولس الرسول عنها: "من تجند قط بنفقة نفسه و من يغرس كرما و من ثمره لا يأكل ... فإنه مكتوب فى ناموس موسى لا تكم ثورا دارسا ... الذين يعملون فى الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون ... هكذا أيضا أمر الرب أن الذين يناودن بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (كورنثوس الأولى 9 : 7 – 15)..

وقد حسم خادم الضرورة موقفه من الأجر الشرطيّ المقابل لتطوعه في الخدمة، وأقرّ انه لا يستحقه ولا ينتظره.. فماذا عن النفقة؟

 

^^ هنا أساس الفكرة أن نفقة الخدمة الضرورية هي في سلطان الخادم المكرس بقانون أن الذي يشارك الإنجيل من الإنجيل يعيش.. يؤسس الرسول هذا القانون من الناموس، ومن امر الرب نفسه.. ليبني عليه بناء معناه..

 

^^^ والآن إذ أن خدمته لا تستحق الأحر، ولا تستحق الفخر لأنه يخدم كرها وتحت ضرورة..

فمن أين يحصل الرسول على الفخر في خدمته؟ لا يجد ما يقع تحت سلطانه وليست ضرورة موضوعة عليه بشأنه، حتى يفتخر بتقديمه، إلا نفقته التي سبق فوضّح كيف انها في سلطانه بحكم الناموس بل والرب..

 

^^^^ ولكن لماذا يحسب في التضحية بنفقته في الخدمة فخراً؟

ألم يسبق فيقرر أنه لا يجد فخره إلا في صليب المسيح؟ (نفس جذر كلمة "الفخر" في الأصل اليونانيّ في الموضعًيْن)

هذا يقودنا للانتباه أن بذل النفقة هو من أعمال شركة الصليب..

ولذلك فالرسول بولس في خدمته لا يجد فخراً لنفسه إلا في صليب ترك النفقة و هو يكرر هذا المعنى في مواضع متنوّعة، فأولاً يقول لكهنة أفسس:

أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان

أعمال الرسل 20 : 34

 

ولأهل كورنثوس فى رسالته الأولى:

لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شئ لئلا نجعل عائقا لإنجيل المسيح

كورنثوس الأولى 9 : 12

و فى رسالته الثانية لهم:

فى كل شئ حفظت نفسى غير ثقيل عليكم و سأحفظها

حق المسيح فيّ. إن هذا الافتخار لا يُسَدّ عني

كورنثوس الثانية 11 : 9

ولأهل تسالونيكى:

فإنكم تذكرون أيها الإخوة تعبنا و كدنا إذ كنا نكرز إليكم بإنجيل الـله

و نحن عاملون ليلا و نهارا كى لا نثقل على احد منكم

تسالونيكى الأولى 2 : 9

ولا يتنازل عن "فخره" في التضحية بنفقته إلا لأجل ضرورات الخدمة عندما تتهدد بالتعطّل إن تشبث بـ"فخره":

سلبت كنائس أخرى آخذا أجرة لأجل خدمتكم

كورنثوس الثانية 11 : 8

حتى هنا يطلب من أجل آخرين لا نفسه..

 

وتضحية خادم الضرورة التي تمده بالفخر، لا تقتصر على نفقات خدمته الماديّة، بل يضحي برضاه الشخصىّ من أجل نجاح خدمته:

كما أنا أيضا أرضى الجميع فى كل شئ غير طالب ما يوافق نفسى

بل الكثيرين لكى يخلصوا

كورنثوس 10 : 33

ويستدعي هذا الصعود المذهل انتظار الأكثر والأعلى.. ولا يخيّب الرسول بولس خادم الضرورة رجاءنا..

حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع

كورنثوس الثانية 4 : 10

وأيضاً:

في الميتات مراراً كثيرة

كورنثوس الثانية 11 : 23

 

أي شئ يمكن أن يضحّي به، ولم يضحي؟

أجره.. نفقته.. رضاه.. حياته..

 

ولماذا كل ذلك؟ لأنه طلب الفخر والأجر في المسيح، ولم يجده إلا في أعمال شركة صليب المسيح..

وأما خدمته ذاتها بالكرازة باسم المسيح فلم يجد لنفسه فضل فيها، إذ كان يخدم كرهاً بوضع الضرورة عليه وإلا فالويل له!

   ؟ سؤال

 يقول الرسول فى موضع آخر : "فلو كنت بعد أرضى الناس فلم أكن عبداً للمسيح" (غلاطية 1 : 10)

 فكيف يتفق هذا مع قوله هنا: "كما أنا أيضا أرضى الجميع فى كل شئ"؟

 

إرضاء الناس يكون في حدود التنازل عن المشيئة الذاتية و الراحة الشخصية

من أجل عدم إعثارهم، أو لإزالة العوائق عن الكرازة،

كأن يتنازل الرسول عن نفقته الضرورية حتى لا يظن أحد أنه يكرز عن طمع أو كان يكلم الفلاسفة بلغتهم حتى يفهمونه

أما التنازل عن حق الإنجيل والمساومة في حق المسيح طلبا لرضا الناس فهذا هو ما ينبع إما من الخوف أو من عدم الأمانة أو من الطمع في المديح من الناس..

 

والفرق بين المعنيين واضح سواء في الهدف أو في الوسيلة..

 

والدليل القاطع على هذا التفريق في المعنى هو سياق كلٍّ من القولين الرسوليين.. فالأول في كورنثوس حيث التحزب والتقوّل وتعطيل الخدمة بالعثرات الشخصية، والثاني في غلاطية التي أصابها غباء الانحراف عن حق الإنجيل ذاته من حيث الكرازة بالخلاص بالمسيح إلى الخلاص بالناموسً..

 

   ؟ سؤال

 أنا خادم غير مكرس وبديهي ليس هناك نفقة شخصية أحتاجها من الخدمة.. فمن أين أحصل مثل بولس على فخري وأجري؟

 

قدِّم للخدمة ما هو أكثر من الخدمة.. ساهم في نفقة الخدمة ذاتها حتى تأخذ نصيباً من فخر بولس الرسول..

لماذا نذهب بعيداً؟ تحمّل كلفة خادم مكرّس تثق في جودة خدمته..

بل أكثر من ذلك.. إن كنت لا تملك ما تتحمل به نفقته فإنك تملك قبلوه ولو بكأس ماء بارد.. وفي قبوله تشجيعه وفي كأس الماء معونة له ترفع عنه بعض النفقة الماديّة والنفسيّة فتدفعه للمواصلة.. وفي مواصلته عمل خادم.. وفي دفعك له فضل على عمله.. فيكون لك أجر خادم..

أليس هذا قول الرب:

من يقبل نبيا باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يقبل بارا باسم بار فأجر بار يأخذ ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره

(متى 10 : 41-42)

 

 

 9- خادم الضرورة لا يطمع، وإلا فكيف أنه يقول مع الرسول:

فإننا لم نكن قط فى كلام تملق كما تعلمون و لا فى علة طمع الـله شاهد
و لا طلبنا مجدا من الناس لا منكم و لا من غيركم

تسالونيكى الأولى 2 : 6

 

الطمع فى ثمار الخدمة هو المرحلة المتطورة و الخطرة فى فكر الأُجراء..

الطمّاع في الثمر مثاله مثال الكرّامين الأردياء الذين يتعدون في خطئهم من النظر لانفسهم كأجراء لا أبناء، إلى التطاول بالمطالبة لا بأجرة الاجير بل بملكيّة الكَرْم!

ومثالهم الحيّ ديوتريفس الموَبَّخ من الرسول يوحنا (رسالة يوحنا الثالثة)..

 

ومن هذا يحذرنا الرسول بطرس فيقول:

لا كمن يسود على الأنصبة

بطرس الأولى 5 : 3

 

خادم الضرورة في مأمن من ضربة "الأجير الطمّاع" من مجاميع نواحيها:

   + لأنه نقى نفسه منذ البداية من بذرة فكر الأجراء فكيف يكون أجيراً طماعاً إن لم يكن أجيراً     

      أصلاً؟

   + ولأن كراهة الضرورة عليه مدخلها فهمه لبنوته بالنعمة للسيد، فيعمل بضرورة عمل الابن  

      في حقل أبيه الذي صيّره ابناً من غربة وعوز، فكيف يطمع فيما صار له؟

   + ثم كيف لمن يقرّ من البدء بكل أمانة الإقرار أنه لا يملك أن يستعفي من العمل،

      كيف له أن يملك أن يطمع في الثمر؟

 

لذلك فهو في حساب المخاطر متفوق جداً لأنه صاحب خدمة أمينة وآمنة بلا مخاطر من طمع أو استيلاء سرقة أو حتى اختلاس..

 

 

10- خادم الضرورة باذل حتى لنفسه، إذ يقول مع الرسول:

بل كنا مترفقين في وسطكم كما تربى المرضعة اولادها

هكذا إذ كنا حانين إليكم لم نشأ ان نعطيكم إنجيل الـله فقط بل أنفسنا أيضا

تسالونيكى الأولى 2 : 7 – 8

 

هذه السمة النهائية تحلّق في الأعالي..

بها يبلغ الخادم مستوى أكثر قربا من قامة ملء المسيح فهو يتمثل بأعجب ما فى المسيح أي بذله لذاته.. الخادم هنا لا يعطى فقط طاقته و جهده أو فكره بل يعطى حتى نفسه ليقينه بأنه لا يملك نفسه و لا يملك إرادته بل هى حسب قناعته ملكا لمن يخدمه كرهاً وبالضرورة!

الخادم الذي وصل إلى هاهنا يفهم كل الفهم أنه مدين للمسيح بحياة المسيح فلا أقلّ من تقديم حياته في خدمته للمسيح..

 

هذه السمة ليست مجرد مستوى يرتقيه الخادم في النهاية بل أن "جيناتها" هي "جينات" رئيسة في لُبّ بذرة خدمة الضرورة، مخبوءة فيها منذ البداية، انمو وتثمر كلما نما مفهوم الضرورة في خدمة الخادم..

 

إنها منتهى الثمار التي تنبت من أصل البذرة لتختم على كل دورة حياة خادم الضرورة بختم وحدانية جسم الخدمة كله الذي يتصوّر فيه المسيح الواحد.. والحاجة إلى واحد!

 

 

* هنا فـَرْق!

 

مع هذه السمات، هل لا يزال أي واحد يرى ضرراً في الضرورة؟

خدمة هكذا سماتها تصنع فرقاً أي فرق فيصير بوجودها هناك فرق..

 

بين خادم يحمل ثقل الضرورة

وبين آخر "حر" منها، إن كان ثَمَّة حرية بغيرها،

هناك فرق..

 

بين حضور سمات الضرورة بحرارتها و ثقلها و تثقيلها للخادم،

وبين خفّة غيابها

هناك فرق..

 

بين خادم و خادم .. وبين خمة وخدمة.. وحتماً يكون حصاد و حصاد، هناك فرق!

 

ولماذا نقول هناك فرق؟ لماذا لا نكون كلنا هناك في موضع خدمة الضرورة خدمة المسيح الذي حيث يكون هو يكون خادمه أيضاً.. نعم، لماذا لا نكون هناك فلا نعود نقول هناك فرق، بل نقول:

هنا فرق!

 

 

 (3) الضرورة المسيحيّة–  الطريق الوحيد للحريّة

شرح بأمثلة معنويّة ورمزيّة وشخصيّة

 

 

* معادل موضوعيّ (أمثلة رمزيّة ماديّة) من الكتاب لاتفاق الحرية والضرورة

 

 

ملح الأرض:

لا يمكن للملح الجيّد إلا أن يملح.. هذه الحتمية نتجت من الطبيعة ذاتها.. فإن افقده عدوّ شرير ملوحته، فهو يقوده حتماً للوطء بأقدام الناس.. خارجاً..

 

نور العالم:

و كذلك السراج .. طالما أنه وُضِع فيه الزيت فهو حتما و بالضرورة سينير.. ليس له هنا اختيار.. وأما اختياره حال وضع الزيت كما قد يفكّر البعض فأيضاً لا محلّ له.. لان الزيت في أصل المثل نعمة.. عطية أُعطِيَت بسرور الرب لكرامة المصباح ونفع الناس به.. ورب النعمة لا يضعها موضع اختيار خليقته.. إنها طبيعته أن يضع نعمته في موضعها الذي يختاره لها..

فإما إن كان المصباح رافض للزيت على أي نحو، فسيُلقَى تحت المكيال ليبقى مهملاً.. مهاناً..

 

فلك نوح:

ومثل ثالث.. كلّ من دخل في فلك نوح نجا من الطوفان و طفا فوق الماء لأنه كان محمولا بالفلك، والفلك لا يملك أن يختار الغرق.. الفلك يطفو ويخلُص لأنه فلك.. ويخلّص من بداخله معه لأنه فلك.. وكل شئ خارجاً يغرق.. فإن أراد شرير لفلك ان يغرق فإنه يتلفه.. فيصير فلكاً تالفاً أولاً وغارقاً أخيراً..

 

كيف يتحقق المعنى في الرمز؟

هذه الأمثلة الماديّة تستكمل عرض كل جوانب المعنى.. هل نقصت حرية الملح بملوحته؟ هل احتاج لمن يُملِّحه؟ هل اعتاز لشئ حتى يستكمل كيانه كملح حال كونه متمتعّاً بالسمة التي وضعها الرب فيه؟

وبالمقابل: هل أُضِرّ في شئ؟ ألا يقتني استحسان الآكلين؟ وعنايتهم بحفظه؟

هو كملح حظي بكل كرامة الملح، وكل حرية الملح في عدم احتياجه لمن يكمل ملوحته..

 

والمصباح إذا أنار ألا يُترَك حراً من عبث كل واحد به ليزيد عليه زيتاً أو يغيّر من موضعه؟ أليست هذه حريّة المصباح؟ وأما الضرورة التي عليه أن ينير فهل أرهقته بشئ إلا ان يكون في موضع الارتفاع والكرامة؟

 

والفلك كذلك..

 

الخلاصة أن الضرورة بحسب المسيح لا تسلب الحريّة بل هي ذاتها شرط من شروط التمتع بالحريّة، ولا يزيد معها ضرر، بل فوق الحرية تهب الكرامة..

 

 

* المعنى بالرمز الحيّ:

العبد مفتوح الأذن!

 

أحلى وأعلى وأشمل الأمثلة لتوافق الضرورة مع الحرية (في المسيح) هو ذلك المثل..

شعار هذه الفقرة هو شعار العبد مفتوح الأذن:

أحب سيدي لا اخرج حُرّاً..

اسمعوا وعوا، وانتبهوا أنّ هذا هو اول أحكام الناموس في ترتيب ورودها، تالياً للوصايا العشرة المكتوبة بإصبع الرب الإله:

وَهَذِهِ هِيَ الاحْكَامُ الَّتِي تَضَعُ امَامَهُمْ:

اذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدا عِبْرَانِيّا فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرّا مَجَّانا.

انْ دَخَلَ وَحْدَهُ فَوَحْدَهُ يَخْرُجُ. انْ كَانَ بَعْلَ امْرَاةٍ تَخْرُجُ امْرَاتُهُ مَعَهُ.

انْ اعْطَاهُ سَيِّدُهُ امْرَاةً وَوَلَدَتْ لَهُ بَنِينَ اوْ بَنَاتٍ

فَالْمَرْاةُ وَاوْلادُهَا يَكُونُونَ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ يَخْرُجُ وَحْدَهُ.

وَلَكِنْ انْ قَالَ الْعَبْدُ: احِبُّ سَيِّدِي وَامْرَاتِي وَاوْلادِي. لا اخْرُجُ حُرّا

يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ الَى اللهِ وَيُقَرِّبُهُ الَى الْبَابِ اوْ الَى الْقَائِمَةِ وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ اذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ فَيَخْدِمُهُ الَى الابَدِ.

خروج 21 : 1- 6

 

فى سبت السنين (السنة السابعة) كانت الشريعة تأمر بتحرير العبيد العبرانيين من نير عبوديتهم.. ولكن كان يحدث أن بعض العبيد الذين يحبون سادتهم لاسيما أولئك الذين زوجوهم و نشأ أولادهم في بيوتهم.. لا يشاء هؤلاء أن يفارقوا سادتهم، فرتبت لهم الشريعة، أول ما رتبت في كل الأحكام المدنيّة، طقساً خاصاً هو طقس فتح الأذن في الباب.. وبعد فتح الأذن تعطِى الشريعة الحق للسيد في الاحتفاظ بخدمة العبد للأبد أو بالأحرى تعطى العبد الحق في البقاء في بيت سيده للأبد..

 

والفقرة الخطيرة تحمل أسئلة خطيرة تستدعي إجابات ليست ببعيدة عن "خدمة الضرورة":

 

+ لماذا تأتي هذه الفقرة في مبتدأ الأحكام الناموسيّة للمعاملات المدنية وتالية للوصايا العشرة؟

    لابد أن المعنى في مقدمة الاهتمام من واضع الناموس (الرب نفسه).. صحيح أن النظر للترتيب لا يغفل كون الناموس له أولويّات واقعيّة من حيث كونه قانون معاملات مدنيّة.. ولكن صحيح أيضاً وأصحّ أن المعاملات المدنيّة في الناموس غرضها تكوين مجتمع يتأدّب للمسيح بحسب غرض الآب القدوس.. وإذاً فما يأتي أولاً في الناموس تكون له الأهميّة القانونيذة والأهميّة الروحيّة من حيث أن القانون جُعِل لأجل صلاح الأرواح أصلاً..

     القصد أن نلتفت بأكثر اهتمام لهذه الفقرة التي تقدمت غيرها تالية للوصايا العشرة..

 

+ وما الرمز في فتح الأذن؟ وعند الباب؟

    لعلّ المتابعون القراءة من "أصحاب الأذان المفتوحة" للتأمل قد لا حظوا في طقس فتح أذن العبد رموزا قوية جدا للصليب..

ففيه المسمار و ثقب اللحم و الباب الخشب و الدخول به للبيت و البقاء في البيت للأبد.. والصليب هو أساس منطق خدمة "الضرورة" الذي كان حمل الرب له نفسه "ضرورة" (كما نقول "تحننك غصبك").. وثقله أثقل من أي "ضرورة"..

فخدمة الضرورة هي من مبدئها شركة آلام المسيح و حمل الصليب خلفه..

 

ولكن بعد الرموز الموحية هناك وظائف مترابطة تتعدى تشابه الشكل إلى تطابق وتكامل  المضمون..

لمثقاب في اللحم كالمسمار في جسد المصلوب ولا أوضح، فلماذا شحمة الأذن؟

صحيح أن اختيار شحمة الأذن يبدو لسبب تطبيقيّ بسيط لان هذه اللحمة لا يُعوّق ثقبُها صاحبها.. ولكن هناك أسباب وتأملات أخرى حاضرة دون أدنى تصنّع:

    واقتراب عمل المثقاب من الأذن، بثقب لحم شحمتها، يقودنا تلقاءً إلى اجتماع قول المرتِّل والنبيّ والرسول معاً عن الرب في أخذه للحم بشريتنا:

بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فَتَحْتَ (في الأصل العبريّ حفرت). مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ.

حِينَئِذٍ قُلْتُ: هَئَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي

أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلَهِي سُرِرْتُ. وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي

مزامير 40 : 6-8

أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ يُوقِظُ لِي أُذُناً لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِينَ.. السَّيِّدُ الرَّبُّ فَتَحَ لِي أُذُناً وَأَنَا لَمْ أُعَانِدْ. إِلَى الْوَرَاءِ لَمْ أَرْتَدَّ

إشعياء 50 : 5-6

لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً

عبرانيين 10 : 5

    ولاحظوا تحوّل الكلمة من "ثقب" في نص الخروج إلى "حفر" عند المرتِّل..

    ثم من "حفر" عند المرتِّل إلى "فتح" عند النبيّ..

    ثم من "أذن" عند جميعهم إلى "جسد" عند انتقاء الرسول للنص السبعينيّ بدلاً..

هذه التحوّلات تظهر ترابط المعنى وأن ما نذهب له في التأمّل ليس تصنّعاً متَعسِّفاً..

    إن تحويل المرتِّل لكلمة ثقب إلى حفر، وهو يشير بوضوح لناموس العبد مفتوح الأذن، يفيد رؤيته إن عملية ثقب الأذن يمكن تحميلها ما هو أخطر من حدود علامة ظاهرة لإثبات تعامل مدنيّ.. والمرتِّل كشاعر يفهم ويتذوّق جيداً المعاني المصاحبة للفظ.. وفي كلمة "حفر"، ومثلها عندما ينقل للصليب فيقول "على ظهري حرث الحرّاث" تحمل الإحساس الواضح بالصليب في ناموس العبد مفتوح الأذن..

   ويأتي النبيّ وهو يتعامل مع الأذن نبويّاً فيرى في العمل فتح للأذن من حيث عملها كأذن سامعة، وطالما كانت صورة العبد الأمين ليست بعيدة، فالسمع هنا سمع عامل خاضع امين ليس أمانة خدمة العين..

    وأما الرسول بولس الذي كان ينقل من الترجمة السبعينيّة لنص المزمور، فهو يشير لنا لفهم المترجم السبعينيّ (التفسيريّ) أن العمل في شحمة الأذن كانت محدودة بحدود قدرة الرمز الظاهر على إظهار المعنى الأعمق.. إن شحمة الأذن عند وعي المترجم السبعيني، ومن بعده بولس الرسول، هي جزء من ذات عين جسد الإنسان اللحميّ لتدلّ على غرض الرب في العمل على فتح ووسم وتشكيل (تهيئة) كل جسد الإنسان..

   ترابط المعنى خطير:

   أذن تسمع فتخضع وتسلّم كل اللحم للخضوع..

   لحم خاضع يرفض الحريّة المنقوصة للجسد ليستعبده كله لسيده ليتحرر كله..

   معنى مذهل الترابط عبر التوراة والمرتّل والنبي والرسول، يبدأ ويستمر وينتهي مع شعار قول المرتِّل على لسان العبد مفتوح الأذن الذي يقول:

حِينَئِذٍ قُلْتُ: هَئَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي

أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلَهِي سُرِرْتُ. وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي

 

+ وما معنى مكوث العبد في البيت للأبد؟

العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد:

وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ ...

يوحنا 8 : 35

 

فمن الذي يلقى؟

... أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَد

يوحنا 8 : 35

 

هذا العبد يُعامَل كابن على بيت أبيه.. يمكث فيه إلى الأبد.. مع امرأته وأولاده.. يتربّى أولاده فيه وتتنعّم امرأته..

وهو إن كان يبقى عبداً فهو كذلك لمحبة سيده، وإلا فها هو يقول: "أحب سيدى ... لا اخرج حرا"..

حتى العبيد الدائمين لا تُعني ديمومة عبوديتهم أن "يبقون في البيت" إلى الأبد، لأنهم يدخلون البيت للخدمة فقط.. واضح أن لكلمة البقاء إلى الأبد دلالة أخرى..

إننا متنعمون جداً بظهور تعليم الكتاب بشان هذا العبد متكاملاً غاية التكامل، وقد عايننا وانتقلنا من :

الناموس

 إلى المرتّل

  إلى النبيّ

   إلى الرسول

    إلى حتّى حيث الرب نفسه

عبر خط واحد ذلك الذي ابتدأ من ناموس الرب إلى الرب! ومن القديم إلى الجديد:

خط العبد العجيب

 خادم الضرورة

  ضرورة المحبة

   محبة تبنّي سيده له

    التي حاصرته وحصرته

      فقال أحب سيدي لا اخرج حرّاً

 

+ و لأن المحبة القاهرة هي التي تحكمه و تربطه ببيت سيده فلاشك أن خدمته تزداد عزما و ضرورة لأنه لا يخدم بعد خدمة العين بل خدمة العناية..

    خدمة العين هي تلك التي يخدمها العبد طالما أن عين سيده تراقبه فإن غابت العين توقفت الخدمة (أفسس 6 : 6).. وخدمة العناية هي التي تزيد عند غياب عين السيد، لان الخدمة بالإيمان تزيد السيد رضا لأنه بدون الإيمان لا يمكن إرضاؤه (عبرانيين 11 : 6).. والعبد المحب لسيده يحب أن يرضى سيده..

 

بقي سؤال.. هو الأهمّ من حيث غرض موضوعنا:

+ هل هذا الرجل مفتوح الأذن هو الآن عبد أم حرّ؟

صحيح قُلتُ بقي سؤال.. ولكن لم تبق إجابة.. فهل بعد ذلك العرض المبهر لناموس العبد المفتوح الأذن، تبقى حاجة لإجابة إن كان عبداً ام حرّاً؟ إلا تكرار الكلام:

 

شتان بين عبد و عبد..

    +هذا تنبع عبوديته من قناعته الداخلية

    --والآخر تفرض عليه العبودية بالقهر و العصا

    +خدمة الأول نابعة طبيعيا لا تعسفيا من مسئوليات كرامة البنوة من مشاعر داخلية

    --وخدمة الآخر مفروضة من الخارج بواجب تعسفيّ بحكم العصا

    +خوف الأول خوف الحرص و المهابة

    --وخوف الثاني هو خوف الرعب

   + نفهم من هنا لِمَ و بأيّ معنى يدعو الرسل أنفسهم عبيداً (فيلبى 1:1 و يعقوب 1:1 و بطرس الثانية 1:1 و يهوذا 1)

   ؟ سؤال

كيف يجوز أن تسرِف في استخدام كلمة "عبد"، حتى لو أحستَ تمييز نوع عبوديّته، بينما الرب يقول صريحاَ:

لا أعود أسميكم عبيداً (يوحنا 15 : 15)؟

نحتاج لفهم كيف تعمل اللغة وكيف نفهمها من سياقها..

ولنأخذ مفتاح البحث هنا في كلمة القول الربانيّ الرئيسة: "أسميكم"..

الاسم يشير لأهم صفات صاحبه عند من يسميه.. هذه بديهيّة

والرب ينظر لنا نظرة الأبناء لأنه تعب ودفع ثمناً لكي نقتني هذه النعمة.. فهو ينظر لها عند تسميته، ولا يعود ينظر لصفتنا الطبيعيّة كعبيد

ولكن نظرة الرب هي بالنعمة والمحبة وبأسلوب اللطف في التعبير والمناداة إن أردنا أن نفهم كلام الرب في ضوء أصول فنون اللغة الرقيقة وبلاغتها.. التسمية تتحاشى ما يمكن أن يُساء فهمه حتى لو كان القصد منه بديعاً.. والرب يتحاشى تسميتنا بالعبيد لان الكلمة تحمّلت بردئ المعاني عبر خبرة تاريخ سقوط الإنسان..

ومن مقاربة أُخرى مكافئة للقول الربانيّ، بالنظر لسياق الكلام المحيط الذي يعيّن حدود ما يقتربه في ذات الجملة، نجد قول الرب إنه يسمينا أحباءً.. هذه تثبت كرامة الأحباء، فتنفي معها بالمقابل رعبة العبيد وانخفاض كرامتهم، وما إلى كل ذلك، ونفي هذه الجوانب من العبوديّة هو قصد الرب بحسب واضح الكلام.. بكل طرق التحليل اللغويّ المتأني فنحن عبيد أكرمنا الرب بالنوة وهذه لا تنفي تلك طالما كانت هذه في كرامتها، وتلك في أمانتها.. ومع الرب تجتمع الكرامة والأمانة!

 

ولكن ليس في قول الرب ما يتعدّي على بساطة الحقيقة.. والحقيقة أن مفهوم العبوديّة عند الأبناء مفهوم أصيل.. العبوديّة بعد نزع الرعب والتملّق وكل عوائد الإنسان الرديئة منها، وبعد ثبات الخضوع والأمانة التي فهيا بالأكثر.. هذه هي عبودية الابن.. والرب لا يدعونا عبيداً ولكنه بدعوته لنا أبناءً فنحن بالضرورة نكون عبيداً بالمعنى الصحيح وإلا لكنّا أبناءً غير أمناء..

 

وليس هذا بدعاً أن يقول المتكلّم البليغ أن لا يُسمّى هذا كذا في موضع وبمعنى، ويعود فيسميه في ذات الموضع بذات الاسم لتخوّل سياق الجملة في ذات الفقرة لمعنى مقابل..

مثال لذلك تسمية يعقوب للتجارب أنها من الإله، وفي ذات الفقرة يعود فيقول إنها ليست من الإله.. ومفتاح الفهم هو في سياق كل جملة، من الكلام السابق او اللاحق.. فعندما يسمي التجربة من الرب يقرنها بغرضها أنها لتزكية الإيمان، وعندما يسميها أنها ليست من الإله يربطها بدافعها الذي هو الشر والشهوة الرديئة.. والقصد أن نميّز بين تجربة وتجربة فننظر في دافعها وفي غرضها لنعرف تسميتها الصحيحة (يعقوب 1 : 21-15)..

ومثل آخر قريب من القصد وإن اختلفت بنيته اللغويّة، وهو قول الحكيم: لا تجاوب الجاهل حسب حماقته، وبعدها فوراً يلاحقها بقوله جاوب الجاهل حسب حماقته، وبدون كثرة كلام كأصول البلاغة والكلام المريح للأذن يضع سبب التمييز في ذات الجملة، فإجابة الجاهل مرهونة بحسبانه نفسه حكيماً، وعدم إجابته سببها مخافة أن يعدل الحكيم الجاهل في مجاوبته.. والتمييز بين الموقفين هو عمل الحكيم إن فدّر الفائدة أقرب أم المضرة.. والأمثلة كثيرة حيث تكون الكلمة تسمية لأشياء متباينة لوجود عامل مشترك فيها.. وهذا ذات الفحص الذي أجريناه أولاً على قول الرب لنفهم ونعيّن حدود قصده..

 

وبذلك لا يتناقض قول الرب لا مع سابق قوله متى فعلتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطّالون، ولا مع تسمية الرسل لأنفسهم أنهم عبيد يسوع المسيح، ولا يتناقض بالتالي مع "إسرافي" في استخدام الكلمة بمعناها الرفيع!

 

 

* أمثلة شخصيّة رئيسة من الكتاب وتاريخ الكنيسة

 

نميز مذاقة الضرورة في خدمة كل من خدم كما يحق لخدمة المسيح أن تكون.. نراها في خدام العهد القديم.. والعهد الجديد .. وفي تاريخ الكنيسة.. و حيثما كان هناك خداما للمسيح نجد الضرورة قد لازمتهم و لازمت خدمتهم..

وجدير أن نثبت القول بالمثل الواقع، ولتشريف السؤال بحقّ، يلزم أن نتحرّى الأمثلة الشخصية الرئيسة:

 

+ فإبراهيم أبو الآباء لم يختر لنفسه أرضا و لا أهلا بل خرج خلف كلمة الرب مُسَلِّماً إرادته لأمر الرب في كل شئ..

قال الرب لأبرام اذهب.. فأجعلك... وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض..

 فذهب أبرام.. وذهب معه لوط....

تكوين 12 : 1-4

والضرورة التي وُضِعَت على إبراهيم كانت أن يكون أول من يحمل نبوة تعيين أباً معروفاً بالاسم للنسل الذي منه يأتي المسيح الكائن على الكل إلهاً مباركاً فيه تتبارك جميع قبائل الأرض..

ولكن أين دليل الضرورة في قناعة أبرام؟ لعلّه قبل الدعوة باختيار.. ولكنّ لغة الكتاب تظهر الخضوع التلقائيّ للأمر عند إبراهيم.. قال الرب.. فذهب أبرام.. ولو كانت عند أبرام فكرة أنه يختار طواعيةً لوجب على الكتاب الإشارة لذلك في النصّ، أو في لاحق الأحداث.. ولكنّ تعامل إبراهيم مع الرب كان يعلو من ضرورة لضرورة حتى تقديم ابنه أعلى امثلة الضرورة التي بها تشبّه بالآب الذي في السماوات الذي قدَّم ابن محبته..

صاحب الاختيار والاستحسان هو لوط، الذي ذهب مع أبرام.. دون أن يظهر في الكتاب إثبات خصوصيّة الدعوة له.. وحال الاثنين (خادم الضرورة أبرام وخادم الاستحسان والاختيار لوط) معروف وتظهر معه تعاملات خادم الضرورة مقابل خادم المزاج..

 

وحتى عندما حاول إبراهيم أن يُعمِل اختياره، في هامش إثبات ذاته داخل حرية ضرورة الرب، فإن اختياره كان مجلبة للوحشيّة والكوارث التاريخيّة.. كان "هاجر وإسماعيل"..

 

ويحسم لنا الرسول بولس كون إبراهيم قد خرج تحت فهمه للضرورة:

بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ

الَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثاً، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي.

عبرانيين 11 : 8

وأما الإيمان فهو:

الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.

عبرانيين 11 : 1

ومع الإيقان فلا اختيار، لان الاختيار هو بين البدائل وبحسب الاستحسان لا التيقن من نهاية الأمور..

وطالما سار إبراهيم مع الإيمان كان يسير مع الضرورة، ويسير معه الرسول بولس مثبتاً ذلك في تغرّبه في أرض ليست له، وفي تقديمه لابنه إسحق.. فقط عندما خالف الإيمان وسقط في الاختيار، فقد أخرج نفسه من تحت الضرورة فكان ما كان.. وما كان لاختياره مشكلة لو كان في غير مخالفة الإيمان واحتمال الضرورة، كسابق الشرح في رأس الفصل..

 

+ وموسى رئيس الأنبياء صنع ما لا يمكن أن يكون إلا بشعور الضرورة:

بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ،

مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ،

حَاسِباً عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ.

عبرانيين 11 : 24- 27

كأنه في حسبانه لعار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر كان معنا من بدء البحث، وسمع معنا قول الرسول: "محبة المسيح تحصرنى" و كأنه وهو ينظر إلى المجازاة – ثم وهو يخرج من مصر غير مبالٍ بغضب الملك كأنه يواصل القول مع الرسول "الويل لي إن كنت لا أبشر".. ومفهوم أنه لم يسمع بولس الرسول بل أن الرسول هو الذي سمع النبي وفهم حال عمل الرب معه، فكيف نقول كأنه سمع إلا أنه استُقِيَ سلفاً نفس الروح الذي يعمل في المؤمن عمل الضرورة لا عمل الاستحسان الشخصيّ..

ولعلّ واحداً بقي مستحسناً الاعتراض وتحريّ دقة القصد، فيقول: فلماذا لا نحسب أن المجازاة التي ينتظرها هي أجرة الأجير؟ والإجابة أنه لو كان يحسب هذا الحساب، فما باله يشفع في الشعب؟ رغم ضمان الرب له أن يجعله "شعباً أعظم وأكثر":

وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «رَايْتُ هَذَا الشَّعْبَ وَاذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.

فَالانَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَافْنِيَهُمْ فَاصَيِّرَكَ شَعْبا عَظِيما».

فَتَضَرَّعَ مُوسَى امَامَ الرَّبِّ الَهِهِ وَقَالَ: «لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي اخْرَجْتَهُ مِنْ ارْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟

لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ الْمِصْرِيُّونَ قَائِلِينَ: اخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الارْضِ؟ ارْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ.

اذْكُرْ ابْرَاهِيمَ وَاسْحَاقَ وَاسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: اكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَاعْطِي نَسْلَكُمْ كُلَّ هَذِهِ الارْضِ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَنْهَا فَيَمْلِكُونَهَا الَى الابَدِ».

فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ انَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ.

خروج 32 : 9-14 (أيضاً عدد 14 : 19-20، وعدد 16 : 22، وتثنية 9 : 14-19)

 

وما باله يتمنى لو كان كل الشعب أنبياء ويوبّخ غيرة يشوع الباطلة عليه؟

فقال له موسى: هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء 

إذا جعل الرب روحه عليهم

عدد 11 : 29

لا جدال في أن موسى حمل ضرورة، ووعى أن ما يحمله هو ضرورة، وكان الرجل موسى حليماً أكثر من كل خادم على الأرض في وقته، كما يليق بخُدام الضرورة..

 

+ وأرميا النبيّ الباكي، ماذا كان يبكي إلا من التهاب الضرورة في أحشائه وداخل جدران قلبه؟

أحشائي أحشائي.. توجعني جدران قلبي.. يئنُّ فيّ قلبي.. لا أستطيع السكوت

أرميا 4 : 19

وكأنه أيضاً كان معنا يقول: من يعثر وأنا لا ألتهب.. ولأن كل شعبه قد عثر فقد تعاظم التهابه وأنينه، حتى اخترق جدران قلبه إلى لسانه ليسجِّل لنا صرخة خادم الضرورة وهو في بوتقة ألم عثرات الناس..

 

+ و حتى بطرس الذي يحرِّف البعض فهم كلامه عن الاختيار.. هذا عندما وضع المسيح أمامه فرصة الاختيار، ماذا صنع؟ لقد رذل كل البدائل، حتى مبدأ الاختيار نفسه، واستنكر أن يضع المسيح موضع المقارنة، مؤكداً أن تبعية المسيح ليست هي كأنها على سبيل الاختيار بل هي ضرورة.. وهذا كلامه:

يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك؟

ونحن قد آمنّا وعرفنا انك أنت هو المسيح ابن الإله الحيّ

يوحنا 6 : 68-69

ومرة ثانية يظهر الإيمان مع الضرورة.. الإيمان ضرورة، ويُلزِم بالخدمة..

والمؤمن خادم بالضرورة وخادم ضرورة!

 

+ وفي تاريخ الكنيسة يقف البابا أثناسيوس ضد العالم وهو موقف و وقفة لا تتأتّى إطلاقا عن اختيار فمن يختار هذا لنفسه؟ و لكنها ضرورة أمانة الإيمان ألزمته أن يقف غير عابئ بالعالم الواقف ضده بل بالمسيح الواقف معه..

تعالوا نحسبها حساب الاحتمالات بهدوء لنتيقن من فهم أثناسيوس لكون ما يفعله هو خدمة ضرورة لا اختيار فيها.. واحد يقف أمامه العالم في شتّى مناحي حياته، الإمبراطور يقف أمام سلطته، والأريوسيين يقفوا أمام تعليمه، وسذاجة الناس تقف أمام استيعاب كلامه.. والأشرار يدبرون المؤامرات التي تهدد سمعته إن لم يكن حياته.. ما هو الدافع الذي يقنع أي واحد بالوقوف أمام هذا؟ أن يُقال عليه عظيم؟ قد يُقال هذا على رياضيّ في ساحة الأوليمبياد، وليس على من نصّبه الأشرار عدوّاً لهم يسعون لإهانته لا لتكريمه.. هل تشدداً لرأيه باعتبار انه رأيه؟ ولكن إلام يصل به هذا التشدد إلا للهزيمة المحققة؟

ما لم يكن لديه إيمان بأنه لا يدافع عن شئ يخص ذاته هو، وأنه لا يملك إزاء إيمانه ألا يشهد له، ما لم يمتلك هذا الإيمان ما بقي له لا سبب ولا قوّة للمواصلة..

   ! تنويه

من الأخطاء الشائعة فهم عبارة "العالم ضدك يا أثناسيوس" على ان كل العالم كان أريوسيّاً..

أثناسيوس لم يكن الأرثوذكسي الوحيد، وكان له من الأصدقاء والتلاميذ الأساقفة الأرثوذكسيين في العالم العديد المعروف والبارز..

وكلمة ضد العالم لا تعني أن كل من كانوا ضده كانوا هكذا من باعث اريوسيّ

والفهم الخاطئ لهذه العبارة غير أنه يخالف حقائق التاريخ فإنه يشهد زوراً على الإيمان الأرثوذكسيّ أنه بشهادة رجل واحد..

وإنما حدث أن الشرور أحاطت به من أكثر من اتجاه لأكثر من سبب:

خصومة في الاعتقاد من الأريوسيين وانصافهم، وحسد من الأساقفة وصراع على الكراسيّ، وقلق من الإمبراطور على مملكته.. فقيل من ثَمَّ ان العالم ضده.. ولما كانت كل خسارة تلحق به ستلحق بجهده المدافع عن الإيمان وإن لم تأته بسبب إيمانيّ مباشر، فإن وقوفه ضد العالم كان وفقط كان من أجل الإيمان الذي أوقف حياته عليه ضرورةً لاشك فيها..

وصحيح أنني أوافق تقدير من قالوا أنه لولا أثناسيوس لصار العالم أريوسيّاً، ولكن القول أنه "لكان قد صار" تعني بوضوح أنه لم يكن..

 

+ وأحبّ ألا اختم القائمة دون إضافة حبيبي ذهبيّ الفم.. والذي لو كان طريقه هو طريق الاختيار الطوعي لكان قد اختار راحة البال و ترك الشر بلا توبيخ و له من الحجج حجج كثيرة و وجيهة أبسطها أنّه يجتذب النفوس باللطف.. بل يملك حتى تبرير موقف سكوته بأنه يحمي خدمته من أعدائه المتربصين بها ويتيح لخدمته السلام حتى يتفرغ لرعاية كنيسته.. و لكن توبيخه للشر كان ضرورة وضعت عليه كبطريرك مؤتمن على تفصيل كلمة الحق باستقامة فكان أمينا تحت ضرورته إلى النفي و الموت..

! تنويه

إنني لا أقرّ بصك موافقة تامّ لكل تقديرات ذهبيّ الفم في معركته.. ولا أتكلّم إطلاقاً عن عصمة خادم الضرورة.. ولا أرى أن وسائل تحقيق الضرورة تكون دائماً واضحة وصحيحة عند صاحبها.. إنما فقط أرصد مبدأ الضرورة عند خادم هكذا أمين مثل ذهبيّ الفم وإن أساء تقدير ما يلزم لخدمة ضرورته.. ولو كنتُ أنا مكانه، وتوفّرت لي نفس غيرة الضرورة، لراعيتُ أن أتنازل "للضرورة" عن تلطّفي مع الخصوم قبل تفاقم بقائهم في موضع خدمتي، حتى لا أتيح لهم فرصة الدخول والتخريب..

 

كان كل هؤلاء أمثلة.. كانوا أمثلة.. وليسوا المثال.. لأنّ...

 

* خادم الضرورة الأمثل هو يسوع المسيح نفسه

 

من هو خادم الضرورة الأمثل؟ أقصد تعيين شخص باسمه لا توصيف له..

في كل مرة قدّمت هذه الكلمة لاحظت نوعاً من التأخّر والتردد في إعطاء الإجابة المسيحيّة الكتابيّة البديهيّة: يسوع! يسوع المسيح نفسه خادم الضرورة الأعلى..

كنا طوال رحلتنا نتمثّل ببولس الرسول، ونتتبع سمات خدمة الضرورة من تعليمه، والذي هو نفسه يحيلنا للمسيح ويقول:

كونوا متمثلين بى كما أنا أيضا بالمسيح

كورنثوس الأولى 11 : 1

 

فالرسول لم يكن مبتكراً أو مؤسساً لخدمة الضرورة، وإنما كان هو نفسه مقتادا بالمثال الذي أسسه وحققه المسيح..

كان الرسول متمثلّاً قبل أن يكون مثالاً.. ولقد تمكّن من التمثّل بالمسيح لأنه كان منحصراً  فى المسيح (بحسب التعبير المحبب له والممتد في كل عناصر تعليمه و كرازته)..

وفقط لأنه كان كذلك، فقد نفذ إلى ما نفذ وكشف لنا سر المسيح الذي فيه رصد ووصف سمات الضرورة فيه، بادئاً من أبدأ نقاط البدء، من الأزل:

الذي بروح أزلي قدم نفسه

عبرانيين 9 : 14

 

ففكر خدمة الضرورة فكر تقدمة الذات دون حساب اختيارات كان إذاً فكراً أزلياً عند المسيح وليس عارضاً أو حدث في زمن يصح معه تصوّر أخذ الخادم فرصة لفحص البدائل والاختيار.. لقد قدّم الرب الخادم .. قدّم نفسه.. قدّمها في فكره منذ الأزل..  

 

وخدمة الضرورة عند الرب ليست عملاً خارجيّاً بل هي عميقة في كيانه حتى فكره.. فغن كان الرب هو نفسه الكلمة وخكمة الآب، فماذا يكون فكره إلا عمق فكر "فكر الآب"؟ وفي هذا الموضع عينه، هنا في عمق الأعماق كانت خدمة الضرورة كامنة عند الرب.. ويواصل معنا الرسول رصد ذلك العلو الإلهيّ الرهيب فيقول:

فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا

الذي إذ كان فى صورة الـله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله لكنه اخلى نفسه آخذا صورة عبد و إذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب

فيلبى 2 : 5 – 8

(كلمة صورة هنا تعنى الجوهر أو عين الطبيعة بدليل أنها تكررت في ذات الشاهد لتعبر عن أخذه لطبيعة البشر)

 

ليس أقوى من الشاهد السابق لشرح قوة فكر خدمة الضرورة عند المسيح ففيه نرى المسيح غير حاسب مساواته للآب شيئا يتعلق به بل بالحريّ يأخذ صورة العبد طوعا و يسلم من ثم كعبد و خادم إرادته للآب.. و هنا يتمم المسيح دور العبد مثقوب الأذن (المصلوب) الذي قلنا عنه في البداية أنه أقوى وأشمل تمثيل وشرح لمفهوم خدمة الضرورة..

و الرسول يعود ليشير لهذا المعنى صراحة ناقلاً من مزمور 40:

لذلك عند دخوله (أي المسيح) إلى العالم يقول:

ذبيحة و قربانا لم ترد و لكن هيأت لي جسدا

عبرانيين 10 : 5

 

 (استشهاد بولس منقول بحسب الترجمة السبعينية التي ترجمت أذناً "جسداً" لأن شحمة الأذن من اللحم و كلمة لحم و كلمة جسد لهما كلمة واحدة في اليونانية  و لذلك فالآية من ناحية أعمق تشير للتجسد)

 

الرب هو خادم الضرورة الأمثل:

  • منذ الأزل لا في زمن خاضع لعوامل التقلّب، في عمق فكره لا مجرد عمله،
  • من منبع فكره (وهو ذاته الكلمة الأزليّ) لا في مجرد عمل خارجيّ يعمله
  • محققاً مثل العبد مفتوح الأذن، لا بمثقاب في قطعة لحم غير مهمة، بل بتجسد وبحمل صليب وبحمل أحزان واوجاع لعنات، ليرضي الآب ويعيد له بنيه..

 

وأريد الآن بعد عدة محاضرات أغرقنا فيها في المعنى، أن القي الكراسة فوق مكتبكم للأهميّة:

تمرين مهم

الآن يمكن أن نقوم برحلتنا من أولها مرة ثانية مع الرب نفسه هذه المرة.. ونضع مع كل سمة من سمات خدمة الضرورة ما يقابلها من شواهد إتمام الرب بنفسه لها:

 

1-

 

2-

 

3-

 

4-

 

5-

 

6-

 

7-

 

8-

 

9-

 

10-

 

 

(4) حصاد خدمة الضرورة وفَعَلَتها

 

* أين نحن من حقل خدمة الضرورة؟

 

و بعد كل هذا فإذ أنظر لنفسي أولاً وأقول بحسرة: ما أندر و أعز خدام الضرورة و ما أكثر الخدام الذين مازالوا يرضعون لبن "التطوع" و "المزاج الذاتيّ".. ولعل هذا النقص المعيب يفسر لنا ما يبدو من ألغاز في قول الرب:

الحصاد كثير و لكن الفعلة قليلون

متى 9 : 37

 

هنا لغزان في تفسير قول الرب:

الأوّل: إننا لا نرى الفعلة قليلون فما أكثرهم وأزحمهم في كل قاعات اجتماعات الخدمة التي ما أكثرها هي نفسها.. فلماذا يدعوهم السيد قليلين؟

واللغز الثاني: إن كان الفعلة قليلون بحساب السيد فلماذا لا يرسل فعلة كثيرين سريعاً؟ ألا يشفق على الحصاد؟

 

نعم من حيث الكم ما أكثر الفعلة كما نراهم و لكن الرب هنا يشير للفعلة الحقيقيين.. أي لخدام الضرورة وما أقل عددهم .. لذلك هو يحسبهم قليلين  لأنه يحصى الفعلة الحقيقيين الذين هم تحت الضرورة .. الذين يجدهم ماثلين في المشهد كل حين حينما يلتفت ليحصي الفعلة في كرمه ..

 

والإجابة واحدة: خدمة الضرورة!

هذا التعبير المفتاحّ حلّال كل الألغاز التي لم تُلغِز أصلاً إلا لغياب المعنى الإنجيليّ البسيط للخدمة أنها "خدمة ضرورة"..

الخدام كثيرون ولكن ليسوا خدام ضرورة.. فلا يخصوهم السيد بين فعلةُ للحصاد..

ولماذا لا يرسل السيد فعلة كثيرين ويترك حالهم على قلّته؟ لأنه فاعل الضرورة عملة نادرة.. ليس للإنتاج الإجماليّ لأنه نتاج مصنع التأديب الإلهيّ الذي يريه فيه الفخاريّ كم ينبفي أن يتألّم من أجل اسمه.. لأنه إناء مختار..

 

فإذا كانت الضرورة لا تتحمل انتظار توفّر خُدام الضرورة، ألا يصلح الموجودون وهم على كثرتهم لا يكفون؟ لم لا يرسل الرب المزيد منهم لقضاء الغرض؟

مهلاً مرةً ثانية..

أنظروا الحقول التي ابيضت للحصاد كم هي واسعة وعدّوا الحصاد كم هو كثير، فلا أرحب من فُرَص الفعلة للانتشار و عدم مزاحمة بعضهم بعضاً..

ومع هذا ما نفتأ نسمع ونرى ونلمس ونئن من مشاحنات الفعلة واشتباكهم على الحصاد؟ فكيف يكون الحال لو زاد هؤلاء الفعلة؟

 

أليست هي شفقة من رب الحصاد و عناية به أنّه لا يكثر من إرسال الفعلة من هذا النوع حتى يلتفتوا للضرورة التي تقنعهم بفض الاشتباك والالتفات لسمات الخدمة الحقيقية؟ أي سمات الضرورة..

 

إن هذا النوع من الخدام (وأولهم أنا) متوفر وكثير وسهل الإرسال ولا يكلّف في إعداده شيئاً، والعدد منه زائد وفائض، ولكن تزيد مع زيادة عدده مخاطره!

 

بينما خادم الضرورة لا توضع الضرورة على كاهله عنوة و غصباً ولا يُرسَل بالعصا كما رأينا.. فوق أن عمل الضرورة يحتاج لكاهل صبور على التمرّن في الاحتمال قبل الإرساليّة.. إنه خادم مكلِّف جداً قبل إرساله حتى لا يكلّف الخدمة نفسها بعد إرساله..

خادم الضرورة إناء مُختار، ولا يأخذ الإرسالية بالعجلة كما سبق أيضاً ورأينا..

 

و هذه هى معضلة الفعلة:

فلا هذا يصلح ولا ذاك يُرسَل بالغصب، ولا بالعجلة.. فماذا إذن ؟

لذلك فالرب إذ يقول:

اطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده

متى 9 : 38

 

واستجابة هذه الطلبة تكون بطريقة من اثنتين: إما أن تتحول قلوبنا نحن  الفعلة الكثيرين باطلاً إلى خدام ضرورة ومن ثم تأتى إرساليتنا غير متوانية وبحق..

وإلا فإنه يأتي وقت تُستَجاب هذه الطلبة حين يستبدل رب الحصاد الفعلة البطالين في الخدمة بآخرين يعملون أثمارها..

 

 

* رسالة تشجيع

 

"كيف يجسر أحد بعد هذا أن يسمى نفسه خادما أو يسمى نشاطه خدمة؟

ألا تكون نتيجة هذا الإحباط أن يترك الخدام الخدمة طالما أنها ليست خدمة ضرورة؟"..

 

مثل هذه التعليقات سمعتها بعد كل مرة تكلمت فيها عن خدمة الضرورة.. و قرأتها في ملامح من لم يبادر بالتعليق!

و الحقيقة أن من يقرأ الرسالة جيدا ويتمثل المعنى المقصود ينبغي أن يصله التأثير المعاكس تماما لهذا الانطباع السلبيّ..

 

أولا: حمل الضرورة ضرورة.. وليست اختيار.. هذا راس المعنى من أصله.. فكيف يُخشى ان يختار واحد الا يحمل الضرورة الموضوعة عليه؟

فالضرورة تنبع من الطبيعة الجديدة و الكرامة الجديدة و المكانة الجديدة التي لنا فى المسيح و التي حصرتنا بها محبته .. المسيحى إذاً خادم بالضرورة الطبيعية (طبيعة خليقته الجديدة في المسيح).. فهل كل هذه موضع اختيار أو مساومة ؟ حاشا..

 

بيقين هذا المعنى، تكون هذه الرسالة رسالة تصحيح وتشجيع.. لأنها رسالة لأصحاب دعوة أقول فيها لا تهملوا الدعوة وانتبهوا أنها ضرورة لو اهملتموها فهي لن تهملكم، ولن تجدوا من إهمالكم إلا مزيد من العناء وضياع الوقت.. وفّروا على انفسكم تعب ضمير وضياع أجر وفخر في المسيح..

 

إنها رسالة لأصحاب الدعوة وليست لمرفوضين..

 

ثانيا: هذه الرسالة بمثابة  خارطة إرشاد للطريق الصحيح نراجع عليها طريقنا في الخدمة لعل واحداً دخل في منعطف ليس على الطريق فيرجع.. فهل يعطى المسافر خارطة لكيما يضل بها؟ أو لكي نحبطه عن المسير؟ او تُعطَى لمن لا ينوي أن يتحرك؟ .. بل تعطى بالحريّ للمسافر الجاد الذي عزم على السفر و على الالتزام بالطريق حتى يصل.. لمثل هذا تعطى الخريطة..

 

ثالثا: سمات الخدمة هنا هي موازين كتابية نزن بها خدمتنا يوماً فيوماً.. أو هي مقاييس نقيس بها طول قامتنا الخدميّة لنحدد موقعنا من قامة ملء المسيح الخادم، لعل واحداً يكون متكاسلاً فيسعى بأكثر جدية لعله يدرك.. هى تشجيع للبلوغ.. فهل يُعطى المقياس لمن لا ينمو؟ أو لا يسعى للنمو وملاحظة قامته؟

 

رابعا: وصية المسيح لنا، التي ختمنا بها مناقشتنا، أن نطلب من رب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده نجد فيها دعوة ضمنية مخبؤة للجميع لكي يصيروا هم أنفسهم فعلة.. فمن يطلب فعلة للحصاد لابد أنه مهتم بالحصاد.. و من يهتم بالحصاد حتى أنه يلح في طلب إرسال فعلة له، يكون هو نفسه بالأحرى مستعداً ليقول: "هأنذا أرسلنى" .. فتصير وصية الرب له بالطلبة لرب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده، هي ذاتها وصيّة له ان يطلب من أجل نفسه أن يكرمه الرب بإعداده هو نفسه و تأهيله لبلوغ قامة الخدمة وحمل ثقل الضرورة..

 

هذه الأوراق تحمل بالإجماع رسالة تصحيح و قياس و تشجيع ولفت انتباه للدعوة

فإلامَ ينتظر الحصاد ورب الحصاد؟

 

 

حُريَّة بلا اختيار .. وضرورة بلا ضّرَر!

ملحق مكثّف لشرح معنى الحريّة وربطها بالمسئولية والضرورة

 

لعلّ هذا المُلحَق المكتوب في عُجالة وضيق وقت وطاقة يكون نواةً لمُجَلَّد تثناقَش فيه فكرة "قصد التعيين الإلهيّ" بما يكفي لحاجة اقتناع الكثيرين الذين فسدت أذهانهم من جهة هذه الحقيقة المنطقيّة قبل أن تكون كتابيّة!!

 

المعنى الذي اصطدمنا به من البداية صادم.. ولكن المعنى الذي تلقنّاه منذ بكورنا متغلغل..

وقوة المعنى الجديد لا تزحزح المعنى القديم من أول صدمة.. لذلك في اهتزاز السامع بين المعنيين، يحتاج الواحد إلى مساند يمسك بها..

 

ولأن الموضوع روحيّ عّذب المادة، وحتى لا نجور عليه بثقل شرح فلسفيّ منطقيّ عن الحرية والضرورة والمسئوليّة، وهي من أثقل المواضيع في بحثها والبحث عن ضبط التعبير عن القصد فيها، فلقد عزلتُ تكثيف شرح المعنى في هذا المُلحَق، والذي سأحاول فيه أيضاً أن أحافظ قدر الإمكان على عذوبة اللغة الروحيّة في الكراسة..

وسأوالي هنا تقديم ركائز من الحقائق في ابسط ما يمكن تبسيطه من عبارات ظاهرة الصحة، وموثوقة المعنى، نعود لنرتكز عليها إذا أزاغنا الاهتزاز وأضاع تسلسل المعنى منّا..

 

أول كل الركائز في قول الرب:

إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً!

وهذا يفيد أن خارج الرب لا حريّة – وفكرة اختيار الرب "بحريتنا" تنتفي تماماً.. لأنه لا موضع خارج الرب به حريّة حقيقيّة بها يمكن أن نختار الرب أو نرفضه!  وها هو نص كلام الرب:

 

أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ.

وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ.

فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً

يوحنا 8: 34-36

يقول واحد عن القصد هو التحرير من الخطية، والرد أنه وهل هناك عبوديّة أيّاً كانت إلا وكانت الخطية منبعها السامّ؟ ولحسم قصد الرب بتعميم معنى الحريّة في قلوه، أنه يحيل الدليل إلى مثل العبد والابن والبيت.. وطالما كانت علّة قوله عامة القصد كان حكمه شامل مول علّته.. الحريّة الحقيقيّة من الرب فقط.. والعبوديّة المرذة من الخطيّة (أي الانحراف عن قصد الرب) وأيضاً فقط!

 

 

ثاني حقيقة نأخذها من المنطق الفلسفيّ في تعريف الحريّة (الفقرة غير مسبوقة في كل شروح الفلسفة ومسئوليّتها تعود للكاتب):

الحريّة هي عدم وجود احتياج...

كيف ذلك؟ الحريّة عكس التقييد.. والقيود تُنشئ احتياجاً على نوع ما.. وأسباب القيود عامةً إما الجهل أو الضعف أو التهديد.. وهذه القيود تمنع صاحبها من تسديد احتياجه، وتُنشئ مزيداً من الاحتياج.. فإذا انتفى الاحتياج، أي احتياج، اكتملت الحريّة.. وهذا يعود بنا إلى حيث قرر لنا الرب أولاً: إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً.. هذه = الابن وحده يسدد كل احتياجكم، فإن كنتم فيه فانتم بلا احتياج.. أنتم أحرار بالحقيقة..

 

وركيزة القول الثالثة هو هدم خرافة "حرية الاختيار"

نعم.. الاختيار والحريّة متعاكسا الاتجاه في خط العمل:

كلما زادت الحريّة آلَ الاختيار إلى الانعدام.. والعكس!

وشرح ذلك بسيط.. لأنّه في ذات الاختيار يكمن نقص الحريّة.. الاختيار أن يؤخَذ الواحد ويُترَك الآخر.ز ولكن ماذا إذا كان صاحب الاختيار يريد الئيئين معاً؟ إن الاختيار ينقصه شيئاً منهما، ويقيّده دون الحصول على كليمهما.. هذا نقص للحريّة اوجده الاختيار..

والمقاربة من الناحية المقابلة.. لنفترض أن صاحب الاختيار يتمتع بتمام الحريّة أن يختار.. أي لا يمنعه من الاختيار شئ.. ولكن ما معنى أنه حرّ لا يمنعه من الاختيار شئ؟ معناه أنه في تمام العلم بما يريد، وفي تمام القدرة على اقتنائه.. ولكن طالما تحقق ذلك كان الاختيار ساقطاً أصلاً، لأنه لن يختار بأخذ شئ وترك آخر، بل سيأخذ كل ما يعلم أنه يريده..ولو كان يريد كل البدائل..

القصد أنه لا فرصة للمزايدة على نعمة الحريّة في المسيح بالتمحّك بعبارة "حريّة الاختيار".. فهي ساقطة منطقيّاً تماماً..

وليس لها إلا معنى واحد مقبول وهو إجراء الاختيار دون تقييده بتهديد خارجيّ، ولكنّه حتى إذ يكون حرّاً من التهديد فحريّته لا تكتمل بطبيعة كونه اختياراً كما سَلَف الشرح..

ولكن! أفليس في الكتاب المقدس كلام عن الاختيار؟ بلى.. ولكنه الاختيار وليس "حرية الاختيار".. وأقطع دليل كتابيّ على ذلك أن حديث الاختيار الأشهر (تثنية 28) ورد في العهد القديم، عن أولئك الذين وصفهم الرسول أنهم:

خوفاً من الموت صاروا كل أيام حياتهم تحت العبوديّة

عبرانيين 2 : 15

 

 

وأما الاختيار الذي تحدّث عنه بطرس الرسول (بطرس الأولى 5 : 2) فقد سَلَف شرحه بتفصيل، وهو اختيار لمبدأ الخدمة من عدمه، وإنما اختيار قبول أو عدم قبول تكليف بشريّ بعد إن كان التكليف آتٍ من الرب أصلاً أو هل هو يوافق أم لا.. ويتم هذا الفحص والاختيار في حريّة الرب.. وصحيح طالما وقع الاختيار انتقصت حرية الإنسان حال كونه يختار.. ولكن نقصان الحريّة هنا هو نقصان غير ضار، لأنه نقصان جزئيّ واقع في دائرة أمان مبدأ الحريّة مع الرب.. وفي دائرة ضمان الرب لتلافي شر النتائج الخاطئة طالما كان الاختيار أميناً بحسب مواصفات بطرس الرسول نفسه في ذات الجملة.. لم أقل أبداً في كل حديثي عن الحريّة في الرب أن الإنسان نال تمام حريّته طالما كان باقياً في الجسد.. فلا تزال بعدُ عوامل عدم الحريّة من جهل وضعف تحوم حوله وتتمكن منه كثيراً.. ولا نزال ننتظر التبنّي فداء أجسادنا.. ولكن ما أكبر الفارق بين تعيين حدود حريتنا في الجسد الآن، وبين تغيير معنى الحريّة ذاتها لتقتصر على حالنا في الجسد..

 

فهل نبطل الاختيار بالحرية؟ بل نثبته.. نثبته في حدوده الصحيحة.. الاختيار الذي تكلم عنه بطرس الرسول وبولس أيضاً ألا يتسلّط واحد علينا.. الاختيار في كيفيّة تطبيق مبدأ خضوعنا لإرادة الرب-الذي ليس هو محل اختيارً من المبدأ لأنه هو نفسه المبدأ.. ونبقى في حالة الاختيار الذي ينتقص قليلاً من حريتنا في حدود ثقل القيود الأرضيّة (جهلنا وضعفنا)، ولكن مطمئنين للنتيجة طالما باقين في ساحة حريّة الرب الذي حررنا بالحقيقة، في انتظار رفع كل الجهل والضعف بفداء أجسادنا والتي حينها يبطل الاختيار وتثبت الحريّة نقيّة تماماً.. وإلا فهل يقول واحد بعدُ أن في الحياة الأبديّة هناك اختيار؟

 

 

رابع الحقائق الركيزة أن الخدمة في الرب هي ضرورة متمتعة بالحريّة

إذ لما كانت الخدمة بديهية بقوة كل المعنى المسيحي، بقوة أن المسيحيّ هو صورة المسيح الذي يتصوّر فيه.. بقوة الوصية القائلة كما فعلت بكم افعلوا هكذا انتم أيضاً.. بقوة كل الإنجيل من التكوين للرؤيا حتى لا تبقى معه قدرة على حصر الشواهد والشروح هنا.. بقوة كل هذا، بقوة ما لا يرضى الإنجيل بأقل منه، فمبدأ خدمة المسيحيّ للمسيح هي ضرورة!

 

ثم لما كان البقاء في الرب هو الحرية، وخدمة الرب هي الوجود معه حيث يكون الرب يكون خادمه، كانت خدمة الضرورة في قلب موضع الحريّة – جوار الرب المُحَرِّر..

 

وكيف تكون الضرورة حريّة؟ لأن الحر لا يحتاج لآخر طالما هو حرّ.. وهو في ضرورة الخدمة لا يحتاج لتركها لأن المسيح الحالّ فيه يراها ضرورة فلا يراها المؤمن بخلاف ذلك.. هو لا يحتاج أن يتركها بل ينشد أن يتممها.. فلا تمثل الضرورة والقيد عليه انتقاصاً من حريّته بالمعنى الوحيد المتّسق منطقياً وكتابياً السالف شرحه للحريّة..

 

وسأعطي مثالاً لهذا الاتساق، بل التلازم، بين الضرورة والحريّة في الخدمة:

إنسان اهتم بحريّة بإنجاز عمل مهم، لو توانى عنه لشعر بالضيق داخل نفسه.. وفيما هو منهمك في عمله أتته المضايقات والتشتيت من الخارج، فأقام حول نفسه سجناً حصيناً.. وهو في داخل السجن الضيق يلازم موضع قدميه لا يتعداه حتى يتمّم عمله..

 

+ هذا الإنسان لا يشعر بأسوار السجن لأنّه لا يتمرّد عليها لأنه لا يرغب في الخروج منها أصلاً، فتكون ميتة بالنسبة له من حيث كونها قيود ونقيض للحريّة.. ولا أبرع من إثبات اتفاق السجن مع الحريّة حين يكون السجن حماية وفي ذات الوقت يخلو المحبوس من الرغبة في التمرّد.. في هذا النقاء من التمرّد حريّة لا يمكن المجادلة معها..

 

+ وهذا الإنسان ، قَبْلاً، كان ليشعر بالضيق بحق وبالتقييد فعلاً لو طلب الخروج من هذا السجن الذي "ألزمته به ضرورة إتمام عمله" الذي لو لم يتمّمه لكان في الضيق الحقيقيّ..

إنه في ضرورة ومحبسة السجن يهرب من الضيق الذي بلا حريّة فعلاً.. ويلازم حماية حريته التي في ضرورة إتمام عمله..

ألم يتفق السجن (الضرورة) هنا مع الحريّة؟

 

 

هذا الإنسان يقدِّم لنا مثلاً جامعاً مانعاً ليس لمُجرد اتساق الضرورة والحريّة، بل تلازمهما: فهو لا يشعر بانتقاص حريّته في السجن، ولا يشعر بحريّته خارجه! وهل هي مفاجأة أن نجد رسولينا بطرس وبولس، اللذين بدأنا معهما رحلتنا وظننا فيهما الاختلاف، هل هي مفاجأة ان نجدهما في موقف كهذا؟ مُحَقِّقّيْن المثل وأكثر:

 

وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ مُزْمِعاً أَنْ يُقَدِّمَهُ كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَائِماً بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطاً بِسِلْسِلَتَيْنِ وَكَانَ قُدَّامَ الْبَابِ حُرَّاسٌ يَحْرُسُونَ السِّجْنَ

أعمال الرسل 12 : 6

وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لِأُعْلِمَ جِهَاراً بِسِرِّ الإِنْجِيلِ،

الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ

أفسس 6 : 19-20

 

أليس وعي النائم متحرِّراً تماماً من سجنه؟

 

أليس يد الكاتب العقليّة، والتي تعنيه، غير مقيَّدة بسلاسله؟

 

 

الركيزة الخامسة الخاتمة للمنظومة:

خارج الرب انفصال وليس حريّة.. تيه وليس براح..

هذه العبارة تغلق الثقب الأسود.. أُعني فجوة المغالطة البشريّة الكبرى التي تبدأ رحلة تشويه معنى الحريّة والاختيار خوفاً، ركِّزوا في كلمة "خوفاً"، من تحميل الرب مسئولية أعمال الإنسان الشريرة.. فيظنون أن الكلام عن حريّة الإنسان خارج الرب تكفل البراءة للرب! هؤلاء فاقوا براعة أصحاب أيوب، وأحسنوا تملّق الرب.. ولكن لم يقولوا فيه الصواب كعبده أيوب..

والصواب هو أن خارج الرب لا حريّة.. واختيار الإنسان للرب يرد عليه الرب أنه هو من اختار أحباءه وليسوا هم.. ونحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً.. ولم نختره بل هو اختارنا..

وليس الرب بحاجة لمن يبرّؤه من شر الإنسان، لأن المبدأ أصلاً يقول إن الإنسان في الرب هو حرّ من الخطيّة والشر.. فكيف يُلام الرب على أعمال من هم خارجاً عنه؟ ما لم يقل واحد أنه صاحب حق في إلزام الخزّاف بجعل كل أوانيه للكرامة.. وهذا الواحد بولس كفيل بسؤاله: من أنت حتى تجاوب الإله؟ وأيوب كفيل بتعليمه أن يضع يده على فمه حتى لا يجاوب الرب ويُطلِم القضاء بكلام بلا معرفة، واختبار بسيط في الكفاءة المنطقيّة كفيل بإخجاله من كلامه بلا منطق أصلاً، وأنا كفيل بدعوته لمجاوبة أيوب وبولس والمنطق J... أهون من مجاوبة الرب الإله!

 

 

 

والآن: ركيزة كل الركائز السابقة الجامعة لهم هي أن:

الحرّ هو حرّ في الرب وليس حرّ من الرب..

لأنه "خارج الرب لا حريّة.. ولمن يصمم على القول أنه "في الرب" لا يكون الإنسان حراً تمام الحريّة لأنه ليس حرّاً "من الرب"، تأتيه الإجابة بكل راحة وثقة: نعم.. فليكن.. ليس حراً من الرب.. ولا يمكن أن يكون.. ولا يريد.. لأنه حرّ بالرب ولا يريد أكثر..

 

 

أخطاء التفسير بشأن "حريّة الاختيار" و"حريّة الإرادة"

إذاً هناك إرادة للإنسان، ولكن حريّتها الحقيقيّة مرهونة بكون صاحبها في المسيح، وهناك اختيار ولكنّه ممارسة تثبت غياب الحريّة خارج الرب لا العكس، ولكن من يقلقهم هذا الحقّ المنطقيّ والكتابيّ "يتصرّفون" في تفاسير، ويجدر هنا الإشارة إلى أقربها لموضوع الكُتيّب، وهو التفسير القائل إن قصد الاختيار الإلهيّ في "رومية 9" يتكلّم عن الاختيار في الخدمة وليس عموم الاختيار!! انظروا: هذا التفسير يوافق دون أن يدري أصحابه قصد الكُتيّب الذي هو خدمة الضرورة، إذ يجعل الاختيار في الخدمة هو اختيار إلهيّ لا يُرفَض، وكان يمكن الاستناد إليه من البداية لإثبات القصد، ولكن حاشا من الاستناد إلى التفاسير الخاطئة لأنها إن نفعت في نقطة أضرّت في الساحة جميعاً.. الحقّ ان قصد الاختيار الغلهيّ يعمّ كل شئ، وأنه لا خصوصيّة لخدمة عن بقيّة حياة الإنسان التي هي بجملتها خدمة وشهادة للرب كما ينبغي أن تكون، وما خالف ذلك يخصم من المُخالِف ويؤول أيضاً لتحقيق مشيئة وقصد الرب من حيث يريد المٌخالِف مخالفتها او من حيث لا يعي..

 

 

بالجملة، لختام الفصل بذات عذوبة لغة الموضوع حتى لا تنشز منّا أقول:

·         نحن نتحررّ في المسيح لا منْه،

·         وفي حريتنا نختار في حدود المسيح لا نختار المسيح نفسه،

·         نختار ونفاضل بين وسائل تطبيق مبدا خدمة المسيح.. ولكن المبدا نفسه ضرورة لا اختيار وملا مساومة معه،

·         وإن هذه الضرورة هي ضرورة البقاء في الحريّة بخدمة من حررنا، وليست ضرورة تقتطع من هذه الحريّة،

·         وإن الضرورة مع الحريّة الحقيقيّة في المسيح ليست للمضرة بل للمنفعة،

·         وأن "الاختيار" عند الرب ليس تحيّر بين بدائل، بل بالحريّ دعوة على سبيل التعيين المُسبَق؛ هو "تعيين" بمقتضى واقع الحال، وإن جرى التشبيه أنه "اختيار" بمقتضى الظاهر لنا هكذا!!! فإذاً إن كان التعيين له شكل الاختيار ولكن ليس كل اختيار تعيين، وما يختاره الربّ هو بالضرورة تعيين (انظروا أصول: رو8: 30، 1كو9: 17، 1بط5: 2)..

 

 

 

 

ولا يبقى بعد ذلك إلا مغالطات ربط المسئولية بالحرية المغلوطة أصلاً بقياسات فاسدة نابعة أصلا من سقوط الإنسان في الفساد..

ولا استطرد لأبعد من ذلك في شرح يُخرِج الكراسة عن روحها – والموضوع له مواضع أخرى وستكون له مرات آتية بإذن ربنا، وهو يستحقّ..

 

 

 

   Deacon Basil, aka Christopher Mark    




Pulpit Ministry   Technicalities   Site Gate   Table of Contents   Reopening Page   Guest Book