قطرات.. دمّ[i]

 

جريدة الأخبار

20 نوفمبر 1997

صورة ضوئية للمقال

صورة ضوئية للتنويه عن المقال فى الصفحة الأولى فى لفتة غير مسبوقة لمقالات الرأي

المقال نسخة آر تى إف

 

بقلم:

مهندس باسل لمعى

 

هذه الكلمات ليست مقالا ، وإنما قطرات دم تنزف.. لذا كتبتها كما هى لم أراجعها.

كنت أجهز لاستكمال مقالى السابق "أحزاب ما قبل التاريخ" عندما بلغ سمعى نبأ المذبحة الفظيعة فسقط القلم من يدي

أمسكت الأوراق التى كنت أخط عليها مقالى فوجدت فيها كلاما فارغا.. هل أنا الذى كتبت هذا الكلام الفارغ؟.. نعم للأسف.

كنت فى المقال الماضى أنتقد بعض أهل السياسة فى بلدنا لأنهم يغرقون فى مناقشة أحداث التاريخ وينصرفون عن أحداث الواقع، ودعوت القارئ للتفكير فى الموضوع. والآن أسحب دعوتي. نظرت للورق الذى بين يدى والذى استكمل فيه مقالى السابق المأسوف عليه فوقعت على تلك العبارة: "فى خطابنا السياسى المعاصر تتردد أسماء الأموات أكثر من أسماء الأحياء، وهو ما ننتظره من كتب التاريخ وليس من الكتابات السياسية".

العبارة لم يعد لها معنى فأسماء الأموات التى تملأ الجرائد الآن ليست أسماء أناس فى ذمة التاريخ وإنما أسماء سائحين تركوا بلادهم وأهلهم للاستجمام طمعا فى سحر مصر ولكنهم لن يعودوا.. وأهلهم يبكون عليهم ويلعنون اليوم الذى فكر فيه هؤلاء فى الذهاب لمصر .. وكلما سمعوا اسم مصر سيتذكرون ذبح أحبائهم.. وسيرتبط اسم مصر لديهم بالنهاية الدموية اللا إنسانية لأعزائهم.

***

ترى هل يستطيع أحد أن يقنع هؤلاء بالتفرقة بين مصر التى نتغنى بها وبين مصر التى يرش هؤلاء المجرمون الدم على معابدها؟

آه.. أه.. ألتمس العفو من القارئ فأنا لا أقصد تلخيص الكارثة واختزالها فى عبارات أدبية مموجة وإنما أنا أصرخ متوجعا معه.. لا سيما وأنا أرى بوضوح أن الجريمة مجرد حلقة فى دائرة رهيبة: اذبح السياح.. شوه سمعة البلد.. أغلق بابا يرتزق منه ألوف الغلابة.. ترتفع تلقائيا نسبة الجرائم.. تتشتت جهود أجهزة الأمن.. تلجأ أجهزة الأمن مضطرة للإجراءات الاستثنائية.. يقل تعاطف الشعب معها تلقائيا.. ثم نفاجأ بمذبحة داخل كنيسة حتى تزداد العداوات الثنائية فى مصر: شعبا وشرطة.. أقباطا ومسلمين.[ii]

و هو المطلوب.. تصير مصر بلدا يهجره الأجانب ويتصارع بداخله أبناؤه حتى يعتلى العرش سادة هؤلاء الغلمان المجرمين.. وإن لم يصلوا لعرضهم – ولن يصلوا – فعلى الأقل يشبعون شهوات نفوسهم الضئيلة من الحقد والتشفي.. وهم بما يأثمون يقرون ويعترفون بأن استقرار مصر يفضح ضآلتهم وصغرهم.

***

ألتمس العفو من القارئ مرة أخرى إن وجدت ارتباكا فى هذه الكلمات فما قصدت بها مقالا وإنما هى زفرات ألم وجدتنى أكتبها تلقائيا لأفضح بها عجزى أمام القارئ علنى أجد فى قراءته لها عزاء.. وأجد فى نفسى الثقة أن أتكلم باسم كل قارئ فأوجه لأهالى الضحايا أجانب ومصريين دماء قلوبنا التى تنزف معهم علهم يجدون فى هذا عزاء.

و رسالة هامة أخرى لرجال الأمن: كونوا أقوياء وحكماء.. قوة فى المواجهة.. وحكمة فى انتقاء وتحديد من تواجهون.. أعانكم الـله.

و بعد فلم يبق لى أنا والقارئ سوى أن نقول: يا رب.[iii]

 

 

 



[i]  كان المقال الذى أعد لتجهيزه قبل اندلاع أخبار الجريمة الفظيعة بعنوان أحزاب.. الحزب الوطنى                 تكملة لسابقه أحزاب ما قبل التاربخ، ولكن خبر هذه الجريمة استولى تلقاءً على الدور، وهو ما صورته فى برأس هذا المقال: "قطرات دم"!!

ورغم أن الدمّ كان شلالاً فى حادثة غير مسبوقة التوحشّ كما ظهر (وما أُخفى كان بشعاً غطّت عليه الدولة بكل وسائلها حتى ظهرت فيما بعد بترجمة الجرائد الألمانية وعرض صور الجثث فيها) رغم ذلك فإننى آثرت تسمية المقال: "قطرات دم" للإيحاء أن هذا الشلال معدود قطرة قطرة، وأن الدم لا يُحسَب لدينا بكميته بل بمبدئه الذى تحمله كاملاً كل قطرة طالما سالت بقصد إعلاء صوت الإرهاب..

 

[ii]  كان ذلك قبل أن تحتلّ أجهزة "أمن الدولة" بوضوح مفضوح موقع الإرهابيين فى ضرب الكنائس وإثارة الفتن بل تحريك الإرهابيين تحت إمرتها، بقيادة "حبيب العادلي" الذى أتى إثر هذه المذبحة وزيراً..

 

[iii]  فى سابقة، بلا لاحقة، ظهر تنويه لمقال من مقالات صفحة الرأى فى إعلانات الصفحة الأولى، والأخطر دلالة أنه ظهر تالياً للتنويه عن "كلمة اليوم" المقال الرسمى الرئيس للجريدة!!

وأتى المقال التالى ليختم على هذا المقال بدرجة حفاوة كبيرة فى الجريدة كما ظهر من طريقة تثيدره فى الصفحة بعنوان لأول.. وآخر مرة !!