الظهور الشخصيّ للابن هو امتياز العهد الجديد

وطريقه الوحيد هو تجسّد الكلمة

وأما ادِّعاء ظهورات الابن المتجسمة في العهد القديم
فما هو إلا ورم تفسيريّ يستلزم الاستئصال

 

 

النسخة درافت عاجل ينتظر تنسيق العرض وتلطيف الأسلوب،

 ولاسيّما ترتيب الفقرات وغلظة الفونتات، !

 فعذراً بازدحام الجدول ومرض الجسد أظنّه مقبولاً !

 

فهرس روابط لمواضيع ومناقشات مُتَّصِلَة






تقديم روحيّ هادئ للخطأ وتصويبه..

تقديم ساخن لموضوع ملتهب:

تفنيدات كتابيّة ومنطقيّة ولا أكثر،،،

تتبّع لتاريخ هذه الفكرة الدخيلة المضادّة للإنجيل!

ذكريات شخصيّة وختام ..

 

 

 

تقديم روحيّ هادئ للخطأ ولتصويبه:

 

يسوع هو مشتهى الأمم (حج2: 7)، والشهادة ليسوع هي روح النبوّة (رؤ19: 10)، فلا عجب من شغف الشهيد يوستينوس، ومن اتبّع تفسيره، في طلب الرب في تجليّات العهد القديم وما قبل العهد القديم.. إن أهل العهود القديمة ذواتهم من أبناء الرجاء مازالوا يفتشون ويبحثون عنه (1بط1: 10) ويحيّون منبعيد الوعد بمجيئه في وقته (عب11: 13)، ولكن كان عليهم أن ينتظروا لحلول العهد الجديد، ينتظروا لأواخر الدهور التي انتهت إلينا في نعمة العهد الجديد..

 

ولكن بقي ظهور الرب في جدليته العجيبة بين خوف عموم البشر منه وبين تحية ثاقبي البصر الروحيّ له من بعيد، وهكذا بقي هو موضوع شهادة لنبوّات سابقة، وموضوع اشتهاء للأمم البعيدة والغريبة، حتى ظهر في الجسد، وكُرِزَ به بين الأمم! وبظهوره في الحجاب أي جسده في صورة "مثل موسى" حل الجدلية التي طالما بقيت محيرة: فلا خاف الناس منه ولا عانوا من حرمان انفصالهم عنه..

 

بقي "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ" (1بط1: 10) غير ظاهر شخصيّاً، وإنما ظاهر فقط "بأنواع وطرق كثيرة" (عب1: 1) كوسيط بين البشر والآب، حتى صار الوسيط هو نفسه كلمة الآب الذاتيّ الأزليّ، الابن الوحيد الذي في حضن الآب خبَّر بذاته عن الآب (يو1: 18).. وصار هو وسيط العهد الجديد بنفسه (عب9: 15)..

 

لقد بقي ظهور الرب مُنتَظراً وبقي خلاصه مرجواً وبقي القدماء "بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ" (1بط1: 11) حتى حتى أسقط ملءُ الزمان كلمات مثل "بقي" و"ظل" وجعل بدلاً: "صار" و"أصبح"، نعم حتى ظهر المسيح لا فقط بالروح فيهم بعدُ، ولا بالنبوة المفهومة ذهناً الغائبة لحماً، بل بالجسد بيننا..

 

هذا هو امتياز العهد الجديد: ظهور الرب بنفسه فيه وسيطاً بين البشر وبين الآب.. أن الكلمة ذاته هو المتكلِّم.. بغير وسيط ولا أنواع وطرق كثيرة، لأن الحاجة إلى واحد (لو10: 42) وهو الواحد الذي ظهر ولم يكن يظهر بشخصه قبلاً..

 

هذا هو امتياز العهد الجديد: ظهور الرب الشخصيّ، مقابل احتجابه الشخصيّ سابقاً.. وليس ظهوره بالجسد مقابل ظهوره بأجسام محسوسة كقناع حسبما يُقال.. ما جدوى القناع؟ أليس ظهور ملاك مخلوق يقوم بدور "القناع" المظنون

 

 

والآن السؤال الكاشفة إجابته للمعنى الصحيح لظهور الرب:
ما هو خط سير انتظار البشر لهذا الامتياز الذي للعهد الجديد؟

لقد خُلِق آدم على صورة الرب الإله عموماً (تك1: 26) لكي يُعاد خلقه خليقة جديدة على صورة ابنه بحسب تجسذد ابنه في ملء الزمان وقيامته خصوصاً (رو8: 29؛ 1كو15: 25-49؛ 2كو3: 18؛ كو3: 10)..

وكان آدم بحسب خليقته الأولى البكر بين من مثّلوا المسيح ظاهراً، حتى قيل عنه من الرب، متى أدخلَ هذا البكر إلى العالم: لتسجد له ملائكة الـله (عب1: 6) [i]..

كان بحسب هذا المثال استشرافاً لصورة المسيح ولكن لم يكن هو المسيح، وبدلاً من أن يرتفع لمستوى الخليقة الجديدة، صورة الرب من السماء (1كو15: 47)، سقط وصار حبيس خليقته الترابيّة الفاسدة التي لم تكن هي القصد الأعلى منه، وصار فوق تعطّل حصوله على الترقية للخليقة الروحيّة السمائيّة وانحباسه تحت الخطيّة في المعصية (رو11: 32؛ غل3: 22) في خليقته الترابيّة النفسانيّة الأولى (1كو15: 45)، صار أسوأ من ذلك عبداً لما انغلب منه (يو8: 34؛ رو6: 16؛ 2بط2: 19)، فبقي حبيساً ومُستعبَداً، ومن افتقدته النعمة من بنيه بقي على رجاء انتهاء تلك الجملة الاعتراضيّة المُرّة، التي دامت ما دام الرب محتجباً عن البشر تاركاً إيّاهم بحسب تدبيره وحكمته البعيدة مغلقاً عليهم تحت الخطيّة في العصيان (رو11: 33).. ففي كل ذلك، لم يكن من ظهور شخصيّ للرب، وإنما كانت رؤى في منام او رؤى لرموز أو رؤى لملاك يعبر عن حضور الرب ومعرفته واتصاله غير المباشر.. كان الزمن زمن حبس واحتجاب وتأديب..

ولكن يكن بعدُ ظهور شخصيّ للرب، بل دوماً كان هناك وسطاء ولم يكن الرب هو الوسيط (غل3: 19-25 ؛ عب2: 2)، لم يكن الابن هو الوسيط بين الإنسان والآب، بل كان هناك وسطاء بينه هو نفسه وبين الإنسان..

حتى جاء العهد الجديد: حين ظهر الرب في الجسد، ولم يكن قد ظهر بشخصه في غير ذلك..  

فإن كان قبل عهد الرب الجديد ظهور فما جدواه وما وظيفة الملائكة؟

إن العهد الجديد هو العهد الوحيد الذي وسيطه بين الإنسان والآب هو ابن محبته، الوسيط الواحد والشفيع الناجز الذي وضع يده على كلينا (أي9: 33) ولم يدع هيبته ترعبنا (أي13: 21)..

 

 

تقديم ساخن لموضوع ملتهب:

 

ليكن الكتاب المقدس صادقاً وكل "مفسر" كاذباً، ليكن الجميع، المعتبرون أنهم "الجميع"، لا فرق عندي فالرب الإله لا يأخذ بوجه إنسان، ولا بإجماع بَشَر!

وفي هذا الموضوع لا آخذ أنا أيضاً، وسأقول إنّ:

* ظهور الابن هو امتياز العهد الجديد!

* المسيح لم يظهر ظهوراً شخصيّاً قطّ في العهد القديم!!

* المرّة الوحيدة التي تسمَّى المسيح فيها ملاكاً في النبوّات القديمة!!!

* معنى ظهورات الملاك وكيف تسمَّى باسم الرب!!!!

* النتائج الخطيرة لقبول تفسيرات ظهورات المسيح المظنونة!!!!!

* تاريخ ظهور هذا التفسير والاعتبار من النظر إلى كيف ابتلعه الكثيرون شرقاً وغرباً ومرّ كأعجب من مرور جمل من ثقب إبرة عبر معايير ضيّفة ودقيقة لمفسِّرين كبار!!!!!!

* وفرصة: من يحلم بمحاكمتي فأنا أحب المُحاكَمَة على هذا الكلام أكثر من أي كلام غيره!!!!!!!!

 

هنا كلمة حق وفهم إنجيليّ، ولكن سيرفضها كل:

- من يجد أنه لا يحتمل مواجهة نفسه بأنه هو وجميع من يثق فيهم من المُلقِّنين أو المُلقَّنين عبر التاريخ كله هم ضحيّة تكرار باطل لتجديف بجهل..

- ومن يعتمل فيه عامل الحسد أن غيره يصحِّح له ما ظنّه يوماً صحيحاً،

وبنى كرامته على تكراره له كمعلم وصاحب غيرة على التعليم،

- ومن يقلقه اسمي المتواضع، لأي سبب،

- ومن يكره نفسه،

- ومن يعتمد على حجة "الإجماع" و"جمهور العلماء"،

- ومن كان سيتبع قيافا بكل الحجج السابقة ويرفض الراباي النجَّار يسوع لأن تلاميذه أقليّة في العدد- والراباي يسوع بغير صفة مجمعيّة معتبرة- ولأن المجمع لا يخطئ لأن الرب اختار أعضاءه القديسين،

 

ولكن في المقابِل:

+ سيقبلُها، وبكل فرح، كل من يحب ظهور حق الإنجيل وفهمه، فمع عاصفة الفهم بالروح وبالذهن، بالشواهد الكتابيّة القاطعة وبالمنطق النقيّ:

 

 

تفنيدات كتابيّة، ومنطقيّة، ولا أكثر،،،

 

كتبتُ هذه الدراسة قبلاً في لوحة نقاش "جروب" Coptic Youth 4 Holy Book

ولاقت ترحيب من أحبّوا الفهم، وتجاهل من كانوا يترصَّدون الخطأ فعجزوا عن إيجاده،

وللأسف زالت لوحة النقاش مع تغيير نظام فيسبوك لهذا النوع من الصفحات، فلم يبق منه إلا نسخة احتياطيّة احتفظت بها لديّ،

وأمس (نسبةً لتاريخ إنشاء البوست على فيسبوك) تكرَّر معي نقاش هذه القضيّة مع سؤال بعض الطالبين للفهم،

وقبل ان تذهب شحنة تجميع المادة من ذهني أبادر الآن بكتابتها جديداً بتتابع النقاط نقطة تقود لتابعتها، بفهرس بسيط، على أن أجمعها مع سابقتها في حين تجميع الكلّ في وقته..

ندخل في الموضوع الذي أكتبه في نَفَس واحد بآخر طاقة اليوم وقبل أن يذهب حافز كتابته مرة أُخرى:

 

الفكرة غائبة عن كل كُتَّاب العهد الجديد

ليست فقط مغايرة بل مناقضة لتعليم الإنجيل

شواهد لغويّة بديهيّة يتناسونها حيناً ويتذكرونها حيناً

الفكرة من أصلها غير منطقيّة وتفصيلها يناقض مبدأها

الحيرة على بٌعدَيْن

الرب له ظهور ولكنّه ليس ظهوراً شخصيّاً، ويُسمَّى ملاكاً ولكن ليس أي ملاك ظاهر حسيّاً

الخلاصة في عناوين

 

 

الفكرة غائبة عن كُتَّاب العهد الجديد:

 

& إن كان المسيح قد ظهر في العهد القديم ظهوراً شخصيّاً، تحت اسم "ملاك الرب"، فكيف لم يكتب ولا إنجيليّ ولا رسول واحد أيّة إشارة لذلك؟

& لاسيما وبعض كُـتَّـاب العهد الجديد، لاسيما الرسول بولس، كانوا يعتنون بإبراز أي رمز للمسيح، كقول الرسول عن الصخرة: "جميعهم شربوا من صخرة روحيّة تابعتهم،و الصخرة كانت المسيح" (1كو10: 4)، فكيف به يُبرِز رمزاً شيئيّاً ولديه ظهورات شخصيّة لا يذكرها؟

كيف لكاتب مثل بولس الرسول الذي إذا وجد رمزاً أو تمثيلاً (مجرد رمز وتمثيل) للمسيح في العهد القديم كان يعتني بشرحه، كيف بهذا الكاتب المفسِّر العالي لأسفار العهد القديم والذي يعتني بالأمثلة والرموز عن المسيح يتجاهل **ظهوراً شخصيّاً** بحاله للمسيح، فلا يشير له؟

& بل وكيف يجوز ذلك بالأكثر مع تعرَّض كتَّاب العهد الجديد لكثير من هذه الظهورات التي لملاك الظهور، ولكن حتى مع توفّر المناسبة لا يشير ولا واحد في ذات عين نفس السياق الحاضر في كتابته إلى أن هذا الملاك هو الابن الوحيد؟

كيف يظهر المسيح مع ملاكين، فيعظ الرسول المعلِّم المُوحَى له، وهو يوصي المؤمنين بإضافة الغرباء، قائلاً: "لا تنسوا غضافة الغرباء التي بها أضاف أناسٌ ملائكة؟ هل يعظ بالأقل وهو أمامه الأعلى؟ هل يعظ بفضل إضافة الملائكة بينما في ذات الموضع لديه فضل إضافة الرب؟

 

& إن كان المسيح قد ظهر في العهد القديم فهل اعتبره كاتب رسالة العبرانيين واحداً بين كثيرين (عب1: 1) لا يستحق، حاشا، حتى الذكر المعيَّن، ويُذكَر بطريقة "من جملة"؟

& وكيف يبني كاتب العبرانيّين تمييزهبين العهدين على وسيط كلام الآب مع البشر(انواع وطرق كثيرة في العهد القديم مقابل الابن في العهد الجديد) إذا كان الابن يتكلَّم وينقل كلام الآب "بين"الأنواع والطرق الكثيرة" في العهد القديم؟ هكذا يسقط معيار التمييز الذي أقامه بوضوح الرسول كاتب الرسالة المقتدر في الكتب، فالمسيح بحسب ذلك التفسير الخاطئ بشان ظهوراته الشخصيّة المظنونة قد تكلّم ونقل كلام الآب وكان وسيطاً في العهدين!

& ومن يقيم التمييز بين العهدين على أن ظهورات القديم "تجسّم" وظهورات الجديد "تجسّد" فهذا تمييز من منطوق وعنديّات صاحبه، وسواء صحّ أم لم يصحّ جدلاً، فإن السؤال هو كيف فات كاتب رسالة العبرانيين هذا المعيار، وكيف وجد كفاية التمييز في مجرد ظهور الابن أيّاً كانت كيفية هذا الظهور (التي معروف أنها تجسّد فريد في مواضع أخرى)؟

& واضح أن افتتاح الرسالة إلى العبرانيّين تقابِل بين طرق كثيرة لتواصل الـله مع البشر، وبين كلامه بالابن، ولو كان القصد هو المقابلة بين الابن متجسِّماً تحت اسم "ملاك الرب" وبينه متجسِّداً متحداً بطبيعتنا، لكان الكلام أوضح ذلك، ولكن كلام الافتتاح يفيد بأن المقابلة هي بين "طرق كثيرة" وبين "الابن" بشخصه، دون تمييز بين الابن متجسماً تحت اسم "ملاك" أم متجسِّداً متانِّساً تحت اسم "الإنسان يسوع المسيح"، ولا يفلت من الالتزام بذلك إلا من يقبل الإساءة لبراعة كاتب الرسالة إلى العبرانيّين، وللوحي بالضرورة ما لم ينكر بالمرّة أنها من الوحي!

 

واضح أن الفكرة كانت غائبة تماماً عن كل كُتَّاب العهد الجديد!

 

 

ومعاندة للُبّ تعليمه الرئيس:

 

& ثم ندخل في لُبّ تعليم العهد الجديد، والقديم أيضاً من حيث هو شاهد للعهد الجديد:

إن كان المسيح هو ملاك الظهور في العهد القديم فكيف يستقيم أن يكون هو، مع تسمية بولس الرسول للملاك المعنيّ أنه "وسيط الناموس" (غل3: 19)؟ هل المسيح وسيط الناموس؟ فيكون بهذا خادماً، وهو بعدُ قبل تجسّده، للناموس؟ حاشا..

& المسيح بعد تجسده كان تحت الناموس كإنسان، ولكن قبل تجسده هل كان تحت أو مماثلاً للناموس حتى يصير وسيطاً له (فالوسيط لا يفوق يتوسَّط بينهم)؟

& وما هو فضل العهد الجديد إن كان المسيح وسيط العهد الجديد (عب9: 15) هو نفسه وسيط الناموس؟ ألا يصير العهد الجديد بذلك دون الناموس أو "بكبيره" مماثلاً ومساوياً له؟

& وهل يُحسَب الرب بين مجرد أنواع وطرق كثيرة (عب1: 1) كانت تليق بزمن عداوة (رو5: 10) وسقوط وانحباس في الخطيّة وتحت المعصية (رو11: 32؛ غل3: 22)؟

إن كان للرب ظهور شخصيّ فكيف حُسِب البشر أعداء ومحابيس عن الرب؟ وإنما حين يشرع الرب في إتمام المصالحة يليق حينئذٍ أن يظهر بشخصه..

 

الفكرة تحمل تجديفاً معانداً بلا ادنى شك لمن ينظر تحت غلافها البرّاق بريقاً غريباً عن نور الإنجيل!

 

 

بديهيّات لغويّة وكتابيّة، يتناسونها حيناً ويتذكّرونها حيناً:

 

& ما سبق يُظهِر التناقض الرئيس بين تلك الفكرة وبين لُبّ العهد الجديد، والقديم أيضاً باعتباره شاهداً للجديد، وأما نقاط هذه الفقرة فتنظر للغة وخداعها لمن يتهوّرون في التفسير دون تمكّن من منطقها، على بساطته:

فهل القول عن الملاك أو عن أي ظهور انه الرب يعني انه ظهور شخصيّ للابن فيما يسمونه "تجسّم"؟

لو كان معنى ذلك كذلك، فليس أقوى من تسمية إبراهيم لموضع ظهور الكبش-- حين كان يزمع ذبح إسحق) بـ "يهوه يِرأى) أي الرب يُرى في أدق الترجمات..

ولو كان ذلك ظهور للرب، فهو ظهور في صورة كبش ذُبِح فعلاً، فاولاً لا يكون تجسّم طيفيّ، بل تجسّد في جسد كبش، وثانياً يكون المسيح قد ذُبِح بالجسد (الكبشيّ) ذاك قبل الصليب، فهل هذا مقبول؟

& ولو كان كل كلمة تكلّم بها ملاك الظهور المعبِّر عن حضور الرب هو كلام الرب، فهل يُعني ذلك أن الملاك هو الرب، حتى يحتجّ المُحتجون بتشنّج ويقولون: "ومن يستطيع ان يقول هذا الكلام إلا الرب؟"

البابا القبطيّ يقول في إنجيل تنصيبه: "أنا هو الراعي الصالح"، والناطق هو البابا وليس الرب..

القارئ، أي قارئ للإنجيل، إذا قرأ "يوحنا 10" يقول: "انا هو الراعي الصالح" وليس القارئ هو الرب، ولا يفهم السامع أنه يدعي أنه هو الرب..

كل من يستشهد بقول من الإنجيل لا يقوم محتواه إلا الرب لا يفهم السامع من ذلك انه هو الرب..

الملاك روح خادم لا يتكلم من نفسه بل ينقل ملاك الرب، لأن شخصه كملاك لا يُعني البشر، وليست له رسالة خصوصيّة لهم باسم نفسه، بل هو أداة نقل رسالة الرب، لذلك ففحوى كلامه هي المعنى الذي يرسله الرب..

هذه هي الحجة "الأكثر تشنجاً" لدى من يقبلون التجديف الذي يدعو ملاك الظهور أنه شخص الابن، وها هي لا تزيد عن بالونة تافهة..

 

& ومثلها يستشهدون بقول يعقوب بعد صراعه مع "الإنسان" الذي ظهر له: "نظرتُ الـلهَ وجهاً لوجه" (تك32: 30)، ولكن:

+ كلمة "وجه" أصلاً ليست بالضرورة هي "الوجه البشريّ ذي العينين والأنف والفم"، بل الكلمة تُعني في العموم "قبالة" أو "جبهة" أو "عرض" ووردت في الأصل العبريّ بصيغة الجمع من جذر كلمة "فن" (التي تعني الفنّ في العربيّة أي إظهار وعرض الأفكار والمشاعر الخفيّة أمام الحواس)،

++ ونفس الكلمة هي ما جاءت في (تك3: 8) حين كان آدم هارباً من "وجه إلوهيم"، فهل كان للرب الإله وجه ظاهر حتى يُقال وجهه في هذا الموضع الرئيس؟

+++ ومنطق اللغة يفوق مجرد سياق اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانية، فهكذا ظهر استعمال لكلمة "وجه" مضافاً إليها اسم يسوع المسيح: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لِإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2Co 4:6) لم ير بولس نفسه وجه يسوع المسيح الجسديّ ولا رآه كل من خاطبهم بولس واصفاً إياهم بمعرفة مجد الـله في وجه يسوع المسيح.. ومع ذلك يتكلم عن إشراق وجه يسوع المسيح بمجد الـله في القلوب.. فإت فكّر واحد أن بولس رأى وجه الرب في تجياته المعروفة له، فماذا عن الجمهور الذي شملهم معه في إشراق وجه يسوع المسيح لهم يمجد الـله؟ أي وجه تتصوره قلوب لم تره بالجسد حتى عبره يشرق مجد الـله لهم؟ إلا أن الوجه prosopon وإن اشتمل بين معانيه الوجه الجسديّ فإنه يحمل معنىً أرحب يحيل إليه سياق الكلام المتنافي بداهةً مع المعنى الماديّ الضيّق..

++++ والأخطر الأكثر دلالة: "وجهاً لوجه" إن نفس التعبير جاء في وصف كلام موسى مع الرب (خر33: 11)، ويظهر في عين ذات الموضع ما يحسم أن "وجهاً لوجه" قد تعني لقاء مفتوح بدون وسيط، وليس رؤية ملامح وجه جسميّ.. في الفقرة التالية فوراً يظهر أن موسى لم يرَ وجه الرب ولا أحد يستطيع أن يراه ويعيش (خر33: 20-23).. ولعلّ تحاشي أنصار "ظهورات الابن" الاستشهاد بفقرة موسى هذه، هو التصاقها بفقرة تقطع بنفي رؤية وجه الرب كملامح جسميّة ظاهرة.. لعلّهم لذلك يكتفون باختظاف الاستشهاد بلقاء يعقوب مع الإنسان الذي صارعه، وإن كان ولا حتّى بهذا تتّفق استنتاجاتهم مع دليلهم، كما سبق شرحه..

+++++ كل ذلك السابق من مُلاحظات يجعل الاستدلال بظهور المسيح الشخصيّ من قول يعقوب غير ذي إلزام، بل وأكثر من ذلك، ففي ضوء هكذا ملاحظات تنقلب "الحُجَّة" ويُقام من قول يعقوب دليلاً عكسيّاً:

إذ لو كان يعقوب يقصد بالوجه "الوجه الماديّ الظاهر لهذا الإنسان من جبهة وعينين وأنف إلخ" لكان قد قال بالأولى: "التحمت مع إلوهيم أو أمسكته يداً ليد"، لاسيما والإنسان ظهر ليلً حيث كان الأقرب للتعامل معه هو وصف التلاحم لا الرؤية..

++++++ ثم الأخطر جداً جداً: طالما أن تفسير الظهور هو التجسّم فإن الوجه الظاهر ليس وجه إلوهيم الشخصيّ وإلا كان تجسّداً باتحاد بين الطبائع وهو ما لا يقولون به بعد! أما لو كان ظهوراً غير مخلوق كما يقول البعض الآخر (المستيكيّين) فهو تجسّد سابق على التجسّد لأنه تسمى إنساناً وكان ملموساً باليد، وليس ظهوراً لطيفاً كعادتهم في تفسير "النور غير المخلوق".. فعلى كل وجه من تفاسير أصحاب "الظهورات الشخصيّة" فمشهد صراع يعقوب مع الـله هنا يبتعدون عنه بأكثر من درجة تشنّجهم البالغة في التشبّث به..

+++++++ فوق أن يعقوب لم يقل أصلاً إن وجه هذا الإنسان هو ذات وجه إلوهيم، ولا أن جسم الإنسان هو جسم إلوهيم، فيعدم المشهد دليلاً إجابياً مُلزماً بالضرورة لفكرة البدعة، ولا يبقى لتفسيره إلا أنه قصد رؤية الرسول الذي ليس له صفة من ذاته إلا رسالة مُرسله فحمل اسمه، أو أنه لم يقصد أصلاً الإشارة لشخص الملاك بل قصد أنه رأى عمل الرب وفهم رسالته ونال مباركته فتسمّى كل ذلك باسم العامل له كلّه..

 

& وبعد هذه المفاجاة المتكاملة الأوجه، يبقى شاهد أقوى من كل ما سبق إغراءً باختطافه من قِبَل هواة تلك البدعة، مع ذلك لا ينتبهون له، فأبادر بتقديمه لشرحه وتقفيل الدور بالزيادة يستشهدون بقول يعقوب بعد صراعه مع "الإنسان" الذي ظهر له: "وَبَارَكَ يُوسُفَ وَقَالَ: «اللهُ الَّذِي سَارَ امَامَهُ ابَوَايَ ابْرَاهِيمُ وَاسْحَاقُ - اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي الَى هَذَا الْيَوْمِ - الْمَلاكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُبَارِكُ الْغُلامَيْنِ. وَلْيُدْعَ عَلَيْهِمَا اسْمِي وَاسْمُ ابَوَيَّ ابْرَاهِيمَ وَاسْحَاقَ. وَلْيَكْثُرَا كَثِيرا فِي الارْضِ " (تك48: 15-16) وأُزيد، تطوّعاً من عندي على ما يظهر في الشاهد من إحراج "ظاهريّ" لقضية المقال، أزيد أن كلمة إلوهيم" هنا، مع اتّساع معاني الكلمة، فإنها تُشير لشخص الرب الإله في وعي يعقوب على الأرجح، وأزيد فوق الزيادة أن اليهود الميمونيّين حاولوا تغيير دلالة كلمة "ملاك" بدلاً من تغيير دلالة كلمة "إلوهيم" فقالوا إن ملاك هنا تشير لعمل إلوهيم وليس لشخصه.. وهذا ليس خرفاً من جانب الميمونيّين بل هو مدعوم بأصل لغويّ يجهله كثيرون منم الذين يتصدّون لتفسير الموضوع بغير أهليّة، فإن كلمة ملاك تُعني مع كلمة رسول "شخصيّ" معنى "عمل" ومعنى "نتاج العمل" ، وشواهد ذلك وفيرة أبرزها (تك2: 2، 3) ذاتها.. وتنوّع معاني الكلمة هذا على مفاجئته لكثيرين فإنه لم يخرج عن أصل معنى الكلمة إذ العمل بفعله وبمنتوجه هو رسول عمليّ يعبِّر عن قصد وطبيعة العامل مثلما الرسول "الشخصيّ" يحمل رسالة تحمل أفكار المُرسِل.. فإذاً الشاهد يدعو الملاك "إلوهيم" وتفسير أحد أبرز المدارس اليهوديّة تعسّفاً لم يجادل في كون كلمة "ملاك" أتت مرادفة لـ"إلوهيم" بل فسّر كلمة ملاك بمعنى "العمل" لا "الرسول الشخصيّ، وسيلي في موضع مناسب تفصيل معاني كلمة ملاك وشرحها لغويّاً.. فإذاً لا جديد ولا غريب في تفسير الميمومنيين على أنه تفسير لا "أُحيل" التفسير إليه لأنه ليس صحيحاً وليس لي عادة بالاكتفاء بحل سهل مدعوم بشهادةً ما.. فالصحيح أن الملاك الذي عناه يعقوب هو "شخص" ومن شواهد ذلك أنه قد صارعه ذات مرّة وتلامس معه بأعنف درجات التلامس التي بلغت الصراع العنيف فهو إذاً شخص وليس مجرد عمل، ثم أن اصطلاح كلمة ملاك بمعنى عمل أنها تأتي بصيغة الجمع بينما الملاك الرسول الشخصيّ حتى إن كان جمعاً فهي تأتي بصيغة المفرد.. لا حاجة لتفسير خاطئ لإثبات المعنى الصحيح مهما كان قريباً لغوياً وفنياً من الصواب، فاما تمامام الصواب وإما فالحق لا يقبل شهادة أقل من الحق بحبة خردل!! فالصحيح أن هذا الملاك هو شخص لا عمل، الصحيح أنه بكل وضوح قد ترادفت الإشارة له مع اسم "إلوهيم"، والصحيح أخيراً أن "إلوهيم" أتى كاسم يشير لشخص الرب الإله إله إبراهيم وإله إسحق والذي رعى يعقوب منذ وجوده.. يبدو الموقف صعباً إذاً! فهل يثبت الآن أن هناك تماهي بين "إلوهيم" و"الملاك"؟! حاشا وكلاَ:

+ بل يكون التكرار بذات الوضوح أن الرسول يُسمَّى باسم مُرسِله، وسبق عرض كثير من الشواهد القاطعة على ذلك

++ وأُضيف عرض فكرة دقيقة هذه المرّة: فإن المُرسِل متى كانت رسائله عزيزة وشخصه غير ملموس لحواس الواحد فإنه يكون هو العنصر الرئيس في رسالته حتى يغيب شخص الرسول تقريباً تماماً عن الوعي اللغويّ، مثال لذلك أب متغيّب متى أرسل خطاباً بريديّاً فإن ابنه الطفل يصيح: "دا بابا" ولا يقول بتفصيل سمج إنه ساعي البريد يحمل خطاباً من أبيه إلخ..

+++ ويمكن هنا معاودة طرح سؤال سبق عرضه، بمناسبة تفسير الميمونيّين لهذا الشاهد، فإنه وإن كان الملاك شخصاً لا مجرد عمل، وكان اعتباره عملاً إلهيّاً تماهت تسميته مع اسم الرب الإله عامله، أفليس بالأولى ان يتسمّى الرسول الشخص باسم مرسِله؟

 

& ولكن أليس مكتوباً في موضع آخر: "وَمِنْ نَفَائِسِ الأَرْضِ وَمِلْئِهَا، وَرِضَى السَّاكِنِ فِي الْعُلَّيْقَةِ. فَلْتَأْتِ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ (تث33: 16)، فالعليقة هي محل سكن الرب وليس ملاك ظهور "عاديّ"؟

صحيح، ولكن:

+ من يقبل ان هذا دليل على ان الظهور المحسوس كان للرب شخصيّاً، يكون الرب هو النار وليس الملاك،

++ من ينظر لكلمة "ساكن" يجدها دائمة وليست فعلاً قصيراً (يمكن مراجعة الأصل العبريّ أو أيّة ترجمة حرفيّة)، ولما كان مشهد العليّقة قد انتهى، فسكنى الرب غير سكنى النار، ولا يبقى لاستقامة المعنى ألا قبول أن النار كانت إعلاناً لسكناه، إعلاناً منظوراً للترميز وليس مماهياً لشخص الرب، وعلى ذلك فقط يكون الرب دائم السكن في العليقة لأن دلالة إعلانه دائمة العمل،

+++ أيضاً كلمة "ساكن" لا تستلزم الظهور المحسوس، وإنما يسكن الرب دون ان يحتاج للظهور، وهذا شاهد: "حَيْثُ أَنَا سَاكِنٌ فِي وَسَطِهِمْ" (عد5: 3)، وعلى ذلك فليس من الضروريّ ان الإشارة بسكنى العليقة تعود على ذات النار، بل يصحّ، وهو الصحيح بحقّ، أن الرب يسكن في الموضع بسروره أو بإعلانه عن مقاصده، ويترك علامة ظاهرة على ذلك أو لا يترك، والعلامة لا تتماهى مع طبيعته بل تبقى مجرد رمز،

++++ ودائماً يقبل الجميع ان العليقة رمزاً لناسوت الرب أو للعذراء (كلا الترميزين صحيح وهما متلازمان بالضرورة)، ولا يفكر عاقل أن العليقة هي ذات ناسوت الرب أو أنها جسد العذراء، فما مشكلة أولئك في أن النار هي أيضاً رمز للاهوت الرب؟ !!!!!

 

& وبمناسبة الوصول لموسى والظهورات له، فهناك ظهور مرتبط به ويبدو نصيّاً أقوى من كل ما يستشهدون به، فالظهور المعنيّ لا يقول إن الذي ظهر ملاك ويُكلفهم مؤونة محاولة إثبات أن الملاك هو الرب، بل إنه يقول صريحاً إن شيوخ إسرائيل "رأوا الرب"، ويزيد بأنهم رأوا مشهد بصريّ وبالتالي فهو من وجهين قويين جداً يدعو ضحايا تلك البدعة أن يتهابصوا به، ومع ذلك فهم قلّما استعملوه ولعل ذلك لانتباه بعضهم لما به من نتيجة عكسيّة سأعرضها هنا بتفاصيل براهينها
فأما نص شاهد الظهور المعنيّ هنا فهو يقول:
"ثُمَّ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَابِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ اسْرَائِيلَ وَرَاوا الَهَ اسْرَائِيلَ وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الازْرَقِ الشَّفَّافِ وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ الَى اشْرَافِ بَنِي اسْرَائِيلَ. فَرَاوا الـله وَاكَلُوا وَشَرِبُوا" (خر24: 9-11)..
فهل هكذا يكونوا قد رؤوا الرب بشخصه؟ عدّوا مرة جديدة:
- يظهر من الكلام الخاتم لسيرة موسى أن أحداً لم يعرف الرب ولا تعامل معه بأوضح من موسى (تث34: 10) الذي لم يره قطّ بهذا الوضوح المُفتَرَض خطئاً لهذا المشهد..
-- ثم أصلاً طالما رأى موسى الرب مع الشيوخ فلماذا عاد ليطلب رؤيته كمن لم يره قبلاً (خر33: 18-20)؟ أما إن لم يكن قد رآه مع الشيوخ ما جعله يطلب الرؤية فهذا يُعيدنا للسؤال الأول "-" الذي بقي بلا إجابة إلا أن يكون المشهد لا يفيد رؤية لشخص الرب..
--- ومعروف أن موسى إذ "رأى" الرب، بالمعنى المتكرر شرحه، فلأن وجهه استنار ولم يقدر احد أن ينظر فيه إلا إذا وضع البرقع (خر33: 8، خر34: 33-35، 2كو3: 13) ولكن لم يحدث هذا مع هؤلاء الشيوخ!! فإن كان موسى الذى لم يرَ وجه الرب ولكنه تكلم معه دون وسيط بوحي فائق فنتج عن هذا الكلام لا الرؤية أن أحداً لم يقدر على النظر في وجهه، فكم كان بالأولى مع الشيوخ ألا يقدر أحد أن يراهم لو كانوا قد رأوا شخص الرب؟
---- ثم من يستسيغ تفسيريّاً أنهم رؤوا هيئة شخصيّة للرب في زمن عزّ فيه التعامل أصلاً مع الرب ولا يصرّح الكتاب بهذا الأمر الزائد الدلالة في ظروف زمنه؟ ولكن لم يكن من الكتاب أن يصف شيئاً من المشهد إلا أنه "شبه" عقيق تحت قدميه، ولو كان فوق هذا العقيق ظهور شخصيّ للرب فكان حقيقاً استحقاقاً مضاعفاً بأن يصوره الكتاب بالأولى..

----- وفي ختام الفقرة قيل إنهم "أكلوا وشربوا" كناية واضحة عن أنهم لم يمتوا.. فهل عناية الوحي بالتنبير على "عدم موتهم" هنا يفيد أنهم لم يروا هيئة ظاهرة لشخص الرب؟ أم يفيد أنهم رئوه على خلاف كلمة الرب أن "الإنسان لا يراه ويعيش" (خر33: 20)؟؟!! هل الكناية للإفادة بصدق كلمة الرب التي عاد فقالها لموسى؟ ام هي لإثبات عكسها!؟!؟ لا يمكن أن تستقيم الشواهد جميعاً معاً، حاشا لها من عدم الاستقامة، إلا بالانتباه لكلمة "شبه عقيق تحت قدميه" للإفادة بأنهم رأوا الرب أعلى من السموات الانقى من السموات الطبيعيّة التي راها البشر.. لقد رؤوا أن مجد الرب يفوق أقصى ما يصل له نظهرم هذا ما رأاو الرب به ليس أنهم رأوا شخصه!!

+ فإذ ثبت وكفى بما سبق أن ظهور الرب لشيوخ إسرائيل ليس ظهوراً حسيّاً مرئيّاً لشخصه أو لبعض شخصه، فهكذا تكون محاولات محبو تلك البدعة مع التشبث باختظاف الفاظ اللغة قد أتى حتى سقف شقفه وفشل.. فإنه حتى حينما قيل "رأوا الرب" وبدون أي ملاك يمكن أن يخفف من المعنى، ف فإنه حتى هذا لا يفيد بما يريدون التشبث به غير مراعين لإفساد كل معاني العهد الجديد انتصاراً لخيالات مريضة لا يحسبون نتائجها..
++ وزيادة د لالة عكس منشود أصحاب البدعة، أن الظهور نفسه يصرخ بان شخص الرب كان أبعد من رؤية حتى من يرى إلى ما فوق سموات الطبيعة لأنه فوق سموات أكثر نقاءً من الطبيعيّة، فالظهور يقول إن لا أحد يرى شخص الرب، وعلى كل حال فليس لهذا التفسير يتحاشى اكثرهم الاستشهاد بهذا الظهور لأنه لا يظهر انهم يستوعبون التفسير أو حاولوا تفسيره أصلاً..

 

& وفوق المنطق البديهيّ، وفوق الاستعمال المألوف للغة، الذي يُنسى بفعل غسل المخ التفسيريّ، فماذا عن شواهد الكتاب نفسه التي تنسب كلام الأنبياء إلى الرب كفاعل مباشر، ومن ذلك (إش7: 10) حيث "عاد الرب فكلّم آحاز" بينما المعلوم يقيناً أان الناطق بالكلام هو إشعياء النبيّ، فإذا كان ملاك (رسول) الرب، إشعياء، وهو إنسان يُزاح من المشهد ويثنسَب فعل الكلام للرب مباشرةً، وهو، أي إشعياء، إنسان، فكم بالأولى يُنسَب كلام الملاك الروحيّ من السموات إلى الرب، وهو، أي الملاك، لا يتكلّم من نفسه وليس له ما يقوله من ذاته أصلاً بالأكثر جداً عن إشعياء إذ هو من الأرواح الخادمة المستقلّ عن أي علاقة إنسانيّة عمَّن يُرسَل غليهم مما قد يستدعي شيئاً خصوصيّاً أو لغة تختصّ بخلفيّته هو كإنسان!

فكيف يُحسِن "المفسِّرون" تفسير هذه الشواهد البسيطة ببداهة، ثم ينسون بداهتها في المواضع التي يدافعون فيها عن الموروث من تفسير خاطئ؟ وتتحول نسبة الكلام إلى الرب دليلاً قاطعاً لديهم يغسلون به أمخاخ العوام ويصير دليلاً يتشنج به المُلقَّنون ولا يقبل الجدل على أن الظاهر المسموع صوته هو شخص الرب؟

وقد صار واضحاً بالشاهد الكتابيّ، فوق المنطق اللغويّ البديهيّ أصلاً، أن "نطق النبيّ بكلام الرب" = "كلّمَ الربُ"..

& وشاهد أيضاً: في بيت حانون كان تلاميذ يسوع يعمِّدون، وكانت تسمية الحادث إجمالاً أن "يسوع يُصيِّر ويُعمِّد" (يو4: 1)، بينما حين فصَّل الإنجيليّ الحال أفاد أن يسوع "نفسه" لم يكن يعمِّد بل تلاميذه، ولاشك أنهم كانوا يعمِّدون بإشرافه ممثِّلين له.. فمن يعملون باسم رئيس يُنسَب العمل للرئيس.. وإلى الآن يقولون خوفو بنى الهرم J

& ولماذا نذهب بعيداً: فإن من يزوره ضيف مبارك يقولو: "زارنا يسوع".. فإن كان الزائر يحمل يسوع معه بالنعمة، أفلا يحمل الملاك رائحة حضور الرب وهو يحمل رسالته وقد ظهر بأمره أصلاً، وشخصه لا يمثِّل شيئاً مستقلاً عن وظيفته بتمثيل الرب وحمل رسالته؟ فهل لمُجرَّد تسمية رؤية الملاك برؤية الرب يكون الملاك هو الرب بالضرورة؟ هل اللغة تعمل هكذا؟

& أو قول البعض للآخر واعظين أو متواعظين لدى حدوث عِبرة ما: "شفت ربنا"؟ فهل ربنا هو الحادثة؟ أم الحادثة هي عمل من عمله يعطي عبرة لمن حدثت له أو أمامه، فيُساق القول "شفت عمل ربنا" مُختصراً هكذا: "شفت ربنا؟"

& واسترسالاً في شرح اللغة من واقع مثل هكذا شواهد من الاستعمالات المجازيّة، فيلزم الالتفات أولاً لحقيقة أن المجاز اللغويّ ينشأ على تصورات المتكلِّم، ومن عناصر التصوّر أن الواحد يرى القريبين من بعضهم حين يكون جميعهم بعيدين عنه كأنهم كيان واحد، وهذا يوافق في موضوعنا حال السماء كلها بالنسبة للإنسان حال سقوطه.. ومن هذا أنه يدعو مشيئة الرب مشيئة السماء وهكذا.. فلا غرابة أن الإنسان في العهود القديمة متى رأإى ملاكاً حتى إن كان واعياً انه ملاك وليس هو نفسه الرب، فإنه يدعوه مجازاً باسم الرب الذي هو العنصر الأعلى في كل منظومة السماء التى تتقارب كل اهلها معاً مقابل تباعدهم جميعاً عن الإنسان على الأقل من وجهة نظره!!

وبمناسبة الوصول لتعبير "شفت ربنا" للإفادة بالاتصال بعمله وفهم قاصده، فهو وقت مناسب للإيفاء بوعد سابق بتفصيل معاني كلمة ملاك والتي منها "عمل".. فالكلمة في أصلها العبريّ تقابل لفظيّاً وجذريّاً الكلمة الدراجة "يملخ" بمعني ينقل الشئ من موضعه وعليه فإفادتها بمعنى الرسول بديهيّ، فمن أين يتناسب شمولها لمعنى "العمل"؟ شرح ذلك بسيط ولا يقل بداهةً: فالعمل هو أمر يخرج للناظرين من يد عامله ليحمل معه تعبيراً عن بعض مما هو مستتر من طبعه وقصده،فمن ثَمَّ فالعمل رسول معنويّ لعامله ومعنى "الرسوليّة" يشمله إذاً، وعلى ذلك استُعمِلَت كلمة ملاك في العبريّة في صيغة المفرد بمعنى الرسول الشخص أو حتى بقصد الجمع أيضاً (الملاك أو الملائكة بحسب الفهم المعتاد) وفي صيغة الجمع "ملاخيم" اختُصَّت بمعنى "أعمال" (الرسل المعنويين) وبالمثل بمعنى البضاعة أو المواشي باعتبارها العمل الذي ينتجه أو يُنميه العامل، ومن شواهد ذلك أن الكلمة وردت بالجمع "ملاخيم" لتفيد معنى العمل في (تك39 :11) و(خر20: 9) و"خر20: 10 " و (يو1: 8 ) و(حج1: 14) وكثير غيرها.. ونفس الكلمة "ملاخيم" وردت بمعنى منتوج العمل في(تك33: 14) و(خر22: 11).. وأعجب من الكل أن الكلمة هكذا وردت لتصف أعمال الخليقة في (تك2: 2) و(تك2: 3)!! والمفيد في موضوعنا أن عمل الرب مثلما يُدعَى "الرب" هكذا بلا حرج في اللغة الدارجة، فهو كذلك مدعو مباشرةً بـ"الرب" كتابيّاً!!! ومن شواهد ذلك شاهد مثير جداً هو (أي42: 5) ما سيأتي تفصيله في حينه..ولكن إن كان العمل والمدعو ملاخيم يُدعَى بالرب مباشرةً، فكم بالاول الرسول الشخصيّ الذي يمثل الرب "ملاخ" أن يُدعَى الرب للإفادة بأنه رسول بغير صفة إلا إيصاله لرسالة الرب فالإشارة للرب وتمثيل الملاك هو نيابيّ عن الرب؛ ومن هنا يظهر أيضاً تسمية "ملاك حضرته" (إش63: 9) أي الملاك المُعبِّر عن حضور الرب والذي ظهوره هو نيابة عن ظهور الرب، يغير صفة تخصّ الملاك من ذاته، ولهذا كان الملاك يرفض الإجابة والتصريح باسمه، وما فعله الملاك الظاهر لمنوح لم يقل بحسب الفهم الخاطئ أن "اسمه عجيب" بل قال: "لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب" (قض13: 18)أي أن إجابته على السؤال هي غريبة عن الرسالة التي تكلّف بها، وأن اسمه غريب عن استحقاق ما انتواه منوح من تكريمه لأنه هو نفيسه غريب عن افتراض منوح أنه هو صاحب شأن أصيل في رسالة الرب إذ ما هو إلا رسول، واستعمل كلمة تختلف في بنيتها الصرفيّة عن الكلمة الواردة في (إش79: 6) على خلاف المظنون بغير تروٍّ، ولو كان الملاك يقصد أن اسمه هو "عجيب" مطابقاً لاسم الرب فلماذا يغيّر بنية الكلمة؟ ولماذا يبدأ الإجابة بقولها "لماذا" الواضحة الاستنكار.. وبالمثل رفض "الإنسان" الذي صارع يعقوب التصريح باسمه (تك32: 29) وإلا كان يعقوب قد بنى المذبح باسمه لأنه ما سأله عن اسمه إلا لتكريمه، ومن الطريف أنه لم يقل إنه عجيب وإلا كان قد فاز الشغوفين بالبدعة بفرصة اختطاف دليل زائف مزيد....

 

& ثم... الدور الآن على نقطة مفاجئة ومزلزلة، ليس فقط لرسوخ البدعة في الأذهان بثقة مفرطة وتاهٍ بما يظنونه براهين قاطعة لها، ولكن فوق ذلك ترجّ وتكشف، يؤسفني القول، مصداقيّة أذهانهم وضمائرهم جميعاً، ولاسيما بتشنّج: فمن الطريف المُحرِج أن من يحتجون بكل قوة وصياح أن النص الكتابيّ يقول في هذا الموضع أو ذاك إن الملاك الذي ظهر قال عنه من رآه "رأيت الرب"، أن أولئك أنفسهم يحسنون حل الاختلاف الظاهريّ بين (مت8: 5) و(لو7: 3) وهو تسمية مجئ رُسُل قائد المئة بأنه مجئ قائد المئة نفسه، ولقد أفاض الإنجيليّ لوقا في تفصيل القصة حتى أن روايته لم تترك فرصة ولا لافتراض أن قائد المئة خرج في وسط الطريق لملافاة الرب،  بالقول الفصيح الصحيح  إن الرسول يُسمَّى باسم مُرسِله لأنه يعبِّر عمن أرسله وليس عن نفسه فشخص الرسول ليس محل الاعتبار، إذاً هم يخضعون لمقتضيات اللغة حين يضطرّون، ولكنهم ينسون ذلك وهم يصرون على استدلالهم التعيس الزاعق من كون الملاك هو شخص الرب لأن من رآه قال "رأيت الرب"..

& ومفاجأة مذهلة لمن أعموا أفهامهم بتكرار غسل الأذهان بتلقيّن التفسير الخاطئ: حتى لو جاز أن رؤية الملاك تُسمَّى رؤية الرب بما سلف من شرح، فإنه ولا واحد أصلاً ممن ظهرت لهم تلك التجليّات قال صريحاً إن الشكل الظاهر هو شكل الرب!!! أو أن الشخص الماثل أمامه أنه هو شخص الرب!!! بل كل ما هنالك أنهم كانوا يعقِّبون بعد تعاملهم مع الظهور بقولهم: "رأينا إلوهيم" (مثلاً قض13: 22)، وليس أن ما ظهر له هو عينه إلوهيم!!!

 

ثم أتى وقت إفراد فقرة للنظر في شاهد خطير ومتعدد الدلالة، وهو هذا الشاهد الأيوبيّ المشهور جداً: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي" (أي42: 5):

+ فأول دلالة معنيّة من الشاهد هي عبارة "رؤية العين"!! لا أقوى لغةً للتعبير عن رؤية ماديّة لمن يشغف باختطاف الألفاظ والتهوّع بها، ولو كانت هذه العبارة قد ظهرت في حالة من حالات ظهورات الملائكة لكان أنصار التفسير قد أبرزوها وبروزوها ودقوا لها الدفوف أيضاً وصنعوا لها دورة بألحان، و"وضعوها في عين من ينكر تلك البدعة"، ولكن من حُسن التوفيق أنها ظهرت في مشهد ثابت أنه بغير تجسّم ولا ظهور طيفيّ حتى، فهو من ثَمَّ كافٍ لفضح منطق البدعة وإثبات أن اللغة لا تعمل كما يستعملونها غصباً أو خطفاً.. وهذه أدلّة أن الشاهد الأيوبيّ هذا حتى حين يقول "رأتك عيني" فإنه لا يفيد معنى التجسّم المحسوس للحواس الجسديّة، إذ فوق أنّ أحداً لا يقول بأن هناك ظهور "تجسميّ" رآه أيوب، فإنه قبلها مُباشرَةً يقول "اسمع الآن وأنا أتكلم" وبعدها فوراً يَرِد: "وكان بعدما تكلَّم الرب مع أيوب ..."، كما يتكرّر صريحاً مرتين قبلها تعبير أن الرب أجب أيوبَ من العاصفة (أي38: 1، 40: 6)، وهو تعبير يفيد نفي أي ظهور متجسم مرئيّ للحواس بل وأيضاً يلمِّح بأن الصوت ليس مسموعاً كصوت ماديّ، فإذاً هو وحي ذهنيّ غير متجسِّم على أي نحو، ولا حاجة للسؤال حتّى أنه إن فإن كانت هناك رؤيا ماديّة أما كان ذكرها جديراً بالإثبات مع الكلام؟

++ الدلالة المعنيّة الثانية لهذا الشاهد والتي لا تقلّ خطورة عن الأولى هي في إجابة السؤال: "ماذا رأى أيوب فدعاه أنه رؤية للرب؟" وبالإجماع فليس تفسير إلا انه أشار لرؤية عمل الرب وحكمته وفهم مقاصده وأحكامه!! وقد سبق عرض معاني كلمة ملاك أنها إرسال شخص أو إرسال عمل، والسؤال الذي سبق تكراره يظهر للمرة الثالثة الآن: "إن كان الرسول العمليّ غير المشخصن يتسمّى باسم الشخص الذي عمله حتى إن كان هو الرب الغله ذاته، هكذا يتسمّى دون تحرّج، فكم بالأولى منطقيّاً أن يتسمّى الرسول الشخص المُمَثِّل تمثيلاًشخصيّاً لمُرسِله؟

+++ ودلالة ثالثة تفضح منهجيّة ونفسيّة أنصار البدعة، لا أهملها: فشهرة هذا الشاهد تقدِّم دليلاً على حالة "السكيزوفرينيا" التفسيريّة التي تنتاب بعض "المُفسِّرين" حين يصرّون على الجدل حماية لخطأ موروث، ما سبق إثباته مرات عديدة في الفحص مع شواهد كثيرة سابقة.. لأنه يجوز أن المفسِّر الجيد يُخطئ في تفسير، ولكن لا يمكن له (للجيّد) أن يجادل دفاعاً عن تفسير خاطئ طالما وُضِع أمامه ما ينبِّهه للخطأ.. لماذا لا يمكنه؟ لأن التصحيح يستدعي لديه الشواهد المرتبطة فيُراجِع رأيه أو على الأقلّ يبحث عن أدلّة أُخرى لرأيه غير تلك المُختَطَفة بعيداً عن منطق اللغة.. فمن إذاً، بعدُ، يجادل في حالة كهذه حين يتوفَّر شاهد مشهور يلغي حُجيّة الاحتجاج المتكرِّر بكلمة "رؤية" أو "ظهور"؟ ليس الجيد الصحيح من المفسرين هو من يفعل ذلك بل من لابد أنه قد لحقه مرض تفسيريّ، أو ربما ضميريّ! نعم.. إن ثبوت حالة الـ"سكيزوفرينيا" التفسيريّة لا يجدر المجاملة معه!

 

& وختام كل ذلك أمن نصيب السفر الختام لقانون الكتاب المقدس، إذ أن الرائي يوحنا لديه ختام لطيف لتلك الفقرة، حين أفاد أن الصوت نفسه يُرى دون لزوم لرؤية شكل بصريّ، حين يقول: "التفتُّ لأنظرالصوت الذي تكلّم معي" (رؤ1: 12).. فما الذي يُرى في الصوت؟ هل هو النبرات المسموعة؟ أم معناها؟ فإن كانت الرؤية تُعني تمعّناً للمعنى، فإن رؤية الرب حين تُسمَع رسالته تصبح استعملاً لغويّاً بليغاً ومألوفاً عند أهل الكتاب المقدس..

 

هل يجهلون ما يلي من شواهد المنطق اللغويّ واللغة حتى في بساطتها؟ كلا ولكن يتناسونها، وإنما يتذكرونها فقط حين يُناسب تذكّرها قصدهم!

 

 

الفكرة من أصلها غير منطقيّة وتفصيلها يناقض مبدأها:

 

& أما بقيت "محاولات" مزيدة؟ وتفنيدات أكيدة؟ أخيراً يحتجّون بأن الملاك لا يقبل السجود بينما ملاك ظهورات العهد القديم قبِل السجود.. و"الأرثوذكس" فيهم ينسون أن للسجود معانٍ ثلاثة مقبولة لديهم J، و"البروتستانت" فيهم ينسون أن ملاكَي لوط قبلوا السجود (تك19: 1)، وأن إبراهيم نفسه سجد للرجال الثلاثة بمجرَّد اعتبارهم ضيوفاً وقبل أن يتعرَّف على هويّتهم (تك18: 2)، وأما ملاك سفر الرؤيا الذي رفض السجود فرفضه لوضوح خلط يوحنا بينه وبين الرب الذي كان يظهر في نفس مشاهد الرؤيا، وكان احتمال الخلط قائماً فلزم تعيين الملاك لهويّة نفسه.. كما أن ظهور الرب بشخصه يجُبّ كل مشاهد تكريم غيره، ويعدو من هو دونه للاستعفاء من أي تكريم، وهذا ذوق معروف ومألوف.. ولأن القصد ليس مناظرة وتسجيل نقاط فمن الواجب هنا شرح الأمر بعمق لائق: فإن الملاك متى رفض السجود في سِفر الرؤيا فذلك لأن الرب كان حاضراً في المشهد، كما أن الرب أصلاً قد سبق له التجسّد والحلو بيننا وهو من وقتها معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر، ولكن في العهد القديم فالرب كان محتجباً وكلمته عزيزة في أكثر الأوقات، وكان ظهور الملاك لدى من يرونه يمثل النافذة اولحيدة للتعامل مع الرب بأقرب طريقة ممكنة، وسبق وتكرّر ان الملاك كان يمثل الرب،فمثلما ما فسّر ذلك بكل كفاية الإشارة لظهوره باسم "إلوهيم" وكلامه الذي لا يقول به إلا الرب، لأنه إنما يمثل الرب وينقل رسالة الرب فثالثة المعاني المتحدة بالضرورة أنه يتلقّى من الناس ما يخص من أرسله، فهو إذاً متى تلقّى سجوداً فالسجود واصل لمن أرسله أي الرب الإله يهوه إلوهيم.. ويبقى شخص الملاك خارج دائرة التكريم الشخصيّ الواجب للرب، والملائكة دائماً ما كانوا حريصين على ضبط المعادلة هكذا، بدليل أنه حين كان يُسأل عن اسمه كان يستعفي عن الإجابة حتى لا يتحوّل شخصه لموضع تكريم ويغيب ذِكر الرب، تكرّر ذلك مع منوح (قض13: 18) ويعقوب(32: 39).. وبمُقتَضَى نفس المبدأ فإن ملاك سفر الرؤيا حين كان الرب قد تجسد وصار قريباً بل وكان يظهر بذاته رؤيويّاً في ذات الرؤيا فإنه نبّه يوحنا أنه ليس هو الرب حين سجد ذاك له، فضبط بذلك عدم الخلط وأفاد بإثبات مزيد لكل ما يتوالى شرحه في هذا المقال المتواضع!!

& وبالمناسبة فليس كلا السجود سجوداً اصلاً لا لعبادة أو لغيره، فمنوح سقط على وجهه مع امرأته قبالة مشهد مرعب!! لعله سجود بمظنّة أنهما أمام الرب، ولكن الاوقع انهما ارتعبا، وإن كان هناك من يتمحّك بسقو منوح وامرأته فيقيناً يتحاشون النظر في سقوط دانيال" مُسبَّخاً" أمام ملاك يقترب في وصفه من شخص الرب (دا10: 5-10) بأكثر كثيراً من افتراب ملاك منوح، ويستدعي عوائدهم فقي خطف الربط بين الشواهد إذ ما أقرب اقترابه من وصف الرب في (رؤ1)، ويزيد أن له يداً تلمس دانيال (دا10: 10) ما يفيدهم في نظرية "التجسّم" تلك، وليس تواريهم منه مع كل تلك المغريات إلا لأنه على كل اقتراب وصفه من الرب فقد ظهر أنه ملاك بل ودون حتى الملاك ميخائيل (دا10: 13)! وعلى ذلك فأي ناظر متمعِّن يدرك أن أدلته لم تعد ادلّة إلا على سوء التفسير..! بعمل خدمة إيصال الرسالة الإلهيّة؟

& وبالمرّة: فإذا كان السجود لا يصلح دليلاً على أنه للرب لا لملاك دون الرب، فإن عدم السجود دليل على وعي الناظر أنه ليس أمام شخص الرب، ومن شواهد ذلك الخطيرة المُغفَلَة كغيرها أن يعقوب في نهاية صراعه مع "الإنسان" الذي ظهر له ليلاً، فإنه دعا الموضع فنوئيل وقال ما قال ولكنه لم يسجد له.. فإذا كان قد أدرك أنه شخص الرب الغله متجسماً فإن عدم سجوده يكون أكثر استغراباً ولفتاً للنظر لذوي النظر..

& وبعد كل ذلك، وبالمنطق المفاجئ لكثيرين (بحسب خبرة عرض الموضوع بالنقاش الصوتيّ يتفاجأ كثيرون ويتراجعون فوراً بدهشة صادمة مع هذه الحجّة J) فإذا صحّت نظريّة التجسّم تلك، فما هو مفادها ولماذا تُسمَّى ظهوراً شخصيّاً للابن؟ هل رؤية المادة الظاهرة تُسمَّى رؤية لشخص الابن من حيث اتحادها معه؟ إن كانت قناعاً مُستمعلاً يفنى بعد ذلك فهي ليست الابن باعتبار اتحادها به، فما منطق الإصرار انه ظهور شخصيّ للابن؟ إن ذات توصيفهم للظهور يجعل إصرارهم على أنه للابن شخصيّاً أمر عبثيّ!

& ما إذاً الفرق بين مادة مرئيّة أو مسموعة أو ملموسة ولكن غريبة عن طبع لاهوت الابن لم تتحد معه، يستعملها الرب كقناع، وبين أن يُرسِل ملاكاً؟ أليس الملاك أولى بالعمل من مادة غريبة ستذهب حيث المجهول بعد استعمالها؟ أليست هذه وظيفة الملاك كروح خادم أولى بعمل خدمة إيصال الرسالة الإلهيّة؟

& السؤال الأفيد في هذه الفقرة لمن يقبلون نظريّة "التجسّم":

ما بالهم ينزعجون من تسمية وسيط الظهور ملاكاً معتاداً، كأنما أنكر القائل بهذا شخص الرب، بينما هم يشرحون ما يعتبرونه ظهوراً للرب بأنه ظهور لمادة غريبة عن طبع الرب الإلهيّ ومجهولة المصير بعد استعمالها!

& لا مخرج من الأسئلة الأخيرة هنا إلا بتغيير النظريّة بمصيبة جديدة، وهي أن يعتبروا مادة الظهور متحدة باللاهوت فيصحّ تسميتها ظهوراَ شخصيّاً للابن اللوغوس الإله بطبعه.. وهناك بكل أسف من "المستيكيّين" من ثيولوجيّي اليونانيّين وأشياعهم يقولون ذلك بقوة وينكرون نظريّة التجسّم لصالح تسمية تلك الظهورات بأنها "غير مخلوقة"، ولا يجسر أولئك على تعيين معنى كونها غير مخلوقة، فهل هي غير مخلوقة من طبيعة اللاهوت، أم "غير مخلوقة" مساوية للاهوت في الأزليّة دون أن تكون من طبعه؟ (على أنهم يحاولون نسبة ذلك للآباء دون استشهاد تفصيليّ لازم!! وقد سبق إثبات وضوح رؤية البابا اثناسيوس بعدم اعتبار ثلاثة ظهورات محسوسة أنها ظهورات للابن أصلاً، وإنما يعمِّم المستيكيّون الجدد قولهم ليحسبوا نقاطاً على أغسطينوس باسم الآباء)

 

لا بتسميته تجسّم استقام المنطق ولا بادّعاء ظهورات من مادة غير مخلوقة يُنجِّي من سوء المآل المُلزِم، وإنما هي محاولات لمن لم يعِ كمون الخطأ في مبدأ طريقه وجنح لمحاولة البحث عن "منفذ" للنجاة من طريق أُثبِتَت بينه وبين القصد الصحيح هوّة عميقة..

 

 

الحيرة على بُعدَيْن:

 

حتى الآن فمجموع "الحجج" لفكرة الظهورات الشخصيّة للابن في العهد القديم سخيفة كما ظهر، وبالمقابل تقوم ضد شواهد كتابيّة ولا أجلى وأوضح، وكل هذا من حيث المبدأ، ولكن عند النظر في ظهورات بعينها تظهر حيرة من يقبلون مبدأ تسمية الملاك الظاهر حسيّاً بأنه شحص الرب، تظهر حيرتهم على بعدين:

 

& في الظهور الواحد يتحيّرون بين عناصره، فهل الرب هو ملاك واحد من الثلاثة أم هو الكبش أم كليهما أم الملائكة الثلاثة، بالمرّة، يمثلون ظهوراً للثالوث؟ وفي ظهور آخر هل الرب هو الملاك أم النار أم كليهما؟ وعلى ذِكر ملاك العليقة فقد حدث بالفعل ما يقترب من الفضيحة حين ارتبك أحدهم في مؤتمر "تثبيت العقيدة" واهتزّ بين النار وبين الملاك وظهر أنه يفسِّر "على الطاير"..

& وبين ظهور وآخر تظهر الحاجة لتصنيف الظهورات بين ظهور يُسنَد شخصيّاً للرب وظهور يجد البعض أن الأكثر أماناً التسليم بانه ملاك "عاديّ"! والبعض الآخر لا يدري حكمة أولئك الذين يصنِّفون، وينطلقون طربين بفكرة ظهور "المسيح شخصيّاً"، بينما يرقص المبتدعون على طرب أولئك الجاهلين، وهذه بعض الأمثلة:

-@- مثلاً: ظهور الملاك مع الفتية الثلاثة في آتون النار: ففضلاً عن أن الشاهد لأن الملاك "شبيه بابن الآلهة" هو ملك وثنيّ، فضلاً عن إقامة عنصر من عناصر الإيمان المسيحيّ زوراً على فم ملك وثنيّ، بل فضلاً عن أنه بالمنطق يتساءل الواحد متى رأى الملك "ابن آلهة" قبل ذلك؟ ولايُفهَم بداهةً من المشهد إلا أنه تعبير يفيد به الوثنيون وصف فتىً لا يبدو ابناً معتاداً للبشر، ولو رأوا ملاكاً فلا ريب سيصفونه هكذا.. فبأي وجه للثقة يقطعون بأن الظاهر هنا هو المسيح بكل تجاسر؟

ولكن انظروا وجه المأزق الذي هو شاهد هذه النقطة: الملك يقول "شبيه" بابن الآلة، فمن يقبل هكذا شهادة فليهنئ أريوس وليعزي قانون الإيمان الذي صارعوا فيه على إثبات كلمة "أومواوسيوس" بدلاً من "أوميئوسيوس"!!!

-@- وهذه يهلل لها شهود إبليس المدعوين زوراً "شهود يهوه"، حاشا، فما أطربهم عندما يسمعون منّا أن "رئيس جند الرب" الذي ظهر ليشوع هو المسيح؟

-@- وحتى أعداء الفداء يسعدون عندما يسمعون أن بعضنا يفهم أن الكبش الذي رآه إبراهيم مربوطاً هو المسيح، بدليل أن الموضع سُمِّي "يهوة يرأه"، فإذا كان الكبش هو المسيح، فقد تم ذبحه فعلاً قبل الصليب، ويكون الفداء كأي أضحية من الأضحيات البهيميّة، حاشا.. إن يهوة يرأه تفيد برؤية عمل يهوة وليس برية شخص يهوة، وحتى الآن يٌقال عندما يرى الواحد عمل الرب غير المتوقَّع: "شفت ربنا؟"، ولكن من يفسرون بغير وعي بالإنجيل ولا باللغة يقدمون هدايا مجانيّة غير مُستَحَقَّة للمبتدعين وغير المؤمنين جميعاً..

-@- وحتى الملاك الظاهر في (رؤ20: 1) تجاسر على اعتباره هو شخص المسيح بعض متبعي بدعة أغسطينوس بشأن المُلك الالفيّ (تلك التي تفيد تجديفاً بأن الملك الالفيّ بدأ بالصليب! ووجه التجديف في ذلك أن ملك الصليب متى بدأ لا ينتهي قطّ لأنه المُلك الروحي الأعظم وقصد كل تدبيرات الرب، بينما الملك الالفيّ له وقت نهاية، فهو مجرد مرحلة تدبيريّة، وعلى كل حال فهو تفسير اضطر إليه أغسطين كبديل لتفسير آخر تورط فيه وثبت فشله ربط فيه الملك الالفيّ بملك روما).. لماذا فكر بعض أولئك المحدثين هكذا؟ بسيطة: لقد تشبّعوا بفكرة أن الملاك يمكن أن يُعتَبَر هو المسيح، ولما كان الملك الألفيّ يبدأ لديهم بالصليب فقد استسهلوا اعتبار الملاك هو المسيح بغير احترام لا للنصّ ولا للياقة اللغة، وكل المهم لديهم هو الخروج بسلام من نص يهدم بدعة أُخرى استفرت لديهم كحقيقة إيمانيّة..

-@- واعتبار ملاك العليقة هو الرب نفسه يخدم بلا شك فكرة مساواة الناموس بالعهد الجديد..

 

وهكذا يتفسَّر سبب التأرجح المشهور على بعدين، والسؤال المتكرر في بعض الظهورات من هو "تجسّم" الرب في الظهور، ثم السؤال الدائم في "تصنيف" كل الظهورات: هذه المرّة هل الظهور للرب ام لملاك "عاديّ"؟ وتبقى التساؤلات وتبقى إجاباتها تسير بحركة زجزاجيّة لتفادي السقوط في أشراك المبتدعين.. وما كان أسهل عدم تمكين أي مبتدع بفهم التعليم الصحيح وتقديمه كما هو في كتابه المقدس..

هنا قد يحتج البعض أن المبتدعين وغير المؤمنين يسيئون تفسير كل الكتاب، فليس سوء معتقدهم وا حجة لتغيير معتقد صحيح، ولكن القياس هنا فاسد، لأن الذين يتمسكون بفكرة ظهورات الابن هم أنفسهم من يتنازل عن اعتبار بعض الظهورات خاصة له لإدراكهم صعوبة الدفاع عن لاهوت الرب مع تمسكهم باعتبار بعض الظهورات خاصه به، بينما يظنون أن بإمكانهم الإفلات بظهورات أخرى، ولكن ظهر من سابق هذا العرض أنه ولا حتى بهذا تستقيم تفسيراتهم..

 

 

ظهور ولكنّه ليس ظهوراً شخصيّاً، وملاك ولكنّه ليس أيّ ملاك:

 

& إذاً لم يظهر المسيح في العهد القديم؟ كلا وحاشا أن يُقال هكذا أنه لم يظهر! بل كان ظاهراً أكثر من الجميع، ظهر الرب لأبرام (تك17: 1)، وليعقوب (تك48: 3)، وشهد العهد الجديد (أع7: 2)، وكان ظهوره هو روح النبوّة الذي يشهد له (رؤ19: 10)، ولكن ليس ظهور بالرؤية الجسديّة ولو تحت حيلة التسمية الفاشلة باسم تجسُّم، وإنما ظهوره كان ظهورَ تدبيرِه ومراحمِه ووعوده ورسائله، التي بها كان حضوره، أي ظهور وحضور بوسيط، والوسيط أنواع وطرق كثيرة (عب1: 1)، أخطرهم كان رؤى للأنبياء كما لإشعياء، والرؤية لا يدرك كنهها احد ولكنها ليست مادة طبيعة الرب ذاته الفائقة المعرفة، ثم أن ملاك حضرته كان يمثل ويُظهِر حضوره كوسيط..

& ولكن ألا يحقّ رغم كل ذلك تلقيب الرب بلقب "ملاك"، أي رسول، كما تلقَّب بلقب "نبيّ" و"كاهن"، بحسب معاني الكلمات المُجرَّدَة، إذ هو نبيّ أنبأ عن الآب وكاهن وسيط بين المؤمنين وبين، وهكذا فهو رسول "ملاك" إذ قد قدّسه الآب وأرسله؟ ألا يحقّ ذلك؟ وإن كان يحقّ، أفلم يُسمَّ الربُ فعلاً ملاكاً بروح النبوّة؟

بلى تسمَّى، والمثير في تلك المرّة الفريدة أنها تقوم كأقوى دليل على نقضذات البدعة!! فيا لها من مفاجأة لمن تشبّث بتسمية الرب ملاكاً طيلة العهد القديم حين يواجه المرة التى تسشمّى فيها بحق ملاكاً:

 

& فها هي المرّة النبويّة الخاتمة على كل نبوّات القديم كدُرّة تاج وخلاصة شهوتهم، وحلقة الربط المذهلة للأنبياء مع الإنجيليّين:

"هَئَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (مل3: 1).. الرب هنا هو "ملاك العهد" وأما "ملاكي" المذكورة أولاً فتشير ليوحنا المعمدان..

ها هما ملاكان وبكل وضوح أُقرّ أنهما الرب شخصيّاً مع يوحنا المعمدان.. ولكن مهلاً قبل التقافز من البعض متصوِّرين أن هذا الشاهد يفتح الباب لعودة هواء التنفّس لفكرتهم السائدة دون وجه حقّ، بعد تواي فقدانهم لـ"حُجَجهم الدامغة" واحدة تلو الأخرى، فهذه المرّة هي الأسوأ على الإطلاق من وجهة نظر البدعة التجسميّة او الطيفيّة أو كيفما تسمّت ووُصِفَت

أشرح أولاً لماذا اطمئنُّ اطمئنان الإيمان لاعتبار "ملاك العهد" هو الرب؟

* أولاً لأن يوحنا سبق الإشارة له أولاً بلقب "ملاك" وواضح من بناء العبارة أن تكرار كلمة "ملاك" لا يفيد تكرار الإشارة لنفس الشخص، وإلا صارت ركيكة البناء مختلّة الدلالة..

** وثانياً اختُصّ "ملاك العهد" بأنه موضع مسرّة الناس وهذا يليق بالرب أكثر من غيره..

*** وثالثاً فكلمة "ملاك العهد" يصحّ أنها تشير لنفس من أُشير إليه بأنه "السيد الذي تطلبونه" لاسيما مع التعقيب على اللقبين باسم إشارة مفرد وفعل لفاعل مفرد هو ذاته الفعل المنسوب في أول الجملة لـ"السيد"..

**** ورابعاً وفوق الكلّ فالكلام يُشير صريحاً إلى التجسد، وينسِب الملاك إلى "العهد"،

***** ثم لأنه خلاصة النبوّات الوارد في ختام أسفار الأنبياء، والمسبوق بيوحنا المعمدان..

هو الرب..

+ ولكن هذا الملاك سيكون ملاك العهد--العهد الجديد بالإجماع، الذي ظهر فيه متجسِّداً

أي ليس "متجسِّماً" كما يُقال عادةً، ولا يظهر بنور "غير مخلوق" كما يفول المستيكيّون، وإنما فهذا الظهور هو ظهور التجسّد: "الكلمة صار جسداً" و"الـله ظهر في الجسد"،

++ وهو مرتبط بالعهد الجديد لا القديم، إذ ظهور الكلمة ظهوراً شخصيّاً مسموعاً ومرئيّاً وملموساً هو امتياز العهد الجديد..

وبهذا فإن الشاهد برئ من كل الاحتجاجات ضد التفسير الخاطئ، وليس فقط، بل وتشرق فيه كل صفات التجسّد الذي هو طريقة الظهور الشخصيّة الوحيدة للابن، وامتياز العهد الجديد.. وليس هكذا فقط أنه برئ من حسبانه ضمن "حثجَج" تلك البدعة، بل أنه يقضي عليها تماماً، بسؤال بسيط: حين ذُكِر الرب أنه ملاك العهد مرتبطاُ بيوحنا المعمدان الملاك السابق، لماذا لا يُقال للتوضيح إنههو الملاك الذي سبق له الظهور ولكن بصورة أقل في قوة اتحاده بالجسم الذي يظهر به؟ واضح أن فكرة البدعة غريبة عن العهد القديم بقوة غرابتها عن العهد الجديد، بل ومنقوضة بالمكتوب في العهد القديم كما الجديد،

 

إن هذه المرّة التي تسمَّى الرب فيها بحق ملاكاً، تسمَّى كذلك متصلاً بنسبته للعهد، ومتصلاً بعمل العهد الجديد الواضح به التجسّد الصريح، ولم يكن في الشاهد أي ظهور ماديّ أصلاً، ولا "تجسّم" ولا "مادة غير مخلوقة" ولا أي من هذه الاختراعات في تفسير ظهورات ملاك حضرة الرب..

 

 

الخُلاصة في عناوين:

 

+ التعليم البسيط الصحيح يقضي بأن:

*+ "الظهورات غير الشخصيّة" (كبش، نار في عليقة، هكذا) هي رموز تمثيليّة لا أكثر؛

*+*+ وأما "ظهورات الأشخاص"، فهي ظهورات لملاك حضور الرب (إش63: 9)، وقد يأخذ شكل إنسان (تك32: 24)، وربما كان إنساناً فعلاً من رجال الرب كما هو ملكي صادق، ما المانع؟ فبالجُملة تُفهَم الظهورات الشخصيّة أن من يظهر فيها للحواس هو شخص ملاك (رسوال) من الرب يعبِّر عن رسالته ويعلن حضوره في عهد انفصلت فيه البشريّة عن معيّة الرب اللصيقة وكانت لا تزال تشتهي بعد ظهور العهد الجديد في الجسد.. هذا التفسير البسيط يجد شاهداً يغيب مع غياب المعنى، وهذا هو: "في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلّصهم" (إش63: 9)، وملاك حضرته معناها بكل بساطة اللغة ملاك حضوره، أي الملاك الذي يعلن حضوره وإشرافه وظهور عنايته، وإن لم يظهر بشخصه!

*+*+*+ ويبقى الظهور الشخصيّ للرب هو ظهور التجسّد، لا تجسّم ولا نور غير مخلوق، ولا أي من هذه الحيل اللفظيّة الخائبة في المعنى،

ويبقى امتياز العهد الجديد هو قول يوحنا: "اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ" (1يو1:1)، تاركاً لأنبياء العهد القديم رؤية ولمس وإطعام والصراع مع ظهورات محسوسة لملائكة يعلنون عن حضور الرب حضور الإشراف والاطّلاع لا أكثر إذ كان لا يزال البشر في عداوة معه بغير مصالحة، والمصالحة كانت هي المسيح المتجسِّد!

 

- ومن يتجاوزون ذلك ويفترضون الظهور الشخصيّ للكلمة، على اختلافهم في بعض التفاسير اللاحقة، فهم:

&- يقيمون تجديفاً (لعلّ الرب يعذرهم فيه بجهلهم- وإن لاقَ إصلاحه)،

&-&- ويعْمُون عن شواهد ساطعة قاطعة تظهر تمام غربته عن الإنجيل بل تناقضه مع صُلبه،

&-&-&- ويجعلون بكل سذاجة كتّاب العهد الجديد مقصِّرين وغير أهل للكتابة أصلاً فضلاً عن كتابة الوحي، حاشا،

&-&-&-&- وفكرتهم تجعل العهد الجديد مساوياً او أقلّ من العهد القديم، حاشا،

&-&-&-&-&- وتجعل الرب نفسه وسيطاً لعهد قديم وخادماً للناموس، حاشا، فيكون صاحب الإرث والغاية خادماً للمؤدِّب المؤقَّت (غل3: 24)!!

كم حاشا في ذلك؟؟؟ الخلاصة في ذلك!!!

 

 

 

 

 

تتبّع لتاريخ هذه الفكرة الدخيلة المُضادَّة للإنجيل!

 

كيف ابتُلِع هذا التفسير الشهير الذي يرقى خطؤه لنقض للإنجيل توارى عن أعين الجميع حتى ظهر في كتابات كل الكنائس وكل الكُتَّاب سواء الكبار منهم بحقّ أم هواة النقل والتكرار بالتبعيّة؟

القصّة سارت من يوستينوس الشهيد (عصر المرجعيّة الدفاعيّة)،

لأيرينيوس (عصر المرجعيّة الأسقفية)،

للمبتدعين الذين احتجوا بالمرجعيّة الآبائيّة (إدخال فكرة المرجعيّة الآبائيّة)،

للآباء الذين اضطروا للرد (عصر المرجعيّة المجمعيّة)،

لابتلاع الجميع هذا الخطأ (المرجعيّة الشعبيّة المعتمدة على إجماع الكُتَّاب)..

وبغير حاجة لتتبّع هذا التفسير فإنه ثابت الخطأ الفادح، على أننّي سأحاول تتبّعه ليس لإثبات خطئه ولكن لاستكمال فائدة الموضوع بالانتفاع بعبرة التاريخ التي تمرِّن على تمييز الموروث، وإزالة الحيرة لدى من يتعجبّون بكيفيّة مرور هذا الجمل من ثقوب إبَر المفسِّرين، على أن التتبّع سيفيد، على كل حال، بشهادات جديدة من بعض الآباء تزيد من تثبيت رفض خطا التفسير الدخيل هذا:

 

1- اليهود

2- الرُسُل

3- يوستينوس

4- أيرينيوس

5- اوريجين ومار أفرام السريانيّ

6- آباء مجمع نيقية ولواحقه

7- أغسطينوس والتجسّم

8- الكتابات العربية الباكرة

9- الغربيون المحدثين

10- المستيكيّون والظهورات غير المخلوقة!

11- المُحدَثون في مصر

12- الحال الراهن

 

 

1- عند اليهود

 

يتمسك اليهود منذ البدء بالمبالغة في التنزيه لدرجة أن كتابة اسم "يهويه" يحتاج لطقس تطهير وأما النطق به فقد تم تحريمه فيما بعد لأزمنة طويلة لدرجة أنهم كانوا يستبدلون الكلمة بلفظ "أدوناي"، حتى في الكتاب المقدس نفسه كتبه الأنبياء هكذا في غير موضع، ثم كانوا يختصرون أسماء الناس الذي يدخل اسم "يهويه" كمقطع فيها، فيجعلون "ياهوشوع" يشوع اختصاراً..ً

وجرياً على هذه النزعة التنزيهيّة المفرطة فإن اليهود اعتبروا الظهورات لملائكة عينوهم أحياناً بالاسم كافتراض تفسيريّ، ففي ظهور تكوين 18 اعتبر التلمود ان الثلاثة الرجال هم ميخائيل وغبريال ورافائيل..

ومن إفراط اليهود في التنزيه أنهم في "الترجوم"، والذي هو بمثابة ترجمة تفسيرية للتوراة والأنبياء، كانوا يحشرون كلمة "ممرا" وتعني "الكلمة" قبل كلمة "يهويه" في الفقرات التي تتناول التعامل المباشر بين الرب وبين الإنسان، فيصير "يهويه" "ممرا يهويه" أو كلمة الرب!

فيقولون: "قالت كلمة يهويه ..."، والمثير أنه حتى في أفعال الرؤيا لا الكلام كانوا ينسبونها لكلمة يهويه فيكتبون: "ظهرت كلمة يهويه ..."، وقد احصيتُ حوالي 350 موضعاً لهذا الاستعمال في الترجوم البابليّة..

(ولهذا دراسة مثيرة أعرضها كاملة منفردة في موضعها، ولكني هنا ألخص هذه النتيجة المثيرة أن اليهود دون قصد كانوا يمهدون لفكرة تجسد الكلمة لأنهم إذ هم يحاولون دفع "يهويه" خطوة للوراء بعيداً عن التعامل المباشر مع الإنسان فإنهم جعلوا "كلمة يهويه" مساوِ لـ "يهويه" نفسه! كما أعلنوا فهمهم لعمله في ذات الوقت أنه هو الوسيط بين الرب وبين الإنسان!!

بل وحتى في دعوة الابن الموعود به في "إش9: 6" (الذي هو يقيناً المسيح) فقد استكثر بعضهم دعوته باسم "إلهاً قديراً" (رغم إمكانيتهم لتفسير كلمة إله لغوياً ورغم تكرار الشواهد في تسمية البشر آلهة بمعاني خصوصية) ولكنهم لاقتران التسمية هذه المرة بابن مولود واضح أنه إنسان، فقد عمدوا في النسخة السبعينية إلى حذف مقطع "إلهاً قديراً" والاكتفاء بتسميته "ملاك المشورة"، وهو ما ظهر فيما بعد في استعمال أثناسيوس وغيره من الآباء لوصف ظهورات الملاك كما سأعرض بعض تفصيله الحافل بمفاجأة في الفصل المختص بحال البدعة في زمن آباء مجمع نيقية.. وبالمناسبة فحال السبعينية في تقديري أنها نسخة ذات أصل عبريّ هو بمثابة نسخة ترجوميّة تفسيريّة كحال الترجوم ذاته، وفي مجموعة "مازورا" تفصيل تحرّي حالها وإثباته..

ولذاك فعندما قال يوحنا "في البدء كان الكلمة" لم يكن يتكلم في الواقع من مدخل يوناني صرف بحسب الشائع في التفسير ولكنه كان متأثراً أصلاً بالفكر العبرانيّ التلمودي الظاهر في الترجوم!!!

وقبله تكلم لوقا بهذه اللغة فوصف التلاميذ بأنهم كانوا خداماً و"معاينين" للكلمة!!!!

وغير بعيد عن ضبط ذات التأرجح لدى اليهود، أن كاتب رسالة العبرانيّن بدأ رسالته الاخطر ثيولوجيّاً بالتمييز بين المسيح والملائكة المعتادين، وبذلك يصير هو الأقرب للتلامس مع موضوعنا عن ظهورات الملائكة في العهد القديم dir=LTR style='font-size:16.0pt;line-height:115%'>

فاليهود حين يفسرون الملائكة الظاهرة تفسيراً بألفاظ تتشابه مع تسمية شخص المسيح فهم لا يفيدون قصد أصحاب البدعة أن الملاك هو أقنوم الابن (الواحد مع الآب) متجسماً، بل يقتربون من قصد الأريوسيين من أن المسيح ليس إلهاً، وعلى هذا فا عجب حين يصل تتبّع خط سير البدعة فنجددها كانت حاضرة بقوة لدى هراطقته

 

ولكن ما مدى وعي اليهود بمفهوم "الكلمة"؟ كان مفهوماً معنويّاً غير تجسيميّ إطلاقاً، ولذلك كانت الظهورات المرئية أو الملموسة يحيلونها لشخوص ملائكة، ولاسيما لمن أسموه "ملاك حضرة الرب" (إش63: 9) مثلاً..

كان إذاً موقف اليهود من هذه الظهورات قبل المسيح مماثلاً للفهم المسيحيّ الصحيح: فهم لم يخلطوا بين الملاك وبين الرب، ولا بين الملاك وبين كلمة الرب، ولكنهم جعلوا كلمة الرب شرحاً يضمن لهم عدم مظنّة أن الرب ظهر بلاهوته، كما تركوا ملاك الرب ليكون هو الشخص الظاهر حاملاً لرسالة كلمة الرب.. فالظهورات في فهمهم كانت إعلانية وليست شخصيّة، فهي إعلان عن عمل كلمة الآب وعن رسائله وليست عن شخصه، وأما شخص الظاهر فهو الملاك (أي الرسول)..

 

وعدم استيعاب عناصر هذا الفهم بدقة يمكن ان يكون مدخلاً لتولد الخطأ هكذا:

فقد يظن من يسهل عليه الخلط (مثل الشهيد يوستينوس كما سيظهر فيما بعد) أنه:

 

طالما الكلمة هو الـله (بالمعنى المسيحيّ الأقنوميّ)، ثم طالما الكلمة هو الذي كان يعبر عن تعامل يهويه مع الناس، فربما كانت ظهورات الملائكة هي بدورها "كلمة يهويه"، فإذاً يتسلل لفهم الخالط أن الكلمة الأزليّ هو الظاهر أقنومياً، بينما لم يفد الترجوم، فضلاً عن النصّ الكتابيّ، بتسمية الملاك بالكلمة..

ونفس هذا المنطق يلزم صاحبه أن يفهم بالأولى أن الذي ظهر هو أقنوم الأب! لأن المعول عليه هو النص الكتابيّ لا الترجوم، والنصّ الكتابيّ يحدث أنه ينسب فعل رؤية الملاك إلى رئية "يهويه"، ولما كان "يهويه" مستبدلاً في الترجوم بـ"ممرا يهويه"، (كلمة الرب)، فإن من يسير خلف الترجوم يلتزم بأن "يهويه" هو تعبير مباشر عن الآب، وبالتالي يلتزم عند نزظره للنص الكتابيّ بأن الذي ظهر هو الآب..

قصة الخطأ كما هو واضح هي عدم فهم لاستعمالات اللغة العبريّة..

الظهور للرب الإله لا يُعني ظهور الشخص بطبيعته ذاتها، ولكن ظهور أثره أو عمله، أو رسوله، أو رسوله برسالته.. هذه بديهية لغوية وكثر استعمالها في الشرح العبريّ، ولكنها فاتت المجتهدين الغيورين دون معرفة!

وربما يحاول البعض اقتناص كلمات من أبحاث اليهود في تفسير الرؤى على أنها "غير مخلوقة" (التعبير مستيكيّ يونانيّ ورد مثلاً نسبته لليهود في أحد أبحاث رومانيدس [ii]) ولكن هيهات.. فاليهود كانوا يبحثون طبائع تلك العناصر، ولكن لا يوجد نص يهوديّ واحد يقول أن تلك العناصر المرئية أو المسموعة غير مخلوقة! وحديثهم مثلاً عن نار العليقة هكذا:

عنصر لا يحتاج لغيره من المواد في البقاء ولا تتأثر بالبيئة المحيطة، كتعبير رمزيّ عن الحضور الإلهيّ (ولا أوضح)! وحتى بعض التفاسير اليهوديّة المغايرة تجعل النار رمزاً للاضطهاد لتبعدها تماماً عن أي ترميز لشخص الرب الإله!! [iii]

 

بل حتى حين دُعِيَ الرب ملاكاً (لا ملاك ظهور للحواس الجديّة، بل مجرد دعوته ملاكاً كما سبق شرحه في الفصل الأول في شاهد تك48: 16، حتى مع هذه الدعوة حرص اليهود على البحث عن تفسير عزل تسمية الرب ذاته ملاكاً، فحاولوا تأويلها على أن يعقوب يقصد "الرب الذي أرسل ملاكه" أو أنه تعبير مجازيّ عن قوة عمل الرب [iv]..

 

 

2- الرسل

 

وهذا الخطأ في فهم لغة الظهورات كان غريباً تماماً عن لغة الرسل وكتاباتهم وكرازتهم، ولم يظهر قطّ في العهد الجديد.. فإنهم اخذوا من اليهود التعبير الصحيح وأبرزوا تطبيقه على شخص المسيح، فالكلمة ليس فقط كان يرسل رسائله في العهد القديم ولكنه "ظهر بشخصه" في العهد الجديد: "الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده كما لوحيد من الآب""، "الـله ظهر في الجسد"، "الـله بعدما كلم الآباء بالأنبياء بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الاخيرة في ابنه"..

 

هذه كلمات الرسل، والملاحظة القاطعة أنهم لم يتناولوا أي ظهور بوصفه أنه ظهور للابن، ولا استدلوا بأي منها على لاهوت الرب، رغم أنه في أكثر من موضع ذكروا تلك الظهورات، ورغم أنهم تكلموا بوفرة واجبة عن شواهد العهد القديم عن الرب ولاهوته وعمله، ورغم كل ما شرحه المسيح لتلاميذه عن الامور المختصة به في الناموس والأنبياء والمزامير..

بل في بعض المواضع تكلموا عن تلك الظهورات على أنها لملائكة دون الرب، فكيف بتلاميذ الرب الكارزين للأمم بأن الرب قد تجسد لا زالوا يصفون الملاك بأنه ملاك عن كان في وعيهم أنه هو الرب؟

إذاً فإن التفسير الخاطئ عن "التجسم" إياه الذي لم يظهر بتاتاً في العهد الجديد وظهر ما ينقضه في بعض الشواهد

 

بالمناسبة كان الحديث عن عدم ذكر الرب نفسه لأي إشارة لأنه كان هو الظاهر في تلك اظلهورات بشخصه، كان ذلك التنبيه جديراً بإفراد فصل له ولكني اكتفيتُ بتضمينه مع فصل غربة ذلك التعليم عن الرسل باعتبارهم الناقلين مباشرةً عن الرب، وحتى لا أكرِّر..

 

 

3- الشهيد يوستينوس

 

ندخل للظهور الأول لهذا التفسير في المكتوبات التي عُرِفَت في الكنيسة، في محاورة الشهيد يوستينوس مع اليهوديّ تريفو، وهو أبرز كاتب فيما يمثل مرحلة ما يُسمَّى بـ"الثيولوجي الدفاعيّ"  Apologetic Theology ضد غير المؤمنين (يهود ووثنيّين) في التاريخ الكنسيّ الباكر، وقد جادل الشهيد يوستينوس كليهما، فبدأ مجهوده في محاوراته مع اليهودي تريفو وأنهاها شهيداً في مناظرته ضد الوثنيين في روما فدفع حياته الأرضية ثمناً لانتصاره فيها، بل دفعها ثمناً لحياته السماوية لا أشك في مقبوليّته كشهيد لدى الرب.. فيوستينوس حبيبي جداً، ومنذ متى كان النقد دليل عدم حب أو كانت المراجعة علامة فتور محبة؟ ولذلك أعود للنقد بضمير نقيّ من تجاهه، فيوستينوس هذا هو أول من ذكر مثل هذا التفسيرفي فصل 56 من محاورته مع تريفو [v]، والذي فيه جمع يوستينوس التفسير كله حتى درجاته البالغة الجنوح، فقد فسر كلمة "الملاك" بأنها من أسماء الرب من حيث هو رسول الآب، واعتبر أن اشكال التجسّم قد تتنوع وأن النار في العليقة هي إحداها!

 

وقبل أن نفوت مرحلة يوستينوس أسوق للقارئ المتابع عدة ملاحظات تفسّر زيادة الفرصة لتورطه في الخطأ الكبير الدقيق:

- فأولاً كان يوستينوس غريباً عن فهم اللغات الشرقية وأسلوب تعبيرها فيظهر ان ثقافته هيلينيّة ومصدر مطالعته للكتاب المقدس هو الترجمة السبعينيّة وبعض الترجمات اليهوديّة اللاحقة،

-- وثانياً كان يحاور يهودياً غير عارف بأمور التوراة كما يظهر من عدة مواضع في الحوار،

--- وثالثاً كان "دفاعيّاً" في كل كلامه، ومن العيوب المعروفة بداهةً للدفاع أن المدافع ينظر لما يسكت خصمه أحياناً بأكثر مما ينظر لما يتكلم كتابه به،

 

وهذه مناسبة للتنبيه لخطورة العودة للشرح النقيّ بدلاً مما يسمونه بغير وعي حتى "اللاهوت الدفاعيّ"

pure theology and exegeses rather than apologetic ones.

فيخطئون خطئاً مُركَّباُ، أولاً خطأ المنهج الضار، وثانياً خطأ اختيار الاسم الذي يفيد مقصدهم

نعم نحتاج تنبيه الجيل الجديد الفارغ والساعي بغيرة بغير معرفة وفهم إلى طلب العودة للنقاء! ونحتاج لفهم أن كلمة "دفاعيّ" لا تتفق مع الكلمات الكتابيّة التي ينسب "الدفاعيّون" استمدادهم لاسمهم منها!!

وهذه المناسبة في موضوعنا تقدم للباحث مدخلاً جليّاً من زمن باكر جداً لتبيان خطورة ما يُسمَّى بـ"الثيولوجي الدفاعي"، فالمدافع قد يتورط في المناورة (المنطقيّة أعني) والمناورة تلزم صاحبها بالحركة الحلزونية وتصيبه بزيغ البصر وقد تقوده إلى الاصطدام بجزء من معتقده هو دون ان يدري لافتداء جزء آخر وكان يمكنه عرض الجميع كما هو لو تحصن بالشرح النقي، ولهذه القضية موضعها وموضوعها المستقل [vi]..

 

 

4- أيرينيوس (إيرينيئوس) [vii]

 

خطورة أيرينيوس في صدد قضيتنا أنه أغزر من كتب وحُفِظَت كتاباته، ويعود للمئة الثانية أي لزمن مبكر وسابق عن جُل الآباء المعتبرين، فهو من ثم المرجع املكتوب الذي كان يعصب على تابعيه مراجعته أو تجاهل كتاباته..

ونتاج أيرينيوس في العموم هو ضد المبتدعين ولذا فقد كان يواجه فرقاً محدثة ليس للكنسة عهد بمجادلتها فكان طبيعياً أن ينشئ لها ردوداً غير مسبوقة لمواجهة تحديها غير المسبوق

ومن هذا الذي أنشأه ما يساوي في ثمنه اللآلئ ولكن منه أيضاً ما يحتاج لمراجعة ومن ذلك الذي يحتاج لمراجعة تكراره لهذا التفسير الذي بدأه يوستينوس الشهيد، فالتقطه هو وكرره في كتاب الكرازة الرسولية الفقرة 44، معتبراً أيضاً أن الظهور كان لملاكين مع ابن الـله..

وفي الفقرة 45 افترض ان يعقوب رآى الابن في حلم السلم وكرر تاكيده على ظهوره متحسماً لإبراهيم في ذات الفقرة

وفي الفقرة 46 من ذات الكتاب "الكرازة الرسولية" تكلم عن حديث الابن مع موسى عند العليقة..

 

وتعليق أيرينيوس كان يمكن ألا يؤخذ بمعنى الظهور الجسمانيّ في هذه الفقرة باعتبار أن الرسالة هي رسالة الرب وتنسب له على هذا الاعتبار، إلا أن سبق حديثه الواضح عن الظهور الجسمانيّ لا يترك فرصة لهذا الافتراض في قصده للأسف..

 

والآن فرغم أن أيرينيوس كان صارماً في لزوم المرجعية الرسولية في الإيمان (وله كل الحق) إلا أنه تجاوز ذلك في شرح الإيمان وكان له الحق في ذلك لو أحسن التأصيل لكل نقاط دفاعياته ولكن لا نجاملنّ أخطاء من لا نباريه في فضائله كما قيل مرة وبحق..

إننا مع اجتهاد يوستينوس الغيرو بغير معرفة، وتتلمذ آيرينوس على كتاباته المتهوّرة نرى تطور الانحراف الأول المحسوس لدينا وغير المحسوس وقتها لديهم عن المرجعيّة الرسوليّة..

 

 

5- الفكرة الخاطئة غائبة عن بعض الأصول التاريخيّة والامتداد الجغرافيّ

نظرة لدى العلّامة أوريجين ومار أفرام السريانيّ

 

قبل الانتقال لممحطة الرئيسة المحوريّة في تاريخ شروح الإيمان، محطة آباء مجامع المئة الرابعة، يجد النظر بالأساس التاريخيّ لهم (أوريجين) والهامش الجغرافيّ المتصل بهم (مار أفرام السريانيّ) لمعرفة مدى اتّصال هذه الفكرة تاريخيّاً وجغرافيّاً..

 

ويسرّ الناظر أولاً مُلاحَظَة وإثبات خلوّ إنتاج أوريجين من هذا المعنى الخاطئ لظهورات الابن في العهد القديم، ويظهر ذلك من تفسيره لإنجيل يوحنا أن الابن كان حاضراً قبل التجسد ولكن ليس في هيئة منظورة، إذ يثبت أزلية الكلمة بوضوح وسبق وجوده قبل التجسد ولكنه يحتاط فيؤكد أنه يتكلّم عن اتصال روحيّ داخليّ:

before; for they also, led by the Spirit, advanced from the introduction they had in types to the vision of truth. Hence not all the prophets, but many of them, desired to see the things, which the Apostles saw. For if there was a difference among the prophets, those who were perfect and more distinguished of them did not desire to see what the Apostles saw, but actually beheld them, while those who rose less fully than these to the height of the Word were filled with longing for the things which the Apostles knew through Christ. The word “saw”  we have not taken in a physical sense, and the word “heard” we have taken to refer to a spiritual communication; only he who has ears is prepared to hear the words of Jesusa thing which does not happen too frequently. There is the further point, that the saints before the bodily advent of Jesus had an advantage over most believers in their insight into the mysteries of divinity. [viii]

لم يذكر أوريجين، لاسيما في هذا الفصل المعنيّ ظهوراً قطّ رغم أنه دليله وموضع ذكره إن كان، واستعمل كلمات روحيّة محض، وعندما تكلم عن رؤيتهم للابن كان قد سبق ذلك برؤية تعليمه من خلال الروح!

وقرن ذلك حتى بأنه في تجسده فمن سمع الكلام منطوقاً لم يُحسَب سامعاً، فكيف به يفترض أن سمع كلام الظهورات في الآذان هو مقصده برؤيتهم للابن؟ أوريجين لا يفيد كلماه بالجزم الظهورات، ثم أن عدم استمعاله لتلك الفكرة في موضعها ولو حتى عرضاً يفيد بقوة أنها غريبة عنه لا يعرفها.. 

 

وفي مدرسة أُخرى هي السريانية، ومع كاتب معاصر لآباء المئة الرابعة، وعلى علاقة ممتازة وحسنة بهم، يجد الناظر ما يؤكد أن مار أفرام السرياني لم يعتقد قطّ في الظهور الشخصيّ للرب (لا تجسّم ولا بنور غير مخلوق) لأنه فسّر نزول الـله لشعبه في مصر ليخلصهم أنه لم يتحقق سوى في التجسد بانياً منطقه على استحالة نزول الـله في لاهوته غير المحدود ما لم يكن متجسداً، ويكرر عبر مدائحه عن التجسد عن أن الابن "غير المنظور قطّ" قد نُظِر ولُمِس في تجسّده [ix]..

 

 

6- آباء مجمع نيقية ولواحقه

 

لو كان القصد ربح جولة بإخجال أصحاب الفكرة الخاطئة عن ظهورات الرب الحسيّة قبل التجسد، لكفى وزاد مافي بعض كتابات أثناسيوس مما يضحَد ويُبكِم، فهم معها سيكونون بين اختيارين كلاهما مستحيل عليهم: الأول أن يصححوا لمرجعيتهم الآبائيّة الأعظم، والثاني أن يتراجعوا عن رأيهم ومعه يتنازلون عن مرجعية باقي الآباء.. ولكن ليس القصد تسجيل نقاط ولو كان كذلك لما كان تعب كتابة كل هذا الموضوع بتفصيله الدقيق منطقيّاً ويحثيّاً، ولكفى هذه الفقرة التالية: ،

لقد رفض البابا أثناسيوس صريحاً ان يكون الملاك الظاهر هو الرب في أربعة ظهورات للملاك في العهد القديم: الملاك الذي ظهور ليشوع، وملاك العليقة، وملاك منوح، وملاك جدعون!!!
وهذا نصّ الفقرة المفاجئة لكثيرين:

"لأن زكريا رأى ملاكاً (بقصد زكريا النبيّ في زك3) وإشعياء رأى الرب. منوح رأى ملاكاً، وموسى لمح الرب (يقصد لا شك ظهور الرب له خاطفاً حين أخفاه في نقرة الصخرة، ولا يقصد ظهور العليقة كما قد يخطر للبعض، فبعد سطر واحد سينفي أن العليقة كانت ظهوراً شخصيّاً للرب وإنما لملاك ليس هو الرب، فوق استعماله لكلمة "لمحه")، جدعون رأى ملاكاً ولكن لإبراهيم ظهر الرب (الكلام لا يتوافق إلا إن كان يقصد رؤية إبراهيم للرب في "تك17: 1" حيث لا ذِكر لأي رؤية حسيّة لأنه لو قصد إثبات رؤية الرب حسياً وتقديم الأكل له وأكله بالفعل في "تك18: 1، 8" فهكذا يكون متناقضاً بوضوح مع بقية كلامه التالي)، يشير إلى سماع إبراهيم لكلمة الرب عن طريق ظهور الملاك المتجسِّم؛ هكذا يستقيم معنى كلامه وإلا يكون الكلام متناقضاً تناقضاً زاعقاً مع تمييزه اللاحق بعد قليل في الفقرة بين ظهور ملاك العليقة المرئيّ وبين رسالة الرب التي تمثل ظهور الكلمة من حيث سماع رسالته) ... لأن ملاك الرب رُؤي في شعلة نار من العليقة، ونادى الرب موسى من العليقة ... ولكن من خلال الملاك تكلم الرب، فما رُؤيَ كان ملاكاً ولكن الرب تكلَّم فيه" .....ولكن في اي وقت عندما كان يُرَى ملاكٌ كان يُسمَع صوت الـله، كما حدث في العليقة لأن ملاك الرب رُؤِيَ في شعلة النار في العليقة ونادى الرب موسى قائلاً أنا إله آبائك إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، ولكن ليس ملاكاً إله إبراهيم وإنما في ملاك تكلّم الـله. وما ر}ِيَ كان ملاكاً، ولكن الـله تكلّم فيه. لأنه كما كلّم موسى في عمود السحاب في الخيمة هكذا يظهر الـله ويتكلم في ملائكة. كما أيضاً لابن نون تكلّم الـله بملاك. وإنما ما يتكلم به الـله فمن الواضح جداً أنه يتكلم بالكلمة (يقصد الابن) وليس بأي آخر...
إذاً وبكل وضوح يرفض البابا أثناسيوس أن من رُؤِيَ في ظهور الملاك في العليقة ثم ليشوع ثم لمنوح ثم لجدعون ليس اي من أولئك كان الابن في ظهور شخصيّ منظور لشخصه، وإنما الابن هو كلمة الآب الذي به يتكلم في رسائله، وما الجديد في هذا؟ لأن دائماً كلام الآب هو بكلمته الأزليّ، ولكن الظهور قبل التجسّد هو لملاك.. كان هذا رأى البابا أثناسيوس في هذه المرحلة الناضجة من كتابته في مجلده ضد الأريوسيّين.. وفي الهامش الجدير بانتباه الجميع ومواجتهم له بأمانة وشجاعة نص الفقرة المعنيّة كاملاً، مع موضعها في مجلد "آباء نيقية وما بعدها": [x]..

 

 

المفاجأة الأولى لكثيرين مضت، وهوذا مفاجأة ثانية، ولكن لا يُنصَح بالتهوّر في اختطافها، إذ سبق أن ظهرت إشارة في عمل سابق للبابا أثناسيوس، عَرَضَت لظهور العليقة ، ويظهر من قراءتها اختطافاً أنه يعتبر الملاك هو الرب شخصيّاً.. وجدتُ هذه الإشارة بعدما جمعت كل ما أمكنني من تفسير البابا أثناسيوس لتلك الظهورات، فوجدتُها جديرة بالعرض ليكتمل ولا تبقى مواضع تُفجئ القارئ المتابع ولعله يشط إذا وقع في خطأ اختطاف فهمها دون رويّة.. كتب البابا اثناسيوس في دفاعه "عن المجمع": "... :ولفهمهم من كان الابن والصورة فإن الأنبياء القديسين يقولون: كلمة الرب صارت إليّ، ومتعرِّفين على الآب الذي كان مُستَعلَناً فيه (أي في الابن) فإنهم جرئوا أن يقولوا: الـله الذي لآبائنا ظهر لي إله إبراهيم وإسحق ويعقوب"، وهذا الهامش [xi] به عرض لجزء كبير من الفقرة مع موضعها المرجعيّ، ومنه يظهر الآتي:
لم يقل إن الظهور المرئيّ هو للابن ولكنه يشير للكلمة المتكلم "في الملاك" (كما صرّح لفظاً في الفقرة السابقة على هذه) لا في ظهور شخصيّ لذاته، أنه هو المُسمَّى الرب هنا ومنها يستدل على مساواته بالآب - صحيح أن هذا الاستدلال ليس قاطع الدلالة منطقيّاً، ولكن الشاهد هنا أن كلام البابا أثناسيوس لا يقول إن الظهور هو شخصيّ للابن..
-- وبهذا الشرح وبه فقط تتفق الفقرتان معاً ومع غيرهما من فقرات متعددة استشهد فيها البابا أثناسيوس ببعض شواهد مشاهد بعض الظهورات..
--- وإلى هذا يذهب محرر مجلد "آباء نيقية وما بعدها" كما سبقت الإشارة في المرجع المصاحب المرقوم بعلامة cf في الهامش x..
---- فمن يستثقل بساطة الشرح هنا من شخصي المتواضع أو من محرر المجلد، ويتشبّث بجملة قصيرة في فقرة تناقش موضوعاً متسعاً خارج دائرة بحث طبيعة الظهورات، فله أن ينتبه إلى أنّ: 1) الفقرة الطويلة الواضحة القاطعة التي أفادت بأن البابا أثناسيوس يرى أن الشخص الظاهر هو ملاك لا الرب، وأن الرب كان يتكلم في الملاك لا في ظهور شخصيّ لذاته، 2) وأن الفقرة الدالّة على مخالفة البابا أثناسيوس لفكرة تلك البدعة قد أتت لاحقة بسنوات وفي عمل أشمل وأكمل هو "ضد الأريوسيين"، 3) ومعروضة بتفصيل بما يقطع بأن هذا هو الرأي النهائيّ المُعتَبَر للبابا أثناسيوس؛ هذا مع التجاوز بقبول افتراض أنه لم يكن رأيه أولاً..

وكتلخيص استقراء هذه الفقرات الأثناسيّة التي فاتت كثيرين وهرب منها البعض، وفي جدول بسيط من سطرين، فإن الظهور المتجسِّم هو العامل المشترك لكل الظهورات التي أفاد بأنها لملاك لا الرب-- الملاك الظاهر في العليقة،ولجدعون، ولمنوح، بينما الظهور الرؤيويّ اللطيف أو بوحي هو العامل المشترك لكل ما اعتبره يشير للرب لا لشخص ملاك-- مع كلمة الرب في العليقة، وزكريا، وإبراهيم..

 

فالشاهد هنا أن فكرة ظهورات شخص الرب في العهد القديم غريبة عنه، ومن يقبل شهادته فليطرح تلك الفكرة ويلتزم بمرجعيّته حتى يتّسق، وأما من يقبل مرجعيّة الكتاب المقدس فوق الجميع، فليقبل منه هذه الفكرة ويكمل أمانة عمله بمراجعة بقيّة التفسير دون قلق..
ثم الآن بعد هذا الفصل الخطير والتوافق الداعي للسرور، استحسن إحالة ما علق به من مُلاحظات فنيّة رفيعة، معتادة معي [xii]، ، وعلى كل حال فإن الآباء ليسوا معصومين وإنما هو إشكال المنهج الدفاعيّ الذي يعصم متابعه الالتزام بالمرجعيّة الكتابيّة التي كانت المرجعيّة الأعلى لدى البابا أثناسيوس نفسه والذي انتهى أمره في هذا الموضوع (وهو ما لم يخالفه أصلاً في بداية أمره في أرجح التقديرات كما ظهر شرحه) بالتفسير الصحيح الموافق للكتاب بتفصيل دقيق، متوافقاً بكل شكر الرب مع المرجعيّة الكتابيّة التي تحكم على الجميع ولا يُحكَم فيها من أحد طالما سبق وامتحن روحها (ايو4: 1) وفحص كل شئ فيها (اتس5: 21) وآمن.. وفي صفحة كاملة واليتُ جمع شواهد ارتفاع المرجعيّة الكتابيّة فوق الجميع يجد فيها القارئ المتابِع ما يشبعه اطمئناناً ويزيل قلقه من أثر أي خطأ لأي إنسان على صحة الإيمان المقدس..
[xiii]

وأخيراُ قبل ختام المرحلة الأثناسيّة فلينتبه من قد يتوه هنا:
فإن مقاربة البابا أثناسيوس لتجليات العهد القديم ومعياره في التمييز بين ما هو للملاك وما هو لشخص الرب كانت من جهة مغايرة لفحص تلك البدعة، فقد كان تركيزه على بدعة أخرى هي بدعة أريوس، ويظهر أنه لم يأخذ بدعة "التجسم" بجدية إن كانت قد وصلت له أصلاً، كانت قضيته التمييز بين "الكلمة" الظاهر في "كلام الرسالة" وليس في "تجسمه" المرئي للعين الجسديّة على أي نحوْ كان، وأيما كانت مقاربته فالشاهد هنا أنه نقض تماماً قول من يقول أن تلك الجسوم كانت تجسمات للابن.. وعلى أي حال من أي احتمال فالثابت أن ادعاء تجسم الرب يتقاطع بالجانب الأكبر من كتلته المبتدعة مع بدعة أريوس وتفاسيرها التي كانت مُقاربَة لبابا أثناسيوس التفسيريّة لتجليّات العهد القديم هي مقاومة تلك البدعة..
الخلاصة خبر محزن لمن يتخذون البابا أثناسيوس مرجعية: مُقَفَّلِة هنا في وجه المدافعين عن تجسّم الابن قبل العهد الجديد، على أيّ نحو كان تفسيرهم له! إذاً صريحاً وضيحاً فإن من يقول بالتجسم (أو حتى بظهور الرب في هيئة سرائريّة) محكوم عليه من البابا اثناسيوس بالأريوسية ومحكوم عليه من شخصي المتواضع بـ"الزنقة" التي تحرمه من حق الاستشهاد بالبابا أثناسيوس كمرجعية فيما بعد.. ومحكوم عليه من أي عاقل جيد الاخلاق بالتزامه بالإقرار بتطاوله على موضوع يجهل فيه حتى كلام مرجعيته التي ارتضاها لنفسه بغير علم وبغير فهم لا لها ولا للمرجعية الحقيقية التي هي المكتوب الذي لا يمكن أن يُنقَض.


إلى هنا تمت بالكفاية والرضا حلة البابا اثناسيوس بنتيجة تدعو لمزيد السرور لمحبي نقاء شرح التعليم الإنجيليّ، وهي مناسبة على ما بها من سرور فإنه لا يجدر فيها تجاوز ما تستدعيه، على الوجه السلبيّ الآخر، من الأسئلة التوبيخيّة الواجبة:

& لماذا تجاهل المفسرون فصول أثناسيوس هذه؟ هل لأنهم لا يلتزمون بصحّة كل تفاسيره، كحال ذوي المرجعيّة الكتابيّة فوق الجميع مثل شخصي المتواضع ممن لا يمانعون من حيث المبدأ في المُراجَعَة للجميع؟ ليس العهد بهم إلا التبعيّة العمياء للآباء، فما بالهم يتجاهلونه هنا؟ جهلاً (على الأرجح) أم ستراً على تناقض مرجعياتهم؟ على كل حال، فالآن وقد اطلعوا عليى ما تفيد به مرجعيتهم، بالوصول لهذا السطر في القراءة – لمن يتابع فيهم - ستكون الإجابة الوحيدة أنهم يتجاهلون ستراً على فساد تعليمهم بعدم مواجهة أنفسهم بما في مرجعيتهم، داعين ألا يقرأ أحد او إن قرأ لا يفهم أو ينسى..

& ثم هل يتجاسرون، إذا ألزِموا بمواجهة كلام البابا أثناسيوس، على اتهامه بما يتهمون به من يعارض تفاسيرهم التي ابتلعوها من حيث لا يعلمون تاريخها، على الأقل فيما يخصّ الفقرة القاطعة النافية لكون ملاك العليقة ومنوح وجدعون هم الابن؟! هل يظهرون أمانتهم تجاه معتقدهم؟ باللغة البلديّة: هل لديهم ضمير صالح أم أن ضمائرهم غير صالحة؟

إذاً نهاية القصد في هذا الفصل الذي يربك حسابات كثيرين من هواة الأسماء دون المعاني، أن البابا اثناسيوس استقرّ مُنتَهَى تفسيره على ما يوافق دعوى هذا المقال، وهو مدعاة لبالغ سروري،،،

ولكن،،،،،

 

بكل أسف داخلت الفكرة كتابات الآباء المكرَّمين من تلاميذه في المئة الرابعة، الذين غفلوا عن مناقضة هذه البدعة لصُلب شرح البابا أثناسيوس فاتبّعوا الرائج من البدعة، وواصلوا الخلط بين تسمية الرب ملاكاً في موضع بعينه لا ظهور جسميّاً فيه، وبين اعتبار أي ملاك ظهور هو شخص الرب..

وقبل فحص محتوى منطق الآباء يلزم الانتباه إلى:

- أن المادة وردت في سياق الرد على حجج المبتدعين أريوس ويونوميوس، فمن ابتدأ الاستشهاد بان الملاك هو الابن كانوا المبتدعين! وتفصح عناوين مراجع الفقرات التالية أنها "دفاعية" فهي كلها ضد يونوميوس:

Gregory of Nyssa, Against Eunomius, book 11, 3.

Basilios, Against Eunomius, book ii, 18.

-- أن سبق افتراض ان الملاك هو الابن كان بكل أسف قد سُجِّل في كتابات أيرينيوس الأسقف الكاتب المعروف فكان احتجاج المبتدعين بمرجعية "آبائية" في زمن خطير تحصر الآباء بلا شك في البحث عن تفسير لقول الآباء وليس تصحيحه، إذ كان رد شهادة ىيرينيوس تهدد بفقدان مصداقيّة الرد لدى الكثيرين، وبكل وضوح إن كان هذا عذراً تخفيفيّاً لكنه ليس عذراً على سبيل الإطلاق، وإنما كانت الكنيسة تدفع ضريبة الانحراف الباكر بغير وعي عن المرجعيّة الرسوليّة، وتسدد ضريبة الغيرة بغير معرفة التي انتفع بها المبتدعون!

--- ولا أقول أن الآباء كانوا مضطرين بغير اقتناع، إذ هم انفسهم كانوا أبناء جيلهم، وقبلوا في قناعاتهم، بغير تصحيح، ما سبق تسرّبه من الجيل السابق بخيره وشرّه..

 

والآن فقد ظهر، ما يدعو للأسف، في كتابات باسيليوس في الرد على يونوميوس فكرة اعتبار أن "الابن" هو الظاهر في العليقة، مخالفاً صريح كلام أثناسيوس! وذلك قبل أن يواصل تفنيده الحسن لاحتجاجات يونوميوس ضد أزلية الابن، ولاسيما ساق تفنيداً منطقيّاً دقيقاً ومفحماً في التفريق بين الأفعال التي تحدث في الزمن بالتعاقب وبين أفعال ما قبل الزمن [xiv] ..

 

ومثله لدى غريغوريوس أسقف نيسا، الذي كتب هكذا مفسراً مشهد ملاك العليقة: "ونحن أيضاً نقول بوضوح أن النبيّ لكي يجعل سر المسيح ظاهرا دعا الكائن بذاته ملاكاً ..."، ويستمرّ بعدها في تمييز الآب عن الابن ببراعة ودقة، ويتّخذ من لزوم التمييز حجة تُوجِب إعطاء الابن لقباً يميّزه بالضرورة حيث أن "أنا هو" أو "الكائن بذاته"  تعمّ على الآب والابن جميعاً [xv].. هذا حسن وكان يفيد مزيداً من الإثبات لو كان الملاك هو الابن وهو غير صحيح أصلاً، فهي براعة وُضِعَت في غير مكانها للأسف! كنت أتوقّع قبل بدء النظر أن أقوال هذين الأسقفين كانت لتنحصر في لغة البابا أثناسيوس فيكون لهما ما له وعليهما ما عليه وإن زاد عليهما خطأ فما كان ليتجاوز ترك تعبيراتهما بغير جملة ضابطة تحسم أمر قصديهما في هذه القضيّة الدقيقة، ولكن بهكذا عبارة بحسب الظاهر من الاستشهاد من فقرة غريغوريوس النيصيّ فإنه لا فرصة لأي افتراض يميل للمعنى الصحيح..

 

ما الذي قاد غريغوريوس أسقف نيسا لذلك الخطأ؟ نفس مبدأ الإشكال الأشهر-- أي الانحصار في النهج "الدفاعيّ"أكثر من اللازم، إذ كان يرد على حجة يونوميوس التي من الواضح أنها تنسج على منوال خطأ الشهيد يوستينوس، إذ ينطلق يوستينوس من اعتبار ان الملاك هو نفسه الابن، فينحرف يونوميوس من هنا انحرافاً شنيعاً فوق سابق انحراف يوستينوس البرئ، فيفرِّق بين الملاك والرب الإله معتبراً تسميته "يهوه" هو لكونه "يهوه" (بمعنى الرب) نسبةً لمن هم دون شخص الآب، ولكنه يبقى دون الآب من حيث تسمّى صراحةً ملاكاً..وتبقى نقطة يونوميوس أنه ملاك وليس الرب، ويبقى الرد عليه مبتلعاً رأس الخطأ ومجتهداً من ثَمَّ في قطع الاستدلال الواصل بين خطأ يوستينوس وخط من استدلوا به من المبتدعين هرطقة المئة الرابعة.. [xvi]..

 

فكان خط سيره قد بدأ من ابتلاعه لمعطيات يونوميوس الموروثة من أيرينيوس عن الشهيد يوستينوس، فبدأ بالموافقة عليها صريحاً، ثم اعتنى بتفنيد استنتاج يونوميوس من ذات المعطيات بطريقة إيجاد سبباً مغايراً لتسمية الرب ملاكاً في هذا الموضع ليسحب من تحت يونوميوس حجته الفاشلة أصلاً.. وأقول: لو كان الملاك هو الرب بشخصه للاقَ تفسير غريغوريوس، ولكن ليس صحيحاً أنه هو الرب أصلاً، وإنما كان يعلن رسالة الرب، ولو اكتفى غريغوريوس بهذه الحجة بكل بساطة لكفى الجدال حسماً، وهي حجة على بساطتها تستغني بما هو محشود لها من الأدلّة الكتابيّة في الفصل الأول من هذا المقال المتواضع.. ولكن الانسياق خلف معطيات تفسير خاطئ انتفع به المبتدعون قاده للوقوف ضد كل هذا الحشد من أدلّة الكتاب على امتياز العهد الجديد بظهور وحديث الكلمة مباشرةً بشخصه..

 

وماذا يُقال في ختام هذا الفصل؟ يقول المثل الشعبيّ "غلطة الماهر بألف"، ولدينا كثيرون من كبار المَهَرَة، ومن ماهر إلى ماهر في ظروف عصيبة من الجدل، تناثر الخطأ وعمّ ألوفاً.. ولكن ليبق الإنجيل صادقاً.. 

 

 

7- أغسطين والتجسُّم

 

لم يظهر لدى كتابات أساقفة المجامع الكبار أي فحص لماهيّة مادة الظهور في ظهورات شخص الملاك، أو الرموز (كنار العليقة)،  سواء، في ذلك، من أحسنوا وصف الملاك بأنه ليس الرب (أثناسيوس)، أو من ظنوه الرب (باسيليوس وغريغوريوس أسقف نيسا كأبرز الأمثلة)، وفقط تكلموا عن ماهيذة الشخص أو الرمز دون طرح سؤال طبيعة مادة ظهوره..

 

ولكن في الناحية الغربيّة كان الاسقف أغسطين من هواة هذا النوع من الأسئلة، حتى أنه ذات مرّة تحسَّر على فواته رؤية آبا يوحنا التبايسيّ ليسأله إن كان من يظهر لمن يطلبونه لصنع آيات يحتاجونها، يكون روحه هو نفسه أم أن من يظهر باسمه هو ملاك يرسله الرب بدلاً منه.. [xvii]..

فلا غرابة أنه المصدر الأول لنظريّة "التجسّم" [xviii] التي شاعت وسيطرت على شرح الواقعين في خطأ التفسير المفترضين أن شخص الملاك هو الرب..

 

فكرة التجسّم، كما سبق شرحه#، غير منطقيّة لأنها تسبِّب تضاربات غير قليلة مع فَرادَة عمل التجسّد الإلهيّ في العهد الجديد، ولو قُبِلَت الفكرة هكذا لقُبِل بالاولى أن شكل الظهور هو لملاك عاديّ فهو أولى في التعبير عن حضور الرب من جسم عابر سيفنى بعد ظهوره!

 

 

8- الكتابات العربية المسيحيّة الباكرة

 

وقد بدأت تنضج من المئة العاشرة، ولما كان أبرز الذين كتبوا بالعربيّة في الكنيسة القبطيّة هو أنبا ساويرس أسقف الأشمونين، فسآخذه كمثال للكشف عن الحالة في هذا الوقت.. وفي تقديري كما يظهر من كتاباته فهو لم يكن مطلعاً تمام الاطلاع على الأصول اليونانيّة للآباء التي لم يُترجَم منها ولم يُنظَر فيها بالقدر الكبير بالنسبة لحجمها، ولكنّه كان أفضل المطلعين على آثارها في جيله، كما أنه كان على اطلاع كبير نسبيّاً بالطرق الجدليّة المكتوبة بالعربيّة لاسيما خارج مصر ضد العرب المعادين للإيمان المسيحيّ، وكان يمزج بين الرافدين المتوفرين لعلمه الواسع نسبيّاً في زمنه بتصرّف بديع ومتقن وإن بالغ في التعسّف في دلالة بعض المفردات، كما لم يخلُ من أخطاء تفسيريّة سابقة عليه وبقيت لاحقة بعده كالخلط بين إخفاء سر الصليب وبين التجسد، وفيما يخصّ فكرة "ظهورات الابن"، موضوع الحديث، فإن مزيجه غير التام الاطلاع على إنتاج الآباء قبله جعل الفكرة غائمة بدورها بدرجةٍ ما لديه، فلم تكن مفاجأة ظهورها بغير وضوح قاطع لديه، وهذا بيان ذلك:

 

في فقرة تقترب أكثر الاقتراب بين كتاباته إلى فكرة ظهورات الابن، فقد كتب هذه الفقرة معلِّقاً على ظهور "الرابع الشبيه بابن الآلهة" مع الفتية الثلاثة:

"وكما قال بختنصر لجنده اننى أنظر أربعة يمشون فى الاتون محلولين ، شبه الرابع شبه ابن الـله . سماه أولا ملاكا ،ليوضح أنه لا ينزل الى الجحيم حتى يتأنس ويتجسد ويتضع ، لأن الملاك اسم انقص من اسم الاله . وبعد ذلك حقق أنه ابن الـله ، وأنه تجسد واتضع بإرادته" [xix]..

 

إن الظهور لديه لم يُفحَص شخص من ظهر كجسم مرئيّ، ولكنّه كان يعامله معاملة الرؤيا ولم يقطع بجملة تفيد الظهور الشخصيّ الملموس، ولكنه شرح أن تسميته ملاكاً جاءت من باب الإفادة بتجسده باعتبار لقب "ملاك" انقص من اسم "الإله"، وهذا تعسف واضح لأن الإنسان أنقص أيضاً من الملائكة (مز ) وهكذا قيل إن "يسوع أُنقِص قيلاً عن الملائكة (عب )، فواضح ان الشرح المعروف والأقرب للغة الذي يفيد بتسمية المسيح ملاكاً باعتبار الملاك معناه رسول وأن المسيح قد أُرسِل من الآب، هذا الشرح كان غائباً عن ذهنه!.. كما أن اعتبار "الظهور المتجسِّم" لديه كان غائباً أيضاً حتى انه اعتبر الإشارة للتجسد ليست في التجسّم ولا حتى في الظهور، ولكن في تسميته "ملاكاً"!!

إن لغته حتى في تصوير المشهد عائماً بين الرؤيا وبين التجسم يظهر أنها بذات طريقة البحث عن أدلّة رمزيّة تشبيهيّة على حقائق الإيمان المسيحيّ، ولا ضير من ذلك ولا يبعد عن الحقيقة إلا في مبالغته في اعتبار دلالات بعض المفردات..

ولكن على كل حال فقد اعتبر الملاك رؤيا لشخص الابن..

 

على أن ثم هناك ملاحظة مثيرة أسبق: فإنه في المقالات الأولى الأكثر اعتباراً ثيولوجيّاً في مجلده الشعير، وعندما اقترب كثيراً من رؤية إبراهيم للملائكة لاسيما في المقال الاول عن الثالوث والثالث عن التجسد والفداء، كان ينحو منحى التفسير الرمزيّ المعنويّ (وليس الماديّ الملموس بالحواس) في البحث عن مثال للتجسد، فكان التفسير الخاطئ غائباً حين لزم ظهوره بالأكثر! لعل في هذه المرحلة كان النقل دقيقاً من مصادر بعينها، ولم تكن فكرة "لوجوس انجيلوس" قد توسّعت كما صار شأنها على يد المُحدَثين بعده!

 

إذاً أنبا ساويرس لا يؤيِّد بقوة فكرة التجسم الإلهيّ في العهد القديم:

+ فالظهورات الأقرب للمادية يتجاوزها في مواضعها ويستدلّ على قصده بالرموز والتشبيهات المعنويّة بغير التعرّض لمشاهد الظهورات ذاتها، فيُستنتَج من شرحه لتلك المواضع باطمئنان غياب فكرة "تجسم الابن" عنه كوصف لتلك الظهورات،

++ وأما الظهور في آتون الفتية الذي سماه صريحاً "ابن الـله" فقد ظهر أنه يميل لفهمه كـ"ظهور رؤيا" لا ظهوراً ماديّاًّ متجسِّماً، حتى أن رمز التجسد الذي ظنّه فيه أتى من حيث تسميته ملاكاً لا من حيث ظهوره، فهو يميل للنظر إليه كشبه النظر في رؤيا دانيال للقديم الأيام، وإن لم يحسم ذلك بلغة قاطعة..

 

ولكنه لا يقف بوضوح على مشكلة الخلط بين تسمية الرب ملاكاً في موضع بعينه وبين افتراض أن الظهورات المتجسمة هي للرب.. كان الخلط غائماً لديه..

 

 

9- الغربيون الكلاسيكيّون

 

هنا أتوقف باستغراب حقيقيّ!

لقد تعودت من الغربيين الكلاسيكيّين البحث يميناً وشمالاً واستقراء أي موضوع استقراءً شاملاً في الكتاب وفحص بعض النقاط بتفصيل حتى السماجة

وأكثر ما في خطا التفسيرات الغربية البروتستانتية تنتج من افتراضات خاطئة سابقة أو فساد استدلال وليس من إهمال نصّ لاسيما لو كان مكتوباً من القانون،

ولكن في هذه القضية الخطيرة فقد حصل فعلاً التغافل عن مفاد كل نصوص العهد الجديد الواردة في أعلى الموضوع فكان المفسرون الغربيون هم المصدر الأكبر في ترويج تفسير التجسم هذا..

وصار من المعتاد بكل أسف أن يكتب المفسر منهم أن يهوة ظهر لموسى في صورة ملاك الرب وأن الذين ظهروا لإبراهيم هم الابن وملاكان، بل وآل المنهج إلى المبالغة عند "لايتفوت" فاعتبر ان الثلاثة هم الثالوث (هكذا) وأن الآب بقى مع إبراهيم يحاوره وأرسل الابن والروح القدس لسدوم!!!

إن سقوط الغربيين الكلاسيكيّين في فكرة "تجسم الابن في العهد القديم" هو دليل قويّ على مدى جثومه ورسوخه في عقل الجميع عبر التاريخ والجغرافيا بكل أسف.. وحتى الجيدون المدققون فيهم مثل كلارك فقد تحول تدقيقه لمثال على التأرجح في تصنيف الظهورات (كما سبق تبيان حال التأرجح العام في الفصل الأول)..

 

ولكن من أين أتى المفسرون الكاسيكيّون الكثيرون مثل "جل" وغيره ممكن كتبوا هذا التفسير بهذه الثقة المتساهلة التي كتبوا بها؟ لاسيما وهم ليسوا من أتباع كتابات الآباء؟

لقد سبقهم التعليم "الكاثوليكيّ" الرسمي إليه، ويمكن ان نجد للآن في تعليم الجيزويت في تعليقهم على ملاك العليقة وملاك إبراهيم عبارات مثل "ليس ملاكاً مخلوقاً بل الرب بالشكل الذي يظهر به للبشر"، وصار هذا التعليم الدخيل الفاسد مشهوراً حتى لم يصِر موضعاً للخلاف الطائفيّ، وقبله البروتستانت عن "الكاثوليك"!

 

 

10- المستيكيّون والظهورات غير المخلوقة!

 

مُقابِل تفسير "التجسّم" لمادة ظهورات الملاك المظنون خطئاً أنه شخص الرب، تمادى بعض "المستيكيّين" من المتعصِّبين الذين تجاوزوا خطأ الكبادوكيّين في مجرد سوء التفسير للشواهد، وسوء التأثر، غير الموافق للمكتوب وللمعقول، ببعض مبادئ أفلاطون، فزادوا وأفاضوا في تكويم منظومة أفكار وهمية تجمّعت وتكومّت شاملة بعض تعابير الكبادوكيّين في شرح الثالوث حتى وصل أمرها أخيراً رسميّاً في الكنيسة الشرقيّة باعتماد "الهيزيخيين" ودفاع غريغوريوس بالاماس عنهم، بعد تأرجح دام لنحو خمسين سنة بين حرمان وحرمان مضاد، فكانت تلك كارثة فادحة تعدت حدود تفسير ظهورات الملاك، التي مثّلت في منظومتهم مجرد مشاهد يتخيلون لها تفاسير يدعمون بها وزن منظومتهم الوهمية..
ومع كون أغسطين وخرافته هم أعدى أعدائهم نظريّاً فإنهم شاركوه عمليّاً في مبدأ الخطأ التفسيريّ، وزادوا عليه في فداحة الخطأ كما سيظهر، وإن التقيا، أو بالأحرى اصطدما، من طريقين متعارضين من حيث لا صحيح هنا ولا هناك..
أما مدخل أولئك"المستيكيّين"، الذي بدأ بخطأ تفسيريّ للكبادوكيّين كما سبق العرض، فكان بحثهم عن شواهد يمكن من خلالها تصوير الرؤى على أنها "نور غير مخلوق" (يقصدون "طاقات إلهية" من ذات طبيعة الرب الإله) وأقرب ما يمكنهم الاستعانة به هو أي ظهور يتصل بالرب، فكان تجلّي جبل طابور هو شاهدهم الرئيس ألصقوا به من عندياتهم كل تعابيرهم المصطنعة (بالمناسبة رابط لفهرس تأملات تفسيريّة غير مسبوقة لما تجلّى في التجلّي)، ومعه نار العليقة، وهكذات دخلت ظهورات ملاك وملائكة ما قبل العهد الجديد في شمول دائرة منظومتهم التهاويميّة.. فعندهم من ثَمَّ يكون ملاك الظهورات هو شخص الرب وما صاحبه من مادة ظهور (نار العليّقة مثلاً) هي "نور غير مخلوق" من "طاقات من ذات طبيعة الرب".. يتعجّب من يقرأ هذا للمرة الأولى ذلك لأن مندوبي أولئك في الدائرة القبطيّة غير أمناء في عرض كل معتقدهم ويخفون ما يخفون وسبق أثبات بعض ذلك والبقية تأتي....
القصد.... إذاً وجدوا في ظهورات ملاك ما قبل العهد الجديد مادة يحتاجون لأن يضموها في منظومتهم المصطنعة باعتبارها "أنواراً غير مخلوقة"، حتى، من ناحية، يوجدوا تأصيلاً كتابيّاً لما توهذموه واصطنعوا له نظريّة، ومن ناحية أخرى لا تقف ظهورات الملاك بمثابة شاهد ضد على نحوٍ ما في نظريتهم إن كانت غير مخلوقة، فهكذا كان استكمال نظرية "النور غير المخلوق" بترسيخ أخطاء الكبادوكيين في اعتبار الملاك هو الرب، ليُكمِل الهيزخيون الخطأ بافتراضهم أن الظهورات نور "سرائريّ" غير مخلوق..

 

وقبل استعراض نصوص محددة معاصرة لإثبات تمسك ذلك المذهب حتى الآن بخطأ تفسير شخص ملاك الظهورات واعتبارهم إياه هو شخص الرب ظاهراً "بنور غير مخلوق" يجدر الاستطراد بفقرة مختصرة بقدر الإمكان في ضبط وربط وإثبات وَهْم فكرتهم وخيبة تعابيرهم من حيث قمة ما وصلت دفاعاتهم عنها في أعمال بالاماس المسهبة جداً في دفاعه عن الهيزيخيين وأنوارهم "غير المخلوقة"، وإلصاقه مع سابقيه ولاحقيه لتعابيرهم المخترعة بمشاهد كتابيّة، طلباً لإيجاد أي أصل كتابيّ لحال الخرف الذي هم فيه..

البيانات في الفقرة المكثفة التالية من المشهور في الجدليّة الهيزيخيّة، وكثرتها سيُزحِم الهوامش بفوتنوتس غير ذات جدارة بمزاحمة الهوامش الرئيسة، فوجدت من الأوفق إجمالها كلها في مرجع واحد، واخترت كتاب بحثيّ متقن به فصول شاملة للموضوع، عدتُ لإثباته في إضافة لاحقة لإراحة الهوامش من الإفراط:
Dr Anita Strezova, Hesychasm and Art: The Appearance of New Iconographic Trends in Byzantine and Slavic Lands in the 14th and 15th Centuries, ANU. 2014.
Now the storm dollows o o o

إذاً سأختصر عناصر خيبة تلك المنظومة في عبارات قاطعة وأجمع أكثر من نقطة في كل نقطة لاختصار العدّاد، مقاوماً بقدر الإمكان إغراء الاسترسال في ضحد تلك السماجة:
واحد- لماذا لم يصف الكتاب المقدس أي من هذه التجليات أنها غير مخلوقة وكان هذا واجباً إن كانت؟ إن كل ما سبق من نقاط تُظهِر قطعاً أن افتراض الظهورات هي لشخص الرب هو في غربة بل منافاة تامة مع العهد الجديد، كل هذه النقاط القاطعة تزيد علي"الهيزيخيين" من فداحة خطئهم فوق خطأ تفسير خصمهم أغسطين بقدر ما أن "النور غير المخلوق" تبعهم هو أخطر من مجرد "قناع تجسّمات".. إثنان- ليس فقط لم يذكر الكتاب تلك الأهزولة السمجة عن "النور غير المخلوق" الظاهر للهيزيخيين كعلامة بلوغهم التألّه، بل إنما ذكر الكتاب ما ينافي هكذا هزل، والشواهد تترى وسأحاول جمع كل شواهد "الرؤية" الرئيسة ليظهر منها كيف أن محورها اللازم والكافي والضروريّ هو التجسّد.. فالإنجيليّ يوحنّا يقول "الـله لم يره أحد قط" (يو1: 18) في سياق واضح أنه يتكلم عن الآب غير المتجسد ويعود في الرسالة فيقول: "الـله الذي لم ينظره أحد قطّ ... الـله الذي لم يبصره" (ايو4: 12، 20)، وبالمناسبة ماذا تعمل كلمة "قطّ" هنا وما دلالة تكرار الرسول للمعنى مرتين متتاليتين بعدما سبق وأفاد به في إنجيله؟ لعله قصد إظهار تمام الموافقة مع الرسول بولس القائل تكراراً: "ملك الدهور الذي لا يُرَى ... الساكن في النور الذي لا يُدنَى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر ان يراه" (اتي1: 17، 6: 16)، وبالمناسبة مرة جديدة فإن "النور الذي لا يُدنَى منه" هو النور غير المخلوق وليس ما يراه أولئك إن كانوا يرون!! بل وحتى عندما تكلّم الرسول بولس مرة جديدة عن عدم رؤية الـله حين كان يتكلّم عن مقاصده من التجسّد بإفساح الصورة لرؤية الناس عن طريق ابنه المتجسد فإنه قال عن الابن "الذي هو صورة الـله غير المنظور" (كو1: 15) والصورة هنا آيكون أي صورة ظاهرة من حيث طبيعة الرب الإنسانيّة واكثر من هذا فهي ذات كلمة الصورة الواصفة لآدم الأول.. كل هذه الشواهد المؤكدة بالتكرار وبالألفاظ القاطعة للتأكيد أن التجسّد هو وسيلة رؤية مجد الـله في وجه يسوع المسيح (2كو4: 6) كلها فاتها أن تقول "وبالمرة يرى المؤمنون الهيزيخييون في طريق تألّههم نور غير مخلوق من الطاقات غير المخلوقة"؟ عيب بجد.. (ومن النافل إدراج شواهد العهد القديم هنا مثل "خر33: 20" و"تث4: 12").. إذاً لا تسعفهم إزاء هذه الشواهد حيلة التفريق بين الطاقات والجوهر (وهي حيلة لغويّة وشرحيّة طيبة وبديهية في مبدئها وليس في استعمالهم لها الذي سيأتي دور تشريحه في نقطة لاحقة).. على ان كل ما فات من شواهد وله من البرهنة القوية كله كوم والشاهد التالي كوم مبارك لوحده لخطورة دلالته!! إنه من الشواهد التي ليس فقط تنفي تلك الأهزولة بل تجعلها غريبة تمام الغربة عن الإيمان المسيحيّ لا يعذر أصحابها في غربتهم إلا ضعف أذهانهم وأمراض حواسهم الروحيّة، وهكذا يتكلم الشاهد الخطير: ففي "2كو3: 18" يقول إننا ننظر إلى مجد الرب بوجه مكشوف فنتغيّر إلى تلك الصورة عينها فهل في ظهورات "النور غير المخلوق" ذاك ما هو أعظم من مجد الرب الذي نراه بوجه مكشوف؟ ولكن التحول في الطبيعة أمر لا يقول به ولا حتى أولئك أنفسهم بل اخترعوا له تعابير التمييز بين الطاقات والجواهر إلخ، فإذاً لا يقدرون على القول إن تغير الإنسان بالنظر لمجد الرب يكون تغيراً في الجوهر، ويزيد تأكيد عدم رؤية اللاهوت بالنظر الجسديّ أن الشاهد يتكلّم عن حالنا الآن في عبادة العهد الجديد مقارنةً بعبادة الناموس، فيزيد المعنى دلالة، أن الرؤية لا تكون بحواس الجسد لأن ذات بولس الرسول تكلّم عن النور الذي لا يدنَى منه ولا فرصة إذاً أنه قصد تغيير رأيه والحديث عن صوة مرئية بالجسد.. وزيادة براهين تفسيريّة أن الشاهد يتكلم عن "الصورة" (آيكون) وهي الصورة الظاهرة المخلوقة يقيناً منذ كان آدم هو صورة (آيكون) الـله ومنذ جمع الرب وصفه أنه "آيكون" باعتبار تجسده مع وصفه أنه "مورفي" باعتبار لاهوته، ولا يمكن المجادلة في كون صورة الرب في تجسده مخلوقة إلا من خارج عن الإيمان أو الوعي به تماماً ودونهم على كل حال هذا الشاهد "1كو15: 28" الذي يصف الابن في مجده (وليتذكر المتابع كيف أن شاهدنا "2كو3: 18" يتكلم عن رؤية الرب في مجده) وإذ هو في المجد فإن الرسول يكمل ويكشف صريحاً أنه يخضع للآب الذي أخضع له الكل وهذا لا يمكن تفسيره إلا بالنظر لتجسد الرب الذي هو اتحاد الخالق بالمخلوق، فإذاً على كل وجه بالشاهد الواحد وبترابط الشواهد وبذات قاعدتهم باستحالة تحول جوهر الإنسان يكون النظر لمجد الرب والتغير لتلك الصورة عينها هو الانتقال من طبيعة مخلوقة بعيدة عن الرب لطبيعة مخلوقة لها نفس صورة مجد الرب الظاهر بعد تألمه واكماله عمل تجسده وإخراجه الحق إلى النصرة.. فإذاً الرؤيا لمجد الرب هي لصورة مخلوقة متصلة بالطبيعة الخالقة لتعبر عنها بقدر استيعاب عيون الإنسان المخلوقة بدورها.. ولا أسهل وخلاف هذا يكون ولا أصعب من إيجاد مكان له في الكتاب المقدس.. هل يظن واحد بعد هذا أن ما قاله يوحنا الرسول "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1يو3: 2) يفيد رؤية الطبيعة الإلهيّة بالجسد؟ لقد رآه وأرانا بولس الرسول أننا نراه ولكن ليس بالجسد في غير شاهد، والتطابق الثيولوجيّ بين يوحنا الذي ختم خدمته في آسيا الصغرى حيث استقر بولس، والأوقع هو تكافؤ شاهد يوحنا مع قول بولس عن التحوّل في الصورة عبر رؤية الرب، وإن كان يوحنا أحضر من النهاية وتكلّم عن صورتنا بعد فداء أجسادنا في الأبديّة، ومع ذلك فهو يتكلّم عن صورة الرب "المتجسّد" والذي ينكر ذلك هو وفقط من ينكر ديمومة تجسد الرب، فإذاً تكلّم يوحنا عن ذات الرؤية الروحيذة التي تكلّم عنها بولس، ولا عجب من التوافق ولا فرصة لتفسير كلام يوحنا الذي أكّد بدوره أن "الـله" لم يره أحد قطّ، فمن أين يجوز تفسير الشاهد خارج هذه الحدود الراسخة من الجميع؟.. إن الواحد تكّلم وبكل قوة وثقة وقت لم يتكلم أحد عن رؤية مجد الرب وعن مشاهد من الأبديّة، و بنعمة ربنا للواحد من التأملات غير المسبوقة في هذا، ولكن حتى في أعظم مشاهد الأبديّة فماذا يرى من هناك وهو يجلس على العرس بجوار الرب (المتجسد للأبد لا ينسينّ أحدُ)؟ إنه يرى الرب ويرى انعكاس صورته في البحر شبه الزجاج الذي من السماء الجديدة (لا شك أنها مخلوقة لملاءمة الخليقة الجديدة للإنسان، وإلا ما كانت أصلاً تتسمّى "جديدة"، ولكان الرائي قد وصفها بخلاف ذلك) وماذا يرى الواحد أيضاً؟ يرى نور الـله ولكن كيف؟ عبر سراج الحمل (رؤ21: 23) ، ومرة جديدة فلا جديد لأنه مكتوب إن مجد الـله في وجه يسوع المسيح الذي حل فيه كل ملء اللاهوت جسديّاً (كو2: 9، 1: 19) ولكن في كل مرة مع ما سبق من شواهد الرؤيا يظهر عدم اكتفائهم بعمل التجسّد القائم على عدم فهمهم له.. ولا عجب بعد هذا أنهم يطلبون ظهوراً للمسيح قبل التجسد وهم يطلبون ظهوراً للاهوته خارج التجسد .. وعودة للقصد من المقال: إذاً ليس فقط أن الكتاب لم يذكر ذلك الخرف ولكن ذكر ما لا يفسح له موضعاً والموضوع كبير ولم يعتنوا في طلعتهم الخائبة، وإن نجحت دعائيّاً وسياسيّاً، لم يعتنوا بالنظر حولهم في المكتوب قبل أن يختطفوا منه ما اختطفوا.. ثلاثة- وبعد صريح الكتاب في صمته وكلامه فإن صُلب الإيمان نفسه يهزأ بتلك السماجة "الهيزيخية" وفهمهم لعلامات "التألّه" إذ كيف تكون ظهورات ينالها الإنسان عبر تمارين صلوات وأصوام (حسب تعليمهم) كيف تكون "غير مخلوقة" بينما جسد الرب نفسه مخلوق؟ وملحق بثلاثة حتى لا يزيد العدد والمجال ضيق- تجسد الرب ذاته كان "حجاباً" (عب10: 20) ليكون الاتصال الأعظم بين الـله والبشر عبر تجسد ابنه الذي كان رمزه حجاب الهيكل ومن ثم تسمّى هو نفسه "حجاباً" (عب1: 1) فلا أقرب للإنسان من الطبيعة الإلهيّة أكثر من تجسد الرب، فكيف يطلبون ما هو أبعد من هذا؟ إن خرافتهم تجعل التجسّد غير كافٍ حاشاه.. ومع هذه النقطة شواهد الإنجيل أن الابن هو من خبّر عن الآب إذ هو من رأى الآب وحده ومن يريد هو أن يُعلن له ولكن كيف يكون هذا؟ يكون أنّه يُظهِر له ذاته فيصير أن من رأى الابن فقد رأى الآب (مت11: 27، لو، يو1: 18، 14: 8، 14: 21) فإذاً من خلال تجسذد الابن تكون رؤية الآب وأما "من خلاله" هذه فهي تشير لعمل تجسّده الذي هو اتحاد لاهوته غير المنظور بطبية انسانية منظورة، وإلا فما هو كل ما سبق من شواهد ومعانٍ؟ وما هو فضل نعمة تجسّد الرب أصلاً؟ أربعة- التزود في طلب رؤية غير المخلوق لا يقدم شيئاً أصلاً حتى مع فرض صحته، وفكرة منطقية بسيطة ظاهرة في الكتاب المقدس تعرض اتصال المخلوق بالخالق عبر الطبيعة المخلوقة لا يملكون المجادلة معها: عندما صار صوت الآب من السماء شاهداً للابن حال تجسده، في مشهد آخ غير مشهد التجلّي الذي يختطفونه بطريقة ليكرروا أن المتألهين يرون النور غير املخلوق الذي هو عينه ما رآه بطرس ويعقوب ويوجحنا، فليكن جدلاً ولكن هناك مع النور كان صوت ونفس الصوت أتى في مناسبة أخى غير التجلي (يو12: 28) وسمعه الجميع.. سمعه من؟ الجميع! فهم من فهم ولم يفهم من لم يفهم ممن سمعوا ليس موضوعنا ولكن الشاهد أن الجميع سمعوا.. وهنا المأزق لاولئك المتألهين خارج القانون: هل هو أيضاً صوت غير مخلوق مثلما ينبغي عليهم الافتراض؟ وكيف يكون غير مخلوق وهو صوت مسموع في الآذان وليس رؤيا تخص أبراراً تدربوا على السكون والصلاة بطريقة منهجية كحال معتقدهم الموهوم؟ فإن كان صوت استعمله الرب لإيصال رسالته فما المشكلة أن تكون التجليات هي أنوار استعملها الخالق ليُرسِل رسالة للأعين المخلوقة بنور مخلوق يعبر عن قصد غير المخلوق مثلما هو كل اتصال ظاهر بين المخلوق والخالق؟ أليست الأعين الناظرة والآذان السامعة أو حتى الأذهان الحالمة مخلوقة؟ فما العجب أن صورة ما يعرض لها هو من ذات طبيعة وظيفتها المخلوقة؟ وهل ينفي هذا أن الرسالة الظاهرة المخلوقة هي من صنيعة الخالق غير المخلوق؟ لا ينفي.. هل يلزم لتكريم رسالة من الخالق غير المخلوق أن تكون رسالته غير مخلوقة؟ لا يلزم فوق أنه لا يثبت فوق أن العكس هو الثابت.. صحيح طريقة الظهور معجزة ولكن هل المعجزة يلزمها أن تكون بظاهرة غير مخلوقة؟ لا غرابة إذاً مع أولئك حين اعتبر بعضهم معجزة الخمس الخبزات اعتبروها جسد الرب!! وبمناسبة " جسد الرب في الإفخارستيا فلم يمنع تعقّل الواحد من إثبات أن اللاهوت يُؤكَل في الإفخارستيا.. نعم هكذا ردّ الواحد بمعونة ربنا في وقتها وشرح بما لم يُحسنوا هم أنفسهم قوله.. ولكن فاتهم أن اللاهوت في الإفخارستيا يؤكّل من حيث اتحاده بالجسد وأنه أصلاً اتحد به ليُتيج للإنسان أكله وأنه بغير التجسّد ما كانت فرصة لهذا، ولكن لم يكفهم هذا فكانوا في تفسيرهم للظهورات يعلنون دون دراية استخفافهم بالإفخارستيا إذ يطلبون رؤية غير المخلوق عبر الحواس المخلوقة.. وقبل ذلك بسنوات بنعمة ربنا قدم الواحد تفسيراً غير مسبوق مسكونيّاً لقول النبيّ إشعياء على لسان الآب المتكلِّم عن المسيح متجسداً: "مجدي لا أعطيه لآخر" وفي التفسير رد مسبق نقيّ (قدمته تلقاءً في محاضرة على بالتوك لأول مرة سنة 2003 قبل أزمة "التأله" الأخيرة بسنوات لأعاود تقديمه بعدها وبوضوح على غير منبر قبطيّ) يصحح مسبقاً سوء استعمال الشاهد النبويّ هذا من قِبَل خصوم "المتألهين الجدد" بما لم يفكّر فيه أبرعهم قطّ، ولكن في المقابل، ولأن تفصيل كلمة الحق هو دائماً، ومن أجل الحق، باستقامة، فيظهر في التفسير مرة ثانية نفس المعنى بدقة أي التمييز بين الاتصال باللاهوت وانعكاس مجده على المؤمن عبر تجسد الابن وهو من عين الإيمان، وبين معاينة اللاهوت بالجسد وهو من سخف القول.. وقبل الكل يجمع التفسير الصحيح لتسمية العذراء "والدة الإله" كل ما سبق، فلم يقل أرثوذكسي بحق الكلمة لاشرقاً ولا غرباً أن العذراء ولدت طبيعة إلهيّة ولكنها والدة الإله من حيث ولادتها بحسب الجسد لشخص المسيح الإله المتجسد، وهنا تجتمع عناصر كل المعنى الذي تاهوا فيه: الميلاد البتوليّ معجزة تفوق قدرة البشر، واتحاد لاهوت الرب بناسوته معجزة تفوق إدراك البشر، ولكنه في كل هذا ما ظهر منه وسمعناه ورأيناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة هو جسده المتحد بلاهوته، وبغير هكذا تجسد مجيد ما كان لنا أن نسمعه أو نراه أو نلمسه ولبقينا نتعامل مع كلمة الحياة عبر أنواع وطرق كثيرة من وسطاء غير شخص الرب.. فإن كان الميلاد ذاته لم يرد فيه أي حديثصريح او ضمنيّ عن "رؤية النور غير المخلوق" ذاك فلا يمكنأن يُقال هذا بعدها قطّ إلا من مبتدع غريب عن بساطة واستقامة الإنجيل.. خمسة- لا مصدريّة ولا إلزاميّة.. فرضاً أن ظهورات التجلي والعليقة هي نور غير مخلوق مثل النور الذي كان يظهر لرهبان آثوس، فمن أين أتتهم معلومية هذا؟ هل تكلم النور وقال إنه غير مخلوق أم تلقوا هم وحياً؟ فإن كان لم يأتِ وحي ولا تكلّم النور فما الضير في ترك هكذا افتراض لمُخيِّلة أصحابه دون تصعيده ليكون من صُلب المعتقد كما فعلوا ويفعلون الآن؟ إذاً الفكرة لا مصدريّة لها ولا إلزامية بها، هذا مع التنازل جدليّاً عن كل براهين الخطأ كتابياً وإيمانيّاً ومنطقيّاً وصحيّاً أيضاً، نعم هناك إشكاليّة "صحيّة" أليس كل تلك المعمعة التفسيريّة والشروحيّة تمحورت حول الدفاع عن رؤية البعض لأنوار ادعوا أنها غير مخلوقة!؟ ستة- وعودة لبعض المنطق التفسيريّ.... من القواعد الرئيسة في تلك المنظومة التعيسة تمييزهم بين "الطاقات" و"الجواهر".. وهو تعبير مأخوذ من سابق كتابات الكبادوكيين في مجهودهم في شرح الثالوث.. وليس في التمييز نفسه إشكال بل هو بديهيّ لدرجة ظاهرة ويمكن لأي إنسان غير متعلم أن يقول به عندما مثلاً يتكلم مؤمن بالخالق أنه رأى الـله وهو يقصد أنه رأى أعماله لا جوهر شخصه.. كما أنني لا اتهمهم بتعدد الآلهة مثلما اتهمهم بعض خصومهم من حيث استعمالهم لهذا التعبير.. على أن إشكال استعمالهم له هو في توظيفه خارج دائرته: صحيح الطاقات غير الجوهر مشكورون على التائهة، ولكن ألا ينتبهون أن الإشكال ليس في التمييز بين الجوهر والطاقة وإنما في كون المنظور هو "غير مخلوق"؟ فليكن طاقة غير مخلوقة فتبقى التهمة بالبدعة قائمة! ألا ينتبهون منطقيّاً أن الجوهر لا يُرَى بحكم تعريفه حتى ا كان جوهراً لجماد وإنما يُرَى منه أعراض وطاقات فما جدوى هكذا تمييز خارج دائرة السؤال أصلاً في قضية اباتداع رؤية "غير المخلوق من إنسان مخلوق؟ ثم بأي برهان أصلاً يعتبرون أن الطاقات الإلهية تتصوّر في رؤى منظورة بذات طبيعتها غير المخلوقة وتكون تلك هي برهان بلوغ العابد لمرحلة التألّه؟ وكل ذلك إطاحات مبد~ية بتلك الحيلة الفاشلة والآن ندخل في الشواهد اكلتابيّة: فبأي ضمير يستريحون لصمت الكتاب عن رؤية "الطاقات غير المخلوقة" تلك حين تكلم بحسم متكرِّر عن عدم رؤية الـله في طبيعته الإلهية؟ ألم يكن واجباً أنه يستدرك فلا يصمت عن التمييز بين عدم رؤية جوهر الـله (كلمة جوهر لم ترد قطّ بالكتاب بالمناسبة) وبين إمكانية بل حدوث رؤية طاقات الرب غير المخلوقة في صورة نور يكون علامة لتألّه قائم على النعمة المكتسبة عبر تمارين الصلوات تبعهم إلخ كلامهم؟ وبمناسبة النور فإن الرسول بولس حين قال إن الـله يسكن في نور لا يُدنَىم نه ولا يقدر أحد أن يراه أليس النور هنا "طاقة" من طاقات الجوهر؟ أم هو جوهر مجرد؟ كونه نوراً يجعله بكل امتياز طاقة، فإذاً الطاقة لا تُرَى حين تكون غير مخلوقةبحسب صريح قول الكتاب الساطع القاطع.. واستطرد قليلاً في التماشي مع عبيرهم لضبطه لهم: الطاقة لا فرصة للتعرف عليها إلا بظهورها وعملها، وعندما تكون الطاقة إلهيّة فهل بعد التجسد وقيامة الرب من عمل أعظم للطاقة الإلهية؟ وكل هذا بغير رؤية ماديّة لغير مخلوق مباشرة.. تماشياً مع تعبيرهم فماذا يمكن أن تكون الطاقة "غير المخلوقة" إلا أمر من الرب الإله بظهور شئ أو فعل شئ، لأنها لا يمكن أن تكون "جزءً" ولا "مادةً".. مشيئة الرب الإله عندما تصدر أمراً بفعلٍ ما فعمل الامر هذا هو ما يمكنهم أن يعرّفوا به تعبيرهم الأثير وإلا فلا يملكون شيئاً.. وهكذا يعمل الرب لإرسال رسائل للبشر على أعلى مستوى اتصال: يُصدِر أمراً لتغييرٍ ما في الطبيعة (ولا أقول يخلق مادة جديدة لأن الخليقة الماديّة اكتملت في اليوم السادس)، يُظهِر الرب من المادة ما يريد للبشر رؤيته والتعامل معه كما في كل المعجزات والرُؤَى.. طاقةُ عمل الرب (استعمل تعبيرهم تلطفاً حتى لا أظلم الوجه الجيد له) تُظهِر شيئاً من أسرار المادة المخلوقة حول الانسان أو فيه هو نفسه فيدرك شيئاً عن الـله معبراً عنه كما كل شئ وإنما افتراض أن "الطاقة غير المخلوقة" رؤيَت كما هي للعين المخلوقة مباشرةً بغير خلق شئ يعبر عنها لحواس الإنسان يضع أصحاب هكذا افتراض في خلاف لا يمكن مصالحته مع كل ما سبق من شواهد؟ويتركهم بغير قدرة على انكار فقدانهم لأيّة مرجعية لكلامهم.. سبعة- ووقبل ختام الفقرة يجدر العودة لموضوع المقال الرئيس هنا: فما هو ردهم على كل ما سبق من إثباتات أن هذه الظهورات ليست لشخص الرب أصلاً؟ هل يظهر الملاك بنور غير مخلوق هو أيضاً؟ سبعة- تلك المنظومة الافتراضية القائمة على كل هذه التضاربات واختطاف أي مشهد وتفسيره من عندياتهم هل هي ملزمة لكل المؤمنين أن يصلوا لها ويتألّهوا بهذا المعنى؟ إن كان نعم فهكذا لزم الجميع أن يصيروا متوحدين هيزيخيين ولم يجسر أحدهم على التفكير بالقول بهذا، وإن كان لا ولا يلزم الجميع فكيف يكون التأله بطريقة إبصار "النور غير المخلوق" قائماً على شواهد كتابية بسيطة عمّت الجميع ولا يخلص من لا يكون له نصيب فيها مثل "2بط1: 4" عن شركة الطبيعة الإلهية؟!؟ ثمانية- نقطة لا أهملها، مع عدم تمام موضوعيّتها، ولكنها تعالج حال من يقيسون الصحيح من الخاطئ بالانتماءات الطائفيّة والمدرسيّة.. فإن أوائل خصوم ذلك الوهم الأوائل كانوا ثيولوجيون "أرثوذكس" كبار في عُرف الكنيسة الشرقيّة وقتها، وبعضهم بطاركة ومطارنة "أرثوذكس"، حتى وصل الحال لأحد البطاركة المسكونيين الأرثوذكس في مرحلة من الجدل لحرمان بالاماس وسجنه.. إذاً لقد سبق لهذه الأفكار المصطنعة توفر خصوم من قلب الكنيسة الشرقيّة استعملوا ضدهم كثير من الحجج ولكن عابَ أولئك الخصوم أن الثيولوجيين منهم كانوا ذوي تحزبات للموروث الفلسفيّ ما جعل النقاش ينحو منحىً تحزبيّاً أعانهم على تعمية ضعاف الذهن وتغطية تفاصيل المنطق الكاشف ببساطة لتلك الأوهام السمجة.. ولم تخلُ ردود فريق تلك الخرافة المُصنَّعَة من تعسّف، لا أستدلّ به على خطأ ولكن على تفنيد افتراض رسوخ هكذا تعليم إيمانيّاً ومنطقيّاً، فإن كتابات أكبر خصومه تم حرقها وأما خصومه الأوائل أنفسهم فهم بين من غادر المدينة العظمى أو تم سجنه في إطار خمسة مجامع متأرجحة من 1341 إلى 1351 حكم أكثرها لبالاماس وحكم أحدها عليه بالحرمان والسجن (سبق تشريح المرجعية المجمعية مع غيرها من المرجعقات الدخيلة، وهذا مشهد هازل مزيد من التاريخ يفيد تهافت هكذا مرجعيّة) حتى دارت الدائرة المتأرجحة عبر تغير الأباطرة والبطاركة المسكونيين وانتهى أمرها برسائل مسكونية (كان البطريرك المسكونيّ وقتها صاحب سلطة سياسيّة وكنسيّة عارمة) لكافة الكراسي لقبول طومس بالاماس وقرارات المجامع الداعمة له وللهبزيخيين أصحاب رؤية "الأنوار غير المخلوقة" فكان أن رفض بعض البطاركة والمطارنة بينما بعضهم قبل، وسواء هؤلاء أم أولئك فإن القبول كان خضوعاً لرسالة ولم يكن بمبادرة منهم كما كان ينبغي مع أمر إيمانيّ، والرفض كان تحدياً لها لرؤية هؤلاء البطاركة والمطارنة الرافضين (الذين هم أرثوذكس بحق في موقفهم هذا) أن هكذا تعليم هو بدعة، ورفض شعب تسالونيكي قبول تعيين بالاماس رئيس أساقفة عليهم في البداية، ولكن كلام الرئاسة المسكونيّة جارَ على صحة التعليم في النهاية رغماً عن شرف الشرفاء وعقل العقلاء..
خلاصة القليل من الكثير مما سبق أن فكرة "المستيكيين" في الظهورات الرؤيويّة في غربة وخصومة مع شواهد الكتاب والمنطق السويّ بلا مصدريّة ولا إلزامية ولا منطقيّة ولا سلامة إيمانيّة ولا مواضع كتابيّة فأقلّ قليلهم أنهم يدخلون بخطأ أخطأ من خطأ أغسطين في تفسير ظهورات ملاك ما قبل العهد الجديد من عهود.. ولميبق ضد هذه النقطة إلا أن يٌقال إن بعضخصوم بالاماس تأثروا بأغسطين والإكوينيّ، ولاسيما بارلاام ذا الأصول والاتصالات اللاتينية، ولكن هذا لا يمس الشاهد الراسخ للنقطة، فماذا عن بطريرك رفض قبول تلك "البدعة" وبطريرك سبقه وقضى على بالاماس بالحرمان، وعن مطارنة وثيولوجيين آخرين استغربوا واستمجّوا تلك "الطلعة" (التي نجحت في فرض نفوذها رسميّاً للأسف).. ثم ثانياً فليس قي هذه النقطة ثمة استشهاد بتفسيرهم هم لأي شئ، وإنما الاستشهاد برفضهم لحال الهيزيخيين ودفاعات بالاماس عنهم، فإن كان لهم خطأ في تفسير فليسكن بدوره في موضع الخطأ المضاد مع أغسطين كما سلف، وإنما الشاهد هنا أنه أيّاً كان مصدر التأثير على خصوم بالاماس وهيزيخيّيه فإن الثابت أن كنيسة لها "مرجعية آبائية" لا شك فيها حرمت بالاماس ورفضت دفاعه عن ابتداعات الهيزيخيين مع بدء رواجها، وحين انتصر هو مجمعيّاً وسياسيّاً فإن أوراق خصومه قد حُرِقَت!! إذاً ولا حتى "المرجعية الآبائية" هنا، على عدم أهليتها أصلاً، تقف بثبات مع تلك البدعة.. الشاهد هنا أن فكرتهم غريبة على المسامع وصادمة لها في بيئة "أرثوذكسيّة" "آبائيّة" متشددة.. فإذاً هي غير معروفة ولا أصيلة ووبالتالي لم تكن محسوبة رئيسة في عناصر الإيمان كما يعتبرونها، ولا يبقى لهم إلا الشجاعة مثلما يفعل النقاد المحترمون الواعون حين يصححون غياب أفكار كبرى عن الأجيال الوسيطة، والهيزيخيون هنا هم في هذا الموقف عينه إذ هم يقدمون من الشرح "للأصل" ما فات مرجعيتهم الآبائية ومن تمرجع بها من الأجيال الوسيطة، ولكن ولا بهذا يفلحون بقدر ما هم غرباء عن الأصل كما سبق الإقبات الكتابيّ والمنطقيّ باختصار.. يبقى القول المعتاد أن كلمة "هيزيخية" ????????? كلمة بدأت نسكيّة الاستعمال طيبة الأصل، حالها كحال كلمة "أبوكاتاستاسيس" الكتابيّة الأصل، تم احتطافها دون وعي من المختطفين ليزيدوا ويبدعوا من البدع ما يخرج بحالهم عن حدود القبول، ويُصيِّر الكلمة شعاراً لبدعة مخبولة وإن قبلها الجميع.. (وليست غريغوريوس السينائيّ كان قد اهدأ والتزم بـ"هدوء" سمعان اللاهوتيّ الجديد ولم يزد توهماً ويتكلم عن أنوار "غير مخلوقة".. ليته اكتفى بالقول إنه رأى انواراً إلهيّة، رأى أم لم يرَ لا فرق عندي، فكل شئ يعبر عن الرب الإله يتّصل به فيتّصف باسمه ببنية إضافة لغويّة بلا شطط، فلتتسمى أنوار إعجازيّة أنها إلهية ولكن لماذا "غير مخلوقة"؟، ولكن كان ما كان ما بقي للآن ينوِّم ضحاياه مغناطيسيّاً كما لا بخفى على المتابعين للحال الراهن، فتظهر منهم شراسة في الدفاع عن أوهامهم ليفضحوا افي مفارقة مخزية حال "هدوئهم" الذي بدئوا به كل نظريتهم المخبولة تلك).. تسعة- في الخير ويكفي من مراجعة جذور تلك الفكرة حتى تُتاح الفرصة للإيراد نصوص قاطعة تثبت عليهم ما قبلوه من خطأ التفسير في نقطة البحث (أي ظهورات ملاك ما قبل العهد الجديد) بتركيز..

وسآخذ لهذا القصد من ورقة لـ"رومانيدس"، أحد البارزين في التشدد لبالاماس من المعاصرين المعتبرين لديهم، مثالاً لعرض الفكرة وضبط أخطاء الاستشهادات من أجلها..

 

يبدأ رومانيدس باستنكار تفسير أغسطينوس أن أنبياء العهد القديم (وبالمرة رسل العهد الجديد) لم يروا شيئاً يٌعبِّر عن الرب غير مخلوق إلا بواسطة شيئ مخلوق يحضره الرب للوجود سواء كان صوتاً أو منظراً، ويختص رومانيدس هجومه على هذه الفكرة بوصول أغسطينوس إلى حد اعتبار أن تجليّات كتجلّي نار العليقة هكذا أيضاً مخلوقة، ثم يدّعي رومانيدس في المقابل أن ومعه آباء المجامع بل حتى اليهود القدماء، أقرّوا بأنها "غير مخلوقة" [xx]..

ويختصّ في ثنايا سطوره أسقف الأسكندريّة [xxi]، ، يقصد البابا أثناسيوس، بسبقه الآباء في هذا الشرح المزعوم..

 

ولكن:

+ اثناسيوس قال بغير ذلك، بل قال بعكسه صريحاً، قال عن صوت الرب في مشهد العُليّقة: "في الملاك تكلّم الرب" [xxii]، مستشهداً بالشاهد في موضع إيراده لمرّات يكون معلوماً فيها ان الملاك لا يختلط بالرب، وسبق تفصيل أكثر من ذلك ما يثبت براءة البابا أثناسيوس من هكذا مُعتَقَد، في فقرة سابقة.. ورومانيدس نفسه يقف عند استشهاد واضح يفرِّق فيه أثناسيوس بين الملاك والرب في دائرة اشتراكهما في اسم "ملاك" فقط، وليس في ظهور محسوس لحواس الجسد، وعلى كل حال فاستشهاد رومانيدس ظاهر الفشل لدرجة انعكاس الدليل ضد ما يريد الاستدلال عليه، ولعلّه قد خلط بين حديث البابا أثناسيوس عن الظهورات الرؤيويّه التي تقترب من الفكر المستيكيّ بأكثر من غيرها، وعلى كل حال فثابت أن البدعة بدعة وأن الاستشهاد عكسيّ وليس على الواحد الإطناب لأبعد من ذلك في تقصّي أسباب اختلاط الشاهد على الرجل [xxiii]..

++ وعن بقيّة الآباء لم يقدم رومانيدس استشهاداً يفيد بوصفهم للظهورات أنها غير مخلوقة.. وإن كانوا اعتبروا الملاك الظاهر هو شخص الرب، وأبرز شواهده من باسيليوس تفيد فحَسَب بقبول باسيليوس لكون الملاك هو شخص الرب، ولكن لا يتعرّض باسيليوس لطبيعة النار ولا قال إنها غير مخلوقة، ولا حتى رومانيدس قدَّم كيفيّة استنتجه لكي يُراجَع عليه،

+++ وقبل ذلك يضع في العنوان ادّعاء أن المجامع تكلّمت بدعم فكرة أن مادة الظهورات غير مخلوقة، ولم يورِد نصّاً مجمعيّاً بذلك،

++++ وكذلك عن اليهود، لم يقدم استشهاداً، بينما ما يتوفَّر من الاتجاه العام الشرس لدى اليهود أن شخص الرب الإله لا يظهر أصلاً، ويتمادون حتى حين يُسمَّى الرب أولا الإله (إلوهيم او يهويه) بحقّ ملاكاً فيستكثرون هذه التسمية عليه، وأما رموز ظهورات مجد الرب فتدخل لديهم في مباحث شكيناه وليس بها "شئ محسوس لحواس الإنسان وليس مخلوقاً"، وفإن كان الظاهر في عرفهم ملاكاً أو رمزاً، فكيف ينسبون له أن ظهوره غير مخلوق؟ (التفصيل في فصل "الظهورات عند اليهود")

+++++ ثم بالمنطق: إن ظهور العهد الجديد العظيم في الجسد كان ظهوراً للخالق باتحاده بالمخلوق، فبالأولى لو كان الظاهر في العهد القديم هو الرب (وهو ليس- ولكن تماشياً مع خطأ رومانيدس) لكان ظهوره من خلال شئ ماديّ مخلوق وإلا كيف سيُرَى طبع اللاهوت للعين الإنسانيّة وكيف سيُسمَع صوته للأذن؟

 

ويزيد رومانيدس في هجومه على أغسطينوس فيقول إن هذه لا ترقى حتى لاعتبارها هرطقات (يقصد بِدَع) لفرط سذاجتها،  [xxiv] ويعود تعليقاً على حوار مسكونيّ ليتعجّب إن كان من اجتمعوا متأثرين بأغسطينوس مباشرةً أم أنهم لا يدرون أنهم هكذا، معيداً القول إن "بارلاام" تأثر بأغسطينوس على خلاف ما أقرته المجامع المسكونية بشأن طبيعة "ملاك المشورة"،  [xxv] ولكن الأكادة الموثقة أن رومانيدس لم يأت بأي شاهد من المجامع المسكونية وتغافل أو غفل ما سبق إظهاره من مخالفة أثناسيوس لتلك الفكرة وهو عم المسكونيين كلهم ورجل مجمع نيقية الأشهر، ولا حتى من الآباء الذين وإن توافقوا مع بدعة الشهيد بوستينوس فإنهم لو يتورطوا في شطحة رؤية غير المخلوق تلك.. وما أكثر توكيداً من الكل أن رومانيدس ولا أي ممن يناصرون هكذا بدعة قد واجهوا الكتاب المقدس وشواهده بالوجه الذي اتبعوه من تلك البدعة وما زيد عليها من شطحهم حتى ادعاء "رؤية نور غير مخلوق"!! ومن النافل تكرار أن القضية هنا لا يعنيها شخص بارلاام ولا تحري حقيقة تأثره بأغسطين ولا موقف المسكونيين ولا شئ إلا رصد وضبط آخر ما توصل إليه من تورطوا فبي تلك البدعة بكل وجوهها الغريبة عن حق التجسد الإلهيّ في ملء الزمان مرةً وإلى الأبد. 

++++++ رغم أن فكرة التجسم فكرة غير منطقيّة لإثبات أن الظهور الشخصيّ هو لشخص الابن، فإن الفكرة المتهوِّرة البديلة من شاطحي "المستيكيّين" أن الظهورات من مادة غير مخلوقة فهو خرف بلا شك لأن هكذا مادة إن لم تكن من ذات الطبيعة الإلهيّة فتكون شريكة للاهوت في الازليّة، حاشا، وتكون إعادة للفكر الافلاطونيّ في ازليّة المادة، فلا يعود لرومانيدس الحق في إعابة أغسطين بأنه يتبع الفكر الافلاطونيّ عن المثل العليا السابقة لأنه هو نفسه يقبل ناسباً للآباء فكرة أزلية مادة غريبة عن اللاهوت، أما عن قبل ان مادة الظهور هي ذاتها من طبع اللاهوت فقد جعله منظوراً مخالفاً لصريح الكتاب المقدس..

 

الخلاصة أن الفرق الذي ينعيه رومانيدس على فكر أغسطين أنه يضيف فكرة التجسم على الظهورات بينما ينسب للآباء اليونانيّين معتقدهم أن الظهورات هي ذاتها غير مخلوقة، ويبالغ فينسب ذلك لليهود، رغم أنه لم يثبت ذلك، ولا كانت هذه القضيّة موضع فحص لديهم، وكانت قضيّتهم مجاوبة المبتدعين في ماهيّة الملاك الظاهر ومساواته للآب باعتبارهم قد قبلوا ابتداءً، وهذا خطؤهم لا شك، أنه شخص الابن!

وما يثيره المستيكيّون لا يخلو من نقمة على اللاتينيّين، ولو صحّ افتراض أن الرب قد ظهر في العهد القديم لكان شرح "التجسّم" مقبولاً وكتابيّاً وليس الشطط بالقول بالظهورات غير المخلوقة تلك.. ولكن لم يصحّ ذلك أصلاً، وهي اخطاء تُبنَى على أخطاء وتختلف مع أخطاء أُخرى فتزيد الاخطاء أخطاءً بأخطاء تفنيد بعضُها البعضَ..

 

وتبقى فكرة ظهورات الرب شخصيّاً قبل التجسّد، أيّاً كانت محاولة تفسيرها، سواء فُسِّرَت بمادة مخلوقة أم مادة غير مخلوقة، تبقى أنها تنتهي لنهاية أسيفة بعد محاولات ساذجة لتسويغها..

 

 

11- المُحدَثون في مصر

 

مرت على كنيستنا القبطية فترة مظلمة دفعت فيها ثمناً عظيماً للحفاظ على الوديعة الغالية ونجحت.. ولكن من المؤسف أنها لا تزال تدفع الثمن دون احتياج لذلك وبعد أن عبرت ظروف تلك الظلمة

المهم ودون إطالة في هذه النقطة التي تحتاج لمناقشة مستقلة فإن كتب الكاثوليك والأروام والبروتستانتت كانت الذاد التفسيري لرجال الكنيسة القبطية

بعد حذف كل ما يخص المخالفات الإيمانية الواضحة كعصمة البابا وانبثاق الروح القدس من الابن ورفض الاستحالة وما إلى ذلك من الأمور الواضحة

كانت القاعدة الساذجة فيما يبدو وقتها عند الاكثرين من الكتاب القطب أن حذف تلك الفقرات من كتب أولئك يترك الباقي سليماً معافى من الخطأ

ومن هنا تسرب بين ما تسرب تفسيراً كهذا التفسير عن الملاك الإله والتجسم

 

وحتى الخلاف الذي نشأ في إحدى جزئيات هذا التفسير فإنه في ذاته كان إثباتاً لمدى تغلغله

وكان حول إذا كان الرجال الثلاثة الذين ظهروا لإبراهيم هم ملاكان أم الثالوث؟

وليتذكر القارئ المتابع أن ذات الخلاف وجد سابقاً بين لايتفوت وغيره من المفسرين البروتستانت والكاثوليك في زمنه

وظل التفسير الأول (أن الثلاثة هم الثالوث) هو السائد المعروف عندنا حتى بدأ التفسير الثاني (الابن مع ملاكين) قبل بضعة عقود فقط من الآن يزاحمه ويزيحه..

 

 

12- الحال الراهن

 

وبعد ان صار هذا التفسير بقوة الإيمان المُسلَّم من الرسل في كنيستنا القبطية فإن رأسين يساهمان في الترويج له وتحليق السذج حوله وتجنيدهم للدفاع عنه كمن يدافع عن إيمانه وأبديّته، (لا أقصد شخصين بل منهجين ولغتين وشبه تجمّعين):

- فواحد يكرر تعبير سجعي مغري فيقول "الـله تجلى في الشجر والحجر فلماذا لا يتجلى في البشر؟"

- والثاني يكرر الفكرة نقلاً خالصاً خالياً من الإبداع إلا الاستظراف من حين لآخر لـ"يثبته" كأنه "يثبت عقيدة"

ومعهما عدة قرون تنطح بذات الفكرة تلقاءً وعن طيب خاطر وبغير وعي (لا أقصد أشخاصاً بعينهم أيضاً ولكن طرق لإعادة إنتاج الفكرة بأساليب مذوَّقة)..

 

والآن فإذا كان المدخل الخادع لهذا التفسير هو ما سبق شرحه وتتبّعه، وادلّة بطلانه وغربته ومضادته لتعليم العهد الجديد هي هذه التي سبق إيرادها بوفرة، فما سبب التشبث به، أعنى لدى من برئوا من محبة الجدل لإثبات الذات ومن العجز عن مراجعة النفس والاعتراف بالخطأ، لماذا يتشبث به السُلماء من ذينك النقصين؟

السبب هو احتياج "السوق" لأدلة، ولشرح، ولما تتوه العقول عن الأدلة الصحيحة والشروحات الغنية تملأ الأسواق البضاعة الفاسدة..

صحيح أنه من المغري للمدافع أن يجد شرحاً أو "دليلاً" يسكت به خصمه،

وصحيح أنه من المغري للواعظ أن يثير عواطف المؤمن بالحديث عن ظهورات المسيح،

ولكن الموضوع ليس موضوع براعة مناظرات، ولا إغراء سهولة إقناع، ولا إسالة عواطف..

الموضوع موضوع إيمان أنقى وأغلى لن يقف من يعلَمونه ويعلمون بمن آمنوا ساكتين أمام تشويهه

 

ومن أراد شيئاً من تحريك عواطف المؤمنين أو إبكام المعاندين أو إفهام الطالبين، فعليه بالفهم النقيّ الكتابيّ المباشر فهو أضمن وأنجح وأقوى: فكلمة المكتوب ناجحة فيما أُرسِلت لاجله، ولا يضلّ من يعرف الكتب وقوّة الـله..

 

 

ذكريات شخصيّة، وختام J

 

أعود لفترة مطالعتي الشغوفة للكتاب المقدس في بكور العشرة الثانية من عمري، حين توقَّفتُ عند مشكلة الإشارة إلى الملاك على أنه الرب، سواء احتمالاً أم بوضوح، ولمّا كان يغيب عنّي عمق العهد الجديد وغربلة النتائج بغرباله الدقيق، او بالأحرى تسليط نوره على نتائج الفحص، فقد انحصر نطري وقتها في الاحتمالات اللغويّة، وكان هناك طريق من اثنين: أن أجد تسويغاً لدعوة الملاك ربّاً، أو دعوة الرب ملاكاً.. وانتصرت لديّ الفكرة الثانية باطّلاعي على معنى كلمة ملاك (مُرسَل – ومنها في النطق العربيّ ملخ يملخ أي ينزع بعيداً عن أصل موضعه)، ثم بمعرفتي ببعض شواهد ومعاني من العهد الجديد تدعو الرب رسولاً للآب من حيث تجسّده وانتقاله من الاحتجاب للظهور..

 

وتوقّفت بعدها عند بحث قضيّة تابعة رئيسة في المسألة: ما هو نوع مادة الظهور؟ إن التجسّد هو حدث فريد بلا شك يختصّ بالعهد الجديد ولا يمكن سبقه، فماذا عن مادة الظهور للرب في العهد القديم؟ وصلت لفكرة مطابقة لفكرة "التجسّم" واستخدمت لها كلمة "قناع"..

 

وهكذا عشت فترة مستريحاً مع براعة "الحبكة" اللغويّة والمنطقيّة في شرح المسألة!

 

كان ينقصني شيئاً واحداً كانت الحاجة إليه: أن أعرف العهد الجديد جيّد المعرفة حتى أُعيد وزن احتمالات التفسير اللغويّ L

ولم أكن أدري أن هناك من سار نفس الطريق من المشاهير المُعتَبَرين أنهم أعمدة، لا فرق عندي.. لم أكن في قارب التيه بمفردي، ولكن عذري أنني كنت بعدُ مبتدئاً حديث العهد بعمل استلهام عناصر الإيمان من اطلاعي على الكتاب المقدس في جو من التعليم الذي لا يخلو من فشل وغربة عن الكتاب فلا يسبق ليقدِّم توجيهاً صحيحاً للمبتدئ..

كان ذلك عذري المقبول فماذا كان عذرهم؟ كنت وقتها في مرحلة التعليم الثانويّ أو قبله، ففي أي مرحلة هم الآن؟

وكنت في طريقي بذات المنهج الامين في النظر إلى الوقوف على دقيق تعليم الإنجيل، وبنعمة وبشكر ربنا وصلتُ، فما بالهم عندما يسمعون ما ينبّههم يعاندون؟

 

بقيت للأسف فترة هكذا، غير دارٍ بأن هناك من وصلوا إلى نفس الفكرة ورسّخوها، وأذكر أن في أحد اجتماعات الشباب، وكان الموضوع مطروحاً أفدتُ بنظريّتي واستخدمت تعبير "قناع" للتعبير عن مادة الظهور للتمييز بينها وبين جسد الرب في العهد الجديد الواحد في شخصه مع لاهوته! كنت متوقِّعاً جدلاً مع قائد الاجتماع لغرابة الكلام على مسامعه (لا زلت بغير تعامل مع الموروث الكنسيّ وافترض أنني وصلتُ لقولي من تعامل مباشر مع الكتاب المقدس لم يصله غيري)، ففوجِئت بقبوله الفوريّ وتكراره للكلام بإعجاب وإسناد من أقول شكلها سابقة الحفظ لديه، فعلمتُ أنني لم آت بجديد.. واسترحت، ففكرتي الأثيرة ليست غريبة إذا ولأطمئن على حال الكنيسة.. هكذا فكّرت حين كنت صبيّاً.. وهكذا بقوا حتى صاروا شيوخاً ومشاهير..

 

ولكنّ اطلاعي على إنجيل العهد الجديد نما، وأعدتُ النظر في احتمالات التفسير اللغويّ ووزنتها بميزان الإنجيل، ووجدت أن الخطأ نتج من ينبوع عدم الوقوف لدى الإنجيل كاملاً وأولاً..

فمتى ينمو "معلِّمو" الكنيسة ويستدركون ما فاتهم من الإنجيل، ويوقفون طوفان الهرف الذي ينجرفون فيه على المنابر ويجرفون معهم السامعين المتعطِّلي النشاط الكتابيّ والذهنيّ؟!

 

يا رب أرى الكنيسة تستوضح إنجيلها وتنفض غبار الغربة عنه.. ولعلّ هذا الموضوع الرئيس يكون بداية طيّبة، فيظهر الرب وحده في أفهامهم،

مثلما ظهر ظهوره الشخصيّ بالجسد في العهد الجديد وحده،،،

 

 



 

 

[i]  رابط لتفسير الشاهد تفسيراً غير مسبوق بغيره يبقى البحث عن أصله في العهد القديم مُلغِزاً

https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10152472882754517

 

[ii] John Romanides, paper titled in uppercase ‘Augustine unknowingly rejects the doctrine of the ecumenical councils concenrning the old testament Lord of glory and Vatican and Protestant followers do the same‘, Introduction.

 

[iv] Louis Jacobs, A Jewish Theology, 1973, p. 111.

 

[v] Justin Martyr, Dialog with Trypho, PNF, Vol. 1, pp.443-447.

 

[vi] وهذا مثال لمقال لي من وأحاديث سابقة عن هذه النقطة

 https://www.facebook.com/christopher.mark.5095/posts/10153308391844517

 

[vii]  مرجع الفقرات المُثبَـتَة بارقامها في هذا الفصل من:

الأسقف آيرينيوس، الكراوة الرسوليّة – الكتاب الأول، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، مُترجَم للعربية عن اليونانية عن الإنجليزيّة عن الأرمينيّة"..

 

[viii] Origen, Commentary on the gospel of John, book 6, 2: ANF, Vol. 10, p. 606: “HOW THE PROPHETS AND HOLY MEN OF THE OLD

TESTAMENT KNEW THE THINGS OF CHRIST.”

 

[ix] Ephraim the Syrian, Hymns on the Nativity: NPNF, Srs. ii, Vol. 13, pp.437-537.

 

[x] Pope Athanasius' final clearcut rejection of that novel was well expressed in his latter major volume, 'Against Arians':
Ibid, Against Arians, Discourse iii, 4, chapter 25, 14, p.401, Christian Literature Company; Sage Digital Library Collection ed., pp.1002-1003),
‘But this is not so with things originate and creatures; for when the Father works, it is not that any Angel works, or any other creature; for none of these is an efficient cause , but they are of things which come to be; and moreover being separate and divided from the only God, and other in nature, and being works, they can neither work what God works, nor, as I said before, when God gives grace, can they give grace with Him. Nor, on seeing an Angel would a man say that he had seen the Father; for Angels, as it is written, are ‘ministering spirits sent forth to minister ,’ and are heralds of gifts given by Him through the Word to those who receive them. And the Angel on his appearance, himself confesses that he has been sent by his Lord; as Gabriel confessed in the case of Zacharias, and also in the case of Mary, bearer of God . And he who beholds a vision of Angels, knows that he has seen the Angel and not God. For Zacharias saw an Angel; and Isaiah saw the Lord. Manoah, the father of Samson, saw an Angel; but Moses beheld God. Gideon saw an Angel, but to Abraham appeared God. And neither he who saw God, beheld an Angel, nor he who saw an Angel, considered that he saw God; for greatly, or rather wholly, do things by nature originate differ from God the Creator. But if at any time, when the Angel was seen, he who saw it heard God’s voice, as took place at the bush; for ‘the Angel of the Lord was seen in a flame of fire out of the bush, and the Lord called Moses out of the bush, saying, I am the God of thy father, the God of Abraham and the God of Isaac and the God of Jacob ,’ yet was not the Angel the God of Abraham, but in the Angel God spoke. And what was seen was an Angel; but God spoke in him . For as He spoke to Moses in the pillar of a cloud in the tabernacle, so also God appears and speaks in Angels. So again to the son of Nun He spake by an Angel. But what God speaks, it is very plain He speaks through the Word, and not through another.' ; for the whole parags see also ibid, 12-14, pp.400-402, Christian Literature Company; Sage Digital Library Collection ed., pp.1000-1003.

Cf. ibid, p.400, last footnote (regrdless f the inaccurate comparison the editor made with Augustine),
'And on the doctrine vid. de Syn. 27 (15, 16) ... he says, 'what was seen was an Angel, but God spoke in bim,'i.e. sometimes the Son is called an Angel, but when an Angel was seen, it was not the Son ; and if he called himself God, it was not he who spoke, but the Son was the unseen speaker ...

 

[xi] Npnf, Srs.II, Vol.4, de Synodis, Pt.iii, paragraph 52. P.478, The Christian Literature Company, New York 1892; (The Sage Digital Library Collection version: p.1147), 'Further, if, in confessing Father and Son, we spoke of two beginnings or two Gods as Marcion and Valentinus, or said that the Son had any other mode of godhead, and was not the Image and Expression of the Father, as being by nature born from Him, then He might be considered unlike; for such essences are altogether unlike each other. But if we acknowledge that the Father’s godhead is one and sole, and that of Him the Son is the Word and Wisdom; and, as thus believing, are far from speaking of two Gods, but understand the oneness of the Son with the Father to be not in likeness of their teaching, but according to essence and in truth, and hence speak not of two Gods but of one God; there being but one Form of Godhead, as the Light is one and the Radiance; (for this was seen by the Patriarch Jacob, as Scripture says,’ The sun rose upon him when the Form of God passed by,’ Genesis 32:31, LXX.); and be holding this, and understanding of whom He was Son and Image, the holy Prophets say, ‘The Word of the Lord came to me;’ and recognizing the Father, who was beheld and revealed in Him, they made bold to say, ‘The God ‘of our fathers hath appeared unto me, the God of Abraham, and Isaac, and Jacob’ (Exodus 3:16); this being so, wherefore scruple we to call Him coessential who is one with the Father, and appears as doth the Father, according to likeness and oneness of godhead? For if, as has been many times said, He has it not to be proper to the Father’s essence, nor to resemble, as a Son, we may well scruple: but if this be the illuminating and creative Power, specially proper to the Father, without Whom He neither frames nor is known (for all things consist through Him and in Him); wherefore, perceiving the fact, do we decline to use the phrase conveying it? For what is it to be thus connatural with the Father, but to be one in essence with Him? for God attached not to Him the Son from without, as needing a servant; nor are the works on a level with the Creator, and honored as He is, or to be thought one with the Father. Or let a man venture to make the distinction, that the sun and the radiance are two lights, or different essences; or to say that the radiance accrued to it over and above, and is not a simple and pure offspring from the sun; such, that sun and radiance are two, but the light one, because the radiance is an offspring from the Sun.'

 

[xii]   بعد السرور الكافي بنقاء الاستدلال الأثناسيّ هنا من ابتلاع تلك البدعة، بل وفوق ذلك نقضه لها في ثلاثة أو أربعة ظهورات كبرى من أعمدتها المظنونة: التي في العليقة لموسىى، وليشوع، ولمنوح، ولجدعون؛ فإن ملاحظات فنيّة في استدلالات وتفاسير البابا أثناسيوس في الفقرات المتصلة تبقى، ومن المستحسن إفراد هامش خارج تدفق الحديث الخاص برصد وتفنيد عناصر تلك البدعة

وأول ملاحظاتي الفنيّة هو أسفي أن البابا أثناسيوس رغم وضوح عدم ابتلاعه لفكرة أن الملاك المتجسِّم هو شخص الابن ظاهراً فإنه لم يستوعب حجم تهديد تلك البدعة والتي جازت على الجميع بعده ولو كان لكان حريّ به ألا يكتفي بتضمين رأيه في فقراته التفسيريّة بل يبرزه في عبارة تحذيرية واضحة من نوع "انتبهوا لهكذا بدعة ولغربتها عن العهد الجديد وغباوتها في اصطدامها بالتجسد كما هو بحق"..

وفوق ذلك فلم يظهر للأسف أن تمييزه بين الظهورات وبعضها قام على قاعدة استقرائيّة شاملة، لأنه ظهر في فقرته الكبرى التي بدأ استشهادي بها أنه يكتفي بتسمية الملاك ملاكاً لتعيين أنه ليس الابن وأما حين يتسمَّى الـله فيكون هو الابن! وظهر من تفسيره اللاحق لذلك أن من يُسمَّى "الـله" او "الرب" لديه هو صاحب الرسالة المسموعة، بينما يُحيل "التجسّم الحسيّ" للـ"ملاك".. صحيح هذا ولكنه ليس التفسير الأمثل للنصوص، فإن تسمية الملاك باسم "الـله" وارد من حيث هو رسوله، وليس دليل أنه ملاك أنه تسمَّى باسم ملاك فإن الابن تسمَّى ملاكاً أيضاً، فأحسب أنه قدَّم تفسيراً صحيحاً بغير اعتبار مدقق لما يوجبه ويثبته قطعاً..

ولعله يلزم الآن، قبل التقدم في عرض مزيد من الملاحظات الفنيّة التفسيريّة، شرح رأس المقاربة الأثناسية واختلافها مع مقاربة هذا الموضوع فأما هذا الموضوع فمناسبة اتصاله بالموضوع واضحة وهي ترصّد تلك البدعة وتفنيد أن الملاك الظاهر للحواس هو شخص الرب، وإنما هو مجرد رسول يحمل رسالة الرب الذي بداهةً الكلام هو رسالته ولكنها عبر الملاك أو "الإنسان" الظاهر صورةً وصوتاً.. يوافق البابا أثناسيوس هذا الكلام كما سبق وثبت بما لا يدع مجالاً للتفسير المخالف، على ان قصده هو إثبات لاهوت الابن لا عدم لاهوت "الملاك المتجسم" لذلك فهو يبدأ من حيث اعتبر الهراطقة أن الظهورات هي للابن وينبِّر على نسبة الكلام للرب وبالتالي بما أن الكلام المسموع هو كلام "الكلمة"، وقد نُسِب للرب، فإذاً هو دليله على لاهوت الكلمة.. هذا بديهيّ وصحيح كتفسير، ولكن هل يصلح كدليل مفحم للهراطقة؟ ليس هكذا لأنه تفسير مع كونه صحيح ببداهة الإيمان المسيحيّ فإنه فنيّاً يحتاج هو ذاته لدليل لأن تسمية الرسول باسم مرسله وارد كما سبق الإيضاح..

وتفسير لطيف يُظهِر منهج البابا أثناسيوس أو بالأحرى المنهج السكندريّ الأصيل في الشرح بالأمثلة، حين لم يترك شاهد شروق الشمس فوق يعقوب يمرّ دون إبراز واستعانة به في التفسير:
لأنه وجد في (تك32: 31): "وَاشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ اذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ" شاهداً دالّاً على وحدة الابن مع الآب على مثال وحدة شعاع الشمس في عدم إمكانية الانفصال وفي الجوهر مع الشمس، واعتبر إشراقها علامة على نفس الاتصال بين صاحب الرسالة التي تسلمها يعقوب (تلك التي صاحبت ظهور الإنسان الذي صارعه) وبين الرب الإله بحسبما سمّاه يعقوب، وذهب لأبعد من ذلك قاضياً بأنه هكذا فهم الآباء وحدة كلمة الرب مع الرب..
Ibid, de Synodis, pt.III, parsgraph 52, p.478 (Sage electronic version: p.1147) وفي هذا رغم لطفه ملاحظة فنية.. أبدأ أولاً بالتنبيه إلى أن الشمس لم ولا يقول واحد أنها تجسم للابن، ومن ثمَّ فهذا دليل مزيد أن البابا أثناسيوس لم يقصد بالابن الإنسان المتجسِّم الذي صارع يعقوب، وإنما كان يشير لحضور الابن في رسالته المنسوبة للرب (يهوه أي الآب لدى أثناسيوس) بحسب النصّ، فمثلما المعنى هكذا حاضر عبر ظهور الملاك حاملاً هذه الرسالة يكون حاضراً متصوراً في علاقة الشمس بأشعتها.. المشهد كله تمثيل للمعنى المحتجب، لأنه لو قصد البابا أثناسيوس أن الإنسان الذي صارع يعقوب هو ذاته الكلمة لما كان قد احتاج لمثال الشمس فالأصل حين يحضر لا يحتاج لأمثلة تصويريّة هكذا.. ولكن ومع الاتفاق المريح مع كلام البابا أثناسيوس على استبعاد فجاجة تلك البدعة فإن منطقه هنا تأمليّ بديع ولكنه لا يقوم كبرهان ولا حتى كدليل تفسيريّ ناقض لبدعة هراطقة زمانه التي قامت ضد لاهوت الابن.. لقد بالغ البابا أثناسيوس هنا في تصوّر أن يعقوب والآباء أدركوا دلالة ظهور الشمس وفهموا منها أن كلمة الرب واحد مع الرب مثلما الشعاع واحد مع الشمس، وبالأكثر بالغ في تقديره أن هذه الفقرة مفحمة للمبتدعين في زمانه.. صحيح ويقيناً ان مفهوم وحدة كلمة الرب وروح الرب مع الرب كان صميماً بديهاً بلا إشكال أصلاً لدى الآباء من آدم إلى المعمدان، ولعلهم لم يحتاجوا لمثال الشمس أصلاً لدعم فهمهم أو حتى إن فكّروا فيه، فلا أظن أنه قد قام فهمهم هذا على ملاحظتهم لشروق الشمس بعد وصول رسالة الرب ليعقوب مدعوة باسم الرب.. إنها مبالغة دفاعيّة مغفورة لحامي الإيمان ولم يخسر من الإيمان السليم شيئاً بها..

وبالمرّة رصد لقطة استدلالية تحتاج لمراجعة منطقية من وجهة نظري، ذلك أن تفسير البابا أثناسيوس لمباركة يعقوب يعقوب لمنسى وأفرايم استدل منه أن يعقوب يقصد بالملاك الذي خلصه أنه هو الرب من حيث أنه طلب بركته للغلامين مع طلبه لبركة الـله: "وَبَارَكَ يُوسُفَ وَقَالَ اللـهُ الَّذِي سَارَ أمَامَهُ ابَوَايَ ابْرَاهِيمُ وَاسْحَاقُ - اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي الَى هَذَا الْيَوْمِ -الْمَلاكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُبَارِكُ الْغُلامَيْنِ" (تك48: 15- 16)، ويتقدم للاستدلال بأنه من "عدم الاستقامة" أن تُطلَب البركة من الملائكة المخلوقين مع طلبها من الرب الإله، فإن لم يكن الملاك هو الابن المساوي للآب فلا تستقيم البركة..
Ibid, paragraph12, Christian Literaure, p.401 (Sage electronic version: pp. 1001-1003)
ورغم أنه سبق وفسّر أن الملاك المعنيّ ليس ظهوراً متجسماً ولكن يقصد الرسالة المسموعة التي من الكلمة، ورغم أن لا إشكال من حيث مظنّة أي دعم لتلك البدعة هنا، ولكن الاستدلال نفسه غير ملزم، لأن استدعاء الملاك للبركة هنا له معنى بسيط أنه يستدعي بركة الـله بذات الأمانة والملازمة التي ظهرت من بركة الـله له عبر الملاك.. فلا يلزم أن يكون "الملاك" المعنيّ من يعقوب هو الرب، وهناك أمثلة لظهور الملائكة مع شخص الرب لمعانٍ متسعة لا تضيق لحدود ضرورة أن يكون الملائكة هم شخص الرب ومثال لذلك سبعة الأرواح التي أمام العرش في سفر الرؤيا..

وأخيراً لا تفوتني الملاحظة المبدئيّة الخاصة بالنسخة السبعينيّة التي قامت كل استشهادات البابا أثناسيوس بها، والتي لم تخلُ من خطأ طفيف، هو ترجمة تسمية الابن المولود "مشيراً" بـ "ملاك المشورة" وامر سبب هذه الترجمة يعود لقصة الترجوم وما إليه، وإنما هي إشكالية فنية عمّت كل آباء ذلك الزمان الذين لم تكن أمامهم من العهد القديم نسخة محل ثقة لديهم إلا السبعينيّة..
Ibid, paragraph12, Christian Literaure, p.400 (Sage electronic version: pp. 1000-1001)

 

 

[xiv] Refutation Of Eunomius Apology II, 18; cf. Romanides, Ibid, Pt. ii : ‘It is clear to all, that wherever the same person is called both angel and God, it is the Only-Begotten who is declared, who manifests Himself to human beings from generation to generation and announces the will of the Father to His saints. Thus He who to Moses gave Himself the name 'He Who Is,' is to be thought of as none other than God the Logos, who in the beginning is with God’; cf. Basilios, Against Eunomius, book ii, 18, NPNF, Srs. ii, Vol. 8, pp.40-48.

 

[xv] Gregory of Nyssa, Against Eunomius, book 11, 3: NPNF, Srs. ii, Vol. 5, pp. 461: ‘view. For we too say plainly, that the prophet, wishing to make manifest to men the mystery concerning Christ, called the Self-Existent “Angel,” that the meaning of the words might not be referred to the Father, as it would have been if the title of “Existent” alone had been found throughout the discourse. But just as our word is the revealer and messenger (or “angel”) of the movements of the mind, even so we affirm that the true Word that was in the beginning, when He announces the will of His own Father, is styled “Angel” (or “Messenger”), a title given to Him on account of the operation of conveying the message’ .

 

[xvi] Ibid, pp.458: ‘things. For He Who is the God of all things that were made by Him, is the Angel of the God over all’.

 

[xvii] Augustine, De Cura Pro Mortius (On Care to be Had for the Dead), 21, Translated by Rev. H. Browne, NPNF Srs. 1, Vol. 3, pp.1004-1005.

 

[xviii] Augustine, De Trinitate, books ii-iii: NPNF, Srs. i, Vol. 3, pp.28-96; cf. John S. Romanides, Ibid, Introduction: ‘In other words according to Augustine the prophets of the Old Testament and the prophets and the apostles of the New Testament did not see anything uncreated except by means of creatures which God brings into existence to be seen and heard and which He then passes back out of existence once their mission is accomplished’.

 

[xix]  أنبا ساويرس أسقف الأشمونين في المئة العاشرة، الدرّ الثمين في إيضاح الدين، المقال الحادي عشر، تفسير الرؤيا الرابعة لدانيال، وتسبحة الثلاثة فتية، إصدار أبناء البابا كيرلس السادس، ص159.

 

[xx] John S. Romanides, ibid, Introduction: ‘ In other words according to Augustine the prophets of the Old Testament and the prophets and the apostles of the New Testament did not see anything uncreated except by means of creatures which God brings into existence to be seen and heard and which He then passes back out of existence once their mission is accomplished. Within this category Augustine even includes such revelations as the Angel of the Lord Who appeared to Moses in the burning bush and Who is considered uncreated by both the Jews and the Fathers of the Ecumenical Councils’.

 

[xxi] Romanides, Ibid, Pt. ii: 'St. Basil gives expression to the same interpretative principle as we saw in the bishop of Alexandria. It is clear to all, that wherever the same person is called both angel and God, it is the Only-Begotten who is declared, who manifests Himself to human beings from generation to generation and announces the will of the Father to His saints. Thus He who to Moses gave Himself the name 'He Who Is,' is to be thought of as none other than God the Logos, who in the beginning is with God'.

 

[xxii] Athanasius, ibid; NPNF, ibid, p> 1002: ‘but in the Angel God spoke’.

 

[xxiii] Romanides, ibid, Pt. ii; cf. Athanasius, ibid, 13; cf. NPNF, ibid, p. 1002: ‘Against the Arians St. Athanasius argues that the name 'angel' is sometimes applied to the uncreated Logos and sometimes to a created angel. He insists that there can be no confusion on whether one sees a created angel or the uncreated Son of God sometimes called 'angel' in the Old Testament. He insists that "when the Son is seen, so is the Father, for He is the Father's radiance; and thus the Father and the Son are one... What God speaks, it is very plain He speaks through the Logos and not through another... And he who hath seen the Son, knows that, in seeing Him, he has seen, not an angel, nor one merely greater than angels, nor in short any creature, but the Father Himself. And he who hears the Logos, knows that he hears the Father; as he who is irradiated by the radiance, knows that he is enlightened by the sun (Against Arians III, 12-14). As a key to the Old and New Testaments, St. Athanasius states that "there is nothing that the Father operates except through the Son...’

 

[xxiv] Romanides, ibid, introduction: ‘In contrast to the Augustinian assertions of Part I, which are too silly to be called heresies, both the Arians and the Eunomians condemned by the First and Second Ecumenical Councils accepted that the Logos and the Holy Spirit were the first creations of God by which He creates and sanctifies created beings, but nevertheless remain in existence permanently. In contrast Augustine's Logos and Holy Spirit are simple manners of existence of the divine essence as related to itself, somewhat like the uncreated energies of God in the teaching of our Orthodox Fathers’.

 رومانيدس هنا يهاجم سوء شرح أغسطينوس للأقانيم على أنها طاقات، كمثل "الطاقات غير المخلوقة" لدى تعبير بالاماس، ويستغل سوء شرح أغسطينوس للثالوث بسوء تعبيره عن الظهورات بفكرة "التجسّم"، مفترضاً ان الخطأ ليس في قبول أن الذي ظهر هو الرب لا ملك، ولكنه يرى الخطأ فحَسَب في كيفيّة تصوير أغسطينوس لظهور شخص الرب في مادة "تجسّم" مخلوق وسيطاً لظهور طبع لاهوته غير المخلوق!

إنها أخطاء فوق أخطاء، واستدلال على أخطاء المخالفين بمنطق خاطئ.. خطا يُشرَح بخطأ وخطأ يُسعَى لتفنيده بأخطاء، وهكذا للأسف، لحين يصلح الرب الحال!

 

 

[xxv] John S. Romanides, THE SICKNESS OF RELIGION AND ITS CURE. A Medical Key To Church Reunion, ntroduction, 2, The Angel Yahweh of Glory, "The First and Second Ecumenical Councils condemned the Arian and Eunomean position that the Angel Yahweh of Glory and His Spirit are the first creation of God before the ages. These Councils supported instead the position that the Angel of Great Council and the Holy Spirit are consubstantial with the Father. The Ninth Ecumenical Council of 1341, according to Roman Law, condemned the Augustinian teaching of Barlaam the Calabrian, without realizing its source, that God reveals Himself by means of creatures which He brings into existence to be seen and heard and which He passes back into non-existence when their missions are accomplished. What these council Fathers did not know in 1341 was that these teachings were those of Augustine himself clearly stated over and over again in his books II and III of his De Trinitate, as we saw. This means that the Vatican has for centuries been accepting the Roman Ecumenical Councils of New Rome within Augustinian categories."

 





Site Gate   Reopening Front Page   Main Table of Contents   Criticism   Technical Exegeses   Biblical Tours   Sign Guest Book